مولده في جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
صنّف التصانيف في علم الخلاف، منها: الطريقة المعروفة بطريقة العلا العالم، في مجلدات عدة، وشاعت في البلدان (١).
وكان إماما، فقيها، فاضلا، مناظرا، بارعا، وله عبارة حسنة، والباع الطويل في علم الخلاف والجدل (٢). ثم إنه تنسّك، وترك المناظرة، واشتغل بالخير إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة (٣).
ومنهم:
٤٢ - عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكردري (¬*)
أبو المفاخر، القاضي، الحنفي، الدانقيني، قاضي حلب.
رجل عنده الناس أسوياء، لا يشينه اللين والرياء، ولديه السلطان كآحاد الناس في اطّراد القياس. لا يبالي إذا رضي الله بمن غضب، ولا إذا وصل سبب الحق بما اقتضب، ولا إذا أطلّ دم الباطل بأي كفّ خضب، وقوفا مع الشريعة المطهرة، ونزعا لجلابيب الأباطيل المشهرة.
تفقّه على الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وبرع في الفقه، وحدّث بحلب، وكان يحفظ المبسوط لمحمد بن الحسن، وصنّف التصانيف الحسنة.
قال أبو القاسم عمر بن العديم في "تاريخ حلب": قدم الكردري حلب، فولّاه
стр. 2277
الملك العادل نور الدين محمود القضاء، وولي التدريس بالمدرسة التي وقفها حسام الدين لاجين، بحلب، وسمعت شيخنا أبا هاشم عبد المطلب يصفه بالدين، ويثني عليه بالعلم والفقه، ويفضّله على العلاء بن الغزنوي، وعلى الكاساني، وكان يتورع أن يجلس للحكم على حصر المدرسة، ويأمر برفعها إذا جلس للقضاء، ويقول: هذه الحصر للدرس، فلا يجوز استعمالها لغيره.
وكان له برسم القضاء حصير صغير يجلس عليها للحكم.
قال أبو هاشم: لما ولّى الملك العادل نور الدين أبا الفضل الشهرزوري قضاء القضاة بالبلاد الشامية، واستناب ابنه أبا حامد، قال السلطان نور الدين: نريد حاكما يحكم على مذهب أبي حنيفة بحلب. فذكر له الكردري، فسيّر إليه وعرض عليه القضاء فامتنع!. وقال: بنو الشهرزوري لا أقدر على النيابة عنهم.
فسير إليه نور الدين، وقال له: أنت نائب نور الدين لا غير. وليس للقاضي عليك أمر ولا ولاية، فأجاب وتولّى القضاء. فجعل أبو حامد ابن القاضي يقول:
امضوا إلى النائب، و: قولوا للنائب.
فغضب القاضي الكردري من ذلك، وتبين الغيظ في وجهه.
فقيل له: لست إلا نائب نور الدين!!.
فجعل بعد ذلك يمضي القضايا على ما يختار استقلالا. فكان عنده غلام جعله لمجلس الحكم يدعى سويدا، يحضر الخصوم إلى مجلس الحكم، فحضر بعض التجار وادّعى أن له على نور الدين دعوى.
فقال الكردري لسويد: امض في طلب نور الدين، فقيل لنور الدين: إن تاج الدين الكردري قد أرسل سويدا يطلب المولى إلى مجلس الحكم!. وذكر أنه حضر تاجر، وذكر أنه له دعوى شرعية على المولى، فقال نور الدين: يحضر الفرس حتى نركب إليه. السمع والطاعة. قال الله تعالى: ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اَللّهِ﴾
стр. 2278
﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ (١).
ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة، فاستدعى سويدا، وقال له: امض إلى القاضي تاج الدين، وسلّم عليه، وقل له: إنني جئت إلى هنا امتثالا لأمر الشرع، وهذا وكيلي يسمع الدعوى. وإن توجّهت عليّ يمين، أحضر إن شاء الله تعالى.
قال: فحضر الوكيل الدعوى، وسمع الدعوى. وتوجّهت اليمين، فقال الكردري: توجّهت اليمين، فليحضر. فلما بلغ نور الدين ذلك استدعى التاجر وأصلح الأمر فيما بينه وبينه وأرضاه ". توفي بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
٤٣ - محمد بن محمد بن محمد، أبو عبد الله السّرخسي (¬*)
رضي الدين، صاحب" المحيط " (٢).
بوّأته حلب مقامها، وقصّرت في عينه مددا أقامها، وقدّمت له من حلاوة حلاويتها (٣) ما طاب له به كل زمان مرّ، وأرته كل أوان ما سرّ، وأقام بين أهلها
стр. 2279
ولا يظن إلا أنه بين الكواكب نازل، وأن ما وجده بهم جد وصوب السحائب هازل، ولم يزل بينهم حتى أثرى، وأصبح لا يرى المال وإن جلّ كثرا (١).
قال: كان من الفقهاء المعتبرين من الحنفية، قدم حلب، ودرّس بالمدرسة النورية، والحلاوية بعد محمود الغزنوي، فتعصّب عليه جماعة، ونسبوه إلى التقصير، وإلى أنه ادّعى تصنيف المحيط، وحاله في الفقه تقصر عن ذلك، وذكر أن هذا الكتاب صنفه [شيخه] (٢)، وأنه وقع به وادّعاه لنفسه، وكان أكثر الناس في ذلك تعصّبا: افتخار الدين الهاشمي، وكتبوا فيه رقاعا إلى نور الدين الشهيد، يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفا كثيرا، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فسار إلى دمشق، فتولّى تدريس المدرسة المعروفة بمسجد خاتون، فلما مرض مرض الموت أحضر المحيط، وفتق كعابه جميعها، فأخرج منها ذهبا مقداره ستمائة دينار، وأوصى أن تفرّق على فقهاء المدرسة، ولم يكن له وارث، ومات.
فجاء نوّاب الحشر (٣)، وطلبوا أن ينزعوه، وكانت خاتون واقفة المدرسة في الحياة، ولها جاه، فامتنع الفقهاء من دفع ذلك إلى نواب الحشر بجاهها (٤).
стр. 2280
ومنهم:
٤٤ - أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (¬*)
علاء الدين، صاحب "البدائع" (١)، وساحب جلباب الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله (٢)، ولا من تضايق مجاله، وكان يسكتهم إذا هدر، ويسكتهم (٣) في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوى لا تدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتدّ وجدّل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقي الصّدغان (٤)، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل.
تفقّه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوّجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة.
قال ابن العديم في "تاريخ حلب" (٥): كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المجتهد بين مصيب ومخطئ، والحق في
стр. 2281
جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذّى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد افتأت (١) على الرجل، فاصرفه عنه.
فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة، ولا ينبغي أن نصرفه، بل ننفذه رسولا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلّص منه بهذه الطريق، فسيّر من الروم رسولا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصّب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغّروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يولّيه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك، فأجاب إلى ذلك، وقال: هذه الرسالة أمانة معي، فإذا أعدت الجواب إليهم، عدت بعد ذلك.
فكتب نور الدين خطه للكاساني بالمدرسة، فرجع وأعاد الجواب، وبسطت له سجادة بالمدرسة، وكانت تبسط كل يوم، ويجتمع الفقهاء حولها، إلى أن عاد.
فخرج جماعة عظيمة من الفقهاء، وتلقّوه، وأكرمه السلطان، وفوّض إليه النظر في أمر المدرسة، وزاوية الحديث بالجامع، فحدّث، ودرّس أيضا بالمدرسة الجاولية (٢).
قال ابن العديم: وكان حريصا على تعليم العلم، ونفع الطبة، مواظبا على ذكر الدرس، فقيها، عالما، صحيح الاعتقاد، كثير الذمّ للمعتزلة وأهل البدع، مصرّحا بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنّف في الفقه والأصول (٣).
стр. 2282
وكان له حصان يركبه ولا يركب غيره، ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل.
وكان له رمح يصحبه في الحضر والسفر، وكان عنده نخوة الإمارة، وعزة النفس، وكان شجاعا، وكان لا يأكل في عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمّص.
قال ابن العديم: "وحدّثني والدي، قال: كان الكاساني كثيرا ما يعرض [له] النقرس (١) في رجليه، ووجع المفاصل، وكان يحمل في محفّة من منزله، ويخرج إلى الفقهاء. ويذكر الدرس ولا يمنعه ذلك الألم من الاشتغال، ولا يخلّ بذكر الدرس، وإن نور الدين ربما عاده في بعض الوقت (٢).
قال: ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك إلى أن تناقصت في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلزم مكانه بالمدرسة، ثم عظم بعد ذلك أمره عند الملك الظاهر غازي، وما زال يحترمه إلى أن مات، وكان يصعد إلى القلعة راكبا، وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتّفق أن صعد يوما والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة، قام البوّاب، وقال: يدخل الشيخ ويرجع الفقهاء!. فلوى الشيخ عنان حصانه، وقال:
يرجع الشيخ أيضا، فبلغ الملك الظاهر ذلك، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء إلى مجلس السلطان (٣).
قال ابن العديم: وسمعت قاضي العسكر يقول: قدم الكاساني دمشق، فحضر إليه الفقهاء، وطلبوا منه الكلام معهم في مسألة، فقال: أنا لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسألة. فعيّنوا مسائل كثيرة، فجعل يقول:
ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى إنهم لم يجدوا مسألة إلا
стр. 2283
وقد ذهب إليها واحد من أصحاب أبي حنيفة، فانفضّ المجلس، ولم يتكلّموا معه (١).
ومما وجد ونقل من شعر الكاساني على ظهر نسخة بكتاب البدائع (٢):
سبقت العالمين إلى المعالي … بصائب فكرة وعلوّ همّه
ولاح بحكمتي نور الهدى في … ليال بالضّلالة مدلهمّه
يريد الجاحدون ليطفئوه … ويأبى الله إلا أن يتمّه
قال ابن العديم: سمعت ضياء الدين محمد بن خميس الحنفي يقول: حضرت الشيخ الكاساني عند موته، فشرع في قراءة سورة إبراهيم، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثّابِتِ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَفِي اَلْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فخرجت روحه عند فراغه من قوله: ﴿وَفِي اَلْآخِرَةِ﴾ (٣).
وكانت وفاته يوم الأحد بعد الظهر، عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل، بظاهر حلب.
وخلّف ولدا ذكرا، فتولّى الملك الظاهر غازي تربيته، والقيام بأمره، وكان صبيا، واجتهد في اشتغاله بالفقه، فلم ينجب (٤).
стр. 2284
ومنهم:
٤٥ - محمد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله الحنفي، الحلبي، أبو عبد الله (¬*)
ويعرف بابن الأبيض، أبو عبد الله، شمس الدين، قاضي العسكر، وقائل القول لا ينكر، وقائد الجحفل (١) إلا أنه لخفائه لا يظهر، ولظهوره لا يذكر.
تقلّد الملك منه رأيا ماضيا، وجرّد عزما قاضيا، وصرّح لحلب منه زبدتها، ووضح به في وجه شهبائها المغبر زبدتها، وعلا مقامها بمقامه في موطنها، وطارت بروق صرائرها (٢) المصلتة السيوف ذعرا من جوشنها (٣)، وترسل بكلم ألف من الوسائل، وأشجى من تغريد حمام الرسائل.
مولده بحلب، في صفر سنة ستين وخمسمائة، وتفقّه على والده يوسف بن الخضر، وأبي بكر الكاساني، وتفقّه عليه أبو القاسم بن العديم، مؤرّخ حلب.
وقال: نشأ بحلب، فلما انتقل أبوه إلى دمشق وولي القضاء بها، سار إلى والده، وتقدّم واتفق على الملك العادل، فولاه قضاء العسكر، وسيّره إلى الملوك في الرسائل، وقلّده عدة مدارس، ولم يزل كذلك حتى حصل بينه وبين ابن شكر وحشة خاف منها على نفسه، وكان العادل قد سيّره رسولا إلى حلب، وإلى الديار الشرقية.
قال ابن العديم (٤): وكان قد اتصل بوالدي، فلما ورد حلب عرض عليه الملك
стр. 2285
الظاهر غازي المقام بحلب، وضمن له أشياء، فأجباه إلى ذلك، وسار إلى البلاد الشرقية لأداء الرسالة، وعاد إلى حلب فأقام بها، وسير جواب الرسالة إلى الملك العادل، وولاه الملك الظاهر مدرسة شاذنحت (١).
قال: وحكى لي أنما سيره الملك العادل في هذه الرسالة ليتلطّف في طلب الدستور (٢) بألطف حيلة، وذلك أنه لما قال له: قد علم مولانا أنني قد تأهلت بحلب، وأنا أستخرج الإذن الكريم في المقام عند أهلي، عند قضاء شغل السلطان. فأذن له في ذلك، ظنا منه أنه يقيم مدة ثم يعود، ولم يزل بعد ذلك مقيما بحلب إلى أن ولّى الملك الظاهر افتخار الدين أبا هاشم عبد المطلب الهاشمي رياسة أصحاب أبي حنيفة، فاستوحش لذلك، وترك منصبه، وسافر إلى حماة، فأنزله الملك المنصور محمد بن عمر بها، وأكرمه، وولاه المدرسة النورية بها، ثم إن الملك الظاهر طلب من والدي عوده، فسار والدي إليه إلى حماة، وأعاده إلى منصبه بحلب.
قال ابن العديم: وكان دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، كريم الطباع، غزير العلم، كثير الورع، مليح النظم والنثر، أنشدني لنفسه:
أشدّ المحبين اشتياقا ووحشة … لمحبوبه صبّ يبيت على وعد
يخاف اجتنابا واقفا عن تعمد … وأصعب ما كان التجنّب عن عمد
توفي في رمضان، سنة أربع عشرة وستمائة، فجأة، وكان قد استدعى فقهاء المدرسة للإفطار عنده، ثم صلى العشاء والتراويح، وسجد، فمات (٣). رحمه الله تعالى. ودفن من صبيحته، بمقام إبراهيم الخليل [على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم].
стр. 2286
ومنهم:
٤٦ - عبد الله بن علي بن صائن بن عبد الجليل الفرغاني، أبو بكر، الفقيه الحنفي (¬*)
أحد الشهداء الذين قتلوا صبرا (١)، بوّئ من حواصل الطير الخضر المعلقة بساق العرش (٢) قبرا، من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون، والأوعياء غير أنهم لا ينطقون، وأمسوا نورا في قناديل الجنة التي إليها يأوون، وروحا في سرابيل النعيم، فلهذا على الأحياء لا يلوون.
قال ابن النجار في "ذيله": سكن سمرقند، وكان متولي الخطابة، قدم علينا بغداد حاجّا في صفر سنة ستمائة. وسمع الحديث من شيوخنا، وكان إماما كبيرا في المذهب والخلاف والجدل، ومعرفة الحديث، والنحو، واللغة، وله النظم والنثر. وما رأت عيناي إنسانا جمع حسن الصورة مع لطف الأخلاق وكمال التواضع، وغزارة الفضل، ومتانة الدين، والبراعة، وحسن الخط، والقدرة على الإنشاء نظما ونثرا، وفصاحة اللسان، وعذوبة الألفاظ، والصدق، والنبل، والثقة، [مثله] ولقد كان من أفراد الدهر، ونوادر العصر، كامل الصفات، بعيد المثل، قلّ أن تلد النساء مثله، ولقد تأدبنا بأخلاقه، واقتدينا بأفعاله، وتعلّمنا من فوائده وفرائده، واقتبسنا من علومه ما ينفس بالخناجر على الحناجر، قال: وأنشدنا
стр. 2287
لنفسه (١):
تحرّ - فديتك - صدق الحديث … ولا تحسب الكذب أمرا يسيرا
ومن كان بالكذب مستهترا … سيدو ثبورا ويصلى سعيرا
قال ابن النجار: وبلغنا أنه قتل شهيدا ببخارى، صابرا، محتسبا، على يد التتار الكفرة، حين استولوا عليها في ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة (٢).
ومنهم:
٤٧ - محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك أبو المحامد، جمال الدين الحصيري (٣) (¬*)
البخاري المولد، الحنفي، نزيل دمشق.
أحد أئمة الحنفية، ورئيسهم في وقته غير مدافع، ورأسهم الذي يتابع، ذو المكانة التي تفرج لها الصدور، وتحرج لرفعتها البدور، وقر له في خاطر السلطان
стр. 2288
ما (١) تسلّط به عليه، وتطأطأ بسببه لديه، وكان يدخل عليه إذا عرضت له إليه حاجة راكبا حماره، لا ينزل عنه حتى يصير إلى إيوانه (٢)، ويسير من باب القلعة فتتثعلب حوله أسود أعوانه، وكان إذا انتهى إلى السلطان، قام إليه وأنزله عن حماره بيده، ومشى معه حتى يجلسه في مقعده، ولولاه زمان (٣) الملك الأشرف موسى ما سلم ابن عبد السّلام، ولا تجلّى عنه الظلام.
مولده ببخارى، سنة ست وأربعين وخمسمائة (٤).
وتفقّه بها على جماعة منهم الحسن بن منصور قاضي خان، وتفقّه عليه جماعة منهم: العلامة ذو أفنون محمود بن عابد الصرخدي، وأبو المظفر سبط ابن الجوزي (٥)، وأبو الفتوح الملك المعظّم عيسى ابن العادل. وسمع الحديث بنيسابور وهو كهل، ولو سمع في صغره لكان سند أهل الشام، وروى مؤلفات محمد بن الحسن، وتفرّد بروايتها، وروى عنه الكبار من الشاميين.
قال أبو المحامد بن الصابوني: كان إماما فاضلا، تفقّه وصنّف، ودرّس وأفتى، وحدّث وانتفع به جماعة كثيرة، وكان جامعا للعلم والعمل، كثير التواضع، حسن المعاشرة. وتوفي في ثامن صفر، سنة ست وثلاثين وستمائة، وازدحم الخلق على جنازته، وحمله الفقهاء على الأصابع، ودفن بمقابر الصوفية في جانب الطريق (٦).
стр. 2289
ومنهم:
٤٨ - عبد الله بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر الحنفي، الأذرعي (¬*)
أبو محمد، قاضي القضاة، شمس الدين. عرف بالشمس عبد الله.
قاض لا يهاب ملكا، ولا يحابي مؤتفكا، ولا يحل عقدا، بذيل الشعر متمسكا، يقضي بالحق ولا يهاب، ويقول الصدق فما يعاب، ولقد شهد له يوم نكلت عنه القرناء، ونكصت الجبناء، أرغم فيه معطس (١) السلطان، وصدع في دآدية (٢) دجا العدوان، لقوة وهبها، ونعمة لولاها وجدت كثيرا قد سلبها (٣)، وهو أول من ولي القضاء بدمشق على مذهب الإمام أبي حنيفة استقلالا.
مولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة (٤).
كان والده حنبلي المذهب، وكان يتغالى في الشيخ الفقيه محمد
стр. 2290
اليونيني (١)، ويحبه محبة مفرطة، وبسببه انتقل إلى بعلبك، وقرأ ولده هذا عبد الله على الشيخ الفقيه القرآن العزيز. واستأذنه والده فيما يشتغل به ولده المذكور، فأشار عليه الشيخ الفقيه أن يشتغل في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، فاشتغل، وحفظ مختصر القدوري، ورحل إلى دمشق، وتفقّه بحيث صار المشار إليه في المذهب، وكان أحد الأئمة المشكورين، رفيع القدر، كثير الفضل، حسن الهيئة، وافر الديانة، عالي الإسناد، قوّالا بالحق، كثير التواضع، عديم النظير، قليل الرغبة في الدنيا، يقنع منها باليسير، ولا يحابي أحدا في الحق (٢).
ودرّس بالمدرسة المعظمية (٣)، بسفح قاسيون، وبالمدرسة المرشدية، وهو أول من درّس بها، واستنابه ابن سني الدولة ومن بعده في نيابة الحكم على مذهبه، ثم وليه مستقلا للحنفية في سادس جمادى الأولى سنة أربع وستين وستمائة، واستمر قاضي القضاة إلى أن توفي (٤).
قال أبو شامة (٥): "وفي سنة أربع وستين وستمائة، جاء من مصر من سلطانها الملك الظاهر بيبرس الصالحي ثلاثة عهود، لثلاثة من القضاة: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء، الحنفي المذكور. وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وزين الدين عبد السّلام الزواوي المالكي، وجعل كلّ واحد منهم قاضي القضاة، كما هو المنصب لشمس الدين ابن خلّكان الشافعي، وكان
стр. 2291
قد فعل بديار مصر في العام الأول كذلك، ولّوا أربعة، كل واحد منهم قاضي القضاة من المذاهب الأربعة، ولكل واحد منهم نائب، فلما وصلت العهود الثلاثة لم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز والتقصير، وقبل الحنفي لأنه كان نائبا للشافعية، واستمر على الحكم، ثم ورد الكتاب بإلزامهما، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا. فأجابا، ثم أصبح المالكي وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء وعن الأوقاف، فترك، واستمر الحنبلي، ثم ورد الأمر بإلزامه فقبل، واستمر الجميع لكن امتنع المالكي والحنبلي من أخذ جامكية (١) على القضاء، وقالا: نحن في كفاية، فأعفيا منه (٢).
قال أبو شامة (٣): " ومن العجب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة في زمن واحد، كل واحد منهم لقبه شمس الدين، واتفق أن الشافعي منهم استناب (٤) أيضا من لقبه شمس الدين!، فقال بعض الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا … من كثرة الحكام
إذ الجميع شموس … وكلهم في ظلام
وقيل أيضا (٥):
بدمشق آية قد … ظهرت للناس عاما
كلّما ولي شمس … قاضيا زادت ظلاما
стр. 2292
ولما وضعت الأيدي واحتيط على البساتين في الدولة الظاهرية، حضر السلطان بدار العدل، وجرى الكلام في ذلك، فتكلم القاضي شمس الدين عبد الله - المذكور - من بين الحاضرين. وقال: اليد لأرباب الأملاك، ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم، ومن استحلّ ما حرّم الله فقد كفر.
فغضب السلطان الملك الظاهر غضبا شديدا، وتغير لونه، وقال: أنا أكفر؟.
فجعل بعض أرباب الدولة يسكّن غضبه، ويقول: القاضي إنما اشار بالتكفير إلى من أفتى السلطان بذلك. وكان الذي حمل القاضي على ذلك مخافة الله ، وخشيته. وألقى الله على خاطره في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١).
وكانت العقبى إلى سلامة وخير. وصار للقاضي منزلة عند السلطان، وعلم دينه وصدقه في المقالة، وعظم في عينه، ثم كان يقول: لا تثبتوا كتبنا إلا عند القاضي الذي شتمنا! (٢).
توفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة، ثامن جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودفن بقاسيون (٣).
стр. 2293
ومنهم:
٤٩ - سليمان بن أبي العز بن وهيب بن عطاء (¬*)
أبو الربيع، وأبو الفضل، الحنفي، قاضي القضاة، صدر الدين.
صدر مذهبه الفسيح، ولسان فتاويه الفصيح، وسليمان وقته الذي فهّم، وسابق أقرانه الذي قدّم، صدر الدين المملوّ، وبدر الدين المجلو.
أضيف إليه بمصر مع القضاء قضاء عسكرها، وحضر الحروب فأضاء به وجه عثيرها، ثم جذبه الحنين إلى البلد، وأزعجه الأنين شوقا إلى الولد، فأعيد إلى دمشق متوليا للقضاء، ومتصديا للمضاء، فكان بها موافاة وفاته، ومكان محياه ومماته.
تفقّه على أبي المحامد محمود الحصري (١)، حتى برع في المذهب.
ودرّس بالظاهرية بدمشق قبل الفراغ من عمارتها، وإيماء قبتها المبنية إلى الهلال بإشارتها.
وكان الملك الظاهر يحبه ويبالغ في احترامه، وأذن له في الحكم حيث حل،
стр. 2294
وكان لا يكاد يفارقه في غزواته، وحجّ مرافقا له (١).
وكان إماما عالما، متبحرا عارفا بدقائق المذهب وغوامضه، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر والشام، وأقرأ الفقه بدمشق مدة، ثم توجه إلى الديار المصرية، واستوطنها، وحكم بها، وأفتى، ودرّس، وتصدّر، وقرأ عليه جماعة، ثم عاد إلى الشام قبل وفاته بيسير، واتفق وفاة ابن العديم فتقلّد بعده القضاء بالشام (٢).
وكتب له تقليد بخط أبي جعفر أحمد بن سعيد ابن الأثير، قال فيه: ولولا تشوقه إلى ولده، وتشوّفه إلى بلده لما حكم إلا بمرأى منا ومسمع، ولما نقلنا خاتم تصرّفه من أصبع إلى أصبع.
ثم أدركته المنية، فمات في ليلة الجمعة سادس شعبان، سنة سبع وسبعين وستمائة، ولم يخلف بعده في المذهب.
وكان عنده فضائل في غير الفقه، وولي الحكم بعده الرازي.
وله شعر، ومن شعره المروي: ما قاله في مملوك حسن الصورة من مماليك المعظّم ابن العادل، زوّجه بجارية من جواريه موصوفة بالحسن:
يا صاحبي قفا لي فانظرا عجبا … أتى به الدهر فينا من عجائبه
البدر أصبح فوق الشمس منزلة … وما العلو عليها من مراتبه
أضحى يماثلها حسنا وصال لها … كفوا وسار إليها في مواكبه
فأشكل الفرق لولا وشي نمنمة … بصدغه واخضرار فوق شاربه
стр. 2295
ومنهم:
٥٠ - عمر بن محمد بن عمر، أبو محمد الخجندي، المعروف بالشيخ جلال الدين الخبازي (¬*)
هو الطود أوله يوازى، والبحر لا بل البحر بعض ما يجازى.
رحل عن خجند ونهرها يترقرق عليه دمعا، بل نهر جيحون، لا بل سائر تلك الأنهار جمعا، وأسفت خوارزم فقامت تلطم بأيدي الأمواج بحيرتها، ويظهر في منقطع الرمل حيرتها، فلما قدم دمشق استحسن على خجند غوطتها الفسيحة، وبقعتها التي كأنها مداوس صفيحة، فحلّ فيها أينقه، ورعى في جانبها المخضرّ مؤنقه، وهجر ما سواها قائلا:
وجاشت من بلاد الصغد نفسي … وخافت من جبال خوارزم (١)
ورد دمشق وحجّ سنة تسعين وستمائة، ودرّس بالعزيّة البرانية بدمشق (٢)، ودرّس أيضا بمسجد خاتون، في رجب سنة تسعين وستمائة، وبقي مدرّسا به إلى أن مات، ودرّس أيضا بخوارزم، وأعاد بنظامية بغداد.
ومن تصانيفه: "المغني" (٣) في أصول الفقه، و"مصنّف في أصول الدين"، و"حواشي على كتاب الهداية" (٤).
стр. 2296
وكان فقيها، زاهدا، عابدا، متنسّكا، عارفا بمذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وتوفّي لخمس بقين من ذي الحجة، سنة إحدى وتسعين وستمائة، عن اثنتين وستين سنة (١).
ومنهم:
٥١ - محمد بن محمد بن نصر القلانسي (¬*)
أبو الفضل. المنعوت حافظ الدين، شيخ الإسلام ببلاد الشرق، والظاهر في السواد الأعظم كالفرق، أدّى الفرضيّ فرض شكره أو قارب، وقارض بوصفه الدّرّ وما راقب، أتى البيت الحرام مرة بعد أخرى، يرشدهم هداه، ويرشهم بوبل الغمام فيض نداه، ويريهم مناسكهم حيث يحز رقاب الحسّاد قبل الجزر مداه.
ولد ببخارى، في حدود سنة خمس عشرة وستمائة، وتفقّه على شمس الأئمة الكردري، وقرأ عليه الأدب وسائر العلوم، وسمع من جماعة (٢).
وذكر أبو العلاء الفرضي، فقال: كان إماما عالما، ربانيا، زاهدا، عابدا، مفننا، مدرسا، نحريرا، فقيها، فاضلا، محقّقا، مدقّقا، محدّثا، جامعا لأنواع العلوم، حائزا لقصب السبق في فنون الفضائل، علّامة في فني الأصولين (٣)، مشارا إليه في حلّ مشكلات الكشاف (٤).
قدم بغداد حاجا في الأيام المستعصمية، فحجّ وتوجّه إلى الشام قاصدا لزيارة إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسّلام والصلاة في بيت المقدس.
стр. 2297
وأقام بدمشق مدة، ثم حج ثانيا، ورجع إلى بغداد، وتوجّه إلى بخارى، فدخلها، ونشر العلوم بها، وكان شيخ الإسلام ببلاد المشرق، وكان مكرما للطلبة الواردين من البلاد، محسنا إليهم، مشفقا على التلامذة، ذا مروءة تامة، وسخاء، وكرم نفس، وكان ذا هيبة في الدين، يهابه كل أحد. وكان على قاعدة السلف علما وعملا، وزهدا وعبادة، قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء، فالثلث الأول:
للاستراحة، والثلث الثاني: للعبادة. والثالث: لمطالعة الدروس، وكان يتلألأ.
وجهه نورا، لم تر عيناي مثله في حسن سمته، وطريقته. انتهى كلامه (١).
قال: وتوفي ببخارى، في النصف الثاني من شعبان، سنة ثلاث وتسعين وستمائة (٢).
ومنهم:
٥٢ - الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان (٣)، أبو الفضائل، قاضي القضاة، حسام الدين، الرازي، الحنفي (¬*)
فاق فضلا متنوعا، وعلما متفرعا، ذكره يفيض سلسالا، ويفوت الغمام
стр. 2298
أرسالا، بجود ينبّه رياح المطالب الكسالى، ويدع سحّاح البروق كأجنحة البزاة رمت نسالا (١)، هذا مع مروءة غزيرة، وسيرة عزيزة، وسريرة ما أنزع شبهها السحاب غديره، وفواضل غطت على الرفاق، وفضائل بالقصد وكأنها بالاتفاق، وعلمان علم أديان يزكو بالإنفاق، وعلم أبدان لو عالج الزمان أفاق، وخطّ ما حملت مثل شعاره بالمنابر، ولا أمدت الأحداق نظير سواده في المحابر.
ولد في ثاني المحرم، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بأقسرا (٢)، وكتب الخطّ الحسن الفائق على الولي التبريزي.
وكان مجموع الفضائل، يعرف بالفقه، والنحو، والشعر، والأدب، والإنشاء، والطب.
ولي قضاء ملطية أكثر من عشرين سنة، ثم توجّه إلى الشام سنة خمس وسبعين وستمائة، خوفا من التتار، وأقام بدمشق، ودرّس في عدة من مدارسها الكبار، ثم باشر قضاء الحنفية بها في رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة (٣)؛ فحمدت سيرته، وكثر إحسانه ومروءته، وجرت أحكامه على السداد، وامتدت أيامه إلى أن تسلطن المنصور لاجين، فسار إليه إلى الديار المصرية، سنة ست وتسعين، فأقبل عليه إقبالا وافرا، وأكرم مورده، وعظّمه، وأحبّ مقامه عنده لمودّة كانت بينهما، فولاه القضاء بالديار المصرية، عوضا عن السروجي، وولي ولده جلال الدين قضاء دمشق حتى قتل المنصور لاجين، وزالت دولته، ثم عاد إلى دمشق سنة ثمان وتسعين وستمائة فخرج الناس للقائه، فورد دمشق على ما كان
стр. 2299
عليه من قضائها والتدريس بها، وغير ذلك من المناصب بتقليد جديد، وخلعة سلطانية لبسها يوم دخوله.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه (١): "حضرت مجلسه، فجرى شئ من الكلام، فرأيته يرجّح طريقة السلف، ويصوبها، وكان آخر أمره أنه خرج إلى الغزاة، وشهد المصاف، وكان آخر العهد، وذلك سنة تسع وتسعين وستمائة، فقيل: أسر، وقيل: استشهد، والله أعلم بما صار إليه (٢).
ومنهم:
٥٣ - إسماعيل بن عثمان بن محمد بن عبد الكريم بن تمام القرشي (¬*)
الدمشقي، الفقيه، الحنفي، أبو الفداء، رشيد الدين.
عرف بابن المعلم (٣)، نزيل القاهرة، حيث شيدت قصورها، وجيدت (٤)
стр. 2300
بسحب الوفود المنهمرة دورها، إذ ساقت إليها سيوف هولاكو من أبقت، وضمّت إليها من وقت، وأكنّت في حجرها أولئك الشّذّاذ، ومنّت على الطّرداء من وراء بغداد، فلاذوا منها بركن الحطيم، وعادوا من أمّها الرؤوف بحنو الوالدات على الفطيم، ووصلوا إليها أشلاء حتوف، مزّقتهم القواضب (١)، وفرقتهم النوائب، وأرّقتهم المخاوف، فجاؤوا إليها يقطعون السباسب (٢).
مولده في رجب، سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
قرأ القرآن بالروايات على علم الدين السخاوي، وقيل: برواية أبي عمرو، وتفقّه على الحصري وغيره، وقرأ النحو على ابن مالك. وروى الحديث عن الحسن بن الزبيدي، وشيخه السخاوي، وابن الصلاح، وابن خليل.
وانفرد بالرواية عن الحسن بن الزبيدي بالديار المصرية. وسمع منه جماعة من الأعيان، ودرّس بدمشق، وعرض عليه قضاؤها فامتنع (٣).
وكان شيخا جليلا، علّامة من أعيان الفضلاء وأصحاب الفتوى، لديه علوم شتى، وعنده زهادة وانقطاع عن الناس.
ثم توجّه إلى الديار المصرية في جفل (٤) التتار، هو وولده، وأقاما بها، فلازم الشيخ بيته جوار الجامع الأزهر، وكان أبو الفتح ابن دقيق العيد يعظّمه، ويثني على علمه وديانته وفضله (٥). وتوفي بالقاهرة سحر يوم الأربعاء، خامس رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة، وصلّى عليه بدمشق صلاة الغائب (٦).
стр. 2301
ومنهم:
٥٤ - محمد بن محمد بن أبي العز بن صالح بن أبي العز بن وهيب (¬*)
أقضى القضاة، الحنفي، الخطيب، شمس الدين، أبو عبد الله بن أبي البركات.
حاكم يخشع، وعالم يخضع، ومصرّف أقضية لا ترتد، وعيون المنايا إليه تتطلّع، ومطرف أندية بمثل جلابيب الشمس تتوشّع، وملحف أردية من الفخار جاءت المجرة على آثارها تتبع، يقضي وأنف الرمح راغم، ويمضي وطرف السيف واجم، وغير هذا من المحاسن التي تملأ بالوسامة عين المتوسم، والمآثر التي قلّ أن تكون لغيره، وبالله أقسم!.
مولده: ليلة الاثنين، سابع عشرين رمضان، سنة ثلاث وستين وستمائة، بسفح قاسيون (١).
تفقّه على الشيخ رشيد الدين سعيد، وتقي الدين التركي، وغيرهما. وسمع الحديث، وحدّث بدمشق، وطريق الحجاز، ودرّس وخطب، وأفتى، وكان إماما فقيها، فاضلا، يعرف بالفقه، بصيرا بالأحكام والقضايا، محمود السيرة في حكمه. حكم بدمشق نيابة عن ابن الحريري، وخاله صدر الدين علي الحنفي، فحكم بدمشق نيابة مدة عشرين سنة. ودرّس بالظاهرية، والقليجية، والمعظّمية، وخطب بجامع الأفرم، وهو أول خطيب خطب به بحضور بانيه نائب السلطنة،
стр. 2302
والقضاة والأعيان، ولبس الخلعة من القصر الظاهري، فشكرت فصاحته، وتوفّرت الأدعية لمنشئ الجامع.
وكان فيه ديانة، وخير، حسن الشّكل، تامّ المروءة، دمث الأخلاق، طيّب المعاشرة، كثير التودّد والإحسان إلى أصحابه ومعارفه، عنده قوّة نفس في الأحكام وإمضائها، ويقول على طريقة الفقهاء، ونظم عدّة مسائل في الفقه، ذكر فيها ضوابط وقيودا. وكان إذا صعد المنبر ليخطب تغيّر لونه، وطار لبّه، واحمرّت وجنتاه، وخنقته العبرة.
وعزّر مرة رجلا معتبرا من ذوي السيوف لسفه بدا منه في حق ابن قاضي القضاة، صدر الدين، وأبوه إذ ذاك خاله ومستنيبه، فكلبه كافل الممالك " تنكز"، وأنكر عليه ما فعل بغير إذنه، وقال: كيف تعزّر أنت مثل هذا لأجل قرابتك، وابن الذي استنابك؟.
فقال: يا أمير … الناس عندي سواء في الحق، إن كان قرابتي أو غير قرابتي، والذي استنابني أو غيره، وإذا وجب على واحد منهم أو له فعلته.
فقال كالمستهزئ به: فغدا بعده إذا وجب عندك علينا شئ افعله!.
فقال: نعم، والله لو وجب عليك شئ بحكم الشرع فعلته. وها قد عزلت نفسي!. وامتنع من الحكم حتى استرضي، وأعيد على كره منه.
فلما آن وقت الحج عزل نفسه، وحجّ، ومات - رحمه الله تعالى - عقيب قدومه متبرّئا من الأحكام، وذلك بكرة يوم الخميس آخر أيام من المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، بمسجد ابن يغمور، ظاهر دمشق. ودفن عند أقاربه بالقرب من المدرسة المعظّمية (١)، بسفح قاسيون.
стр. 2303
ومنهم:
٥٥ - علي بن أبي القاسم بن محمد بن عثمان، أبو الحسن، قاضي القضاة، صدر الدين البصروي، الحنفي (¬*)
أبو حنيفة الثاني، والمنمق لمذهبه المذهب أو الباني.
بحر يقذف أمواجا، وأسد يأكل من أهل الجدل ما جا (١)، وسحاب يرسل أفواجا، ذو يراع حطم القنا (٢)، وحطّ السيوف إلى أدنى، وكانت الفتاوى لا تنهض إلا إذا راشها مداد قلمه، ولا تدحض إلا إذا نصّلها ماضي تقدّمه، والمدارس لا تطير إن لم تجنّحه محاريبها، والفوائد لا تسير ما لم تصبحه جلابيبها (٣)، والعلوم تتجلى إذا قال أو كتب، وتتحلّى (٤) من فواقعها حببا حصباء ياقوت على أرض من الذهب.
مولده في أيام الخوارزمية، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، بقلعة بصرى (٥).
وتفقّه على والده، ثم على القاضي شمس الدين بن عطاء، وتفقّه عليه جماعة، وسمع الحديث من ابن عبد الدايم، وإسماعيل بن الدرجي، وابن عطاء القاضي، وابن النحاس، وغيرهم.
وخرّج له (٦) جزء حديث عن شيوخه، وحدّث به.
стр. 2304
وكان من أعيان الفقهاء الحنفية، ودرّس قديما، سنة أربع وستين وستمائة، وأذن له في الإفتاء في ذلك الوقت، وكانت له بعمّي شرف الدين سابق صحبة، وحجّ معه عديله في المحمل (١)، ولم يزل يترقّى في المدارس الكبار إلى أن ولي الحكم بدمشق على مذهبه. وحظي بصحبة رجل قدّمته، وأمطته الأيام وأخدمته، وبقي قاضي القضاة أكثر من عشرين سنة، وتفرّد في آخره عمره بالتقدّم على جميع أهل مذهبه لكثرة تحصيله، وجودة ذهنه، وغزارة استحضاره، وأذعن له الناس، وانتهت إليه رياسة العلم.
وكان نزها، نظيف العرض، عفيفا، مستغنيا بماله ومناصبه، وكان له ثروة وأملاك، وقاربت تركته ألف ألف درهم، وأوصى منها بثلثها صدقة.
كان حفظة (٢) للكثير من الحكايات والأشعار، حسن المناظرة، كثير الفوائد، ولي قضاء العساكر الشامية سنة تسع وسبعمائة، على قاعدة من تقدّمه من قضاة العساكر.
توفي ببستانه ب "سطرى" (٣)، ظاهر دمشق، يوم الأربعاء ثالث شعبان، سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المعظّمية.
стр. 2305
ومنهم:
٥٦ - محمد بن عثمان بن أبي الحسن، بن عبد الوهاب، الأنصاري، الدمشقي، أبو عبد الله (¬*)
قاضي القضاة بمصر والشام، شمس الدين ابن الحريري.
حافظ كتاب (الهداية) (١)، وحامل هذه الراية، قويّ لا يلين، قويم لا يبل له طعين، مصمّم كالسيف في اليمين، ميمّم طريق السلف لولا إفراط التكليف المبين، ماش على الجدد لو لم ينكب به خيلاؤه، ويخرج به عن الحد استعلاؤه، كان متوعّر الطريق، متعدّد التحقيق، متقعّر الألفاظ، يخرجها بكلفة كأن به خوانيق (٢)، وكما يحكى عنه أنه كان في بيته وبين أهله وجواريه إذ تطرح المؤنة (٣)، وتذاع الأسرار المصونة، لا يزداد حيث يتوسع مثله إلا تضييقا، وحيث ترق حاشيته إلا تعميقا، ثقالة جبلت عليها جبلّته، وانفضت لأجلها جملته، حتى قيل: إنه اتّخذ له نقيبة في بيته إذا دخل إليه قالت قدامه: "بسم الله، مولانا وسيدنا قاضي القضاة". ومن هذا وأمثاله. وأنه كان يقول لزوجته: أكرمي النقيبة فإنها تكرم بعلك، إلى غير هذا مما يثقل على القلوب سماعه، ويعرف أنه من الجبل الأصم قد نحتت طباعه، مما يضحك منه من سمع، ويعلم منه أنه ممن
стр. 2306
تبدّد عرضه ثم ما جمع.
مولده: بدمشق، في عاشر صفر، سنة ثلاث وخمسين وستمائة (١). وتفقّه على الشيخين عماد الدين ابن الشمّاع، ورشيد الدين سعيد.
وتفقّه عليه جماعة من أعيان العلماء الدمشقيين.
وسمع الحديث، وخرج له جزء عن عشرة من شيوخه، وحدّث به بدمشق، والقاهرة، وشرح محفوظه في عدة مجلّدات، وله تعاليق ومسوّدات.
درّس بدمشق بالمدارس الكبار، وتولّى قضاء القضاة بها، ثم صرف فثبت لذلك، والتزم أن لا يتعرّض لطلب هذا الأمر، وإنه كان في تعب ثم أعيد إلى القضاء وبعض مدارسه التي كانت بيده، ثم أعيدت إليه المدرسة التي كانت خلفت عنه من مدارس، درّس بها نحو شهر ونصف، ثم صرف عنها.
ثم طلب إلى الديار المصرية لقضاء القضاة بها، فتوجّه إليها، ودخلها في شهر ربيع الآخر، وكان عنده قوة نفس في الأحكام وإمضائها، مراعيا للمذهب، لا يراعي زيدا ولا عمرا، ولا يألو ذمّا ولا شكرا.
ولما كان بالديار المصرية اتفق أن الأمير الكبير بكتمر الساقي كان له إصطبل بأرض بركة الفيل، والأرض لورثة الملك الظاهر بيبرس وقف عليهم، فتعرض إليهم، وقيل: إن الأرض زادت معهم، فأرسل وكيل بيت المال، ونواب الحكم، والعدول، لقياس الأرض، فلم تزد شيئا. فأرسلوا مرة أخرى، فقيل: إنها زادت قطعة، فقالوا: أعطونا أرض الإصطبل عوضا عن هذه الزيادة؟. فقيل: الأرض وقف، وما يمكن التعويض، لكن يشهد علينا بقبض أجرة الأرض مهما أردتم من السنين.
فقيل للسلطان: إن مذهب أبي حنيفة يجوز فيه الاستبدال بالوقف، وطلب
стр. 2307
منه ذلك فامتنع. وقال: هذه رواية عن أبي يوسف، وأنا لا أعمل بها. فولّى السلطان بمصر سراج الدين عمر صهر السروجي حاكما. وعزل ابن الحريري عن الحكم بمصر دون القاهرة. وأجاب سراج الدين إلى الحكم بالاستبدال واختاره.
وبقي على قضاء مصر مدة يسيرة ثم مات قبل أن يحكم بالاستبدال. وأعيد ابن الحريري فعظمت مكانته عند السلطان بهذه الواقعة، وخلع عليه ليلة عيد الفطر. وكان ذلك سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يزل متولي الحكم إلى أن توفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وكان له جنازة عظيمة (١).
وكان حسن السيرة في منصب الحكم، له همة ونهضة، وعليه مهابة، وله وقع في قلوب الأكابر والأصاغر، والخاص والعام، وله قصد في استخلاص الحقوق، وفصل القضايا، وهو موصوف بالطريقة الحميدة، والنزاهة والديانة، نقيّ العرض، لا يقبل لأحد هدية ولا رشوة، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، وكان ملازما للاشتغال وإعادة محفوظاته، وله أوراد في ذلك، وكان فيه مودّة لأصحابه ومعارفه، كثير النفع لهم.
стр. 2308
ومنهم:
٥٧ - إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف المعروف بابن عبد الحق، أبو إسحاق (¬*)
قاضي القضاة، برهان الدين.
حقّ ظهر به برهانه، وصدق تحلّى به زمانه، إبراهيم حلم وكل الناس ضيفانه، ونوح علم وبحر الفقه طوفانه، وبقية في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، بقي فيه وحده أمة، وتفرّد وقد درجت الأئمة (١)، فقام للدين برهانا، وقام للحق فقعد الباطل مهانا.
ولي قضاء القضاة بالديار المصرية، بسيرة ملأت صدور الإيمان سرورا، وأنبئت في مقل النجوم نورا، وكان يحضر مجلس السلطان يصدع بما يؤمر، ويتكلم ورفاقه جلوس كأنه عليهم مؤمّر، ليس إلا في فقه ينقله في موضعه، وعلم يستحضر لأنفعه، ثم عمل عليه عند السلطان من عمل على الناس عنده حتى أخلى منه الأوطان، وأتى دمشق وصار بها صدر ناديها، وبدر واديها، وغيث صنائعها، وجميل أياديها.
تفقّه على الشيخ تقيّ الدّين أبي الربيع سليمان التركي الزاهد، وسمع الحديث من ابن النجار، وطائفة، وخرّج له مشيخة في الحديث، وحدّث بها
стр. 2309
بالقاهرة، ودرّس بدمشق بالمدرسة الشبلية (١)، وبالمدرسة الفرخشاهية (٢)، ظاهر دمشق، وأعاد في كبار المدارس، وتصدّر للإفادة بالجامع الأموي، ورجع إليه في مهمات الفتاوى والوقائع، ولم يكن في وقته أفقه منه في مذهبه، ولا أتمّ بحثا، ولا أدقّ نظرا، ولا أعذب لسانا، عارف بغوامض المذهب ومشكلاته، حديد النظر، شديد الفكر في الفقه، وله تصرف في جملة من علوم الشريعة، ويحب الفضلاء من أرباب المذاهب وطلبة الحديث.
وبرز المرسوم السلطاني الملكي الناصري في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بطلبه من دمشق إلى الديار المصرية، قاضيا بعد ابن الحريري، فقابله بالامتثال، وتوجه إليها على خيل البريد، وفوّض إليه قضاء القضاة، وتدريس المدارس الكبار، وخلع عليه، وأكرم مورده، ورسم له ببغلة سلطانية، وركب الأعيان، والحجّاب وبعض أرباب الدولة في خدمته، وقرئ تقليده، وحكم. وألقى الدروس البديعة، وأقام هناك نحوا من عشر سنين، ثم صرف عن القضاء، وعاد إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأقام بها مدة ليس له راتب ولا معلوم، وهو قانع صابر، ثم ولي تدريس المدرسة العذراوية بدمشق، ولم تزل الفضلاء يترددون إليه ويستفيدون منه ويرجعون إلى رأيه، وله المصنفات المفيدة، وله مسائل مفردة عديدة.
توفي ليلة الأربعاء سابع عشر ذي الحجة، سنة أربع وأربعين وسبعمائة (٣).
стр. 2310
ومنهم:
٥٨ - أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرازي (¬*)
الحنفي، أبو المفاخر، قاضي القضاة، جلال الدين.
نزيل دمشق، طالما تكلّم والناس سكوت، وامتدّ به البقاء وحياة العلم أنه لا يموت، مع كرم مهل اليدين، وسماح متهلّل الفرقدين، وعلم وعمل، وسويّ دين ومروءة كأنما يتقاضى منها بدين، وأريحية يهزه طربها، ويلزّه (١) أربها، ويعزه بها فريقا الأمم عجمها وعربها.
يوفي حقوق الناس بسعة، بل يسلفهم، ويعدهم بلسان حال فعله ثم لا يخلفهم، ويبسط كفا ما تعوّد في السماح قبضها، ويدا لا تجسّ يد الثريا في عرق البرق نبضها.
مولده: بمدينة أنكوريا (٢)، سنة إحدى وخمسين (٣).
وتفقّه على والده وغيره، وقرأ القرآن الكريم، والتفسير، والنحو، والتصريف، والخلاف، والجدل، وأصول الدين، والفقه، والفرائض، وسمع الحديث، وحدّث بدمشق، وولي القضاء ب "خرتبرت"، وأعمالها، وعمره سبع عشرة سنة، ثم قدم دمشق، فناب عن والده في الحكم، سنة ست وتسعين وستمائة، ثم وصل تقليده بالاستقلال بالحكم سنة سبع وتسعين، واستقرّ والده بالديار المصرية،
ودرّس بالمدارس الكبار، وبدمشق، وحجّ ثلاث مرات.
стр. 2311
وهو كثير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيّب الأخلاق، سخي النفس جدا، محبوب عند الفرق كلها، متودّد إلى الناس، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب قاصدا، يحب أهل العلم، ويصلهم كل وقت، ويدنيهم.
وله نيّف وسبعون سنة يدرّس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكام والمدرسين، والمفتيين كانوا فقهاء عنده، وقلّ منهم من درّس وأفتى بغير خطه، وهو محترم عند الدولة، مسموع الكلمة، مقبول القول، لا يصدر عنه إلا الخير، ولا يؤثر عنه إلا الجميل.
ولما قدم السلطان من الكرك - دمشق، في سلطنته الأخيرة، سنة تسع وسبعمائة، تردّد الرازي إليه، وأنفق عليه، وحضرته، وقد جلس هو والقضاة إلى جانب السلطان وقت صلاة الجمعة، بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم تحر القضاة جوابا، فقال هو للسلطان - بالتركي -: هؤلاء حميرا، ما فيهم من يعرف التفسير. ثم أخذ يفسرها له بالتركي.
فقال له: لم لا تقول بالعربي؟.
فقال: لأنّ هؤلاء ما هم أهل لأتن أعلمهم، وإنما الخطيب يعرف عن القزويني، وسيتفرج مولانا السلطان عليّ وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة.
فضحك السلطان وجميع من حضر، وفسر أيدمر الدوادار السؤال، لوالدي قوله وأنا أسمع. ثم جاء الخطيب فخطب وصلوا فلما فرغ السلطان وأعاد السؤال فتكلّم هو والرازي وتناظرا، والقضاة سكوت، قد سقطوا من الأعين كلها!.
وكان الاستظهار للرازي] (١).
стр. 2312
وحكى لي أعجوبة جرت له، قال: كان والدي قد سفّرني لإحضار أهله من الشرق، فلما جزت البيرة، ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة، فبينا أنا نائم إذا بشئ يوقظني، فانتبهت، فإذا أنا بامرأة وسط من النساء، لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت، فقالت: ما عليك!. إنما أتيتك لتتزوّج ابنة لي كالقمر، فقلت لخوفي منها: على خيرة الله!. ثم نظرت، فإذا برجال قد أقبلوا، فنظرتهم، فإذا هم كهيئة المرأة التي أتتني، عيونهم كلها مشقوقة بالطول، في هيئة قاض وشهود، فخطب القاضي، وعقد، فقبلت، ثم نهضوا وعادت المرأة، ومعها جارية حسناء إلا أن عينها مثل عين أمها، وتركتها عندي وانصرفت، فزاد خوفي واستيحاشي، وبقيت أرمي من كان معي بالحجارة لينتبهوا، فما انتبه والله ولا واحد منهم، فأقبلت على الدعاء والتضرع، فلما كان في اليوم الرابع أتتني المرأة وقالت: كأن هذه الشابة ما أعجبتك، كأنك تختار فراقها؟. فقلت: إي والله. قالت: فطلّقها، فطلّقتها، فانصرفتا ثم لم أرهما، فسألته إن كان أفضى إليها؟ فزعم أن لا.
وهذا آخر من ذكرته من الفقهاء الحنفية بالجانب الشرقي، فأما من بالجانب الغربي من الحنفية فلم أر من أهل الذكر منهم بالجانب الغربي المحض إلا رجلا واحدا، كدت أكون له بعدم عرفاني به جاحدا، هذا وقد نقبت في البلاد، وقمت لهذا الأمر ملقيا عن كتفي البجاد (١).
стр. 2313
وهو:
٥٩ - محمد بن عبد الله بن عبدون بن أبي ثور الرعيني (¬*)
قاضي أفريقية، المعروف بابن عبدون الحنفي.
مولى رعين، ومرمى كل عين. أنبت في أرض المغرب شقائق النعمان، وصرخ بذكر أبي حنيفة في أذنها في ذلك الزمان، حتى ملأ مذهب الكوفة تلك المسالك، وملك أبو حنيفة الغرب كأنه مالك، وتولّى القضاء بأفريقية فكانت لا تعدل بعلمه أحدا، ولا تقول لغير حكمه دائم النفوذ أبدا.
قال ابن يونس: حدّث عن سليمان بن عمران الإفريقي، وغيره، حدّثنا عنه غير واحد، وحدّثنا أبو جعفر الطحاوي عنه بما كتب إليه إجازة (١).
وذكره أبو بكر عبد الله بن محمد في "رياض النفوس" في علماء أفريقية، وقال: إنه كان عالما بمذهب العراقيين، يتفقّه لأبي حنيفة، ويحتجّ له، قال: وله تواليف كثيرة، وكان أكثر علمه الشروط، وله في ذلك تواليف حسنة، وكان حسن الغريب، والنحو، وقلمه خير من لسانه (٢).
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الربعي، عن أبيه: قال: ولي الأمير إبراهيم بن أحمد، محمد بن عبدون قضاء القيروان، وجلس في جامعها سنة خمس وسبعين ومائتين، وكان الأمير محبا له، معجبا به، وعزل عن القضاء في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين.
стр. 2314
وقال أبو علي في "المغرب": انتهى محمد بن عبدون في الدرجة ورفيع الذكر إلى ما فاق به على أقرانه، وسبق نظرائه، وأصبح نسيج وحده، وواحده عصره، معرفة، وفقها، وأدبا، ومنظرا، وجمالا، وأبّهة، ونزاهة، وصيانة، آل به عظمها إلى أن وصف بالكبر والعجب في فعله وخلقه، وكان يضرب به المثل، يقال: إذا أغلق ابن عبدون بابه لم يحتج إلى غيره لعلمه بالفقه واللغة، والشعر، والرسائل، قال: وكان يتفقّه بفقه أبي حنيفة.
وتوفي بإفريقية سنة ثلاثمائة، وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين.
وهذا بالغرب أول القوم وآخرهم، وبعضهم وسائرهم، كأنما كان في ذلك الجانب بيضة الديك، أو الفارّ من مضايقة الشريك.
стр. 2315
فأما من كان منهم بمصر، فجماعات في كل حين، تزين بهم الدهر، وشرف الزمان، فمنهم:
٦٠ - إبراهيم بن الجراح بن صبيح التميمي، ثم المازني (¬*)
القاضي الحنفي، قاضي مصر. مولى بني تميم، ثم لبني مازن من أهل مرو الروذ (١)، والقاعد في الصدور وسواه منبوذ، والزناد الذي من سنا قبسه مأخوذ.
خراساني غلبت مصر عليه بلده البعيد (٢)، وجذبت منه الذهب جذب المغناطيس للحديد، واستهدت ديباجه الخسرواني الخراساني، واستشفت زجاجه النيراني النوراني، واستهدت في جانبها الغربي نيّره الذي افترّ عنه ثغر الصباح، ونهاره الذي تبحر بها لما انفجر فجره من الأفق الشرقي وساح.
تفقّه على أبي يوسف، وهو من أصحابه خاصة، وكتب عنه الأمالي، وكان أبو يوسف يقول له: تأخذ المسألة من عندنا طرية، وتردها منك حلية. وسمع الحديث، ونزل مصر فولّي القضاء بها سنة خمس ومائتين، وعزل نفسه، سنة إحدى عشرة ومائتين (٣).
وقيل: مات بالرملة (٤).