← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقال أبو القاسم بن عساكر: وزر للقائم أمير المؤمنين (١)، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد، وهو الحسين بن علي. قال: وولد في شعبان سنة إحدى وعشرين (٢). وقال الحميدي (٣): ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظا كأنه يقرأ من كتاب. وقال السمعاني (٤): كان ابن ماكولا لبيبا عالما عارفا حافظا، ترشّح للحفظ حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويا مجودا، وشاعرا مبرزا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، طاف الدنيا، وأقام ببغداد. وقال ابن النجار (٥): أحب العلم من الصبى، وطلب الحديث، وكان

стр. 1927

يحضر المشايخ إلى منزلهم، ويسمع منهم، ورحل، وبرع في الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم، والنثر، والمصنفات، ونفذه المقتدي بالله (١) رسولا إلى سمرقند، وبخارى لأخذ البيعة (ص ٢٠٨) له على ملكها طمغان الخان. وقال هبة الله بن المبارك (٢): اجتمعت بالأمير ابن ماكولا، فقال لي: خذ جزأين من الحديث، فاجعل متون هذا الجزء لأسانيد هذا الجزء، ومتونه لأسانيد الأول حتى أرده إلى حالته الأولى. وقال مؤتمن الساجي (٣): لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم، فلم ينتفع بنفسه. وقال ابن عساكر: سمعت إسماعيل ابن السمرقندي - يذكر أنّ ابن ماكولا كان له غلمان ترك أحداث، فقتلوه بجرجان سنة نيّف وسبعين، وأربعمائة. ونقل ابن النجار أنه كان قد سافر نحو كرمان، ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه، وأخذوا ماله سنة خمس وسبعين، وأربعمائة. وفي تاريخ قتله خلاف كثير.

стр. 1928

ومن شعره: [البسيط] قوض خيامك عن دار أهنت بها … وجانب الذلّ إن الذلّ يجتنب وارحل إذا كانت الأوطان مضيعة … فالمندل الرطب في أوطانه حطب ومنه: [الطويل] ولما تواقفنا تباكت قلوبنا … فممسك دمع العين يوم ذاك كساكبه فيا كبدي الحرّى البسي ثوب حسرة … فراق الذي تهوينه قد كساك به ومنهم: ١٠٥ - أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي (١) الحافظ المكثر الجوال، - ويعرف بابن القيسراني - الشيباني، وليس هو من أولاد القيسراني الكذاب. سرى (٢) للطلب سري الخيال، وركب شهب الأيام، ودهم (٣) الليال، وقطع قفر البيد يلمع آله، (٤) ويجمع الشتات ضلاله، وسلك منه مسالك تجار الرياح في أفواجها، ويغرق الصباح في أمواجها، ويصدى صديع

стр. 1929

النهار (١) بظلمها (٢) (ص ٢٠٩) وتخفق أحشاء النجوم في عتمها، إلى أن آب مملكا، وآل أمره إلى أن أصبح كما أمسى الليل مدركا. سمع ببلده، وبمكة، ومصر، والثغر، ودمشق، وحلب، وبغداد، والجزيرة، وأصبهان، ونيسابور، وهراة، وجرجان، وآمد، واسترآباذ، وبوشنج، والبصرة، والدينور، والري، وسرخس، وشيراز، وقزوين، والكوفة، والموصل، ومرو الروز، وتوقان، ونهاوند، وهمذان، وواسط، وساوة، واسترآباذ (٣)، والأنبار، وأسفرايين، وآمل، والأهواز، وبسطام، وخسرو جرد، وغير ذلك. قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ (٤) يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر. وقال أبو زكريا ابن منده (٥): كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقا، عالما بالصحيح، والسقيم، وكثير التصانيف، لازما للأثر. قال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت الصحيحين، وسنن أبي داود سبع مرات بالأجرة، وسنن ابن ماجه عشر مرات بالري.

стр. 1930

وقال ابن طاهر: بلت الدم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، ومرة بمكة، كنت أمشي حافيا في الحر، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة في طلب الحديث قط، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحدا، كنت أعيش على ما يأتي. وقيل: كان يمشي دائما في اليوم والليلة عشرين فرسخا، وكان قادرا على ذلك. ومصنفاته كثيرة لكنه كثير الوهم، وكان لحنة، (١) ويصحّف، ويرى إباحة السماع (٢)، ومولده سنة ثمان وأربعين، وأربعمائة. قال ابن شيرويه - في تاريخ همذان -: ابن طاهر سكن همذان، وبنى بها دارا، وكان ثقة حافظا، عالما بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال، والمتون، كثير التصانيف، جيد الخط، لازما للأثر، بعيدا عن الفضول والتعصب، خفيف الروح (ص ٢١٠) قوي السير في السفر. قال شجاع الذهلي (٣): مات عند قدومه بغداد من الحج يوم الجمعة في ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة.

стр. 1931

من شعره: [البسيط] ساروا بها كالبدر في هودج … يميس محفوفا بأترابه فاستعبرت تبكي فعاتبتها … خوفا من الواشي وأصحابه وقلت: لا تبك على هالك … بعدك ما يبقى على ما به وأحسن الموت بأهل الهوى … من مات من فرقة أحبابه ومنهم: ١٠٦ - إسماعيل بن محمد بن فضل بن علي القرشي التيمي الطلحي (١) الأصبهاني، شيخ الإسلام، أبو بكر، الملقب "بقوام السنة"، صاحب الترغيب والترهيب من قريش في شذر (٢) ذؤاباتها (٣)، وزأر (٤) غاباتها، وزهر سماواتها، الممرعة (٥) الحدائق، المرتفعة الطرائق، المسرعة الأنواء، وسهيل عائم، وصاحب السفينة غارق، رغب في الخير، وعمله، ورهب من الشر، وسوء عاقبة دوله، ودعا به إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والموقظة التي لم تدع على

стр. 1932

جفن وسنه (١)، ووسع صدره الإخوان على ضيق ما في يده، وقلته، وتقاعد الزمان عن سد خلته، وتقاعس عنان الحظ في يده إذ جمح، وسن مداه (٢) لخلده (٣) إذ جرح. ولد سنة سبع وخمسين، وأربعمائة، ورحل، وسمع بعدة مدائن، وأملى، وصنف، وتكلم في الرجال، وأحوالهم، وحدث عنه خلق. وقال أبو موسى المديني (٤): إسماعيل الحافظ إمام وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، لا أعلم أحدا غاب عليه قولا، ولا فعلا، ولا عانده أحد إلا ونصره الله عليه، وكان نزه النفس عن المطامع لا يدخل على السلاطين، ولا على من اتصل بهم، قد أخلى دارا من ملكه لأهل العلم مع خفة ذات يده، ولو أعطاه الرجل الدنيا بأسرها لم يرتفع عنده، أملى ثلاثة آلاف، وخمس مائة مجلس، وكان يملي على البديه، وأصمت في صفر سنة أربع وثلاثين، ثم فلج بعد مدة. وقال يحيى بن منده: كان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، قليل الكلام، ليس في وقته مثله. وقال عبد الجليل بن محمد: سمعت أئمة بغداد يقولون: ما دخل بغداد بعد الإمام أحمد أفضل، وأحفظ من الإمام إسماعيل. قال أبو موسى المديني - في ذكر من هو على رأس المائة الخامسة -: لا أعلم

стр. 1933

أحدا في ديار الإسلام يصلح لتأويل الحديث (١) إلا إسماعيل الحافظ. قال أبو موسى: صنف التفسير في ثلاثين مجلدا سماه "الجامع"، وله تفسير آخر في أربع مجلدات، والموضح في التفسير في ثلاث مجلدات، وكتاب "المعتمد" في التفسير عشر مجلدات، وله مصنفات كثيرة مفيدة، وكان عالما باللغة، والأدب، عارفا بالأسانيد، والمتون، ووهب أكثر أصوله في آخر عمره. قال: وكانت وفاته يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين، وخمس مائة، واجتمع في جنازته خلق كثير لم أر مثلهم كثرة - رحمه الله تعالى -.

стр. 1934

ومنهم: ١٠٧ - أبو سعد عبد الكريم بن تاج الإسلام (١) أبي بكر بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (٢) المروزي، صاحب التصانيف. قسما لقد أسمع بها السمعاني آذانا، ولقد طرق بها القلوب لا يطلب استئذانا، ولقد رحل، فلم يدع موضعا يسمع به أذانا، ولقي الرجال فما خلى جماعات، ولا شذانا (٣)، طلبا اتسع به ذيل ارتحاله، واندفع سيل جداله،

стр. 1935

وضخم به قدر معجمه، وفخم (ص ٢١٢) طرر (١) معلمه (٢)، وفخر لظهور تقدمه، وأدّبه طول التغرب، فصفا زلالا (٣)، وأدّى به إلى أن شف (٤) ذبالا (٥)، حتى قيل: السمعاني، فسكت من أراد أن يتكلم، وطارت سمعته، فوقع دونه كل من حوّم، وخاض تيار الكفار لزيارة شدّ إليها رحله، ولم يهب موجهم المتلاطم، وشق شقاشق (٦) رعودهم، ولم يخف نوأهم المتراكم. ولد في شعبان سنة ست وخمس مائة، وحمله والده إلى نيسابور في آخر سنة تسع، فلحق بحضوره عدة شيوخ، ومات أبوه سنة عشر، فتربى مع أعمامه، وأهله، وحفظ القرآن والفقه، ثم حبب إليه شأن الحديث، فاعتنى به، ورحل إلى

стр. 1936

الأقاليم النائية، وعمل المعجم (١) في عدة مجلدات، وكان ذكيا فهما، سريع الكتابة، مليحها، درّس، وأفتى، ووعظ، وأملى، وكتب عمن دب، ودرج، وكان ثقة، حافظا حجة، واسع الرحلة، عدلا، دينا، جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ. قال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف، كثير النشوار (٢)، والأناشيد، لطيف المزاج، ظريفا، سمع منه مشايخه، وأقرانه، ثم سرد ابن النجار تصانيفه، ونقل أسماءها من خطه في نيف وعشرين سطرا (٣). وقد ذهب أبو سعد إلى بيت المقدس، وزاره، والنصارى يومئذ ولاته، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمس مائة (٤).

стр. 1937

ومنهم: ١٠٨ - أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر (١) الإمام الحافظ، فخر الأئمة، محدث الشام، ثقة الدين، صاحب التصانيف، والتاريخ الكبير، ممن ولدتهم دمشق، وولته ما يستحق، وشرّفته على أبنائها، وصرّفته في أنبائها (ص ٢١٣)، وعرفته أسرار بنائها، وأخبار أنبيائها، وأوقفته على أندية (٢) سكانها، ووافقته على تطهير أوطانها، وخاطبته شفاها لو أنها

стр. 1938

تتكلم، ولاعبته أعطاف (١) صباها، فإما عرف حقائق أخبارها، وإما تنسم (٢)، فاستطالت به، وطال لسانها، وشكر إحسانها، وعاد بها عصر آل جفنة وحسانها (٣)، ومثلت خلفاؤها من بني مروان، ومن خلفهم إلى من آواهم ذلك الأوان، ومن وفد عليها، وورد إليها، وبحث عما بين العريش (٤) إلى الفرات حتى حسرت عن كنوزها، وسحرت برموزها، وشنأت (٥) العراق، وعيرتها بغدر ابن جرموزها (٦)، وعابتها إذ ذكرت أيام صفين (٧) بنشوزها، وأصغرت قدر تاريخها،

стр. 1939

وقد جهد فيه الخطيب، وحمد عليه، وما اهتز غصنه الرطيب، حمية توقدت بين جانبيه لبلدته التي أخرجته من أقدم بيوتها، وجاءت به مفاخرها لثبوتها من بقية كان زمان يزيد بن معاوية أولهم، ثم انتهى إليه موئلهم، ثم ما ارتفع بعده لبيته المنيف جدار، ولا ألمّ الفضل له بدار. ولد سنة تسع وتسعين، وأربع مائة في أولها، وسمع سنة خمس، وخمس مائة باعتناء أبيه، وأخيه الإمام صائن الدين هبة الله (١)، وعدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ونيّف، وثمانون امرأة، وصنف التاريخ في ثمانين مجلدا (٢)، وله مصنفات أخر تقارب ثلاثين مجلدا، وأما الأجزاء فشيء كثير، وأملى في أبواب العلم أربع مائة مجلس، وثمانية مجالس (٣)، وخرج لجماعة. قال السمعاني (٤): أبو القاسم حافظ، ثقة، ديّن، خيّر، حسن السمت، جمع بين معرفة المتن، والإسناد، وكان كثير العلم، غزير الفضل، صحيح القراءة، متثبتا، رحل، وتعب، وبالغ في الطلب، وجمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على الأقران (ص ٢١٤).

стр. 1940

وحكي عن الفراوي (١) قال: قدم ابن عساكر، فقرأ ثلاثة أيام، فأكثر، وأضجرني، وآليت على نفسي أن أغلق بابي، فلما أصبحنا قدم علي شخص، وقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، قلت: مرحبا بك فقال: قال لي في النوم: امض إلى الفراوي، وقل له: قدم بلدكم رجل شامي، أسمر اللون، يطلب حديثي، فلا تمل منه. قال الراوي: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم ابن عساكر. وقال المحدث بهاء الدين القاسم (٢): كان أبي ﵀ مواظبا على الجماعة، والتلاوة، ويختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحيي ليلة النصف، والعيدين بالصلاة، والذكر، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب، قال لي: لما حملت أمي، قيل لها في منامها: تلدين غلاما يكون له شأن.

стр. 1941

وحدثني أن أباه رأى رؤيا معناها: يولد لك ابن، يحيي الله به السنة. وقال أبو المواهب بن صصرى (١): كنت أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد فأبو عامر العبدري (٢)، وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي (٣)، لكن إسماعيل بن محمد (٤) الحافظ كان أشهر، فقلت: فعلى هذا، ما رأى سيدنا مثل نفسه! قال: لا تقل هذا، قال الله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) قلت:: فقد قال ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٦) فقال: لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق. قال أبو المواهب: وأنا لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في رمضان، وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل

стр. 1942

الأملاك، وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب (ص ٢١٥) من الإمامة، والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال لي: لما عزمت على التحديث - والله المطلع أنه ما حملني على ذلك حب الرئاسة، والتقدم بل قلت: متى أروي كل ما سمعت؟ وأي فائدة في كوني أخلفه صحائف - فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي، ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلهم قال: من أحق بهذا منك؟! فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين، وخمس مائة، وكان حافظ العصر أبو الحجاج المزي (١) يميل إلى أن ابن عساكر لم ير مثل نفسه. وقال الحافظ عبد القادر (٢): ما رأيت أحفظ من ابن عساكر. وقال ابن النجار (٣): أبو القاسم إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ، والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن، وكان فقيها أديبا سنيا.

стр. 1943

[كان قد توجه لزيارة القدس، ثم أتى مصر، فأكرم الملك العزيز (١) مقدمه، وسرّ به كافة أهل مصر، كتب الفاضل (٢) إلى الملك الناصر (٣) في أمره كتابا منه: "المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر لا زالت عواطفه مرجوة، ومحاسنه متلوة، وعوارفه برة بالحظوظ المحفوة، ومكارمه تأخذ كتاب السؤال بقوة، وينهي - إن كان وصل الخبر - بأن الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبا القاسم بن عساكر قد زار بيت المقدس، قدّس الله فاتحه، ومنح النصر مانحه، فاستشرف أهل مصر شرف منادمته لقربه، واستشفعوا بالإمام (٤) أولادهم للقراءة، والإجازة، فلما توجه منصب إمامته (٥) ولا خفاء عن مولانا أنه أقرب رسل

стр. 1944

رسول الله ﷺ إلى هذه الأمة عهدا، إسنادا عاليا، وفهما واعيا، وأدبا، ولسانا راويا، ولما لقيه المملوك عرفه أنه جمع بين الغرضين، وهو الزيارة الشافعية، والإسماع لأهل الديار المصرية، ومن الوفادة على مولانا عز جنابه، وسعد بالوافدين بابه، ذكر منه ما استأذن عليه أن يحيى به.] (١) توفي في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، وخمس مائة، ورئي له منامات حسنة، ورثي بقصائد، وقبره يزار بباب الصغير (٢).

стр. 1945

ومنهم: ١٠٩ - أبو موسى (١) المديني (٢) واسمه محمد بن أبي بكر عمر بن عيسى الأصبهاني (٣) الحافظ المشهور فما به حاجة إلى التعريف، والمشهود فضله نورا يشف في زجاج التصنيف، الأصبهاني الذي ما تنور البصائر إلا بكحل مداده، ولا يجلو بياض العين أنفع من كحل سواده، وزنت به الجبال فرجح على سؤددها (٤)، وازّينت به أصفهان،

стр. 1946

وليس سوى سيادته صيت (١) إثمدها (٢)، رحل عن بلده أصفهان، ثم عاد إليها مشرفا مدينيّه (٣) لمدينتها، مشرفا أسوارها لحمايتها به ولزينتها، فحل بها حيث يأوي الأسد من الغيل (٤)، وأقام يدوس لممها، وغيره يتمنى أن يكتحل من ترابها بميل (٥). (ص ٢١٦) ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمس مائة بأصبهان، وكان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث تواليف مفيدة، وصنف كتاب " المقيت "كمل به كتاب" الغريبين " (٦) للهروي (٧)، واستدرك عليه، وله مصنفات أخر، ورحل من أصبهان في طلب الحديث، ثم رجع إليها، وأقام بها، وانتهى إليه التقدم في هذا الشأن مع علو الإسناد، والمعرفة التامة، والرواية الواسعة. قال الدبيثي (٨): عاش أبو موسى حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه

стр. 1947

إسنادا، وحفظا. وقال عبد القادر (١): حصل من المسموعات بأصبهان ما لم يتحصل لأحد في زمانه، وانضم إلى ذلك الحفظ، والاتقان، وله شيء يسير يتريح به، وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئا قط، أوصى إليه غير واحد بمال فردّه، فيقال: فرقه على من ترى. فيمتنع، وكان من التواضع بحيث إنه يقرئ الصغير والكبير، ويرشد المبتدئ، رأيته يحفظ الصبيان القرآن في الألواح، ويمنع من يمشي معه (٢)، فعلت ذلك مرة، فزجرني، وترددت إليه نحوا من سنة، ونصف، فما رأيت منه، ولا سمعت عنه سقطة تعاب عليه. وكان أبو مسعود كوتاه (٣) يقول: أبو موسى كنز مخفي. وقال الحسين بن يوحن الباورني (٤): كنت في مدينة الخان (٥)، فسألني سائل عن رؤيا قال: رأيت رسول الله ﷺ قد توفي، فقلت: إن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه، فإن مثل هذا المنام رؤي حال وفاة الشافعي،

стр. 1948

والثوري، وأحمد، فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى، وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمس مائة بأصبهان (ص ٢١٧). قال عبد الله بن محمد الخجندي: لما مات أبو موسى لم يكادوا أن يفرغوا حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد، وكان الماء قليلا بأصبهان.

стр. 1949

ومنهم: ١١٠ - عبد الغني بن عبد الواحد (١) بن علي بن سرور المقدسي (٢)، ثم الصالحي (٣) الحنبلي الحافظ، تقي الدين، أبو محمد. صاحب التصانيف، والجبل الذي لا تنسفه الزعانيف (٤)، والقائم في ذات

стр. 1950

الله لا تأخذه لومة لائم، تمضّه (١) تعنيفه، ويمضي فيه تصريفه، ويقضي عليه سيفه الماضي إما يقتله، وإما يخيفه، ما لان لمن قصد به غضاضة (٢) ولا هان، وقد قذف نجمه يريد انقضاضه، بل رفعه الله من حيث أراد العدو أن يضعه، وقربه من حيث أبعد موضعه، ما ضره وهو الغمام أن أنأى محله، ولا نقصه - وهو الذهب - حيث أحله، وعاش لا يبالي بالخمول، وقد أنامه في مرقده وأسكنه في قرارة ملحده (٣)، وألقاه في جانب بيته لا يستطيع حراك لسانه ولا يده، وبقي لا يشكو قترا ولا قتارا (٤)، ودام على هذه الحال حتى مات فتعوض خيرا من الأهل أهلا، ومن الدار دارا. ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، هو وابن خالته موفق الدين (٥)

стр. 1951

بجماعيل (١)، واصطحبا مدة في أول اشتغالهما ورحلتهما، وحدث أبو محمد بالكثير وصنف في الحديث التصانيف الحسنة، وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث، تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره أهل التأويل، فعقد له مجلس بدار السلطان بدمشق، فأصر وأباحوا قتله، فشفع فيه أمراء الأكراد على أن ينزح من دمشق فذهب إلى مصر، وأقام به خاملا إلى أن مات (ص ٢١٨) قال أبو موسى المديني: قل من وفد علينا من الأصحاب من يفهم هذا الشأن كفهم الإمام عبد الغني زاده الله توفيقا، وقد وفق لتبيين هذه الغلطات - يعني التي في كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢) -، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهمه. وقال الحافظ ضياء الدين (٣): خرج عبد الغني إلى أصبهان، وليس معه كيس فلوس، فسهل الله من حمله، وأنفق عليه، فأقام بأصبهان مدة، وحصل بها الكتب الجيدة، قال: وسمعت إسماعيل بن ظفر (٤) يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني، فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصدق.

стр. 1952

قال: وشاهدت عبد الغني - غير مرة - بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين، وهو على المنبر: اقرأ لنا من غير الجزء. فيقرأ علينا بأسانيدها عن ظهر قلبه، فقيل له: لم لا تقرأ دائما من غير الجزء؟ فقال: أخاف العجب. وقال تاج الدين الكندي (١): لم يكن بعد الدارقطني مثل عبد الغني المقدسي، قال: ولم ير مثل نفسه. وقال الشيخ موفق الدين: كان عبد الغني رفيقي، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بما أوذي به، وصبر عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها، ونشرها. وقال الضياء: كان عبد الغني لا يرى منكرا إلا غيره بيده، أو بلسانه، وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، رأيته مرتين يريق خمرا، فسل صاحبه السيف، فلم يخف، وكان قويا، فأخذ السيف من الرجل، وكان يكسر الشبابات (٢)،

стр. 1953

والطنابير (١) (ص ٢١٩). قال: وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان يقول: جعلوا الملاهي عند باب جيرون (٢)، فجاء الحافظ عبد الغني، فكسر كثيرا، وصعد المنبر، فجاء رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف (٣)، والشبابة، فقال: ذاك حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة يجيء هو. قال: فعاد الرسول يقول: لا بد من مجيئك، قد أبطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال: ضرب الله رقبته، ورقبة السلطان، فمضى الرسول، وخفنا من فتنة، فما أتى من جديد. قال أبو موسى عبد الله بن عبد الغني: مرض والدي أياما ووضأته وقت الصبح، فقال: يا عبد الله صلّ بنا، وخفف فصليت بالجماعة وصلى معنا جالسا ثم قال: اقرأ عند رأسي (يس) فقرأتها، وقلت: هنا دواء تشربه، فقال، ما بقي إلا الموت. فقلت ما تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى. وجاءوا يعودونه، ففتح عينيه، وقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا "لا إله إلا الله" ثم دخل درع النابلسي فقمت لأناوله كتابا من جانب

стр. 1954

المسجد، ورجعت، وقد توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة بمصر. قال الضياء: وسمعت يقول لي: رأيت أخاك عبد الرحيم في المنام، فقلت: أين أنت؟ قال: في جنة عدن فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني، أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: لا أدري، وأما عبد الغني فينصب له كرسي تحت العرش، وينثر عليه الدر، وهذا نصيبي منه، وأشار إلى كمه. وكان عبد الغني ليس بالأبيض الأمهق (١)، يميل إلى سمرة، حسن الثغر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة النسخ، والمطالعة، والبكاء وكان جوادا كريما لا يدخر درهما، وقيل: كان يخرج ليلا بالقفاف فيها الدقيق (ص ٢٢٠) فإذا فتحوا له ترك ما معه، ومضى لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع (١٣).

стр. 1955

١١١ - ومنهم محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي (١٣) المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (١) الحنبلي ضياء الدين أبو عبد الله الحافظ، الحجة محدّث الشام شيخ السنة. طلب (٢) وما نهنه (٣)، ولغب (٤) وما أغبّ (٥) المهمه (٦)، ولم يلق حبل قلمه عن غاربه (٧)، ولم يلق مداد دواته إلا بعرق متاعبه (٨)، أخذ لرحلته أهبتها، وعاجل الأيام ووثبتها، وشدّ نسوع نجائبه (٩)، وأجدّ شسوع مذاهبه (١٠)، وتعب حتى استراح، وتمنّى حتى فرّغ الامتراح (١١)، ولم يدع واديا

стр. 1956

تفد (١)، أفواج ريحه، ولا جبلا تسرّج لمم شيحه (٢)، حتى جال بين جنبيه، أو داس مفرقه وصعد عليه، إلى أن ضبط عن كل امرئ ما هو به لافظ، وهبط عن مطامطيّه (٣) وهو يدعى للإمام الحافظ. ولد سنة تسع وستين وخمس مائة، ورحل مرتين إلى إصبهان وسمع بها مالا يوصف كثرة، وحصّل أصولا كثيرة، ونسخ وصنّف وصحح وليّن، وجرح وعدّل، وكان مرجوعا إليه في هذا الشأن، قال تلميذه عمر بن الحاجب (٤): شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته، ونسيج وحده علما وحفظا وثقة ودينا، من العلماء الربانيين، وهو أكبر من أن يدلّ عليه مثلي، وكان شديد التحرّي في الرواية، مجتهدا في العبادة. ذكروه فأطنبوا في حقه، ومدحوه بالحفظ والزهد. وقال ابن النجار (٥): حافظ، متقن، حجة، عالم بالرجال، ورع تقي، ما رأيت مثله، توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

стр. 1957

ومنهم ١١٢ - محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي، المعروف بابن النجار (١) صاحب التصانيف، بحر فسيح الجوانب، طليح المقانب (٢)،/ (ص ٢٢١) متسع المدى، لا تحصى لديه ذنوب المذانب (٣)، ورث من جده محاسن، وأرّث بجهده الأحاسن، ورحل رحلة أمضت أكثر العمر، وأفنت الليالي العتم والقمر، ولقي جما غفيرا، وسمع خلقا كثيرا، كأنما ضرب لهم نفيرا، وأعار التاريخ طرفه فما فاته منه طرفة عين، ولا طرفه عين (٤)، ولا بقي في بغداد من لا ضبط قلمه، وضمّه لقمه (٥)، وحواه تأليفه، وآواه تصنيفه، واراه أو وازاه تصريفه. ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع وله عشر سنين، واعتنى بالطلب وهو ابن خمس عشرة سنة، وتلا بالروايات الكثيرة، وسمع بأصبهان ونيسابور (٦)

стр. 1958

وهراة ودمشق ومصر وغير ذلك، وكتب العالي والنازل، وجمع فأوعى، وخرّج لغير واحد، وجمع تاريخ مدينة السلام، ذيّل (١) به واستدرك فيه على الحافظ أبي بكر الخطيب (٢)، ومقداره ثلاثمائة جزء، وكان من أعيان الحفاظ الثقات، مع الدين والصيانة والنسك والفهم وسعة الرواية، وكانت رحلته سبعا وعشرين سنة، واشتملت مشيخته (٣) على ثلاثة آلاف شيخ، ووقف كتبه ومصنفاتة وهي تزيد على خمسة عشر مصنفا (٤) بالمدرسة النظاميّة وكان من محاسن الدنيا ﵀، توفي في خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

стр. 1959

ومنهم ١١٣ - القاسم محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يدّاش البرزاليّ (١) الإشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي أبو محمد الحافظ، عمدة الحفاظ مؤرخ الشام، ممن ولدته دمشق والفحل فحل معرق (٢)، وأوجدته الأيام فسطع ضوؤها المشرق، وتمخضت منه الليالي عن واحدها وأحد أهل/ (ص ٢٢٢) المشرق، ومشى فيها على طريق واحد ما تغيّر عن سلوكها، ولا تقهقر في سلوكها، يصحب الخصمين وهما من هما (٣)، والنظيرين والضرغامة الأسد منهما، وكل منهما راض بصحبته واثق به لا يعدّه إلا من أحبته. كان عند شيخي الإسلام آخر المجتهدين ابن تيمية (٤) وابن الزملكاني (٥).

стр. 1960

وما منهما إلا من هو عليه مرتبط، وبه مغتبط، يذيع إليه سرّه في صاحبه، ويتبسّط لديه في معاتبه. وهو ساكت لا ينطق بحرف، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف، وعرف بهذا واشتهر حتى صار عندهما موضع الثقة، ومكان المقة (١). ومحل الصداقة المحققة، ثم كان يسعى في صلاح ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به ولا ينجز، فأغمد لسانه، وترك كلّ امرئ منهما وشأنه، وكان ممن ينفع الطلبة، ويستلذ في راحتهم تعبه، ويحرص على إسماعهم، ويقيّد مجالس سماعهم، لا يشغله عنهم ما كان معدّا له من حضور مجالس الحكام، والتسجيل عنهم بالأحكام، وحضور الوظائف، ومجالسة أكثر الطوايف، ثم بلغني أنه توجه إلى الحج فمات بخليص (٢) وقد استقبل مكة ميمما، وكفّن في ثياب إحرامه ليبعث يوم القيامة ملبيا محرما (٣). ولد في عاشر جمادى الأولى سنة خمس وستين وستمائة، واعتنى بالرواية من صغره، فقرأ بنفسه الكتب الكبار، ورحل إلى الديار المصرية، والثغر (٤) والبلاد الشمالية، وسمع مما ينيف على ألفي شيخ، وأجاز له ألف آخر، فاشتمل معجمه على نيف وثلاثة آلاف شيخ، وكتب من الأثبات (٥)

стр. 1961

والتعاليق (١) والأجزاء والتاريخ (٢) والتخاريج (٣) ما لا يحصى كثرة، وحرّر مسموعاته، وصار مقتدى به مرجوعا إليه في هذا الشأن مع الحفظ والإتقان والصدق والتحري، وكتب الشروط (٤) / (ص ٢٢٣) فأحكمها، والسجلات (٥) فأتقنها، وله فيهما مصنفات وكان محسنا إلى الطلبة متلطفا بهم، صبورا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه، يقضّي أوقاته في السماع والتسميع، وكتابة الطباق (٦)، وقضاء حوائج الناس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلا لعذر مانع شرعا. وولي المشيخات (٧)، وصحب الأكابر من أهل العلم، وولد له عدة أولاد توفوا كلهم في حياته، فصبر واحتسب، منهم المحصّل بهاء الدين أبو الفضل محمد اعتنى به واجتهد إلى أن حفظ المحافيظ، وقرأ القرآن للسبع، وشهد على الحكّام ولم ينبت، وحج به، وتوفي وهو شاب (٨)، ومنهم فاطمة، اجتهد عليها وعلمها الخط، وكتبت ربعة (٩) شريفة، وشرعت في صحيح البخاري، فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس، وأعقبها مرضا، أشرفت فيه على الموت مرات، حتى إن كثيرا من الأعيان كانوا يبطلون مهماتهم ويتهيؤون لتشييع

стр. 1962

جنازتها، ثم نقهت من ذلك، فأكملت الصحيح كتابة في ثلاثة عشر مجلدا بخط واضح، فلما فرغت، شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة صحيح مسلم، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من صحيح البخاري بنحو شهر. وحكى والدها: أنها كانت في أثناء مرضها المذكور، كانت تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتودّ لو عاشت إلى أن تكمله ثم تموت، فكان كذلك، وصبر والدها واحتسبها عند الله، وقابل النسخة المذكورة مرتين، واعتنى بها، وصارت عمدة في الصحة، وحج أبو محمد البرزالي خمس حجج سمع وأسمع فيها بدرب الحجاز والحرمين والأماكن المعظمة ثم قصد الحج مرة سادسة عقب مرض فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولا لمرضه، ثم أحرم فتوفى بخليص بكرة الأحد رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مائة، فعزم على نقله ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء الحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب في جواز النقل (١)، وخيف عليه من الحر، فصلّي عليه بمخيم الحاج ودفن إلى جانب البرج بخليص، ووصل خبره إلى الديار المصرية ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصلّي عليه صلاة الغائب بالبلاد، ووقف كتبه وأجزاءه، وتصدق بثلث ماله، (ص ٢٢٤) وقلت أرثيه لما بلغني وفاته، وكنت إذ ذاك بالقاهرة المعزّية: [البسيط]

стр. 1963

تراهم بالذي ألقاه قد علموا … شطّ (١) المزار وبان البان (٢) والعلم لهفي عليهم وقد شدّوا ركائبهم … عن الديار ولا يثني بهم ندم قد كان يدنيهم طيف يلمّ بنا … فالآن لا الطيف يدنيهم ولا الحلم الله أكبر كم أجرى فراقهم … دمعا وعاد بمن لا عاد وهو دم أمّوا الحجاز فما سارت مطيّهم … حتى استقلت نعوشا قدّمت لهم وأحرموا لطواف البيت لا حرموا … من لذة العيش طول الدهر ما حزموا زاروا النبيّ وساروا نحو موقفهم … حتى إذا قاربوا مطلوبهم جثموا يا سائرين إلى أرض الحجاز لقد … خلّفتم في حشاي النار تضطرم هل منشد فيكم أو ناشد طلبا … أضللته وادلهمّت بعده الظلم قد كان في قاسم من غيره عوض … فاليوم لا قاسم فينا ولا قسم (٣) من لو أتى مكة مالت أباطحها … به سرورا وجادت أفقها الديم (٤) أقسمت منذ زمان ما رأى أحد … لقاسم شبها في الأرض لو قسموا هذا الذي يشكر المختار هجرته … والبيت يعرفه والحل والحرم ما كان ينكره ركن الحطيم به … لو أخّر العمر حتى جاء يستلم له إليه وفادات تقرّ بها … جبال مكة والبطحاء والأكم محدّث الشام صدقا بل مؤرخه … جرى بهذا وذا فيما مضى القلم يا طالب العلم في الفنّين مجتهدا … في ذا وهذا (٥) ينادى المفرد العلم

стр. 1964

تروى حديث العوالي عن يراعته … وماله طاعن فيها ومتّهم (ص ٢٢٥) قد كان يدأب في نفع الأنام ولا … يزلّه ضجر منه ولا سأم وحقّق النقد حتى بان بهرجه (١) … وصحّح النقل حتى ما به سقم وعرّف الناس كيف الطرق أجمعها … إلى النبي فما جاروا (٢) ولا وهموا وبعض ما جهلوا أضعاف ما علموا … وعلّم الخلق في التاريخ ما جهلوا يريك تاريخه مهما أردت به … كأنّ تاريخه الآفاق والأمم ما فاته فيه ذو ذكر أخلّ به … ولو يروم لعادت عاد (٣) أو إرم إذا نشرت له جزأ لتقرأه … تظل تنشر أقواما وهم رمم يا أيها الموت مهلا في تفرّقنا … شتّت شمل المعالي وهو منتظم تجدّ فينا وتسعى في تطلّبنا … اصبر سنأتيك لا تسعى بنا قدم ها قد ظفرت بفرد لا مثيل له … وإن أردت له مثلا فأين هم يا ذاهبا مالنا ألاّ تذكّره … آها عليك وآه كلها ألم جادت عليك من الغفران بارقة … غراء يضحك فيها البارد الشّبم (٤) تروي ثراك وتسقى من جوانبه … إلى جوانب حزوى (٥) البان والسّلم (٦) وحل أرض خليص كلّ ريح صبا … بنشرها تبعث الأرداف (٧) واللمم

стр. 1965

وختّمت دون عسفان (١) لها سحب … تسقى بأنوائها السكان والخيم لهفي عليك لتحرير بلغت به … ما ليس تبلغه أو بعضه الهمم ما الحافظ السلفي الطّهر إن ذكرت (٢) … أسلافك الغرّ والآثار والكرم قطعت عمرك في فرض وفي سنن … هذي الغنيمة والأعمار تغتنم/ (ص ٢٢٦) ومنهم ١١٤ - يوسف بن الزّكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك القضاعي الكلبي المزّي الدمشقي أبو الحجاج جمال الدين (٣) الحافظ الجهبذ (٤) حجة الحفاظ، انتهت إليه معرفة الرجال، ومدد الآجال، وزمر البطايا (٥) منهم
следующие страницы →