← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وعقد الشروط، ثم اقتصر على إسماع العلم وعلى هذه الصناعة، وهي كانت بضاعته، والرواة عنه لا يحصون، واستوعب ابن الزبير (١) ترجمته، وقال: كان يؤثر الخمول (٢) والقناعة بالدون من العيش، ولم يتدنّس ﵀ بخطة تحطّ من قدره، حتى لم يجد أحد إلى الكلام فيه من سبيل، توفي في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة عن أربع وثمانين سنة. ومنهم ١٢٠ - عبد الحق بن عبد الرحمن بن الحسين بن سعيد الحافظ أبو محمد الأزدي الإشبيلي (٣) ويعرف بابن الخرّاط، فاضل أرشفته الدنيا ريقها، وألحفته وريقها، ثم نغصت له جرعها، وخلعت عن منكبيه خلعها، واستردت منه أيّام عواريها، وردّت إليه سهام عواديها، وقلبت له ظهر مجنّها، ودهر أمنها، فنابته نوائبها، وأصابته صوائبها، وأخذ فيها من حيث ظنّ أنها سالمته، وقد اغترّ بأنها في زخرفها ساهمته، وخدعته بغرورها، وما عرف أنها أوهمته، سكن إليها وهي التي لا يسكن إليها ذو حجى، واطمأن بها وكيف يطمئن خابط في الدجى، سكن

стр. 1997

بجاية وقت الفتنة التي زالت فيها الدولة اللمتونية (١) فنشر بها علمه، وصنّف التصانيف واشتهر اسمه، وبعد صيته وسعد قسمه، وولي خطابة بجاية. ذكره أبو عبد الله الأبار (٢) فقال:/ (ص ٢٤٠) كان فقيها حافظا عالما بالحديث وعلله، عارفا بالرجال، موصوفا بالخير والصلاح والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركا في الأدب وقول الشعر، وصنّف في الأحكام نسختين: كبرى وصغرى، سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان (٣) الشهيد بلبله، فحظي عبد الحق دونه، وله في الجمع بين الصحيحين مصنّف، وله أيضا مصنّف كبير جمع فيه بين الكتب الستة، وله مصنفات أخر، منها كتاب في اللغة حافل، ضاهى به كتاب الغريبين للهروي (٤). وتوفى ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. ومن شعره قوله: [الخفيف] إن في الموت والمعاد لشغلا … وادّكارا لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطّتين قبل المنايا … صحة الجسم يا أخي والفراغا

стр. 1998

ومنه قوله: [السريع] واها لدنيا ولمغرورها … كم شابت الصفو بتكديرها إنّ امرءا أمّن في سربه … ولم ينله سوء مقدورها وكان في عافية جسمه … من مس بلواها وتغييرها وعنده بلغة يوم فقد … حيزت إليه بحذافيرها (١) ومنهم ١٢١ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيّد الناس اليعمري الأندلسي الإشبيلي (٢) عالم المغرب، فاضل أشهر من ظهور النجوم في العتم، وأنفع من وجود الغنى في العدم، علم علم لا ينكر، وفضل لا يستحق معه أحد أن يذكر، وكان يرى مذهب أهل الظاهر لا يتعدّاه إلى قياس، ولا يوسع نظره في رأي خوف الالتباس، رقي صهوة المنبر معلنا بالخطب، وأعاد غصنا غضا/ (ص ٢٤١) تحته عود ذلك

стр. 1999

الحطب، ببلاغة جنى ثمرها يانعا، وجلا قمرها ولم يجد مانعا. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وذكره الشريف عز الدين (١) في وفياته فقال: كان أحد حفّاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، وبه ختم هذا الشأن بالمغرب. وقال ابن الزبير (٢): أجاز له نحو من أربعمائة، وانتقل إلى حصن القصر، ثم إلى طنجة، وأقرأ بجامعها وأمّ وخطب، ثم انتقل إلى بجاية، فخطب بجامعها، ثم طلب إلى تونس، فدرّس بها وكان ظاهريّ المذهب، توفي في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وهذا آخر المحدّثين بالغرب الممحّض، ويأتي بعده من كان منهم بمصر، لأنها لسوء بختها في الغرب واقعة، وفي قسمها محسوبة إن لم يكن ثمّ أجوبة دافعة. فمنهم ١٢٢ - يزيد بن أبي حبيب الإمام الكبير أبو رجاء الأزدي (٣) مولاهم المصري، الفقيه الذي لو أودع الغمام لكان بجفنيه يقيه، ولو عقل الزمان لما سأل إلا أن الله (ينذر) حياته ويبقيه، أبدل أراجيف مصر سكونا، وتخاويف أهلها تأمينا، وسلّت فيها ملاحاة الملاحم، وملاواة الملاوم، حتى أعادها غرّآء آمنة في مدّته، بيضاء كصحيفة عمله الصالح لا جلدته، قال ابن يونس (٤): كان مفتي أهل

стр. 2000

مصر، وكان عليما عاقلا، وهو أوّل من أظهر العلم بمصر، والمسائل في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن. وقال الليث بن سعد (١): يزيد سيدنا وعالمنا، وقيل: إنّ يزيد أحد ثلاثة جعل إليهم عمر بن عبد العزيز (٢) الفتيا بمصر، وقال ابن (٣) لهيعة: كان أسود نوبيّا، ولد سنة ثلاث وخمسين، سمعته يقول: كان أبي من أهل دمقلة، ونشأت بمصر وهم/ (ص ٢٤٢) علويّة يعني شيعة فقلبتهم عثمانية، وقال الليث: حدّثنا عبيد الله (٤) بن جعفر، ويزيد بن أبي حبيب - وهما جوهرتا البلاد - كانت البيعة إذا جاءت لأحد كانا أول من يبايع.

стр. 2001

وقال ابن لهيعة: مرض يزيد فعاده أمير مصر الحوثرة بن سهيل (١)، فقال يا أبا رجاء ما تقول في الصلاة في الثوب فيه دم البراغيث؟ فحوّل وجهه، ولم يكلمه، فقام ونظر إليه يزيد، وقال: يقتل كل يوم خلقا، ويسألني عن دم البراغيث!! وقال يزيد: لا أدع أخا لي يغضب عليّ مرتين، بل أنظر الأمر الذي يكره فأدعه، وأرسل زبّان (٢) بن عبد العزيز إلى يزيد ايتني لأسألك عن شئ من العلم، فأرسل إليه، بل أنت فأتني فإن مجيئك إليّ زين لك ومجيئ إليك شين عليك. توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. ومنهم ١٢٣ - عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان، الحافظ النّسابة أبو محمد الأزدي المصري (٣) مفيد تلك الناحية ومفيد شموسها الضاحية، وأيامها الممطرة إلا أنها الصاحية، ولياليها المطّهرة من قول اللاّحية (٤)، وأوقاتها التي جاءت بآية النهار لآية الليل ماحية، فطن لا يحتاج أن يكدح، وألمعيّ (٥) في زناد ذهنه لا يقدح،

стр. 2002

عارف بالنسب تعد منه خصائله، وتعدد به قبائله، وشعوبه وفصائله، ردّ جوهر كل نسب إلى معدنه، وتبين من آدم مرمى كل فريق تفرّق وموطنه، عارف فيهم بالممادح والمذامّ لكنه لم يتعود من القول غير أحسنه. قال البرقاني (١): لما قدم الدارقطني (٢) من مصر سألته هل رأيت في طريقك من يفهم شيئا من العلم؟ قال: ما رأيت في طول طريقي إلا شابا بمصر يقال له عبد الغني/ (ص ٢٤٣) كأنه شعلة نار، وجعل يفخم أمره، ويرفع ذكره، وقال منصور بن علي الطرسوسي (٣): لما أراد الدارقطني الخروج من عندنا من مصر، خرجنا نودعه وبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد وفيه الخلف، وقال عبد الغني: لما رددت على أبي عبد الله (٤) الحاكم الأوهام التي في المدخل إلى الصحيح بعث إليّ يشكرني ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل. وقال العتيقي (٥): كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، ثقة مأمونا، ما رأيت بعد الدارقطني مثله، وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدار

стр. 2003

قطني أحفظ من عبد الغني المصري، وقال الصوري (١): قال لي عبد الغني ابتدأت بعمل كتاب المختلف والمؤتلف، فقدم علينا الدارقطني، فأخذت عنه أشياء كثيرة منه، فلما فرغته (٢)، سألني أن أقرأه (لأسمعه) (٣) مني، فقلت: عنك أخذت أكثره، فقال: لا تقل هذا، فإنك أخذته عني مفرّقا، وقد أوردته مجموعا، وفيه أشياء عن شيوخك، فقرأته عليه. وذكر أبو الوليد (٤) الباجيّ عبد الغني فقال: حافظ متقن، قلت لأبي (٥) ذر: أخذت عنه؟ قال: لا إن شاء

стр. 2004

الله، على معنى التأكيد، وذلك أنه كان له اتصال ببني عبيد (١). توفى في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، وكان له جنازة عظيمة، تحدث بها الناس، ونودي له: هذا نافي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . ومنهم ١٢٤ - أبو طاهر الأصبهاني واسمه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة الأصبهاني (٢) صدر الدين، أحد الحفاظ المكثرين، أتى مصر، ومذهب الإسماعيلية (٣) بها قد أخذ على كل مذهب، وأخذ بكل مذهب/ (ص ٢٤٤)، وعقارب تلك العقائد المسمومة قد دبّت في تلك الأقطار، وضلال تلك الأفاعي المساورة (٤) قد تمكنت في تلك الديار، وقد أميت علم الحديث والتاريخ والنسب، وأفيت (٥)

стр. 2005

في فايت الحقب، وجعل إلى أذية (١) من عرفه أو قال به أعظم سبب بأضعف سبب، ليحفوا (٢) تلك الأنساب الدعية المدخولة، ويطيروا بقوادم تلك الأحساب الوضيعة المرذولة، فقام مشمرّا للعزائم مجاهرا لا ترده اللوائم، حتى أحيا ميت السّنّة، وأمات حيّ البدعة، وفعل ما شكر الله له والإسلام عليه صنعه، وكأنما كان ممهّدا لبني أيوب (٣) ومقدما لمآثرهم التي أقسمت الأيام أنها بمثلها لا تؤوب. رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعي المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيا الهرّاسي (٤) في الفقه، وعلى أبي زكريا (٥) يحيى

стр. 2006

التبريزي اللغوي في اللغة، وجاب البلاد وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن عليّ بن السلاّر (١) وزير الظافر (٢) صاحب مصر سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور، وفوّضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، وكتب الكثير، وأماليه وتعاليقه كثيرة، ومولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية.

стр. 2007

ومنهم ١٢٥ - عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن التوني الدمياطي الشافعي شرف الدين أبو محمد (١) الفقيه الحافظ النّسابة، صاحب التصانيف، أكثر من أدركت/ (ص ٢٤٥) بمصر من السادات - بل كلهم - عن علمه أخذ، ومن فهمه فلذ، وبسهمه نفذ فأصاب المفاصل، ونبذ به ماء جرى، رويقا في المناصل، ولم أجد إلا لهجا بذكره لا يفتر منه لسانه، ولا ينكر لديهم في غاية إحسانه، وكان الناس في رتبة ما عداه أشباه وأنظار ما فيهم غيره من تعقد عليه حباه، وله رحلة هي قصارى من ارتحل في زمانه، وحل بلادا غير بلاده، وأوطانا غير أوطانه. ولد في آخر سنة ثلاث عشرة وستمائة بتونة (٢)، وتفقه بدمياط، وبرع ثم طلب الحديث فارتحل إلى الإسكندرية ومصر ودمشق وحماه وحلب وماردين وحرّان وبغداد. وحمل عن ابن خليل (٣) حمل دابّة كتبا وأجزاء وكتب العالي والنازل وجمع

стр. 2008

فأوعى وسكن دمشق فأكثر عن ابن مسلمة (١) وغيره. ومعجم شيوخه يبلغ ألفا وثلاثمائة نفر، وكان صادقا حافظا متقنا جيّد العربية، غزير اللغة، واسع الفقه، رأسا في علم النسب ناقلا للقراءات دينا كيّسا، متواضعا بسّاما، محببا إلى الطلبة مليح الصورة، نقي الشيبة، كبير القدر. قال أبو الحجاج المزي (٢): ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وروى عنه، وتوفي فجأة بعد أن قرئ عليه الحديث، فأصعد إلى بيته مغشيا عليه في منتصف ذي القعدة سنة خمس وسبعمائة بالقاهرة. وصلّي عليه بدمشق في أول جمعة من ذي الحجة. وبه تم الحفّاظ بالجانب الغربي ممن أخرج من سباسب (٣) الأوطان، وأدرج في سبايب الأكفان، وأصبح أثرا بعد عين، وحبرا يسأل عنه بكيف بعد أين. وسنذكر بعدهم فقهاء المحدثين: إذ كانوا المستنبطين لأحكامه، والمتبسطين لإحكامه، والمنبئين في علمه بالوصول، والمبينين بفهمه لمراد الرسول وتبيين ما أراده عليه أفضل الصلاة والسلام فيما يقول. (ص ٢٤٦) وأبدأ فيهم بالجانب الشرقي فأقول:

стр. 2009

منهم ١٢٦ - علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك (١) فقيه العراق، الإمام أبو شبل النخعي الكوفي، خال إبراهيم (٢)، وعم الأسود (٣). لقن (٤) بالحديث وفقهه، وفطن للأمر وشبهه، تصدر في الصدر الأول، وتصوّر الحقائق حتى كان عليه المعوّل، وكان في ذلك الجبل واضطربوا ولم ينكل (٥)، واضطروا إلى أن سألوا منه عما أشكل، ولم تكن لتعرض عليه مبهمة إلا يجليها لوقتها، ولا مشكلة إلا يزيل لباس مقتها (٦)، وكان مما إذا قرأ حرّك

стр. 2010

الجماد، وإذا قرر علما استنبط الثّماد (١)، وإذا قدّر شيئا لا يخطئه ولو بعدت به الآماد. ولد في حياة رسول الله ﷺ ولحق الجاهلية (٢) وسمع من عمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وأبي الدرداء. وجوّد القرآن على ابن مسعود وتفقّه به، فكان أنبل أصحابه، حتى قال ابن مسعود: ما أقرأ شيئا وما أعلم شيئا إلا علقمة يقرؤه ويعلمه، وقال قابوس بن ظبيان (٣): قلت لأبي: لأي شئ كنت تدع الصحابة وتأتي علقمة؟ قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يسألون علقمة، ويستفتونه. وكان فقيها إماما بارعا، طيّب الصوت بالقرآن، ثبتا فيما ينقل، صاحب خير وورع، كان يشبّه بابن مسعود في هديه وسمته ودلّه وفضله وكان أعرج، أخذ عنه طائفة، ومات سنة اثنتين وستين. ومنهم ١٢٧ - القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي (٤) هو الذي إلى الآن يضرب به المثل، ويحدّث عنه العجب، بحر لجيّ لا يمشى

стр. 2011

فيه إلا مساحله، وبرّ فسيح لا يسلك إلا مساهله، وربّ فضل لا تعدّ فواضله، وفعل يرضيك/ (ص ٢٤٧) جدّه ويلهيك باطله، لا يسأم معه في مراح (١٣)، ولا يسأم له حقّ يحببه مزاح. أرضى مثل عمر بن الخطاب ﵁ قضاؤه، ومات على الرضى عنه (١) وحسبك من مثل ذلك الشديد في دين الله إرضاؤه. كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، فأقام قاضيا خمسا وستين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع من القضاء فيها، في فتنة ابن الزبير (٢)، واستعفى الحجاج بن يوسف (٣)، من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا ذكاء وفطنة ومعرفة وعقل وإصابة.

стр. 2012

قال ابن عبد البر (١): كان شاعرا محسنا، وهو أحد السادات الطلس (٢) وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة (٣)، والأحنف بن قيس (٤) - الذي يضرب به المثل في الحلم - والقاضي شريح المذكور. - والأطلس الذي لا شعر في وجهه - وكان مزّاحا، دخل عليه عديّ بن أرطأة (٥) فقال له: أين أنت - أصلحك الله -؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: اسمع مني. قال: قل أسمع، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: مكان سحيق، قال: وتزوجت عندكم، قال:

стр. 2013

بالرفاه والبنين. قال: وأردت أن أرحلها (١)، قال: الرجل أحق بأهله، قال: وشرطت لها دارها. قال: الشرط لها. قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من حكمت؟. قال: على ابن أمك، قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن اخت خالتك. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل مع خصم ذميّ على القاضي شريح فقام له، فقال: هذا أوّل جورك، ثم أسند ظهره إلى الجدار، فقال: أما إن خصمي لو كان مسلما لجلست بجنبه. وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمى زينب، فنقم عليها شيئا فضربها، ثم ندم وقال: [الطويل] رأيت رجالا يضربون نساءهم … فشلّت يميني يوم أضرب زينبا/ (ص ٢٤٤) أأضربها من غير ذنب أتت به … فما العدل مني ضرب من ليس مذنبا فزينب شمس والنساء كواكب … إذا طلعت لم تر منهن كوكبا وروي أن عليا ﵁ قال: اجمعوا لي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: أوشك أن أفارقكم، فجعل يسائلهم - يقولون في كذا ما تقولون في كذا - وشريح ساكت، فلما فرغ منهم، قال: اذهب فأنت من أفضل الناس، أو من أفضل العرب.

стр. 2014

ويروى أن زياد بن أبيه (١) كتب إلى معاوية (٢): يا أمير المؤمنين، قد ضبطت لك العراق بشمالي، وفرّغت يميني لطاعتك، فولّني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر (٣)، وكان مقيما بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد، فأصابه الطاعون في يمينه، فجمع الأطباء، واستشارهم فأشاروا عليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحا، وعرض عليه ما أشار به الأطباء، فقال له: لك رزق معلوم وأجل مقسوم، وإني أكره إن كانت لك مدّة أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك، أن تلقى ربك مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: بغضا في

стр. 2015

لقائك. فلام الناس شريحا على منعه من القطع، لبغضهم له. فقال: إنه استشارني، والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة في المشورة، لوددت أن قطع رجله يوما، ويده يوما، وسائر جسده يوما يوما، ومات زياد في يومه ذلك. وتوفي شريح سنة سبع وثمانين وهو ابن مائة سنة، وقيل سنة ثمان وسبعين. قاله الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١). ومنهم ١٢٨ - سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم القرشي المدني (٢) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والنبهاء الفضل الموقدينه، والنبلاء الممدين الغمام المرفدينه، أجل التابعين/ (ص ٢٤٩) وأجدّ ما يلج المسامع طربا لو وعين، سر ذلك الصدر المكتنف، وعميم ذلك البر المؤتنف، والفطن كأنه إذا سئل يعلم المغيّب، والفذ الفريد وكفى إذا قيل قال أو فعل سعيد بن المسيّب. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وسمع منه شيئا وهو يخطب، وكان سيّد التابعين من الطراز الأول، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، قال عبد الله بن عمر لرجل سأله عن مسألة: إيت ذاك فسله - يعني سعيدا - ثم ارجع إليّ فأخبرني، ففعل ذلك وأخبره، فقال: ألم أخبركم أنه أحد العلماء

стр. 2016

السبعة؟ وقال في حقه أيضا لأصحابه: لو رأى هذا رسول الله ﷺ لسرّه. وكان قد لقي جماعة من الصحابة وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي ﷺ وأخذ عنهن، وأكثر روايته [المسندة] (١) عن أبي هريرة. وكان زوج ابنته (٢)، وسئل الزهري (٣) ومكحول (٤): من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيّب. وحج أربعين حجة، وقال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة، لمحافظته على الصف الأول، وقيل: إنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة. وكان واسع العلم، وافر الحرمة، متين الديانة، قوّالا بالحق، فقيه النفس، قال قتادة (٥): ما رأيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب، وكذا قال الزهري ومكحول وغير واحد، وصدقوا.

стр. 2017

وقال علي بن المديني (١): لا أعلم في التابعين أوسع علما من سعيد، هو عندي أجل التابعين. وكان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يتّجر فيها. وقال سعيد: ما أعلم أحدا أعلم بقضاء قضى فيه رسول الله ﷺ / (ص ٢٥٠) ولا أبو بكر وعمر مني، وكان الحسن (٢) إذا أشكل عليه شئ كتب إلى ابن المسيّب يسأله، وقال المطلب بن السائب (٣): كنت جالسا مع ابن المسيّب في السوق، فمرّ بريد لبني مروان (٤)، فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم. قال: كيف تركت بني مروان؟ قال: بخير، قال: تركتهم يجيعون الناس، ويشبعون الكلاب؟ فاشرأب (٥) الرسول، فقمت إليه، فلم أزل أرجّيه حتى انطلق، فقلت لسعيد: يغفر الله لك تشيط (٦) بدمك بالكلمة هكذا تلقيها؟

стр. 2018

فقال: اسكت يا أحيمق، فو الله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه. وقال مصعب بن عثمان (١): أراد مسلم بن عقبة (٢) قتل سعيد بن المسيّب فشهد عمرو بن عثمان (٣)، ومروان بن الحكم أنه مجنون فخلى سبيله. وقال ابن سعد توفي عبد العزيز بن مروان (٤)، فعقد عبد الملك (٥) لابنيه (٦) العهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، فدعا هشام المخزومي (٧) - عامله على المدينة

стр. 2019

- الناس إلى البيعة، فبايعوا، وأبى سعيد بن المسيّب أن يبايع لهما، وقال: حتى أنظر، فضربه ستين سوطا، وطاف به في تبان (١) من شعر حتى بلغ به رأس الثنيّة (٢)، فلما كرّوا به قال: إلى أين؟ قالوا السجن. قال: والله لولا أني ظننت أنه الصلب ما لبست هذا التبان أبدا، فردّوه إلى السجن، وكتب هشام إلى عبد الملك بخلافه، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به، ويقول سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف، فندم هشام وخلّى سبيله. وقال عمران بن عبد الله (٣): أرى نفس سعيد بن المسيّب كانت أهون عليه في الله من نفس ذباب. ومن مفردات سعيد بن المسيّب أن المطلقة ثلاثا تحلّ للأول بمجرد عقد الثاني من غير وطء (٤) / (ص ٢٥١) توفي على الصحيح سنة أربع وتسعين.

стр. 2020

ومنهم ١٢٩ - عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى القرشي الأسدي (١) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. والعلماء أهل الدرجات المكينة، والصلحاء أصحاب الديانة المتينة، والأكفاء من رجال طيبة أخت البلدة الأمينة، والقرناء لما بين لابتيها (٢) ونعم القرين ونعم القرينة، كان في صباه بين لدات من أقرانه وإخوته وإخوانه بالمسجد الحرام فتمنوا الأماني من الدنيا والملك وتمنى الجنة والنساء، فلم يبق رجل منهم حتى نال أمنيته، ونال الواحدة ولا عجب أن يكون بلغ الثانية لما بلغ منيّته. ذكر العتبي (٣) أن المسجد الحرام جمع بين عبد الملك بن مروان (٤)، وعبد الله بن الزبير (٥) وأخويه مصعب (٦) وعروة أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي

стр. 2021

سفيان، فقال بعضهم: هلمّ فلنتمنّه فقال عبد الله: منيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت (١) الحسين وعائشة بنت (٢) طلحة، وقال عبد الملك بن مروان: منيتي أن أملك الأرض كلها، وأخلف معاوية. فقال عروة: لست في شئ مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، وأن أكون ممن يروى عنه هذا العلم. قال: فصرّف الدهر من صروفه إلى أن بلغ كل واحد منهم أمله، فكان عبد الملك بعد ذلك يقول: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة في الدنيا فلينظر إلى عروة بن الزبير. ولد عروة سنة نيف وعشرين للهجرة وأمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين (٣)، وإحدى عجائز الجنة، وهو شقيق عبد الله بن الزبير بخلاف مصعب فإن أمه غير أسماء

стр. 2022

وقد وردت الرواية عنه في حروف القرآن، وسمع خالته/ (ص ٢٥٢) أم المؤمنين عائشة، وروى عنه خلق، وكان عالما صالحا، وأصابته الأكلة في رجله وهو بالشام عند الوليد (١) بن عبد الملك، فقطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدّثه، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت، فوجد رائحة الكيّ، كذا قال ابن قتيبة (٢)، ولم يترك ورده تلك الليلة، ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة، فلما عاد إلى المدينة، قال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، وعاش بعد قطع رجله ثمان سنين. وذكر المبرّد (٣) في كتاب التعازي أن عروة قدم على الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة، فدخل محمد دار الدواب فضربته دابّة فخر ميتا، ووقعت في رجل عروة الآكلة، ولم يدع تلك الليلة [ورده] (٤) فقال له الوليد اقطعها، قال: لا، فترقت إلى ساقه، فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار، وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد، وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. وقدم على الوليد بن عبد الملك قوم من بني عبس تلك السنة فيهم رجل

стр. 2023

ضرير، فسأله الوليد عن عينه، فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي مولود، وكان البعير صعبا فندّ، فوضعت الصبيّ واتّبعت البعير، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهبت عيناي، وأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: والله ما بك حاجة إلى المشي ولا أرب في السعي وقد تقدّمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض/ (ص ٢٥٣) إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنّا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله وليّ ثوابك والضمين لحسابك (١). ولما قتل عبد الله بن الزبير قدم أخوه عروة على عبد الملك بن مروان، فقال له يوما: أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال: هو بين السيوف ولا أميّزه من بينها فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميّزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلّل (٢) الحد، فقال: هذا سيف أخي، فقال عبد الملك، كنت تعرفه قبل الآن، فقال: لا. فقال: كيف عرفته؟ فقال بقول النابغة الذبياني (٣): [الطويل] ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب واحتفر عروة بئرا بالمدينة وهي منسوبة إليه ليس بالمدينة بئر أعذب من مائها.

стр. 2024

وتوفي بالفرع (١) في سنة الفقهاء وهي سنة أربع وتسعين، ودفن هناك ﵀. ومنهم ١٣٠ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي (٢) أحد الفقهاء السبعة، الذين هم السبعة الشهب السواري، والكواكب الدراري، والأيام السبعة التي هي الدهر كله، والأفلاك السبعة التي هي العالم أو جلّه. وكان يسمى راهب قريش لملازمة معبده، ومداومة تعبده، دينا عمّر باطنه، وعمّ مواطنه، حتى شفّ من وراء زجاجته، وخفّ معه فلم يقعد في طلب مراضي الله عن قضاء حاجته. اسمه في الصحيح كنيته، ويقال: اسمه محمد، وكان من سادات التابعين، وانتشر عنه وعن باقي الفقهاء السبعة العلم والفتيا في الدنيا. / (ص ٢٥٤) واستصغر يوم الجمل فردّ من عسكر طلحة (٣)، وكان ثقة

стр. 2025

فقيها إماما كثير الرواية، سخيا صالحا عابدا متألها وكان مكفوفا، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، ومولده في خلافة عمر. ومنهم ١٣١ - سعيد بن جبير الوائلي مولاهم الكوفي (١) الفقيه أحد الأعلام والتابعين في صدر الإسلام، قتل في وفائه، وختل دون تكدير صفائه، أعطى موثقا لم يخنه والموت يصالته جهرا، والسيف ينظر إليه شزرا، وعدوا لله مبير (٢) ثقيف تتوقد نار غضبه، وتثوقل (٣) الكبرياء في هضبه، وهو بجنان لا يخامره الوهل، ولا يخادعه حبّ المهل، مقدما بين يديه المسير متقدما لا يحب التأخر لما يعرفه من حسن المصير. سمع ابن عباس فأكثر عنه، وروى عن عدي بن حاتم (٤) وعبد الله بن

стр. 2026

مغفل (١) وطائفة، وروى عنه خلق، وكان ابن عباس إذا حج أهل الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟ وقال أشعت بن إسحاق (٢): كان يقال لسعيد بن جبير جهبذ (٣) العلماء، وقال القاسم بن أبي أيوب (٤): كان يبكي بالليل حتى عمش، وسمعته يردد هذه الآية؟ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله .. بضعا وعشرين مرة، وقيل: إنه قام ليلة في جوف الكعبة فقرأ القرآن في ركعة، وروي أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين، وروى الثوري (٥) عن عمر بن سعيد (٦) قال: دعا سعيد بن جبير ولده لما قتل فجعل يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وقال ابن عيينة (٧): لما أتي بسعيد ابن جبير إلى الحجاج، قال: أنت شقي بن كسير. قال: أنا سعيد بن جبير، قال: لأقتلنك، قال: أنا إذا كما سمتني أمي. ثم قال:/ (ص ٢٥٥) دعوني أصلي

стр. 2027

ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّهِ﴾ البقرة/ ١١٥، ثم قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ مريم/ ١٨، وقال عتبة (١) مولى الحجاج: حضرت سعيد بن جبير، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، قال فما حملك على ما فعلت؟ قال: بيعة كانت عليّ، فغضب وصفّق بيديه، وقال: بيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى، وأمر به فقتل، وكان قتل الحجاج له لكونه قاتل مع ابن الأشعث (٢). وكان سعيد قد هرب من الحجاج إلى مكة، فأرسل الحجاج [يطلب] (٣) من الوليد (٤) جماعة قد التجئوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى عامله على مكة خالد ابن عبد الله القسري (٥) يأمره بإرسال من يطلبه الحجاج، فطلب الحجاج سعيد

стр. 2028

ابن جبير وغيره، فأرسل خالد بن عبد الله كل من طلبه الحجاج، وكان فيهم سعيد بن جبير فقتله الحجاج. وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة على الأشهر، وقيل عاش بضعا وخمسين سنة، وكان أسود اللون، أبيض الرأس واللحية، قال ميمون بن مهران (١)، مات سعيد وما على ظهر الأرض رجل إلا ويحتاج إلى علمه. وكان لا يدع أحدا يغتاب عنده، وكان يصلي في الطاق (٢) ولا يقنت في الصبح، ويعتمّ عمامة ويرخيها شبرا من ورائه. ومنهم ١٣٢ - إبراهيم بن يزيد بن الأسود الفقيه الكوفي النخعي (٣) أحد الأئمة المشاهير تابعي، ما خرج عن الطريق، ولوذعي تشبّ لنار فطنته حريق، وألمعي (٤) لا يخطئ رأيه رائد التوفيق، تقيّل (٥) سنّة داوود صياما، وتقلل من الدهر فقسّمه أياما مع خوف لمقام ربه، واستعداد للموت وكربه، حتى

стр. 2029

إذا حضره الموت، وحصره عدم الفوت، وتحقق المسير دون المصير، تمنّى بقاء حالة النزاع، ومعالجة سكرات الموت البشاع، خوفا مما لا يدري ما يقدم عليه ويقدّم إليه، قول صادق غير كاذب، ومنى حق لا يخادعها وحبل وريده في يد الجاذب. رأى عائشة ﵂، ودخل عليها وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع، وأخذ عنه خلق، وكان من العلماء ذوي الإخلاص، قال مغيرة (١): كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير، وقال الأعمش (٢): ربما رأيت إبراهيم يصلي، ثم يأتينا فيبقى ساعة/ (ص ٢٥٦) كأنه مريض. وقال الأعمش: كان إبراهيم صيرفيا في الحديث، وكان يتوقّى الشهرة، ولا يجلس إلى أسطوانة، وقال الحسن بن عمرو الفقيمي (٣): كان إبراهيم يشتري الوزّ ويسمّنه ويهديه إلى الأمراء، وقال ابن عون (٤): كان إبراهيم يأتي الأمراء ويسألهم الجوائز، وقال حماد (٥): بشّرت إبراهيم بموت الحجاج، فسجد وبكى من الفرح، وقال سعيد بن جبير: تستفتونني وفيكم إبراهيم النخعي؟ وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يتكلم في العلم إلاّ أن يسأل، ولما حضرته الوفاة جزع جزعا شديدا، فقيل له في ذلك،

стр. 2030

فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه، أنا أتوقع رسولا يرد عليّ من ربي، إما بالجنة، وإما بالنار، والله لوددت أنها تلجلج (١) في حلقي إلى يوم القيامة. توفي سنة ست وقيل سنة خمس وتسعين للهجرة. قال الشعبي (٢): ما خلف بعده مثله. ومنهم ١٣٣ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي (٣) أحد الفقهاء السبعة وابن أخي عبد الله بن مسعود (٤)، لقي خلقا كثيرا من الصحابة ﵃، حلّق إليهم فصحب، ولحق بهم وما سحب، وكان فيه ظرف عبّاد الحجاز، ولطف عشّاق ذلك الزمان مع الزيادة على ما فيهم من عفاف وكرم، وورع لا ينكر لأهل الحرم، كان من أعلام التابعين، وأعلى المتابعين، والمقفين على آثار من سلف تحت الشجرة (٥) من المبايعين، والذين مضت فرّاطهم (٦) أمما قبلهم ومضوا بعدهم متتابعين، سمع ابن عباس وأبا هريرة

стр. 2031

وعائشة: قال الزهري (١): أدركت أربعة بحور فذكر منهم عبيد الله المذكور، وقال أيضا: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله ابن عبد الله، فإذا كأني ليس في يدي شيء، وقال عمر بن عبد العزيز (٢): لأن يكون لي مجلس/ (ص ٢٥٧) من عبيد الله أحب إلي من الدنيا، وكان ناسكا، وتوفي سنة ثمان ومائة، وله شعر، فمن ذلك ما أورده له صاحب الحماسة (٣) فيها: [الوافر] شققت القلب ثم ذررت فيه … هواك فليم فالتأم الفطور (٤) تغلغل حب عثمة (٥) في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير توغّل حيث لم يبلغ سراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور ولما قال هذا الشعر، قيل له: أتقول مثل هذا؟ فقال: في اللدود (٦) راحة المفقود (٧)، وهو القائل لا بدّ للمصدور أن ينفث. ومنهم ١٣٤ - خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان أبو زيد الأنصاري (٨) أحد الفقهاء السبعة، والعلماء أهل السمعة، ولد المستأمن على جمع القرآن،

стр. 2032

والمستأمر في عظيم هذا الشأن ابن كاتب الوحي، وصاحب الوعي، ما قصّر عن السّبق، ولا تأخر إذ حلّق، ولا انقطع عن ذيل ذلك السلف الذي به تعلّق، ما جحد علوّ قدره إلا من لا يعرف مدارجه، ولا أمّل الرقيّ إليه إلا أنكر معارجه، ولا فضّل عليه سواه إلا ظهر له باطل رأيه، فقال أردت عمرا، وأراد الله خارجة. قال مصعب بن عبد الله (١) كان خارجة بن زيد وطلحة (٢) بن عبد الله بن عوف في زمانهما يستفتيان، وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث من الدّور والنخل والأموال بين أهلها، ويكتبان الوثائق للناس. وقال خارجة: والله لقد رأيتنا ونحن غلمان شباب في زمان عثمان، فدفن في مؤخّر البقيع، وقال ابن سعد (٣): قال خارجة: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تدهورت، وهذه السنة لي سبعون سنة قد

стр. 2033

أكملتها، قال: فمات فيها./ (ص ٢٥٨) قال الواقدي (١) والهيثم (٢) بن عدي والجماعة: توفي سنة مائة، وقال الفلاّس (٣): توفي سنة تسع وتسعين، وقال رجاء بن (٤) حيوة لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين قدم قادم الساعة فأخبرنا أن خارجة بن زيد مات، فاسترجع وصفق بإحدى يديه على الأخرى، وقال: ثلمة والله في الإسلام.

стр. 2034

ومنهم ١٣٥ - عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي الكوفي (١) ذو اللفظ المتشعب، والحفظ المستوعب، والفهم الذي يذلل المستصعب، والعلم المريح إلا أنه لغيره المتعب، وكان يدمّث حواشي علمه بمزاح يندى أطاريفه، وبسط يوطّا رئفه (٢)، فكاهة تصقل الأفهام، وتزيل صدى الأوهام، وتحلّ عقد النشاط، وتمد طرف الانبساط، يمزح ولا يعدو الحق وإن لعب، ولا يزيد على أن يريح من حبسه الانحصار التعب، ولد سنة إحدى وعشرين، وقيل قبل ذلك، ويقال إنه أدرك خمسمائة من الصحابة، وروي أن ابن عمر مرّ به يوما وهو يحدّث بالمغازي فقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وحكى الشعبي قال: أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شئ إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أياما كثيرة، حتى استحثثت خروجي، فلما أردت الانصراف، قال: من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدفعت إليّ رقعة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك، فأوصل إليه هذه الرقعة، قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، وأنسيت الرقعة، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج فذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال: أقال لك شيئا قبل أن يدفعها/ (ص ٢٥٩) إليك، قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت لا، ولكني رجل من العرب في الجملة. ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رددت، فلما مثلت بين يديه، قال لي: أتدري ما في

стр. 2035

هذه الرقعة قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك. قال: أفتدري لم كتبها، قلت: لا، قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك. قال: فتأدّى ذلك إلى ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال. وروي أن الشعبي كلّم [عمرو] بن هبيرة (١) أمير العراقين في قوم حبسهم ليطلقهم فأبى، فقال له: أيها الأمير: إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن، وأقام في البطن سنتين، ويقال: إن الحجاج قال له يوما: كم عطاءك في السنة؟ فقال: ألفين. فقال: ويحك كم عطاؤك؟ فقال: ألفان، فقال: كيف لحنت أولا؟ قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير فأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه. وكان مزّاحا، يروى أن رجلا دخل عليه يوما ومعه امرأة في البيت، فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: هذه. وكان نحيفا ضئيلا، فقيل له يوما: ما لنا نراك ضئيلا، فقال: زوحمت في الرحم، أشار إلى توءمه المذكور. وكان إماما حافظا ذا فنون، قال أحمد العجلي (٢): مرسل الشعبي صحيح،
следующие страницы →