← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

والتعاليق (١) والأجزاء والتاريخ (٢) والتخاريج (٣) ما لا يحصى كثرة، وحرّر مسموعاته، وصار مقتدى به مرجوعا إليه في هذا الشأن مع الحفظ والإتقان والصدق والتحري، وكتب الشروط (٤) / (ص ٢٢٣) فأحكمها، والسجلات (٥) فأتقنها، وله فيهما مصنفات وكان محسنا إلى الطلبة متلطفا بهم، صبورا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه، يقضّي أوقاته في السماع والتسميع، وكتابة الطباق (٦)، وقضاء حوائج الناس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلا لعذر مانع شرعا. وولي المشيخات (٧)، وصحب الأكابر من أهل العلم، وولد له عدة أولاد توفوا كلهم في حياته، فصبر واحتسب، منهم المحصّل بهاء الدين أبو الفضل محمد اعتنى به واجتهد إلى أن حفظ المحافيظ، وقرأ القرآن للسبع، وشهد على الحكّام ولم ينبت، وحج به، وتوفي وهو شاب (٨)، ومنهم فاطمة، اجتهد عليها وعلمها الخط، وكتبت ربعة (٩) شريفة، وشرعت في صحيح البخاري، فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس، وأعقبها مرضا، أشرفت فيه على الموت مرات، حتى إن كثيرا من الأعيان كانوا يبطلون مهماتهم ويتهيؤون لتشييع

стр. 1962

جنازتها، ثم نقهت من ذلك، فأكملت الصحيح كتابة في ثلاثة عشر مجلدا بخط واضح، فلما فرغت، شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة صحيح مسلم، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من صحيح البخاري بنحو شهر. وحكى والدها: أنها كانت في أثناء مرضها المذكور، كانت تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتودّ لو عاشت إلى أن تكمله ثم تموت، فكان كذلك، وصبر والدها واحتسبها عند الله، وقابل النسخة المذكورة مرتين، واعتنى بها، وصارت عمدة في الصحة، وحج أبو محمد البرزالي خمس حجج سمع وأسمع فيها بدرب الحجاز والحرمين والأماكن المعظمة ثم قصد الحج مرة سادسة عقب مرض فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولا لمرضه، ثم أحرم فتوفى بخليص بكرة الأحد رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مائة، فعزم على نقله ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء الحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب في جواز النقل (١)، وخيف عليه من الحر، فصلّي عليه بمخيم الحاج ودفن إلى جانب البرج بخليص، ووصل خبره إلى الديار المصرية ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصلّي عليه صلاة الغائب بالبلاد، ووقف كتبه وأجزاءه، وتصدق بثلث ماله، (ص ٢٢٤) وقلت أرثيه لما بلغني وفاته، وكنت إذ ذاك بالقاهرة المعزّية: [البسيط]

стр. 1963

تراهم بالذي ألقاه قد علموا … شطّ (١) المزار وبان البان (٢) والعلم لهفي عليهم وقد شدّوا ركائبهم … عن الديار ولا يثني بهم ندم قد كان يدنيهم طيف يلمّ بنا … فالآن لا الطيف يدنيهم ولا الحلم الله أكبر كم أجرى فراقهم … دمعا وعاد بمن لا عاد وهو دم أمّوا الحجاز فما سارت مطيّهم … حتى استقلت نعوشا قدّمت لهم وأحرموا لطواف البيت لا حرموا … من لذة العيش طول الدهر ما حزموا زاروا النبيّ وساروا نحو موقفهم … حتى إذا قاربوا مطلوبهم جثموا يا سائرين إلى أرض الحجاز لقد … خلّفتم في حشاي النار تضطرم هل منشد فيكم أو ناشد طلبا … أضللته وادلهمّت بعده الظلم قد كان في قاسم من غيره عوض … فاليوم لا قاسم فينا ولا قسم (٣) من لو أتى مكة مالت أباطحها … به سرورا وجادت أفقها الديم (٤) أقسمت منذ زمان ما رأى أحد … لقاسم شبها في الأرض لو قسموا هذا الذي يشكر المختار هجرته … والبيت يعرفه والحل والحرم ما كان ينكره ركن الحطيم به … لو أخّر العمر حتى جاء يستلم له إليه وفادات تقرّ بها … جبال مكة والبطحاء والأكم محدّث الشام صدقا بل مؤرخه … جرى بهذا وذا فيما مضى القلم يا طالب العلم في الفنّين مجتهدا … في ذا وهذا (٥) ينادى المفرد العلم

стр. 1964

تروى حديث العوالي عن يراعته … وماله طاعن فيها ومتّهم (ص ٢٢٥) قد كان يدأب في نفع الأنام ولا … يزلّه ضجر منه ولا سأم وحقّق النقد حتى بان بهرجه (١) … وصحّح النقل حتى ما به سقم وعرّف الناس كيف الطرق أجمعها … إلى النبي فما جاروا (٢) ولا وهموا وبعض ما جهلوا أضعاف ما علموا … وعلّم الخلق في التاريخ ما جهلوا يريك تاريخه مهما أردت به … كأنّ تاريخه الآفاق والأمم ما فاته فيه ذو ذكر أخلّ به … ولو يروم لعادت عاد (٣) أو إرم إذا نشرت له جزأ لتقرأه … تظل تنشر أقواما وهم رمم يا أيها الموت مهلا في تفرّقنا … شتّت شمل المعالي وهو منتظم تجدّ فينا وتسعى في تطلّبنا … اصبر سنأتيك لا تسعى بنا قدم ها قد ظفرت بفرد لا مثيل له … وإن أردت له مثلا فأين هم يا ذاهبا مالنا ألاّ تذكّره … آها عليك وآه كلها ألم جادت عليك من الغفران بارقة … غراء يضحك فيها البارد الشّبم (٤) تروي ثراك وتسقى من جوانبه … إلى جوانب حزوى (٥) البان والسّلم (٦) وحل أرض خليص كلّ ريح صبا … بنشرها تبعث الأرداف (٧) واللمم

стр. 1965

وختّمت دون عسفان (١) لها سحب … تسقى بأنوائها السكان والخيم لهفي عليك لتحرير بلغت به … ما ليس تبلغه أو بعضه الهمم ما الحافظ السلفي الطّهر إن ذكرت (٢) … أسلافك الغرّ والآثار والكرم قطعت عمرك في فرض وفي سنن … هذي الغنيمة والأعمار تغتنم/ (ص ٢٢٦) ومنهم ١١٤ - يوسف بن الزّكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك القضاعي الكلبي المزّي الدمشقي أبو الحجاج جمال الدين (٣) الحافظ الجهبذ (٤) حجة الحفاظ، انتهت إليه معرفة الرجال، ومدد الآجال، وزمر البطايا (٥) منهم

стр. 1966

والعجال، إتقانا للمواليد والوفيات، والتكميل والفوات، والجرح والتعديل بالأمور الظواهر والخفيّات، وصنّف الكتب التي ما شنّف بمثلها قبله أذن الدنيا مشنّف، ولا صنف مثله قبلها مصنّف، سعة معرفة لا يضيق بها حصر، ولا يضيع في جانبها أهل عصر، مع اطلاع على اللغة آنس به غريبها، وحبس عليه عريبها (١)، بمعارف قصرت مدته عن تحصيلها، وجملته عن تفصيلها، إلا أن الله سهّل له صعابها، وهوّن عليه أتعابها، فبلغ منها ما لم يصل إليه أمل آمل، ونبغ فيها وأنبه أهل زمانه معه خامل، إلا أنه كان ظاهر الجمود، لا يتكلم كأنه جلمود (٢)، ولم يكن فيه وحاشاه ما يعاب، ولا ما يدنّسه من قبح العاب (٣)، إلا أنه كان يتهوّس بالمطالب والكنوز، ويتفّرس أنه لها بمساعيه يحوز، وكان يتبذّل لأجلها مع العوام، ويقتحم بسببها الموت الزؤام (٤)، ولا يدع نفسه النفيسة، ويدعّ عنها أطماع هذه الخسيسة، وهيهات لقد ظفر من حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بمطلب لا يفنى، وذهب خلاص لابل أين الذهب من ذلك الجوهر الأسنى، فوا أسفا لرتبته العليا، ووالهفا كيف ضيّع وقتا من أوقاته بطلب سحت (٥) الدنيا .. (٦)

стр. 1967

مولده بظاهر حلب سنة أربع وخمسين وستمائة، ونشأ بالمزّة (١) وحفظ القرآن، وتفقّه قليلا ثم أقبل على هذا الشأن، ورحل سنة ثلاث وثمانين (٢) ونسخ بخطه المليح المتقن كثيرا لنفسه ولغيره، ونظر في اللغة ومهر/ (ص ٢٢٧) فيها وفي التصريف، وقرأ العربية، وأما معرفة الرجال فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله، وخرّج لغير واحد، وأملى مجالس وأوضح مشكلات ومعضلات، ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله، وكان ثقة كثير العلم، غزير الفضل، حسن الاخلاق، كثير السكون، قليل الكلام جدا، صادق اللهجة، لم تعرف له صبوة، وكان يطالع وينقل الطباق (٣) إذا حدّث، وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شئ مما يقرأ، بل يرّد في المتن والإسناد ردا مفيدا (٤)، بحيث يتعجب منه فضلاء الجماعة وكان متواضعا حليما صبورا مقتصدا في ملبسه ومأكله، كثير المشي في مصالحه.

стр. 1968

ترافق هو وشيخ الإسلام ابن تيمية في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرّر طريقة السلف في السنّة، ويعضد ذلك بمباحث نظريّة وقواعد كلامية، وكان له عمل كثير في المعقول (١)، وما وراء ذلك بحمد الله إلا حسن إسلام وخشية لله، وصحب في وقت العفيف التلمساني (٢)، فلما تبيّن له انحلاله واتحاده تبرأ منه وحطّ، وكان ذا مروءة وسماحة، وتقنع باليسير، باذلا لكتبه وفوائده ونفسه، كثير المحاسن، ولقد آذاه أبو الحسن ابن العطار (٣) وسبّه فما تكلم فيه ولا فيمن آذاه، وقرأ بدمشق مرة تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب (٤)، فوثب عليه جماعة من الروم الحنفية، ورفعوه إلى قاضي القضاة، حسام الدين الرازي (٥)، وهو إذ ذاك حاكم بدمشق فتلطف الحاكم المذكور مع الفقهاء الحنفية المذكورين، ووعدهم ومنّاهم وعفا عنه، ومنعه بالحسنى منهم

стр. 1969

وأخرجه ليلا فغيّب مدة حتى سكنت الثائرة، وخمدت الفتنة وعصمه الله منهم، وكانوا قد عزموا على قتله بأيديهم (١)، وكانت وفاته في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وصليّ عليه الغد بجامع دمشق ودفن بمقبرة الصوفية. ومنهم (ص ٢٢٨) / ١١٥ - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز ابن الذهبي أبو عبد الله شمس الدين (٢) بقية الحفاظ. هو شمس العصر لا غابت، ولا اعتلت أصلها ولا خابت، بقي في هذا الزمن الأخير بقاء الشمس في العصر، وتفرّدها بالمحاسن التي تجل عن الحصر، فضائل لا يستطيعها أهل التحصيل، وفواضل تحلي ذهبيّ العصر بمثل ذهبيّة العصر من الأصيل (٣)، معدن لا غرو أن نسب إلى ذهبيّة الذهب أو حسب للهبيّة (٤) ما لا ينكر لقريحته من اللهب، ما المزّيّ عنده إلا ممّن تمزّز وما شرب حتى اضطلع (٥)، ووقف دون العقبة الكؤود وما طلع، فاقه بل ساوى كل سابق

стр. 1970

متقدم إن لم يكن فاقه، وضبطه فيما قيّده ثم ما حلّ وثاقه، علم حديث وتاريخ أصبح فيهما فردا لا يخلف، وسابقا ونحن نسأل الله أن يتخلّف (١)، وإماما بقي في أثناء الدهر حتى صلوا خلفه وسلّموا، وعرفوا حقه فودّوا أن يتأخر ويقدّموا، وواحدا لو أن لأهل هذا الزمان همّة من كان قبلهم لشدوا إليه المطي تلطم وجوه السباسب (٢)، وتشق جلباب الضحى والغياهب (٣)، ولا تزال تحط لديه رجال وتشدّ رحال، وتعدّ سويّ لقيّه محالا كل حال (٤). مولده في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة (٥)، وعمل مع والده صناعة الذهب، ثم في سنة تسعين أحب القراءات، فقرأ التجويد وقرأ للسوسي بالإدغام (٦) في سنة إحدى وتسعين، وقرأ لنافع (٧) بكماله على الشيخ محمد

стр. 1971

المزراب (١) ولازمه وحصّل شرح الشاطبي (٢)، وفي أيام العريق (٣) منها شرع في القراءات السبعة جمعا على الشيخ جمال الدين الفاضلي (٤)، وذهب إلى الجمال البدوي (٥) فوشمه (٦) في كيفية الجمع، ومات الفاضلي وقد جمع عليه إلى أواخر القصص سنة اثنتين وتسعين، في ربيع الآخر. قال الذهبي: فتألمت لكوني لم أكمّل، ففتح الله علينا/ (ص ٢٢٩) بشمس الدين الدمياطي (٧)، فذهبنا إليه وكلمناه، فوجدناه ذاكرا للقراءات ذكرا جيدا، أجود من الفاضلي، فإن الفاضلي كان قد استولى عليه الفالج، وتغيّر حفظه،

стр. 1972

فقعد لنا الدمياطي في الكلاسة (١) طرفي النهار، وكان مستحضرا للشاطبية، فكمّلت عليه القراءات في مدة يسيرة، وكذا ابن بضحان (٢) وابن غدير (٣)، وقرأت عليه ختمة واحدة لابن عامر (٤)، وكملت القراءات على الإسكندري (٥) في تلك المدة، وقرأت في تلك المدة على الشمس

стр. 1973

الحياضري (١)، وكملت عليه في أول سنة ثلاث وتسعين، ثم لازمت الشيخ مجد الدين التونسي (٢) في أثناء سنة اثنتين وتسعين، وشرعت عليه في ختمه للسبعة، وبرّحنا (٣) عليه في القصيد أنا وابن غدير والعلم الحلبي (٤) وابن بضحان، وتفقهنا في بحوث القراءات به، وقرأت النحو على ابن أبي الفتح (٥)، وحضرت دروس النحو في العادلية (٦) عند الشيخ شرف الدين

стр. 1974

الفزاري (١)، وقرأت النحو أيضا على الشهاب (٢) الشاغوري. وفي رجب سنة اثنتين وتسعين سمعت الحديث أول ما سمعت فيها على ابن عساكر (٣)، وابن البزوري (٤)، وعائشة بنت المجد (٥) وجماعة، ثم دللت على

стр. 1975

ابن القواس (١) بعربيل (٢) فأخذت المبهج (٣) في القراءات، وطلعت إليه، فقرأت عليه يومئذ منه نحو عشرة كراريس، وذلك أول يوم من سنة ثلاث، ثم دخل المدينة (٤)، وسمعت عليه الحديث، وغويت بالحديث (٥)، وقرأت على النظام التبريزي (٦) ختمة لأبي عمرو (٧) ثم استأذنت والدي في الرحلة إلى بعلبك (٨) فأذن لي بعد تكرر سؤالي له فلازمت التاج عبد الخالق (٩) والموفق بن قدامة (١٠) والشيوخ نسمع، وقرأت على الشيخ موفق الدين بن قدامة ختمة للسبعة في نحو

стр. 1976

خمسين يوما، وكملتها في سلخ سنة ثلاث وتسعين، وقرأت في تلك المدة عدة كتب من المسندات، ثم عزمت على الرحلة إلى الديار المصرية فاستأذنت والدي فغضب/ (ص ٢٣٠) وضج وحلف بالطلاق أنه ما يعطيني فلسا إن رحت، فحزنت وقعدت أنسخ بالأجرة، حتى كنت أحس ظهري ينقطع وأنا أتجلد وأكابد، حتى إني كنت يوم سبت في بستان ضمنّاه، وهم فيما هم، وأنا قد شددت خلف ظهري دفّة خشب من الوجع، وأنا لا أستريح، وصمّدت مائة وثمانين درهما ثم مرضت وبرد عزمي، وأيست من السفر، ثم هيّجني السفر قليلا، فألقيت في ذهن أمي السفر، فقالت لوالدي، وقلت: معي هذه الدراهم أتوصل بها، فقال والدي: إن الغريب الطويل الذيل ممتهن، فكيف حال غريب ماله قوت وضرب لي الأمثال، ثم قال: قد بلشت باليمين (١)، فأعطتني أختي خواتيم ذهب وغير ذلك، فسافرت في رجب سنة خمس وتسعين، ومعي ما قيمتة ثمانمائة درهم، فسمعت بالبلاد التي بالطريق، ونزلت بزاوية ابن الظاهري (٢)، وقرأت السيرة

стр. 1977

لابن هشام (١) على الأبرقوهي (٢) في ستة أيام فكنت أقرأ من بكرة النهار إلى المغيب، في النهار نستريح ساعة في وسط النهار، ثم سافرت في أوائل رمضان إلى الإسكندرية في النيل، فلقيت بها يحيى بن الصواف (٣)، فرغت عليه في ختمة جمعا فأقرأني آيات، وقال: قف وكان قد أصمّ وعمي، وهو عسر الأخذ، وانقطع صوتي مما أرفعه ليسمع، فسلوته وسمعت عليه ثلاثة أجزاء من الخلعيات، ثم مضيت إلى سحنون (٤)، فكنت أقرأ عليه من القرآن كل يوم جزئين وأكثر لنافع (٥)

стр. 1978

وعاصم (١)، فأكملت عليه الختمة في أحد عشر يوما، ومات ثاني يوم ختمت، وذلك في رابع شوال، ثم رجعت في خليج الإسكندرية إلى القاهرة، وشرعت في تتمة ما قدّر لي أن أسمعه، وعدت إلى دمشق، وزرت الخليل ﵊ (٢) والقدس. وقرأت على الجعبري (٣) كتابه في القراءات العشر الذي نظمه مرموزا كالشاطبية وسمعت بنابلس من العماد بن بدران (٤) / (ص ٢٣١) هذا ملخص ما ذكره في ابتداء طلبه، ثم إنه ولي خطابة قرية كفر بطنا من قرى غوطة دمشق، فسكنها مدة ولازم الاشتغال والتخريج والاختصار والتصنيف، ولم يكن له هم غير ذلك، ولا له عنه شاغل. ثم انتقل عن الخطابة المذكورة لما ولي مشيخة دار الحديث الظاهرية (٥)،

стр. 1979

وولي معها مشيخة الحديث بتربة أم الملك (١) الصالح، ومشيخة الدار (٢) التنكزية ومشيخة الدار النفيسية (٣)، وانتهت إليه الرئاسة في معرفة الحديث وعلله، وصحيحه وسقيمه ورجاله، وجرح وعدّل، وصحّح وضعّف، واستدرك على الحفاظ، ولم يزل يكتب وينتقي ويصنف الكتب الكبار، هذا دأبه، مع مباشرة الوظائف وإفادة الطلبة إلى أن أضر بأخرة (٤). وأما التاريخ فتفرد بمعرفته وصنّف فيه تاريخ الإسلام في أحد وعشرين مجلدا واختصر تاريخ بغداد، وتاريخ دمشق في عشر مجلدات، وتاريخ ابن المديني (٥)، وانتخب كثيرا من تاريخ ابن النجار (٦)، وذيل السمعاني (٧)

стр. 1980

ووفيات المنذري (١)، والشريف (٢) والبرزالي (٣)، واختصر تاريخ نيسابور (٤) وتاريخ أبي شامة (٥). وصنّف طبقات القرّاء مرتين، الثانية مهذّبة، وطبقات الحفّاظ المهرة في مجلدين، وعمل ميزان الاعتدال في نقد الرجال ثلاث مجلدات، ونبأ الدجال، وألّف كتاب المشتبه في الأسماء والأنساب، ومناقب العشرة، وكتاب العبر في خبر من غبر مجلدين، وتاريخ دول الإسلام مجلد وتجريد أسماء الصحابة مجلد كبير، وكتاب المغني في الضعفاء مجلد، والضعفاء كتاب آخر أصغر من المغني، وكتاب النبلاء في شيوخ الأئمة الستة، وكتاب مختصر الكنى، وصنّف تراجم أعيان النبلاء من الأئمة والحفاظ والكبراء والوزراء والملوك في عشرين مجلدا، وكتاب الممتع في ستة أسفار. وأما ما صنّفه من المسائل وغيرها من الأبواب مما هو جزء/ (ص ٢٣٢): فكتاب الزيارة المصطفوية

стр. 1981

جزء، وآخر كبير، وآية الكرسي جزء، وسيرة الحلاّج (١) جزءان، وتحريم أدبار النساء صغير وآخر ضخم، وكتاب الكبائر ثلاثة كراريس، وجزء في الشفاعة، وجزءان في صفة الجنة، وجزء في حديث القهقهة، طرق حديث ينزل ربنا، طرق حديث الطير، طرق من كنت مولاه، ما تصح به التلاوة ثلاثة أجزاء، مسألة الاجتهاد، مسألة خبر الواحد، التمسك بالسنن، التلويح بمن سبق ولحق، معرفة آل منده (٢)، أهل المائة عام، مهم تقييد المهمل، مختصر في القراءات، الوصية العفيفية، اللآلي السفطية في الليالي الغوطية مجلد، هالة البدر إلى أهل بدر، مسألة السماع جزء، ومسألة الخميس، ومسألة الغيبة، جزء، الخضاب جزء أربعة تعاصروا، ومسألة الوعيد، وكتاب الموت وما بعده، رؤية الباري. وأما ما اختصره من الكتب الكبار، فكتاب السنن الكبير للبيهقي (٣) في

стр. 1982

مقدار النصف مع المحافظة على المتون، واختصر المدخل إليه، واختصر الروض الأنف واختصر من تهذيب الكمال تجريد الأسماء، عمله عشر طبقات، وكتابا سماه تذهيب التهذيب، واختصر منه الكاشف مجلد، واختصر الفاروق وهذّبه، واختصر الرد على ابن طاهر (١)، وكتاب جواز السماع لجعفر الأدفويّ (٢). واختصر المحلّى لابن حزم (٣) في ثلاث مجلدات ونصف سماه المستحلى، واختصر المستدرك للحاكم (٤)، واختصر الأطراف في مجلدين، واختصر تقويم البلدان لصاحب حماه. وأما ما خرّجه لكبار شيوخه من المعاجم الكبار والصغار فينيف على

стр. 1983

العشرة، وخرّج لنفسه معجما مرتين ومعجما لطيفا منقى، وغالب مصنفاته موشحة بمروياته. قال وعملت عدة تواليف في السنّة والعرش أخفيتها خوف الفتن والأهواء (١). هذا ما حضرني من كتبه،/ (ص ٢٣٣) وبه تمام حفاظ المشرق، وسحب هذا النوء المغدق، ولا أعرف معه آخر فأذكره، وأشهده محفل هذا الكتاب وأحضره.

стр. 1984

فأما الحفاظ بالجانب الغربي فلولا مصر ما نهضت قوادمهم (١) المحصوصة (٢)، وسدّت خصاصتهم (٣) المعروفة بهم فواقرها (٤) المخصوصة، وسأذكر من لاح نجمه مصوّبا في غربهم، وسقي صيّبا من (٥) سحّهم: فمنهم ١١٦ - يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس (٦) الليثي الأندلسي، راوي كتاب الموطأ وعاقل الأندلس، وعاقد أزمّتها الشمس، والمقدّم في حفّاظها، والميمّم بقصد ألحاظها، والمعدود في معارف أعلامها، وثانيا في عوارف أيامها، وثالثا لدافق بحرها وساكب غمامها، ورابعا لنجوم سمائها وشموس ضيائها وبدور ظلامها، وخامسا إلى ما لا نهاية له من العدد من المحاسن المؤذنة بتمامها، مشدّد في دين، ومسدّد لا يلين، ومشيّد

стр. 1985

لأركان الشريعة فرد ماله خدين (١). سمع من مالك المؤطأ غير أبواب في الاعتكاف، شكّ في سماعها، فأثبت روايته فيها عن زياد بن عبد الرحمن اللخمي (٢) عن مالك. وسمع بمكة من ابن عيينة (٣) وبمصر من الليث بن سعد (٤) وعبد الله بن

стр. 1986

وهب (١) وعبد الرحمن بن القاسم (٢). وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وكان سبب ذلك فيما روي: أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لا تخرج تراه، لأنه لا يكون بالأندلس؟ فقال: أنا جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم منك هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك وسماه/ (ص ٢٣٤) عاقل الأندلس. ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرئاسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددا، وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها روايته، وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء، مكينا عفيفا عن الولايات، متنزها، جلّت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة الأمر هنالك لزهده في القضاء،

стр. 1987

وامتناعه منه، قال ابن حزم (١): مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولّى قضاء القضاة أبو يوسف (٢)، كانت القضاة من قبله فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه ومن انتمى إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم به على أن يحيى بن يحيى لم يل القضاء قط ولا أجاب، وكان ذلك زايدا في جلالته عندهم، وداعيا إلى قبول رأيه لديهم. وقال أحمد بن أبي الفياض (٣): كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم (٤)

стр. 1988

المرتضى صاحب الأندلس إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فأتوا إلى القصر، وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبا شديدا فعبث بها ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم شديدا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفّر ذلك يصوم شهرين متتابعين، فلما بدّر يحيى إلى هذه الفتيا سكت بقية الفقهاء/ (ص ٢٣٥) حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض، وقالوا ليحيى مالك لم تفته بمذهب مالك؟ فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام، فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود. وقال محمد بن عمر بن لبابة (١): فقيه الأندلس عيسى بن دينار (٢)، وعالمها عبد الملك ابن حبيب (٣)، وعاقلها يحيى بن يحيى، وكان أحمد بن

стр. 1989

خالد (١) يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى، وقال ابن بشكوال (٢): كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك. وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد (٣) فأراد غلامه أن يمنعني، فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك العلم فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك. ثم قال ابن بشكوال: توفي يحيى في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بظاهر قرطبة بمقبرة ابن عيّاش يستسقى (٤) به. وزاد الحميدي (٥) أن وفاته كانت لثمان بقين من الشهر المذكور.

стр. 1990

ومنهم ١١٧ - بقيّ بن مخلد (١) الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرطبي الحافظ صاحب المسند الكبير، والتفسير الجليل، والتقرير الجميل، والتقريب لما لم يدر في خلده، ولم يدر ما لابن مخلد منه خلد، أسوة أنظاره، وقدوة زمانه، والناس على آثاره، لو لم يكن للأندلس سواه لما فنيت عروشه، ولا فتئت في سن الفتاء (٢) شموسه، ولا تجاسر الأصيل إذا غرّبت الشمس بذلك الأفق أن تشعشع كؤوسه، أقلع نوءه، وهذه غدره (٣) وغاض بحره وهذه درره، وذهب زمانه وهذه/ (ص ٢٣٦) مصنفاته وهذا خبره. ولد في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وطوّف الشرق والغرب وشيوخه مائتان ونيّف وثمانون شيخا، وروى عنه جماعة، وكان إماما علما قدوة مجتهدا لا يقلّد أحدا، ثقة حجة صالحا عابدا متهجدا أواها منيبا عديم النظير في زمانه. قال أحمد بن أبي خيثمة (٤): ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل يحتاج بلد

стр. 1991

فيه بقي أن يأتي منه إلينا أحد، وقال أبو الوليد (١) الفرضي: ملأ بقي الأندلس حديثا، وقال أبو عبد الملك القرطبي (٢) في تاريخه: كان بقي طوالا أقنى ذا لحية مضبّرا (٣)، وكان متواضعا، ملازما لحضور الجنائز، وكان يقول: إني لأعرف رجلا كان تمضي عليه الأيام في وقت طلبه ليس له عيش إلا ورق الكرنب (٤). وقال بقي: لما رجعني من العراق أجلسني يحيى بن بكير (٥) إلى جنبه وسمع مني سبعة أحاديث. وقد تعصبوا على بقي، لإظهاره مذهب أهل الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن (٦) المرواني، واستنسخ كتبه، وقال

стр. 1992

لبقي: انشر علمك، وقال بقيّ لقد غرست للمسلمين غرسا بالأندلس لا يقلع إلا بخروج الدجّال. وقال ابن حزم (١): كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي، وقال بقي: كل من رحلت إليه فماشيا على قدمي، وكان بقي مجاب الدعوة، ويؤثر عنه إيثار حتى بثوبه، وقيل إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة، ويسرد الصوم، وحضر سبعين غزوة، ومات في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين. ومنهم ١١٨ - محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي (٢) الحافظ المشهور، تنازعت فيه الجزائر، وسارعت/ (ص ٢٣٧) إلى تلقي خياله الزائر، أفرشه الأندلس نمارقه الخضر فأباها، وأحلّه مفارقه البيض فنفس بنفسه على رباها، وأخذ يسمو سمّو حباب (٣) الماء حالا على حال، ويتعقب سفائن بحر وسفائن آل (٤)، إلى أن نزل بكنف بغداد المخصب، وتطرّف بمطرف (٥) العراق

стр. 1993

المعشب، ثم حرّم على الرحال ظهورها، وإلى الارتحال ظهورها، وسكن بجانب دجلة لا يسقى إلا بمائها، ولا يظلّل إلا بسمائها، وحبّب إلى أهلها لوجود الملاءمة ووجوه المحاسن التي تخلّق بأخلاقها، وعداه اللائمة، أصله من قرطبة من ربض (١) الرصافة، وهو من أهل جزيرة ميورقة تجاه شرق الأندلس، روى عن أبي محمد ابن حزم واختص به، وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته، وعن أبي عمر بن عبد البر (٢) وغيرهما من الأئمة، ورحل إلى الشرق سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فحج وسمع بإفريقية والأندلس وبمكة حرسها الله وشرّفها، وبمصر والشام والعراق، واستوطن بغداد، وكان موصوفا بالنباهة والمعرفة والإتقان والدين والورع، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث. وقال أبو نصر بن ماكولا (٣) لم أر مثله في عفّته ونزاهته وتشاغله بالعلم، وكان من اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ، وكان يجلس في إجانة (٤) ماء يتبرد به وكان إماما في الحديث وعلله ورواته، متحققا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحرا في علم الأدب والترسل، وله كتاب الجمع بين الصحيحين، وهو مشهور، وأخذه الناس عنه، وله مصنفات أخر مفيدة، توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ببغداد، ودفن من الغد بالقرب من قبر الشيخ

стр. 1994

أبي إسحاق الشيرازي (١)، وصلى عليه أبو بكر الشاشي (٢) في جامع القصر، ثم نقل بعد ذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى/ (ص ٢٣٨) مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر الحافي (٣)، ومولده قبل العشرين وأربعمائة، ومن نظمه: [الوافر] لقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ العلم أو لصلاح حال ومنه قوله: [الوافر] طريق الزهد أفضل ما طريق … وتقوى الله بادية الحقوق فثق بالله يكفك واستعنه … يعنك وذر بنيّات الطريق ومنه قوله: [الوافر] كتاب الله قولي … وما صحّت به الآثار ديني وما اتفق الجميع عليه بدءا … وعودا فهو عن حق مبين فدع ما صدّ عن هذي وخذها … تكن منها على عين اليقين

стр. 1995

ومنهم ١١٩ - خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال أبو القاسم الأنصاري الأندلسي (١) القرطبي، محدث الأندلس ومؤرخها، ومتعب المساعي في مجاراته وموبّخها، ومسمع رممها الأموات بنداء تاريخه ومصرّخها، وكاتب آثارها بيديه ومستنسخها، حفظ عن السلف، وتأخّر ونعم الخلف خلف، وفخر وما تكلم إلا تصنيفه وما ثمّ إلا معترف، وذخر وما هو إلا علمه الطود الذي ما نسف، والبحر الذي ما نزف. ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة، قال أبو عبد الله الأبار (٢): كان متسع الرواية شديد العناية بها، عارفا أخباريا تاريخيا ذاكرا لأخبار الأندلس، سمع العالي والنازل وأسند/ (ص ٢٣٩) عن شيوخه أزيد من أربع مائة كتاب، بين صغير وكبير، ورحل إليه الناس وأخذوا عنه، ووصفوه بصلاح الدخلة، وسلامة الاعتقاد، وصحة التواضع، وصدق الصبر للطلبة، وطول الاحتمال، ألّف خمسين تأليفا في أنواع العلم، وولي بأشبيلية قضاء بعض جهاتها نيابة لأبي بكر بن العربي (٣)،

стр. 1996

وعقد الشروط، ثم اقتصر على إسماع العلم وعلى هذه الصناعة، وهي كانت بضاعته، والرواة عنه لا يحصون، واستوعب ابن الزبير (١) ترجمته، وقال: كان يؤثر الخمول (٢) والقناعة بالدون من العيش، ولم يتدنّس ﵀ بخطة تحطّ من قدره، حتى لم يجد أحد إلى الكلام فيه من سبيل، توفي في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة عن أربع وثمانين سنة. ومنهم ١٢٠ - عبد الحق بن عبد الرحمن بن الحسين بن سعيد الحافظ أبو محمد الأزدي الإشبيلي (٣) ويعرف بابن الخرّاط، فاضل أرشفته الدنيا ريقها، وألحفته وريقها، ثم نغصت له جرعها، وخلعت عن منكبيه خلعها، واستردت منه أيّام عواريها، وردّت إليه سهام عواديها، وقلبت له ظهر مجنّها، ودهر أمنها، فنابته نوائبها، وأصابته صوائبها، وأخذ فيها من حيث ظنّ أنها سالمته، وقد اغترّ بأنها في زخرفها ساهمته، وخدعته بغرورها، وما عرف أنها أوهمته، سكن إليها وهي التي لا يسكن إليها ذو حجى، واطمأن بها وكيف يطمئن خابط في الدجى، سكن

стр. 1997

بجاية وقت الفتنة التي زالت فيها الدولة اللمتونية (١) فنشر بها علمه، وصنّف التصانيف واشتهر اسمه، وبعد صيته وسعد قسمه، وولي خطابة بجاية. ذكره أبو عبد الله الأبار (٢) فقال:/ (ص ٢٤٠) كان فقيها حافظا عالما بالحديث وعلله، عارفا بالرجال، موصوفا بالخير والصلاح والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركا في الأدب وقول الشعر، وصنّف في الأحكام نسختين: كبرى وصغرى، سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان (٣) الشهيد بلبله، فحظي عبد الحق دونه، وله في الجمع بين الصحيحين مصنّف، وله أيضا مصنّف كبير جمع فيه بين الكتب الستة، وله مصنفات أخر، منها كتاب في اللغة حافل، ضاهى به كتاب الغريبين للهروي (٤). وتوفى ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. ومن شعره قوله: [الخفيف] إن في الموت والمعاد لشغلا … وادّكارا لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطّتين قبل المنايا … صحة الجسم يا أخي والفراغا

стр. 1998

ومنه قوله: [السريع] واها لدنيا ولمغرورها … كم شابت الصفو بتكديرها إنّ امرءا أمّن في سربه … ولم ينله سوء مقدورها وكان في عافية جسمه … من مس بلواها وتغييرها وعنده بلغة يوم فقد … حيزت إليه بحذافيرها (١) ومنهم ١٢١ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيّد الناس اليعمري الأندلسي الإشبيلي (٢) عالم المغرب، فاضل أشهر من ظهور النجوم في العتم، وأنفع من وجود الغنى في العدم، علم علم لا ينكر، وفضل لا يستحق معه أحد أن يذكر، وكان يرى مذهب أهل الظاهر لا يتعدّاه إلى قياس، ولا يوسع نظره في رأي خوف الالتباس، رقي صهوة المنبر معلنا بالخطب، وأعاد غصنا غضا/ (ص ٢٤١) تحته عود ذلك

стр. 1999

الحطب، ببلاغة جنى ثمرها يانعا، وجلا قمرها ولم يجد مانعا. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وذكره الشريف عز الدين (١) في وفياته فقال: كان أحد حفّاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، وبه ختم هذا الشأن بالمغرب. وقال ابن الزبير (٢): أجاز له نحو من أربعمائة، وانتقل إلى حصن القصر، ثم إلى طنجة، وأقرأ بجامعها وأمّ وخطب، ثم انتقل إلى بجاية، فخطب بجامعها، ثم طلب إلى تونس، فدرّس بها وكان ظاهريّ المذهب، توفي في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وهذا آخر المحدّثين بالغرب الممحّض، ويأتي بعده من كان منهم بمصر، لأنها لسوء بختها في الغرب واقعة، وفي قسمها محسوبة إن لم يكن ثمّ أجوبة دافعة. فمنهم ١٢٢ - يزيد بن أبي حبيب الإمام الكبير أبو رجاء الأزدي (٣) مولاهم المصري، الفقيه الذي لو أودع الغمام لكان بجفنيه يقيه، ولو عقل الزمان لما سأل إلا أن الله (ينذر) حياته ويبقيه، أبدل أراجيف مصر سكونا، وتخاويف أهلها تأمينا، وسلّت فيها ملاحاة الملاحم، وملاواة الملاوم، حتى أعادها غرّآء آمنة في مدّته، بيضاء كصحيفة عمله الصالح لا جلدته، قال ابن يونس (٤): كان مفتي أهل

стр. 2000

مصر، وكان عليما عاقلا، وهو أوّل من أظهر العلم بمصر، والمسائل في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن. وقال الليث بن سعد (١): يزيد سيدنا وعالمنا، وقيل: إنّ يزيد أحد ثلاثة جعل إليهم عمر بن عبد العزيز (٢) الفتيا بمصر، وقال ابن (٣) لهيعة: كان أسود نوبيّا، ولد سنة ثلاث وخمسين، سمعته يقول: كان أبي من أهل دمقلة، ونشأت بمصر وهم/ (ص ٢٤٢) علويّة يعني شيعة فقلبتهم عثمانية، وقال الليث: حدّثنا عبيد الله (٤) بن جعفر، ويزيد بن أبي حبيب - وهما جوهرتا البلاد - كانت البيعة إذا جاءت لأحد كانا أول من يبايع.
следующие страницы →