وهو كثير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيّب الأخلاق، سخي النفس جدا، محبوب عند الفرق كلها، متودّد إلى الناس، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب قاصدا، يحب أهل العلم، ويصلهم كل وقت، ويدنيهم.
وله نيّف وسبعون سنة يدرّس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكام والمدرسين، والمفتيين كانوا فقهاء عنده، وقلّ منهم من درّس وأفتى بغير خطه، وهو محترم عند الدولة، مسموع الكلمة، مقبول القول، لا يصدر عنه إلا الخير، ولا يؤثر عنه إلا الجميل.
ولما قدم السلطان من الكرك - دمشق، في سلطنته الأخيرة، سنة تسع وسبعمائة، تردّد الرازي إليه، وأنفق عليه، وحضرته، وقد جلس هو والقضاة إلى جانب السلطان وقت صلاة الجمعة، بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم تحر القضاة جوابا، فقال هو للسلطان - بالتركي -: هؤلاء حميرا، ما فيهم من يعرف التفسير. ثم أخذ يفسرها له بالتركي.
فقال له: لم لا تقول بالعربي؟.
فقال: لأنّ هؤلاء ما هم أهل لأتن أعلمهم، وإنما الخطيب يعرف عن القزويني، وسيتفرج مولانا السلطان عليّ وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة.
فضحك السلطان وجميع من حضر، وفسر أيدمر الدوادار السؤال، لوالدي قوله وأنا أسمع. ثم جاء الخطيب فخطب وصلوا فلما فرغ السلطان وأعاد السؤال فتكلّم هو والرازي وتناظرا، والقضاة سكوت، قد سقطوا من الأعين كلها!.
وكان الاستظهار للرازي] (١).
стр. 2312
وحكى لي أعجوبة جرت له، قال: كان والدي قد سفّرني لإحضار أهله من الشرق، فلما جزت البيرة، ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة، فبينا أنا نائم إذا بشئ يوقظني، فانتبهت، فإذا أنا بامرأة وسط من النساء، لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت، فقالت: ما عليك!. إنما أتيتك لتتزوّج ابنة لي كالقمر، فقلت لخوفي منها: على خيرة الله!. ثم نظرت، فإذا برجال قد أقبلوا، فنظرتهم، فإذا هم كهيئة المرأة التي أتتني، عيونهم كلها مشقوقة بالطول، في هيئة قاض وشهود، فخطب القاضي، وعقد، فقبلت، ثم نهضوا وعادت المرأة، ومعها جارية حسناء إلا أن عينها مثل عين أمها، وتركتها عندي وانصرفت، فزاد خوفي واستيحاشي، وبقيت أرمي من كان معي بالحجارة لينتبهوا، فما انتبه والله ولا واحد منهم، فأقبلت على الدعاء والتضرع، فلما كان في اليوم الرابع أتتني المرأة وقالت: كأن هذه الشابة ما أعجبتك، كأنك تختار فراقها؟. فقلت: إي والله. قالت: فطلّقها، فطلّقتها، فانصرفتا ثم لم أرهما، فسألته إن كان أفضى إليها؟ فزعم أن لا.
وهذا آخر من ذكرته من الفقهاء الحنفية بالجانب الشرقي، فأما من بالجانب الغربي من الحنفية فلم أر من أهل الذكر منهم بالجانب الغربي المحض إلا رجلا واحدا، كدت أكون له بعدم عرفاني به جاحدا، هذا وقد نقبت في البلاد، وقمت لهذا الأمر ملقيا عن كتفي البجاد (١).
стр. 2313
وهو:
٥٩ - محمد بن عبد الله بن عبدون بن أبي ثور الرعيني (¬*)
قاضي أفريقية، المعروف بابن عبدون الحنفي.
مولى رعين، ومرمى كل عين. أنبت في أرض المغرب شقائق النعمان، وصرخ بذكر أبي حنيفة في أذنها في ذلك الزمان، حتى ملأ مذهب الكوفة تلك المسالك، وملك أبو حنيفة الغرب كأنه مالك، وتولّى القضاء بأفريقية فكانت لا تعدل بعلمه أحدا، ولا تقول لغير حكمه دائم النفوذ أبدا.
قال ابن يونس: حدّث عن سليمان بن عمران الإفريقي، وغيره، حدّثنا عنه غير واحد، وحدّثنا أبو جعفر الطحاوي عنه بما كتب إليه إجازة (١).
وذكره أبو بكر عبد الله بن محمد في "رياض النفوس" في علماء أفريقية، وقال: إنه كان عالما بمذهب العراقيين، يتفقّه لأبي حنيفة، ويحتجّ له، قال: وله تواليف كثيرة، وكان أكثر علمه الشروط، وله في ذلك تواليف حسنة، وكان حسن الغريب، والنحو، وقلمه خير من لسانه (٢).
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الربعي، عن أبيه: قال: ولي الأمير إبراهيم بن أحمد، محمد بن عبدون قضاء القيروان، وجلس في جامعها سنة خمس وسبعين ومائتين، وكان الأمير محبا له، معجبا به، وعزل عن القضاء في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين.
стр. 2314
وقال أبو علي في "المغرب": انتهى محمد بن عبدون في الدرجة ورفيع الذكر إلى ما فاق به على أقرانه، وسبق نظرائه، وأصبح نسيج وحده، وواحده عصره، معرفة، وفقها، وأدبا، ومنظرا، وجمالا، وأبّهة، ونزاهة، وصيانة، آل به عظمها إلى أن وصف بالكبر والعجب في فعله وخلقه، وكان يضرب به المثل، يقال: إذا أغلق ابن عبدون بابه لم يحتج إلى غيره لعلمه بالفقه واللغة، والشعر، والرسائل، قال: وكان يتفقّه بفقه أبي حنيفة.
وتوفي بإفريقية سنة ثلاثمائة، وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين.
وهذا بالغرب أول القوم وآخرهم، وبعضهم وسائرهم، كأنما كان في ذلك الجانب بيضة الديك، أو الفارّ من مضايقة الشريك.
стр. 2315
فأما من كان منهم بمصر، فجماعات في كل حين، تزين بهم الدهر، وشرف الزمان، فمنهم:
٦٠ - إبراهيم بن الجراح بن صبيح التميمي، ثم المازني (¬*)
القاضي الحنفي، قاضي مصر. مولى بني تميم، ثم لبني مازن من أهل مرو الروذ (١)، والقاعد في الصدور وسواه منبوذ، والزناد الذي من سنا قبسه مأخوذ.
خراساني غلبت مصر عليه بلده البعيد (٢)، وجذبت منه الذهب جذب المغناطيس للحديد، واستهدت ديباجه الخسرواني الخراساني، واستشفت زجاجه النيراني النوراني، واستهدت في جانبها الغربي نيّره الذي افترّ عنه ثغر الصباح، ونهاره الذي تبحر بها لما انفجر فجره من الأفق الشرقي وساح.
تفقّه على أبي يوسف، وهو من أصحابه خاصة، وكتب عنه الأمالي، وكان أبو يوسف يقول له: تأخذ المسألة من عندنا طرية، وتردها منك حلية. وسمع الحديث، ونزل مصر فولّي القضاء بها سنة خمس ومائتين، وعزل نفسه، سنة إحدى عشرة ومائتين (٣).
وقيل: مات بالرملة (٤).
стр. 2316
ومنهم:
٦١ - القاضي بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي (¬*)
والحارث بن كلدة صاحب رسول الله (١) ﷺ ، وبكار: قاضي الديار المصرية.
البزّ الرفيع، والعز المنيع، والورع المشهور شهرة الأعلام، المشهود به شهادة الإسلام، الراسخ علما، الراسي ثباتا، وقد حبس ظلما، أبت له عفّته أن يرنّقها (٢) بتكدير، وأمانته أن يضيّعها بألوف الدنانير.
وكان يعلم الحمد لله هكذا قدر إيذانا (٣) بأنه أكره على القضاء إذ ولي، وأنه كان يكره منه ما يلي، كفّرت به ثقيف سيئة مبيرها (٤)، وغطت سوءة شرّيرها، وعفّت أولها وأخيرها، ولأهل مصر فيه حسن معتقد، وفرط غلوّ لا ينتقد،
стр. 2317
وصدق فراسة أخمدت جمر البرق وقد وقد.
وقد كان حنفي المذهب، تولّى القضاء بمصر، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له (١)، فيتركها ولا يتصرف فيها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل - وهو والد المعتضد - من ولاية العهد، امتنع القاضي بكّار من ذلك، والقضية مشهورة، فاعتقله ابن طولون، وطالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه في كل سنة، فحمله إليه بختمه، فكان ثمانية عشر كيسا، فاستحيا أحمد منه، وكان يظنّ أنه أخرجها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجونا مدة سنين، وكان يحدّث في السجن من طاق فيه، لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع سماع الحديث من بكار، وسألوه الإذن له في الحديث، ففعل (٢).
توفي قاضيا يوم الخميس لستّ بقين من ذي الحجة، سنة سبعين ومائتين، وقبره معروف باستجابة الدعاء (٣).
стр. 2318
ومنهم:
٦٢ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد عرف بابن أبي العوّام السعدي، الحنفي (¬*)
قاضي مصر، وبها الإسماعيلية لا يحكم إلا بآرائها، ولا تزداد أضاليلها باللوم إلا من أغرابها، فقضى بالحق وعدل، ومضى على سننه وما لواه الجدل، ولم يظلم في وجهه سواد تلك النحل المضلّة، ولا شدت عليه تلك الشبه طرف الأدلة، ولا ربطت تلك البدع على ما ينافي الملة، وكذلك كان شأنهم في الدين لا يكرهون، وعلى الباطل لا ينيمون، ولكنهم له ينبّهون، لا يقلبون الصور ولكنهم يشوّهون، ولا يغلطون الحقائق ولكنهم يشبهون، ولا يخبثون الخالص بغشهم ولكنهم يموهون.
مولده بمصر، سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. له بيت كلهم يتفقهون على رأي أبي حنيفة، وكان من صباه من أهل الصيانة طالبا للحديث والفقه.
قال إسماعيل بن علي الحسيني في أخبار القضاة بمصر: حدثني أبو حفص الفرائضي: أنه دخل إلى مجلس القاضي أبي الطاهر هو وأبو يوسف بن إسحاق، فقال للحكمي الوراق: يا أبا حفص، ترى هذين الحدثين؟، سوف يكون لهما بمصر شأن!!، فما مضت الأيام والليالي حتى ولي أبو العباس القضاء، وصار أبو يوسف شيخ الشيوخ.
ولما استخلفه أبو الطاهر على الفرض، كان الخصوم يخرجون من عنده وهم يشكرون تأنّيه ولطفه. وحصل له في قلوب الناس الموضع الجليل، ولم يعلم عليه
стр. 2319
إلا الخير والصيانة والديانة.
فلما قتل مالك بن سعيد، بقي الناس بلا قاض من ربيع الآخر إلى شعبان سنة خمس وأربعمائة. ويتطلع كل إنسان إلى القضاء غير أنهم جزعون بما جرى على من تقدّمهم، وقام في نفس أبي يعقوب بن إسحاق، وكذلك سليمان بن رستم، وما يجري مجراهما، فلزموا موكب الحاكم، وأبو العباس بن أبي العوّام هذا لازم داره، ينظر في الفرض (١)، ويشهد، ولم يسأل الحاكم أن يكون في جملة من يدخل إليه.
وكان بمصر رجل مكفوف يعرف بأبي الفضل جعفر الضرير، من أهل العلم والنحو، واللغة، فقدّمه الحاكم، وخلع عليه، وأقطعه، ولقّبه بعالم العلماء، وسأله عن الناس واحدا واحدا، من يصلح منهم، وهو أعلم بما يسأل عنه، وإنما أراد أن ينظر مبلغ عقله، فذكر أبا العباس بن أبي العوّام وغيره، فوقع الاختيار على أبي العباس، فقيل للحاكم: يا أمير المؤمنين، ما هو على مذهبك، ولا من مذهب من تقدّم من سلفك، غير أنه نفسه مأمون، مصري، عارف بالقضاء، عارف بالناس، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره.
وقام أبو الفضل الضرير من عند الحاكم وقد أحكم له الأمر، فأمر الحاكم أن يكتب له سجل، وشرط عليه فيه أنه إذا جلس في مجلس يكون معه أربعة من فقهاء الحاكم، كي لا يحكم إلا على المذهب.
وقرئ عهد على المنبر بالجامع العتيق، وزكّاه فيه بأحسن تزكية وخلع عليه، وحمله على مركب حسن، وجعل له النظر في القاهرة، ومصر والحرمين، وسائر الأعمال، ما خلا فلسطين، فإن الحاكم ولّاها أبا طالب المعروف بابن بنت الرندي، ولم يجعل لأبي العباس عليه نظرا، وكان هذا يجلّ نفسه عن قضاء
стр. 2320
مصر وأعمالها، غير أن هيبة الحاكم جعلته امتثل أمره.
وجعل الحاكم لأبي العباس بن أبي العوام هذا النظر في العيار في دار الضرب (١)، والموازين، والمواريث، والنظر في أحباس المساجد والجوامع (٢)، فوليها أبو العباس وهو موسر (٣) من نفسه، وعلم أنه مقتول لا محالة!، وإنما حب الدنيا غلب عليه، ومنع الله يد الحاكم أن تمتد إليه بسوء لما بقي له من الأجل، وكان يركب أيام الجمع مع الحاكم، ويطلع يوم السبت إليه يعرّفه ما يجري من أمر الأحكام، والشهود، والأمناء، وغيرهم، وما يتعلّق بالحكم. ويوم الأحد يجلس في الجامع العتيق، ويوم الثلاثاء يجلس في القاهرة، في الجامع الأزهر يحكم بين أهلها، ويوم الأربعاء سأل الحاكم أن يجعله له راحة، فاشترى دارا بالقرافة ينقطع فيها يوم الأربعاء من بكرة النهار إلى المغرب، يتعبد فيها، ويخلو بمن يريد من الشهود ومن غيرهم، ويجلس يوم الخميس أيضا في الجامع العتيق.
ولم يزل ناظرا في الأحكام إلى أن مات في ربيع الأول، سنة ثمان عشرة وأربعمائة (٤).
стр. 2321
ومنهم:
٦٣ - أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السّروجي، الحنفي، أبو العباس (¬*)
قاضي قضاة الديار المصرية، شمس الدين، ممن مهّد منصب القضاء لأجل حلوله، وأخليت أفئدة المدارس لحطّ حموله، والتطم بحر العلم بين جنبيه، واضطرم فريد الذكاء بين غربيه (١)، وعزّ مكانا، وعدّ من جيرانه شهب السماء سكانا، وعلا قدرا، شخصت الحدق إليه، وسما شمسا فلم تتجاسر العيون عليه، كم نودي باسمه فحيعل (٢) داعي الفلاح، وعودي بحكمه فألقى الزمان السلاح، وذكر منه السروجي صاحب المقامات، ولكنّها مقامات أهل الصلاح، ووقفت له في الهيئة على ما لم أظنه لغيره تهيّأ، ولا لسواه قسمت السّماء العلياء مسموحة ثبير (٣) الثريا، ورأيت غير (٤) رجال من أهل مصر أدركوه تعبق بذكره أفواههم، وتغب في بحار شكره سوابح النجوم وهم وأشباههم.
مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة (٥).
стр. 2322
تفقّه على أبي الطاهر الحلبي، وصدر الدين سليمان بن أبي العز، وقيل: إنه كان يتفقّه أولا على مذهب الإمام أحمد، وقرأ طرفا من" المقنع "، ثم خوطب في الاشتغال على مذهب أبي حنيفة، فشكا الفقر، وعدم كتاب يشتغل فيه، فدفع إليه كتاب" البداية " (١) فحفظها، واجتهد في طلب العلم إلى أن ولي قضاء الديار المصرية، وصنّف وشرح شرحا كبيرا للهداية (٢)، ولم يتممه (٣).
وكان له مشاركة تامة في علم التفسير والنحو، مع مكارم أخلاق وطلاقة وجه، وبسطة نفس، ومروءة تامة، ورياسة، وجلالة، وحسن معاشرة (٤).
صحب الفقراء، وكان مؤثرا لهم، مكرما للغرباء، محبا للعلم وأهله يذبّ عن طائفته، ويحسن إليهم بجاهه وماله.
وروي أنه لما حجّ سأل الله في الملتزم حاجة في نفسه لم يطلع عليه أحدا من الناس، فجاءه شخص فقير بعد مدة، فخلا له، وقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، وأمرني أن أجئ إليك، وأقول لك بإمارة ما سألت الله تعالى في الملتزم كيت وكيت، أعطني ما معك كله لأنفقه في مصالح ذكرها لي رسول الله ﷺ .
فقال: هذه أمارة صحيحة، ثم أخرج له جميع ما كان عنده، وكان نحو مائة دينار وألف درهم، وقال: خذها، فو الله ما اطّلع على هذا أحد إلى الآن، ولو كان عندي أكثر من ذلك لدفعته إليك (٥).
стр. 2323
وقيل: إنه شرب من ماء زمزم لقضاء مصر، كما في الحديث: "ماء زمزم لما شرب له" (١). فرزقه بتوفيق الله ومشيئته.
ومما يؤثر عنه أنه كان له درج يكتب فيه جميع ما عليه من الدّين؛ فاتّفق أنه لما توفّي أوفوا ما عليه بذلك الدرج، فجاء شخص فقال: لي عليه مائتا درهم.
فنظروا في الدرج وفتّشوه، فلم يجدوا شيئا.
فقالوا له: ما كتب لك شيئا.
فرآه بعض الفقهاء في النوم، وهو يقول: أعطوا فلانا مائتي درهم، فإن له علي ذلك. فقال له: لم لا كتبتها في الدرج؟. فقال: هوي مكتوبة بخط دقيق في الدرج!.
فأصبح، وطلب الدرج، وفتّشوه، فوجدوه كما قال. فأعطوا صاحب الدّين المائتين.
وتوفي يوم الخميس، ثاني عشر رجب، سنة عشر وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى (٢).
стр. 2324
ومنهم:
٦٤ - الأمير علاء الدين علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي النحوي (¬*)
رجل أخمله عند السلطان فضله، وأخّره إذ لم يكن يأتي مثله، ما شدّ في زمانه على نظيره حميلة سيف، ولا سمحت بشبهه حمية طيف، علما متقنا، وحلما متيقّنا، وفضلا غزيرا مدده، مزيرا منده (١)، مميزا ما نطق به لسانه وأثرت يده، مغيرا به زمانه، كل عصر يضني نحولا ويبلى تحت غلائله جسده، إلا أنه وسم بتشيع كان يسرّه ووصم بتتبع كاد يضره، لكنه سلم لما اعتزل، وقنع بكفاف قوت له (٢) واختزل.
مولده سنة خمس وسبعين وستمائة، بالقاهرة.
تفقّه على السروجي وشرح الهداية على ابن المعلم، وقرأ الأصولين والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق على الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي، وقرأ العربية على الشيخ أبي حيان، وسمع الحديث، وورد دمشق مع العسكر مرتين، فسمع بها الحديث، و" شرح الجامع الكبير " (٣)، للأخلاطي، شرحا جيدا، في أربعة مجلدات، وصنف عدة مصنفات، وشهد له بصلاحية الإفتاء والاشتغال
стр. 2325
والتدريس، واعتزل عن الناس، واختار الخمول، وترك الشهرة، ولازم بيته، واشتغل بالجمع والتصنيف، وهو باق على زي الأجناد، ولباس الأتراك، لم يغيّر زيه إلى زي العلماء، ولا تغير عن إقطاع الجندية.
توفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، بالقاهرة (١).
ومنهم:
٦٥ - عثمان بن علي بن محجن بن موسر، أبو عمر، فخر الدين الصوفي، ويعرف بالبازعي، الزيلعي (٢)، الحنفي (¬*)
كان من أعيان الفقهاء المرجوع إليهم، والمسموع ما لديهم، يعوّل على ما أفتى. ويجاذب القول في المسألة حتى، لا يتكثّر برياش (٣)، ولا يتكبر بحشاش (٤)، لا يقنع من سحب العلم برشاش، ولا يتهافت على الفتوى تهافت الفراش، لما وقر في صدر العصر من مكانه، وما أقرّ له به كل عدوّ من فضل دين وأمانة، ولأنه كان ﵀ حيث يحمد، ويعرف أنه في كل خلق أحمد.
стр. 2326
ورد القاهرة سنة خمس وسبعمائة. واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، ودرّس بالعاشورية (١)، والدوادارية (١)، والتربة المسعودية، بالقرافة الصغرى، وكان فقيها فاضلا، يعرف الفقه والنحو، والفرائض، وتصدّر للإفادة والإفتاء، وكان قضاة عصره في مذهبه يميلون إليه، ويسمعون كلامه، وكان أسمر اللون، شديد السمرة (٢).
ومنهم:
٦٦ - علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني، الحنفي، علاء الدين أبو الحسن (¬*)
هو آخر من بقي، وفاخر الدر مما انتقي، علما وعملا هما الغاية التي لا مزيد عليها، والنهاية التي يجدّ المجتهد ولا يصل إليها، ترى الفضل لديه أنواعا وبيديه ينقسم افتراقا واجتماعا، ونوّع الفقه على مذهب (٣) أبي حنيفة (٤) اليوم بمصر منحصر في واحده، منحسر قناع السؤال عن فوائده، منحدر منه سيل السائل،
стр. 2327
مبتدر كل سائل (١).
(٢)
وهذا من الحنفية آخر من انتهينا إلى أمره، وختمنا الفصل بمسك ذكره، ثم نتلوهم من الفقهاء بمن بعدهم في الرتبة بحكم أزمان الأئمة.
стр. 2328
المالكية
стр. 2329
ونبدأ من كان في الجانب الشرقي من المالكية فإمامهم:
١ - الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك (¬*)
ابن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان (١) بن خثيل (٢) بن عمرو بن ذي أصبح، واسمه الحارث. الأصبحي المدني. إمام دار الهجرة، ونظام شريعة صاحب الحجرة ﷺ ، وغمام الأنواء الثرّة، والنعماء بكثرة. واحد الأئمة الأعلام، وحامي بيضة الإسلام. تخلّل مذهبه المغرب حتى طبق مفاصله، وأطلق في أهل الزيغ مناصله (٣)، وعظم حرمات صاحب الشريعة ﷺ بما طل من الدماء، وداوى من مرض الأعداء بهذا الدواء، فأقيمت به الحدود، وأقيلت عواثر الجدود (٤)،
стр. 2330
وقيدت فرق الزيغ بحبال الوريد إلى حفر اللحود، وطلّ دماء منع الدماء بها أن تطل، وصان بها عقد الدين أن تحل، وحسم مواد أهواء لولاه لسرى مرضها حتى تفسد كل الأعضاء، وأمهل خصماء الغرماء حتى تكثر ديون الدين على الاقتضاء، بل جاء في أمرهم بالغرائم، وجال في دفع ضرهم بالعظائم، ولم يأخذه على تلك الطوائف القاسية قلوبهم رقة ولا لين، ولا رأفة في دين الله ولا رحمة تتأنى بهم إلى وقت ولا حين.
وكان هارون الرشيد لا يرجع إلّا إليه، ولا يهجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جلّ عن الذكر، ودقّ عن الفكر، لأنه ما نظر في علم إلا انفجر فلقه (١)، وانفرج غلقه.
ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل، وانتصب لنصر المرسل (٢) فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزلّ الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصمّ وهو راسخ لا يتنقّل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر (٣).
أخذ القراءة عرضا: عن نافع بن أبي نعيم. والعلم: عن ربيعة الرأي. ثم أفتى معه عند السلطان.
قال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي: ألا لا يفتي الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب.
стр. 2331
وكان مالك إذا أراد أن يحدّث توضّأ، وجلس على صدر فراشه، وسرّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث. فقيل له في ذلك؟. فقال: أحبّ أن أعظّم حديث رسول الله ﷺ ، ولا أحدّث إلا مستمكنا على طهارة. وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق، أو قائما، أو مستعجلا. ويقول: أحب أن أتفهّم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ . وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة (١).
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزّيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك؟.
فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلّم بعذره (٢).
وسعى به إلى المنصور إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ. فغضب جعفر، ودعا به، وجرّده، وضربه بالسياط، ومدّت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علوّ ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليّا حلّي بها (٣).
وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة: وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان (٤).
стр. 2332
وقال حسين بن عروة: قدم المهدي؛ فبعث إلى مالك بن أنس بألفي دينار، أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع، فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعاد له مدينة السّلام.
فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " (١).
والمال عندي على حاله.
وقال قتيبة: كنا إذا أتينا مالكا، خرج إلينا متزيّنا، متكحّلا، متطيّبا، قد لبس من أحسن ثيابه، فتصدّر ودعا بالمراوح، فأعطى كلّ إنسان مروحة، وكان يجلس في منزله [على] (٢) ضجاع له، ونمارق (٣) مطروحة يمنة ويسرة، لمن يأتيه [من قريش، والناس] (٤).
وكان رجلا مهيبا، نبيلا، ليس في مجلسه شئ من المراء، واللغط، ولا رفع الصوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث فلا يجيب إلا الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه، وكان له كاتب قد نسخ كتبه، يقال له: حبيب، يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن يحضره يدنو ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهم هيبة لمالك وإجلالا، وكان إذا أخطأ حبيب فتح عليه مالك (٥).
قال عبد الرزاق في حديث: " يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلاب
стр. 2333
العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة " (١). فكنا نرى أنه مالك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: مالك أفقه الحكم وحمّاد (٢).
وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز (٣).
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا (٤).
وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من" موطأ " مالك (٥).
وقال أشهب: كان مالك إذا اعتمّ جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه (٦).
وقال مصعب: كان مالك يلبس الثياب العدنية (٧) الجياد ويتطيّب (٨).
وقال القعنبي: كنا عند ابن عيينة، فبلغه نعي مالك فحزن، وقال: ما ترك على ظهر الأرض مثله (٩).
وحكى عبد الله الباجي في سبب ظهور مالك: إن امرأة غسلت امرأة ماتت، فلما غسلت فرجها ضربت الغاسلة بيدها على فرج الميتة وقالت: " يا فرج ما كان أزناك؟! ". فلصقت يدها بالفرج، فسئل علماء المدينة في ذلك، ومالك [على]
стр. 2334
صفة طالب للعلم، فاختلف علماء المدينة في ذلك بين تغليب حرمة الميت على الحي، أو حرمة الحي على الميت، فمن قائل بقطع يدها، ومن قائل بقطع الفرج، ومالك حاضر، فقال: ما أرى إن سمعتم إلا أن تجلد الغاسلة جلد الفرية، فلعلّه يخلى عنها، قال: فجلدت ثمانين فانطلقت يدها. فمن هناك عرف علماء المدينة فضل مالك في العلم.
ولد مالك سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين، وقيل تسعين (١)، وتردد السمعاني فقال: ولد سنة ثلاث أو أربع وتعسين، والله أعلم (٢).
وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وعاش أربعا وثمانين سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة (٣).
وقال ابن الفرات (٤): سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، والله أعلم.
وكانت وفاته بالمدينة الشريفة (٥) - على ساكنها مني أفضل الصلاة وأتم السّلام - زادها الله شرفا.
ودفن بالبقيع (٦).
стр. 2335
وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟.
فقال لي: يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي، ومن أحقّ بالبكاء مني؟. والله ..
لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي سوطا سوطا. وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي "، أو كما قال (١).
وكان مالك ﵁ شديد البياض إلى الشقرة، طويلا، عظيم الهامة، أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه، ويراه من المثلة، ولا يغير شيبه (٢).
ومن أصحابه:
٢ - عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة (¬*)
الفقيه المالكي، علمه يثري العدم، وعلمه يجلي العتم، وفضله الجود ذو المثلات (٣) المتلب العمم، صنف كتابا (٤) لا يتعداه من راجع، ولا يتعصاه معنى
стр. 2336
إلّا طاوع، بفقه ألين له منه الحديد، وأعين منه بالحميد، حتى أصبح ومدونته ديوان كل ذي غنى وإقتار، وغناء كل ذي مير (١) وممتار.
جمع بين الزهد والعلم، وتفقّه على مالك ونظرائه، وصحب مالكا عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وكتابه: " المدونة "عمدة المالكية في الفقه، ومن أجلّ كتبهم، وعنه أخذ سنون.
مولده في أرجح الأقوال سنة ثمان وعشرين ومائة.
وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة، ليلة الجمعة لسبع ليال مضين من صفر.
ودفن خارج باب القرافة الصغرى، قبالة قبر أشهب، وهما بالقرب من السور (٢).
ومنهم:
٣ - عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (¬*)
أبو مروان، القرشي، التيمي، المنكدري، مولاهم، المدني.
الأعمى، الفقيه المالكي، معدن فصاحة وعلم، وسماحة وحلم، وجدل لا يخصم، وجد لا يفصم، وسعد ظهره لا يقصم، شرف بولائه في البطحاء،
стр. 2337
ورواحه وغدوه في الروحاء (١)، وتفيأ في قريش دوحة علياء، وذروة تطاول النجوم علاء.
تفقّه على الإمام مالك، وعلى والده عبد العزيز، وغيرهما. وقيل: إنه عمي في آخر عمره، وكان مولعا بسماع الغناء (٢).
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنّيه، وحدث، وكان من الفصحاء، روي أنه كان إذا ذاكره الإمام الشافعي لم يعرف الناس كثيرا مما يقولون، لأنّ الشافعي تأدّب ب" هذيل "في البادية، وعبد الملك تأدّب بخؤولته من " كلب "في البادية (٣).
قال يحيى بن أحمد بن المعذل: كلّما تذكّرت أن التراب يأكل لسان عبد الملك، صغرت الدنيا في عيني.
وسئل أحمد بن المعذل فقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟.
فقال: لسان عبد الملك إذا تعايى أحيى من لساني إذا تحايى (٤).
وتوفي عبد الملك سنة ثلاث عشرة ومائتين (٥).
стр. 2338
ومنهم:
٤ - عبد الله بن سلمة بن قعنب الحارثي، القعنبي، المدني (¬*)
لاذت به العلوم، فأضحى عصمتها، وأخرس عنها ألسنة الخطوب وأصمتها، وشهر الليالي في طلب المعالي فأقال عاثر الجدود (١)، وأطلع غارب السعود، وأتى الزمان منه بالعذر الجلي، والروض الجني.
استخصب مراده في كنف مالك، واستقرت مواده من شرف ما (٢) هنالك.
أخذ العلم والحديث عن مالك، وهو من جلّة أصحابه، وفضلائهم، وثقاتهم، وخيارهم، وهو أحد رواة" الموطأ "عنه، فإن للموطأ رواة، وبين الروايات اختلاف، وأكملها رواية يحيى بن يحيى.
وكان القعنبي يسمى الراهب لعبادته وفضله.
قال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: " كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم - نعوذ بالله منها - (٣).
وكان من أهل المدينة، ثم سكن البصرة، وتوفي بها يوم الجمعة لستّ خلون من المحرم، سنة إحدى وعشرين ومائتين. وذكر ابن بشكوال: أنه توفي بمكة (٤).
стр. 2339
ومنهم:
٥ - عبد الوهاب القاضي بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون ابن مالك بن طوق التغلبي البغدادي (¬*)
الفقيه المالكي، من ذرية مالك بن طول صاحب الرحبة.
فقيه لا يفاضل، وأديب لا يناضل، وكريم بين معروف كرمه لا يعاضل. بلي بالإملاق وضني بالرزق الذي لا يبل الآماق، ورمي بالتشتّت في الآفاق، وكان يضني به السفر، ويعلم أن كل دار فارقها هي الفقر، وكان حيث تنقل من البلاد أو بقي حيث فارق الميلاد، مثل الدرة المكنونة إن فارقت البحار، وزايلت المحار، نفلت إلى التاج أو بقيت في الأدراج، وسواه كالثمرة إن فارقت الشجرة، ذبلت نضرتها بمفارقة الأمواه، وابتذلتها الأيدي والأفواه، على أنه وصل في وقت من الضائقة إلى حال ترحمه فيها الأعداء، وتساعده البعداء، ومع هذا فكم بجّل في زمان من رفعه قدر، وتلبية مضطر!!.
وقال فيه ابن بسام (١): كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وجدت له
стр. 2340
شعرا معانيه أجلى من الصبح، ومعانيه أحلى من الظفر بالنجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد، بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها، وحدّثت أنه شيّعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية.
وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كل موطن … وحق لها مني سلام مضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها … وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنّها ضاقت عليّ بأسرها … ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه … وأخلاقه تنأى به وتخالف (١)
ثم توجّه إلى مصر فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها.
زعموا أنه قال وهو يتقلب، ونفسه يصعد ويتصوب: "لا إله إلا الله" إذا عشنا متنا (٢).
وله أشعار رائقة ظريفة، فمن ذلك قوله:
ونائمة قبلتها فتنبّهت … فقالت: تعالوا نأخذ (٣) اللصّ بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصب … وما حكموا في غاصب بسوى الرد
стр. 2341
خذيها وكفّي عن أثيم ظلامتي … وإن أنت لم ترضي فألفا على العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه … على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرها … وباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت: ألم أخبر بأنك زاهد … فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد (١)
ومن شعره (٢):
بغداد دار لأهل المال طيبة … وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها … كأنني مصحف في بيت زنديق
انتهى كلام ابن بسام في ذلك.
وأنشد ابن خلكان له:
متى يصل العطاش إلى ارتواء … إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثنى الأصاغر عن مراد … إذا قعد الأكابر في الزوايا (٣)
وإن ترفّع الوضعاء يوما … على الرّفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل بالأعالي … فقد طابت منادمة المنايا (٤)
صنّف في مذهبه كتاب "التلقين"، وعدة مصنّفات (٥).
وكان فقيها، أديبا، شاعرا، ثقة، لم يلق من المالكين أحدا أفقه منه، وكان
стр. 2342
حسن النظر، جيّد العبارة، وتولّى القضاء ببادرايا (١) وباكسايا.
وخرج في آخر عمره إلى مصر فاجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وبها أبو العلاء المعري فأضافه، وفي ذلك يقول المعري من جملة أبيات:
والمالكي ابن نصر زار في سفر … بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلا … وينشر الملك الضّلّيل إن شعرا (٢)
وتوفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر، سنة اثنين وعشرين وأربعمائة بمصر.
وقيل: في شعبان منها. ومولده في شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد.
ومنهم:
٦ - أبو سعيد عبد السّلام بن سعيد بن حبيب ابن حسان التنوخي الملقّب: سحنون (¬*)
الفقيه المالكي.
ويكفيه صيت يرفع محله ويسميه، ويكبت عدوه ويصميه، ويشب عمرو (٣) عزه وينميه، ويصون جانب فخاره ويحميه، ولم تزل عين الشرع به
стр. 2343
قريرة، وأسباب العلياء بسببه مريرة (١)، لسرى (٢) كان له إلى المحراب يخلع على الظلام ثوب الصباح، وخوافي (٣) دعاء إذا طارت من أوكار المساجد جاءت محلّقة الجناح، وكانت مجالسه شفاء كل علة، وسدادا لكل خلة، وجامعة من الفضل لكل خلة (٤)، بحديث كالنسيم يحيي كل نسمة، وكالشمس تجلي كل ليلة مظلمة.
قرأ على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب (٥). وانتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب (٦).
وكان يقول: قبّح الله الفقر، أدركنا مالكا، وقرأنا على ابن القاسم (٧).
وكان أصله من الشام من مدينة حمص. قدم به أبوه مع جند حمص، وولي القضاء بالقيروان، وعلى قوله المعوّل بالمغرب، وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله، وعنه انتشر علم مالك بالمغرب، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة أربعين ومائتين (٨).
стр. 2344
ومنهم:
٧ - علي بن محمد بن خلف المعافري، القروي، القابسي (¬*)
أبو الحسن. الفقيه الحافظ.
رجل نوّرت بصيرته، وسرت سريرته، وظهرت بزيادة نور (١) الباطل خيرته، فلم يكن ضررا عماه، ولا عادما فضل البصر ونعماه.
ولم تزل نكبات الأيام عنه ناكبه، ونوائب الحدثان على أعدائه متناوبه.
اختلج بحرا لا تسع مثله الصدور، وأخرج درا لا تولّد شبهه البحور، فما تكلم إلا امتدت إليه يد الالتقاط، وضاق به فسيح الفضاء، والبحر في مثل سم الخياط. ولم يزل على طرق العلم راصدا، ولسبل الحلم قاصدا إلى أن قطعت حباله، وغاضت أبحره الزواخر، ودكت جباله.
مولده: سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٢).
وكان حافظا للحديث والعلل، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، رأسا في الفقه، وكان ضريرا، وكتبه في نهاية الصحة، كان يضبطها له ثقات أصحابه.
стр. 2345
وكان زاهدا ورعا، يقظا، لم أر بالقيروان أحدا إلا معترفا بفضله، وله تواليف بديعة ككتاب: "الممهد" في الفقه، و"أحكام الديانات" (١).
وإنما قيل له: "القابسي": لأنه كان يشد عمامته شدة أهل قابس (٢).
قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي الفتح بن بدهن (٣)، وعليه كان اعتماد أهل القيروان، ثم قطع الإقراء لما بلغه أن تلميذا له أقرأ الوالي ثم أعمل نفسه في الفقه حتى صار إمام أهل زمانه، كتبت عنه شيئا، وارتحل سنة اثنتين وخمسين فغاب خمسة أعوام (٤).
قال حاتم: توفي في ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعمائة، بمدينة القيروان، وبات عند قبره خلق كثير، وضربت لهم الأخبية، ورثته القرّاء (٥).
ومنهم:
٨ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي (٦) القرطبي (¬*)
أبو الوليد. صاحب التصانيف، إمام لولاه ما وجدت الألسن مقالا، ولا حلت
стр. 2346
من العلم عقالا، ولا نفرت من الخواطر المعاني خفافا وثقالا.
ثم أقبل على الفقه بكليته، فسلم من كل ظنّة، ولم يكن على نفسه لغيرها منّة، وفضله أشهر من بشائر الصباح، وأظهر من أمائر السماح، على أن المجد فيه لا يبلغ المرام، والمحيد معرض (١) للملام.
قال ابن بسام (٢) فيه: نشأ [أبو] (٣) الوليد هذا، وهمّته في العلم تأخذ عنان السماء، ومكانه في العلم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ بالأدب فبرز في ميادينه، واستظهر بأكثر دواوينه، وجعل الشعر بضاعته، فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به من كل الرغاب، ثم رحل عن القيروان، إلى جهة مصر، فما حلّ بلدا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولّى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس (٤)، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، حتى علم العلم أن له أشكالا، وتيقّن العراق أن بالأندلس رجالا.
стр. 2347
ثم كرّ، وقد نفع وضر، وأحلى وأمرّ، واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحوا من عام، ثم نازعه هوى نفسه إلى مسقط رأسه، [ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها] (١) دم هدر، ومال لا عين ولا أثر، فأسف على ما ضيّعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة، بصلة ما انبتّ (٢) من تلك الأسباب.
بيد أنه كلما وفد على ملك منهم بادره بالترحيب وهو في الباطن يستثقل به، وكان يفطن بأمورهم، ولكنّه كان يرجو حالا تثوب ومذنبا يتوب (٣).
أصله من مدينة بطليوس (٤)، فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية، فنسب إليه، وليس هو من باجة القيروان.
ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وارتحل سنة ست وعشرين، فحج أربعا، وجاور ثلاثة أعوام، ملازما لأبي ذر الحافظ الهروي، وكان يسافر معه إلى سراة (٥) بني شبابة، ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد (٦)، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ودمشق: فسمع من جماعة كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي.
وأقام بالموصل سنة يأخذ علم العقليات عن أبي جعفر السمناني. وبرع في
стр. 2348
الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، ورحل إلى الأندلس، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاما.
وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى عنه الخطيب بعلم جمّ، حصله مع الفقر والتعفّف، وروى عنه الكبار، وتخرّج به الأصحاب (١).
قال القاضي عياض: آجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب [للغزل] (٢)، ويعقد الوثائق، قال لي أصحابه:
كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، وهيئت (٣) الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر. وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم.
ولي القضاء بمواضع من الأندلس (٤).
قال ابن ماكولا (٥): أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد: ففقيه، متكلّم، أديب، شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنّف، إلى أن قال: وكان رفيع القدر والخطر.
وقال أبو علي بن سكّرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته، وهيئته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي؟. قلت: نعم، فأقبل عليه (٦).
стр. 2349
وقال القاضي (١): "كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره (٢)، فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد، فيما سمعته، مستفيضا لحراسة درب.
وقد جمع ابنه شعره.
قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل.
وحلّ بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتّبعه أهلها، فلما قدمها أبو الوليد حكّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة، ولما تكلّم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في" البخاري " (٣)، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ، وكفّره بإجازته الكتب على الرسول الأمي ﷺ ، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عليه عند العامة، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، فقال شاعرهم (٤):
برئت ممن شرى دنيا بآخرة … وقال: إن رسول الله قد كتبا
стр. 2350
فصنّف أبو الوليد رسالة [بيّن فيها] (١) أنّ ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.
قال ابن سكّرة: مات بالمرية (٢)، في تاسع عشر رجب، سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
قال ابن بسّام (٣): وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب (٤) مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم.
وناظره بميورقة ففلّ من غربه، وسبّب إحراق كتبه.
توفي وهو بسبيله في تصنيف الدواوين في علوم الدين.
وأنشد له (٥):
إذا كنت أعلم علما يقينا … بأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها … وأجعلها في صلاح وطاعه؟
ومما روى عنه الخطيب أبو بكر الحافظ قوله في قلم (٦):
وأسمر ينطق في مشية … ويسكت مهما أمرّ القدم
على ساحة ليلها مشرق … منير وأبيضها مدلهم
وشبّهتها ببياض المشيب … يخالط نور سواد اللّمم