من العلم عقالا، ولا نفرت من الخواطر المعاني خفافا وثقالا.
ثم أقبل على الفقه بكليته، فسلم من كل ظنّة، ولم يكن على نفسه لغيرها منّة، وفضله أشهر من بشائر الصباح، وأظهر من أمائر السماح، على أن المجد فيه لا يبلغ المرام، والمحيد معرض (١) للملام.
قال ابن بسام (٢) فيه: نشأ [أبو] (٣) الوليد هذا، وهمّته في العلم تأخذ عنان السماء، ومكانه في العلم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ بالأدب فبرز في ميادينه، واستظهر بأكثر دواوينه، وجعل الشعر بضاعته، فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به من كل الرغاب، ثم رحل عن القيروان، إلى جهة مصر، فما حلّ بلدا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولّى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس (٤)، وبنى على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، حتى علم العلم أن له أشكالا، وتيقّن العراق أن بالأندلس رجالا.
стр. 2347
ثم كرّ، وقد نفع وضر، وأحلى وأمرّ، واستقضي في طريقه بحلب، فأقام بها نحوا من عام، ثم نازعه هوى نفسه إلى مسقط رأسه، [ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها] (١) دم هدر، ومال لا عين ولا أثر، فأسف على ما ضيّعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة، بصلة ما انبتّ (٢) من تلك الأسباب.
بيد أنه كلما وفد على ملك منهم بادره بالترحيب وهو في الباطن يستثقل به، وكان يفطن بأمورهم، ولكنّه كان يرجو حالا تثوب ومذنبا يتوب (٣).
أصله من مدينة بطليوس (٤)، فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية، فنسب إليه، وليس هو من باجة القيروان.
ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وارتحل سنة ست وعشرين، فحج أربعا، وجاور ثلاثة أعوام، ملازما لأبي ذر الحافظ الهروي، وكان يسافر معه إلى سراة (٥) بني شبابة، ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد (٦)، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ودمشق: فسمع من جماعة كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي.
وأقام بالموصل سنة يأخذ علم العقليات عن أبي جعفر السمناني. وبرع في
стр. 2348
الحديث وعلله ورجاله، وفي الفقه وغوامضه وخلافه، وفي الكلام ومضايقه، ورحل إلى الأندلس، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاما.
وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى عنه الخطيب بعلم جمّ، حصله مع الفقر والتعفّف، وروى عنه الكبار، وتخرّج به الأصحاب (١).
قال القاضي عياض: آجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب [للغزل] (٢)، ويعقد الوثائق، قال لي أصحابه:
كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة، إلى أن فشا علمه، وهيئت (٣) الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر. وكان يستعمله الأعيان في ترسّلهم، ويقبل جوائزهم.
ولي القضاء بمواضع من الأندلس (٤).
قال ابن ماكولا (٥): أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد: ففقيه، متكلّم، أديب، شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنّف، إلى أن قال: وكان رفيع القدر والخطر.
وقال أبو علي بن سكّرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته، وهيئته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعلّه ابن الباجي؟. قلت: نعم، فأقبل عليه (٦).
стр. 2349
وقال القاضي (١): "كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره (٢)، فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد، فيما سمعته، مستفيضا لحراسة درب.
وقد جمع ابنه شعره.
قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل.
وحلّ بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتّبعه أهلها، فلما قدمها أبو الوليد حكّموه في ذلك، فدخل إليه، وناظره وشهر باطله، وله معه مجالس كثيرة، ولما تكلّم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في" البخاري " (٣)، قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ، وكفّره بإجازته الكتب على الرسول الأمي ﷺ ، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلّم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عليه عند العامة، وتكلّم به خطباؤهم في الجمع، فقال شاعرهم (٤):
برئت ممن شرى دنيا بآخرة … وقال: إن رسول الله قد كتبا
стр. 2350
فصنّف أبو الوليد رسالة [بيّن فيها] (١) أنّ ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.
قال ابن سكّرة: مات بالمرية (٢)، في تاسع عشر رجب، سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
قال ابن بسّام (٣): وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب (٤) مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم.
وناظره بميورقة ففلّ من غربه، وسبّب إحراق كتبه.
توفي وهو بسبيله في تصنيف الدواوين في علوم الدين.
وأنشد له (٥):
إذا كنت أعلم علما يقينا … بأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها … وأجعلها في صلاح وطاعه؟
ومما روى عنه الخطيب أبو بكر الحافظ قوله في قلم (٦):
وأسمر ينطق في مشية … ويسكت مهما أمرّ القدم
على ساحة ليلها مشرق … منير وأبيضها مدلهم
وشبّهتها ببياض المشيب … يخالط نور سواد اللّمم
стр. 2351
وقوله يمدح قاضي القضاة السمناني (١) ببغداد، وكان قد أتاها من مكة المعظّمة، فأناله ما أحسبه، والله أكسبه بقصيدة منها:
يا بعد صبرك أتهموا أم أنجدوا … هيهات منك تصبّر وتجلّد
يأبى سلوّك بارق متألّق … وشميم عرف عرارة ومغرّد
في كل أفق لي علاقة خولة … تهدي الهوى وبكل أرض ثهمد
ولقد مررت على المعاهد بعد ما … لبس البداوة رسمها المتأبّد
طفقت تسابقني إلى أمد الصبا … تلك الربى ومنال شأوي يبعد
أيام أنفض للمراح ذؤابتي … بين اللدات ودرع بردي مجسد
أتقنص الظبيات في سبل الصبا … فيصيدهنّ لي العذار الأسود
حتى علاني الشيب قبل تحلّم … وأبرّ ما سبق المشيب المولد
أسري إذا اعتكر الظلام وقادني … أمل مطالبه العلا والسؤدد
حيث استقر حمى السماحة والعلا (٢) … ورست قواعده وحل المقود
عالي محل النار في كلب الشتا … إذ بالحضيض لغيره مستوقد
ومنه قوله:
ولله طيف لا يلمّ كأنما … له من سهادي في الزيادة عاذل
ولما التقينا للجمار وأبرزت … أكفّ لتقليب الحصى وأنامل
أسرّت إلينا بالغرام محاجر … وباحت به منا جسوم نواحل
سقى أثلاث الجزع من أم مالك … عشار سحاب مترعات حوافل (٣)
стр. 2352
ومنهم:
٩ - سليمان بن عبد الحكيم المالكي، صدر الدين، أبو الربيع (¬*)
صدر فيه لله سر، وبدر حاشا لله أن يستسر (١)، قام في البدع حتى قمعها، وقاوم فرق الباطل فقمع طمعها، ولم يبل وقد انتصر لله ولرسله، [وجال في طريق الخير وسبله] (٢)، إن ضرس بأنياب، وطمس وأبى الله لصباحه المنجاب، وأمسك قلم الفتوى بيده وهو منطلق، وصرف سحابه وهو منطبق.
وهو الآن بدمشق لعلوم تنشر، وعلو إليه النجوم تحشر، ومساجد ينورها بتهجده، ومعابد يسعى بها نوره بين يديه (٣) إلى مسجده، هذا إلى ما له من صالح أعمال، وصدقات سر لا يعرف لإنفاقها أصل مال، ومعاناة صبر لا عدم معه حسن الاحتمال.
اشتغل ببلده، وقرأ فقه مالك على ....... (٤).
وقدم دمشق سنة ...... (٥)، واستوطنها، فناظر بها فقهاء مذهبه وغيرهم، ودرّس بالمدرسة الشرابيشية (٦)، وأفتى، وانتهت إليه رياسة مذهبه بالشام،
стр. 2353
وقصد بالفتاوى، واشتهر بالعلم والفضائل، والتحرير في الفتاوى، وعدم التسرع فيها، ولديه مشاركات جيدة، وله رغبة في اقتناء الكتب، ومواظبة على الحج، وحج عدة مرات، وهو كثير المواظبة على الجماعات، والذكر، والتلاوة، والخير، وعنده مبالغة في ردع المبتدعين، والقيام في نصرة الحق وإظهاره، وإعلاء كلمة الشرع، وتتبع أهل الزيغ والعناد، لا يأخذه في الحق لومة لائم، ولا يرده عنه عذل العذول، وفيه مكارم أخلاق، وانبساط نفس، وقضاء لحقوق أصحابه، ولين جانب مع قوة في الحق، وفيه بر للفقراء، ومحبة الصالحين، وزهد في الدنيا، وعدم اكتراث بالفائت منها، وينهض مع الطلبة ويراعيهم، ويرغبهم في العلم والاشتغال به.
وأما المالكية بالجانب الغربي فهم جمهور سكانه، وعمّار دياره، خلا أن أفرادهم الذين هم على الشرط نحو ابن عبد البر، وأبي عبد الله المازري، والقاضي عياض، وأبي بكر بن العربي، وأبي القاسم السهيلي، وغير هؤلاء، فأبت الضرورة إلا أن نأتي بهم في المحدثين وفقهاء المحدثين، إذ كانوا بهم أمسّ، وعلى الجملة فما غربت لهم عن الأفق الغربي شمس، فأما من هو بخاصّة مصر منهم فسنأتي على ذكرهم:
стр. 2354
فمنهم:
١٠ - أشهب بن عبد العزيز بن داود بن عبد العزيز ابن داود بن إبراهيم القيسي الجعدي المصري (¬*)
وكان أشهب هو السابق الذي لا يعلق له غبار، ولا يعلم له من غير ..... (١)
الرياح ..... (٢) أخبار، ولا ينقص أدهم الليل نهار أشهبه، ولا تنقض حوائم الطلبة على شهبه، ولا ينفض سواد العين صبغة أهدابه الكحل ..... (٣) على هيدبه، ولا ينبلج النهار إلا بغرة صباحه المذهب، ولا يجلب النهار ندّ نداه العبق، وعنبره الأشهب، ولا يعد مال مالك إلا مما أحرزه جواده السابق، وأبرزه والغمام له مطابق، وأتى به والنجم في الليل مشغول بإرشاد حائره، ووافى عجلا (٤) وقد ألقى الهلال نعل حافره، وكان من أهل مصر أول من مال إلى مالك، وأوضح أثره له مسالك، وكان أبا عذرة معرفته، وسابق مصر [إلى تلقي
стр. 2355
تحفته، أشرب قلوب أهلها بمحبته، واقتادها] (١) وماوراءها إلى البحر المحيط في آخر الغرب إلى صحبته.
تفقّه على مالك، ثم على المدنيين، والمصريين (٢).
قال الإمام الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه! (٣).
ولم يدرك الشافعي من أصحاب مالك سوى أشهب، وابن عبد الحكم، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم.
وقال أبو عبد الله القضاعي: كان لأشهب رياسة في البلد ومال جزيل، وكان من أنظر أصحاب مالك (٤).
وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت!، فذكر ذلك للشافعي، فقال متمثلا (٥):
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فذاك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى … تزوّد لأخرى غيرها فكأن قد
قال: فمات الشافعي فاشترى أشهب من تركته عبدا ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب (٦).
стр. 2356
قال محمد بن عاصم المعافري: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: يا محمد … ، فأجبته، فقال (١):
ذهب الذين يقال عند فراقهم … ليت البلاد بأهلها تتصدّع
قال: وكان أشهب مريضا، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب!. فمات في مرضه ذلك. وكانت وفاته في شعبان سنة أربع ومائتين (٢).
ومنهم:
١١ - عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع، الفقيه المالكي، المصري، أبو محمد (¬*)
صدر لا تخلفه المشاهد، وإمام ما عمرت بمثله المساجد، ومبلّغ لا ينطق عن
стр. 2357
الهوى، ومسوّغ لموارد الفتوى، لم تزل ربوعه بالعز مأنوسة، وثغور الإسلام به محروسة، وصحف محامده بألسنة الأنام مدروسة، وأسود أعدائه بأنياب (١) النوائب مغروسة، ما له في الحقوق منتهب، وآماله لا يطيش بها الذهب، وتلقيه لأهل العلم يقبل عليها سافرا، ويقلب من أتاه منهم ظافرا، فما صدر عنه إلا من نقل سمعته، ولا ورد إليه إلا من أخصب نجعته، وما برح على هذا حتى قبض ودفن، وفني الزمان وأفن، وما فتئ ذكره ولا أفن (٢) ..... (٣).
كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله (٤)، وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وكان من ذوي الأموال والرياع (٥)، له جاه عظيم، وقدر كبير، وكان يزكي الشهود، ويجرّحهم، ولهذا (٦) لم يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه.
ويقال: إنه دفع إلى الإمام الشافعي عند قدومه إلى مصر ألف دينار (٧). وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار.
وروى بشر بن مالك قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعد ما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلا يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه فإنه ثقة.
وتوفي في رمضان، سنة أربع عشرة ومائتين (٨)، بمصر.
стр. 2358
وقبره إلى جانب قبر الشافعي ﵁. وهو الأوسط من القبور الثلاثة (١).
ومولده سنة خمسين ومائة. وقيل: سنة خمس وخمسين ومائة.
ومنهم:
١٢ - أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع (¬*)
الفقيه المالكي، المصري.
مارس العلم منه كافيا، وشرع له من نطاق الفضل صافيا، بتثقيف كف الدهر من جماحه، وتعلّم كفّ البحر من سماحه، وحاط الدين حيث لا يفعو كلمه، ولا يغفو حلمه، فأسبل رداء نعمائه وأسبغ، وجاءت فوائده فأنست ابن الصباغ ألوان أصبغ، ومدّ في مصر منه ما لا جاء به مدد نيلها وقد حشد، ولا جاد به
стр. 2359
الزمان من طلائبه التي نشد، ولا أبقاه من حلل النوار فيض مائه، وحازه من زهر الأزهار لازوردي سمائه.
تفقّه بابن القاسم، وابن وهب وأشهب (١).
قال عبد الملك ابن الماجشون في حقه: ما أخرجت مصر مثل أصبغ (٢).
فقيل: ولا ابن القاسم؟. قال: ولا ابن القاسم!.
وكان كاتب ابن وهب، وجده نافع - عتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، والي مصر - .... (٣).
وتوفي أصبغ في آخر شوال، سنة خمس وعشرين (٤). وقيل: سنة ست وعشرين ومائتين.
стр. 2360
ومنهم:
١٣ - علي بن الأنجب بن المفضّل بن أبي الحسن (¬*)
اللخمي، المقدسي الأصل، الإسكندري المولد، المالكي المذهب، أبو الحسن.
أفرج له عن مضائق العلياء فتبوّأها فسيحة، وسخرت له ألسنة المآثر فأنطقها فصيحة، وقامت دلائل الحق فأدى منها كل نصيحة، وله مقامات كريمة لو استطاع الحريري حكاها في هذا المذهب، وحاك عليها طرازه وأنّى له، والحريري دون المذهب (١)، وقام في البلاغة منه الخطيب البليغ (٢)، العلم منبره، وزاخر البحر العباب واللسان غواصه، والكلم جوهره. كان فقيها، فاضلا في مذهب مالك، من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه.
صحب الحافظ أبا طاهر السلفي، وانتفع به، وصحبه الحافظ زكي الدين المنذري ولازم صحبته، وبه انتفع، وعليه تخرّج، وذكر عنه فضلا غزيرا وصلاحا كثيرا (٣).
стр. 2361
ومما أنشد عنه (١):
تجاوزت ستين من مولدي … فأسعد أيامي المشترك
يسائلني زائري حالتي … وما حال من حلّ في المعترك؟
وقوله (٢):
أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل … وأصحابه والتابعين تمسّكي
عساك إذا بالغت في نشر دينه … بما طاب من نشر له أن تمسّكي
وخافي غدا يوم الحساب جهنّما … إذا لفحت نيرانها أن تمسّكي
(٣)
ومنه قوله (٤):
ولمياء تحيي من تحيّي بريقها … كأنّ مزاج الرّاح بالمسك من فيها
وما ذقت فاها غير أني رويته … عن الثقة المسواك وهو موافيها
وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين؛ فمن ذلك قول بشار بن برد من جملة أبيات (٥):
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر … إلا شهادة أطراف المساويك
وقال الأبيوردي من جملة أبيات أيضا (٦):
وأخبرني أترابها أن ريقها … على ما حكى عود الأراك لذيذ
стр. 2362
وكان أبو الحسن ابن الأنجب ينوب في الحكم بثغر الإسكندرية، ودرس به في المدرسة المعروفة هناك به (١). ثم انتقل إلى القاهرة، ودرّس بمدرسة الصاحب بن شكر، واستمر بها إلى أن مات يوم الجمعة، مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة (٢).
ومولده ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة أربع وأربعين وخسمائة بالثغر المحروس (٣).
ومنهم:
١٤ - عيسى الزواوي المالكي (¬*)
شرف الدين، أبو الروح.
رجل لا يخاطر معه في شرف مروم، ولا يخاطب منه ما دون النجوم (٤)، سكن مصر فطاب به ناديها، وطال المجرّة واديها، ونظر في أفانين العلم فأسمى فروعها، وأهمى ضروعها، واقتنى الكتب فأبرأت يده العيسوية (٥) سقم صحفها، وأبدت كرم تحفها.
وطلب للقضاء خلافة بمصر والقاهرة غير ما مرّة، ويربأ به شرف دينه وشرف زهده فيما لم يمسكه بيمينه، ولحّ عليه وليّ الأمر في هذا، وأبى إلا خلافه.
стр. 2363
وترفع عن رتبة القضاء وإن سمّي له خلافه. ولقد جالسته فخفت الغرق إذ فجأني سيله، وجاءني نهاره الذي محا ليله (١).
أصله من "زواوة" من بلاد أفريقية، وقدم البلاد كبيرا، وقد حصّل واشتغل، وصار يعدّ من الفقهاء، وأقام بمصر واشتغل بها، وحضر فيها الدروس، وزادت نباهته، وظهرت فضيلته، ثم قدم دمشق، وولي بها نيابة الحكم، وصرّف القضايا والأحكام بجأش رابط، ونفس قوية في الحق، ودام على هذا مدة ثم عاد إلى مصر وأقام بها. وفارقتها وهو أحد أئمتها الأعلام، وفقهائها الأفاضل، وإليه يرجع فيما أشكل من الفتاوى في مذهب الإمام مالك ﵁، وكان يتردّد إليّ، ويجتمع بي، وهو من أحسن الناس خلقا وخلقا. وأتمّهم فضلا في الفقه، ومشاركة في النحو والعربية، ونظرا في الهيئة، ومعرفة في مقادير الأفلاك، وأشكال الأرض، وأحوال الأقاليم والبلاد، ووضع المدن، وأحوال الأقاليم الشاسعة، والبحار الغامرة.
ولما ألّفت هذا الكتاب وسمع به كان يجيء إليّ ليقف على ما انتهى فيه شيئا بعد شيء، وربّما عاملني بالإحسان، ووقع منه موقع الاستحسان، ولقد استفدت منه فوائد في هذا الكتاب، ومعارف لولاها لما قدرت على الدخول من هذا الباب، وسيأتي في مواضع من هذا التأليف مقرا بما أعزوه من الرواية إليه. ولم أر في أمثاله من الفقه مثله في التجمّل، وحسن الهيئة، ومكارم الأخلاق، اللهم إلا إن كان ابن القوبع (٢).
ولقد يحكى عنه من سعة الصدر، وكرم النفس ما يستغرب من المغاربة،
стр. 2364
ويستبعد وقوعه من نقوسهم المقاربة.
ولقد كنت أرى منه وأسمع عنه ما يملأ العين والأذن، وعهدي به يجتمع هو وابن القاصح (١) أحد فقهاء الشافعية الأخيار، وشيخنا أبو حيان بالمدرسة الصالحية، على تخت هناك، ويجري بينهم بحوث مفيدة، ومذاكرات جليلة، وربما تخلل ذلك بنكت طريفة ومداعبات لطيفة.
كان ابن القاصح على علمه وزهده تحدّثه نفسه بقضاء القضاة، ويظنّ أن الولاية تأتيه بكرة أو عشاء، لا يشك في هذا، وعرف هذا منه، فبقي كل متفرغ يأتي إليه ويقول له: يا سيدي .. سمعنا بأن السلطان ذكرك، وبلغنا أن فلانا شكرك، وأن فلانا وصفك عند أمراء الدولة وكبرائها، وقيل لنا إنك ذكرت للقضاء، وذكر معك فلان وفلان، فرجحت عليهم، وعيّنت دونهم، ومن هذا ومثله مما يعلم القائل أنه ينفق عليه (٢)، ويقع موقع الإعجاب منه، وهو يأخذ ما يقال له من هذا بالقبول، وتميل إليه أذنه.
وكان شيخنا أبو حيان ينهاه ولا ينتهي بعذله ولا يقبل، فاتفق شرف الدين عيسى هذا مع رجل من الفقهاء يعرف بالنجم سعيد، كان ظريفا مطبوعا، له نوادر، وطلبا ابن شيخنا أثير الدين أبي حيان، وكان إذ ذاك صغيرا، وقررا معه أن يقول لهما مقولة عن ابن القاصح، من هذا الباب، لينقلوه إليه، ويقولون: قال لنا ابن الأثير كذا وكذا، ليظن أنه علاء الدين ابن الأثير كاتب السر في ذلك الزمان. فقال لهم: اعلموا أن ابن القاصح قد ولّاه القضاء. ورسم بكتابه تقليده (٣). فلما قال هذا، طار إليه النجم سعيد، وقال له: يا سيدي جئتك
стр. 2365
ببشارة. قال: وما هي؟. قال: الساعة رأيت ابن الأثير وقال لي: إن السلطان قد ولّى ابن القاصح قضاء القضاة!، ورسم بكتابة تقليده.
ودخل شرف الدين عيسى وهم في هذا الحديث. فقال: وأنا سمعت ابن الأثير يقول هذا. فما شكّ ابن القاصح في هذا. وعمّم عمامته، ولبس قماشه، وتهيّأ للطلب والتولية، وخرج إلى التخت (١)، وقعد حتى جاء أبو حيان، فقال له: ما لي أراك على هذه الهيئة؟. فأخبره الخبر، فأنكر أبو حيان، ثم قال: والله ما كأنهم عنوا إلا ابن أبي حيان. فإنه ابن الأثير، وإلا فهذا ما له صحة، وعيسى ما يكذب، وانقلب الجد هزلا، والتهنئة ضحكا عليه!!.
وهذا من المالكية آخر من ذكر. ويتلوهم من الفقهاء ثالث الأئمة وأصحابه ﵁.
فأما من نذكره منهم ممن كان بالجانب الشرقي فهو:
стр. 2366
١ - الإمام الشافعي ﵁ (¬*)
محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطّلب بن عبد مناف القرشي المطّلبي، الشافعي، أبو عبد الله.
بحر امتدّت من دفعه الجداول، وطور انحطّت من قننه الجنادل (١)، ومرقب
стр. 2367
درجت من عشبه النسور القشاعم (١)، والصقور الأجادل (٢). وإمام يفخر البيت المقدّس بمولده، وبطحاء مكة بمحتده (٣). والمطّلب بن عبد مناف بكونه من ولده، وابن أخيه عبد المطلب بن هاشم بتألّق فرقده (٤)، ما كان يقصر عن أولئك الأوّل من أهل الشعب لو حضر يوم الصحيفة (٥)، وحظر على سروات (٦) قريش قبح تلك الآراء السخيفة، ولما عدا مطّلب بني المطلب أبيه، وانتخى لبني عمه بني هاشم على أخيه، حتى تنقاد شموس بني عبد شمس وتذعن نوفل بأن عدم مباينتها لهم أمس (٧)، بل لو تقدمت شمسه قليلا حتى أدرك ذلك الجيل، وجال في ذلك الصدر الجليل، لكان من أركان البيت بيت هاشم المعرق في بني لؤي، وسكان بيت البطحاء المجمع عليه لقصي، وأقرباء أهل العباء والمعد للمفاضلة في أهل المباهلة، بيد أنه من قريش في سرّة أباطحها (٨)، وأسرّة جحاجحها (٩)، وآبائها الشمّ الأنوف الكرام الضيوف، الخضر الأندية والكفوف، المتقدمة على العرب تقدّم الإمام على الصفوف، وقد حفظ دين محمد ﷺ على أمته، واقتاد العلم بأزمّته، فأصبح يجادل بحججه، ويقتحم البحر في لججه، وطلب الحديث حتى التقفه من أفواه الرجال، واقتطفه قبل تحين الآجال.
стр. 2368
وتفقه على مالك، ثم مال إلى أوسع مجال، وجثا له على ركبتيه، وكالشياهم (١) قعود ربات الحجال (٢)، وخاف الرشيد منه على الخلافة ويحق له أن يخاف، وظن الناس تثب معه لولا العقول السخاف. ولم يكن في عصره أجمع منه لشروط الإمامة، ولا أنقع للغلل ولا الغمامة (٣).
وكان حلس (٤) الحرب، وحلف الغمام إذا اشتد الكرب، لندىّ تفيض سواكبه، وتغيض البحار وأدناها مواهبه، وتحصى النجوم ولا تعدّ مناقبه، وتحدّ الغيوم ولا تحد سواكبه، مع حبّ أشربته له النفوس وشربته على هلال جبين ما مثله شفاه الكؤوس، وقرب من الناس ينأى مداه، ويشاء الغيث جداه، وما علمه واحد بل شتى، ولا فضله إلا ما يفتى، مع آداب لا لغو في كأسها ولا تأثيم، وأطراب لا حرج فيها ولا تحريم، وإنما هي جنى جنات قطوفها دانية، وصفوفها متدانية، وشنوفها (٥) لا تقرط بها حسناء، ولا تجد غنى غانية، نهلة من العرب (٦) جرعها، وذروة من الأدب فرعها، ومروة (٧) من الشعر نحو صفا المشقّر (٨) قرعها، بأبيات مأهولة نفخ فيها الروح، ونفخ بينها النسيم كأنها الخيام بذي طلوح (٩).
стр. 2369
كان يحفظ ديوان هذيل، ويلفظ أشهر (١) من سهيل، وكانت له فراسة هي فراسة المؤمن التي لا تخطئ، وظنانة هي كمخيلة (٢) النوء لا تبطئ.
سكن مكة المعظّمة، حيث شرب للعلم ماء زمزمها، وطلع قمرا في أفق مأزمها (٣)، ثم استوطن مصر يزيد على نيلها في وفائه، وعلى مقطعات خلجها في صفائه، وانتشر هنالك علمه الغزير، وتوارى في سرار (٤) ترابها بدره المنير، ودفن بها بالقرافة حيث هو الآن القبة المعقودة، وآثار الجود الموجودة، ولوامع البركات الباقية المشهودة.
كان الشافعي رحمه الله تعالى كثير المناقب، جمّ المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه العلوم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة، والعربية، والشعر، حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن، قرأ عليه أشعار الهذليين - ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي (٥).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا أكمل من الشافعي (٦).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟.
стр. 2370
فإني سمعتك تكثر من الدعاء له.
فقال: يا بني [كان (١)] الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض (٢).
وقال أحمد: ما بتّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له (٣).
وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي ثم استقبلته يوما، والشافعي راكب بغلة، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهانا عنه، وأنت تمشي خلفه؟.
فقال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت (٤).
وحكى خطيب بغداد في "تاريخه" (٥): أنّ أمّ الشافعي لما حملت به رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها، حتى انقضّ بمصر، ثم وقع في كل بلد شظيّة، فتأوّل أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثم يتفرّق في سائر البلدان.
وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطّأ، فقال لي:
أحضر من يقرأ لك!. فقلت: أنا قارئ. فقرأت عليه الموطّأ حفظا.
فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام (٦).
وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي
стр. 2371
فقال: سلوا هذا (١) [الغلام] (٢).
وقال الحميدي: سمعت الزنجي بن خالد - يعني مسلما - يقول للشافعي:
أفت يا أبا عبد الله. فقد والله آن لك أن تفتي!. وهو ابن خمسة عشر سنة!!! (٣).
وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدّث.
فقال: إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت (٤).
وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظّم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي. ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن؛ فرجع محمد إلى منزله، وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه، والشافعي أول من تكلّم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه (٥).
وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل الشافعي في علمه وفصاحته ومعرفته، وثباته، وتمكّنه، فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى في سبيله لم يعتض منه (٦).
стр. 2372
وقال أحمد بن حنبل: ما أجد من بيده محبرة ولا دواة إلا وللشافعي في رقبته منّة (١).
وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا، حتى جاء الشافعي فأيقظهم، فتيقّظوا (٢).
ومن دعائه المأثور عنه المداومة عليه في أحيانه كلها: "اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير".
رواه عنه ثقات، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرّب، والله أعلم (٣).
[وذكر الحافظ ابن عساكر، قال (٤): خرج الشافعي إلى الصفا، ومعه الحارث ابن لبيد، وكان من الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ الحارث: ﴿هذا يَوْمُ اَلْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَاَلْأَوَّلِينَ [٣٨] * فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [٣٩] * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [٤٠]﴾ (٥) [المرسلات: ٣٨ - ٤٠].
فاضطرب الشافعي وتغيّر لونه، وبكى بكاء شديدا، حتى لصق بالأرض، ثم لم يتمالك أن قال: "إلهي إنّي أعوذ بك من مقام الكذّابين، وأعلام الغافلين، إلهي خشعت لك قلوب العارفين، وولهت بك همم المشتاقين، فهب لي جودك، وجلّلني سترك، واعف عنّي بكرم وجهك يا كريم".
قال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي ﵁ عن مسألة فأعجب
стр. 2373
بنفسه، فقال (١):
إذا المشكلات تصّدين لي … كشفت حقائقها بالنظر
ولست بهيّابة (٢) في الرجال … أسائل هذا، وذا، ما الخبر؟.
ولكنني مدره (٣) الأصغرين [.] … فتّاح خير، وفرّاج شرّ
وذكر أن رجلا وقف بباب الشافعي فقال: يا ربّ الدار تصدّق علينا بما لا يتعب ضرسا، ولا يؤلم نفسا.
فأخرج إليه طعاما، فقال: حاجتي إلى كلامك أشدّ من حاجتي إلى طعامك، إنّي طالب هدى، لا طالب ندى.
فأمر أن يدخل عليه، فسأله عن مسألة من المسائل، فأجابه وأفاده. فخرج وهو يقول: علم أوضح لبسا (٤)، خير من مال أغنى نفسا.
فقال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذا الرجل، بارك الله فيه.
والشافعي فوق كل [وصف] (٥)، وفضائله أكثر من أن تعدد، ومولده سنة خمسين ومائة، وقد قيل: إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه أبو حنيفة الإمام، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، والأول أصح.
وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم (٦).
стр. 2374
وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: سنة إحدى ومائتين، ولم يزل إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، ﵀ (١).
قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع الله بك؟.
فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب (٢).
وقد اتّفق العلماء قاطبة من أهل العلم، والفقه، والحديث، واللغة، والنحو، وغير ذلك على ثقته، وأمانته، وعدالته، وزهده - وورعه، ونزاهة عرضه، وعفّة نفسه، وحسن سيرته، وعلوّ قدره، وسخائه (٣).
وللإمام الشافعي أشعار كثيرة: من ذلك ما نقل من خط أبي طاهر السلفي (٤):
إن الذي رزق اليسار ولم يصب … حمدا ولا أجرا لغير موفّق
الجدّ يدني كلّ أمر شاسع … والجدّ يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأنّ محروما أتى … ماء ليشربه فغاض فحقّق
وإذا سمعت بأنّ مجدودا أتى … عودا فأثمر في يديه فصدّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني … بنجوم أقطار السماء تعلّقي
стр. 2375
لكنّ من رزق الحجى حرم الغنى … ضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ … ذو همة يبلى برزق ضيّق
ومن المنسوب إليه أيضا (١):
رام نفعا فضرّ من غير قصد … ومن البرّ ما يكون عقوقا
ومن المنسوب إليه أيضا (٢):
كلّما أدّبني الده … ر أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علما … زادني علما بجهلي
وقوله (٣):
وضاحك والمنايا فوق هامته … لو كان يعلم غيبا مات من كمد
من كان لم يعط علما في بقاء غد … ماذا تفكّره في رزق بعد غد؟
وقوله:
هي الدنيا فلا يغضبك منها … ولا من أهلها سفه يعاب
أتطلب جيفة وتنال منها … وتنكر أن تهارشك الكلاب
وقوله (٤):
ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد
قال الشافعي: تزوجت بمكة امرأة من قريش وكنت أمازحها، فأقول:
стр. 2376
ومن البلية أن تح … بّ، فلا يحبك من تحبّه (١)
فتقول هي:
ويصدّ عنك بوجهه … وتلحّ أنت فلا تغبّه
وحكى أبو إسحق الشيرازي في "طبقات الفقهاء": عن الربيع بن سليمان قال: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن، وقد طلب منه كتبا لينسخها فتأخّرت عنه، فكتب: -
قل للذي لم تر عي … نا من سن رآه مثله
ومن إذا رآه … كأن قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله … أن يمنعوه أهله
لعلّه يبذله … لأهله لعلّه (٢)
فأنفذ إليه الكتب من ساعته.
ومن شعره ﵁ ما قال لمّا قدموا به على هارون الرشيد مع العلويين (٣):
عليّ ثياب لو تقاس جميعها … بفلس لكان الفلس منهنّ أكبرا
وما ضرّ نصل السيف إخلاق غمده … إذا كان عضبا (٤). حيث وجّهته برى (٥)
стр. 2377
ومن أصحابه:
٢ - الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي (١) البغدادي (¬*)
صاحب الإمام الشافعي. كان يلازمه ملازمة الحمام لأطواقها، والسهام لأفواقها (٢)، لا يملّ من طول إيرائه، وطول آرائه، حتّى ودّ من تخلّف من الأقران لو اكتحلوا بتراب قدمه، أو غدوا من أتراب خدمه.
وعمّر وغرسه من سقيا الفضائل روي، وزنده من لقيا الأفاضل وري.
قال (٣) في الظلال، وقال في الجدال، فلم تعرض لديه مشكلة حتى عجل
стр. 2378
إزاحة فرقها (١)، وإراحة فرقها، فشكرت منه المنن الغرر، والمنح الغر، وأصبحت الأيام بوجوده متباهية، والأقدار بجوده متناهية، حتى حمى الشريعة فأحكم أسوارها، وحكّم في مشارق الشموس أنوارها، فلم تبق عارفة إلا سوّغها، ولا وارفة إلا أسبغها، ولا فائدة إلا أسناها، ولا فائتة إلا أدناها.
صحب الشافعي، وكان أشهر أصحابه بإتيان (٢) مجلسه، وأحفظهم لمذهبه.
وله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وكان متكلّما، عارفا بالحديث.
وصنّف أيضا في الجرح والتعديل، وأخذ عنه الفقه خلق كثير (٣) ..... (٤).
وتوفي سنة خمس، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين. وهو أشبه بالصّواب (٥).
ومنهم:
٣ - الحسن بن محمد الصبّاح الزّعفرانيّ (٦) (¬*)
صاحب الإمام الشّافعيّ. أبو علي.
стр. 2379
شمس أصيل نفضت على الآفاق زعفرانها، وفضّت في حقائب الرفاق جفانها، وخلفت رداء الأصائل بردعها، وخلفت خلوق البشائر بربعها، وجلت الدنيا تختال في ثوبها المزعفر، وتختار ما راق أوان العصر من شرابها الأصفر.
طنّب به فضله على يفاع (١) الارتفاع، وخيّم حيث حلّ به جلب الانتفاع، فأحيا رميم الفضائل، وحيّا عميم فضله جميل الفعائل، وعني بحياطة العلم فكفل حزمه سد الثغور، وكلف عزمه سداد الأمور، فولّت القرناء لا يقدر منهم من يقارن شهي الشّهد بمجاجه (٢)، ولا يقابل بهيّ الدرّ بزجاجه، وما فيهم إلا
стр. 2380
من قال لقريحته: أريحي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح.
برع في الفقه والحديث، وصنّف فيهما كتبا، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الشافعي حتى تبحّر.
وكان يقول: أصحاب الحديث كانوا رقودا حتى أيقظهم الشافعي. وكان يتولّى قراءة كتب الشافعي عليه.
وسمع من سفيان بن عيينة، وطبقته.
وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي، ورواتها عنه أربعة: هو - أي الزعفراني - وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي.
ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى.
وروى عنه البخاري في صحيحه، وأبو داود [السجستاني] (١)، والترمذي، وغيرهم (٢).
توفي في سلخ شعبان، وقيل: في رمضان سنة ستين ومائتين (٣).
وذكر السمعاني في كتاب الأنساب (٤): أنه توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
стр. 2381
ومنهم:
٤ - عبدان بن محمد بن عيسى الفقيه، أبو محمد المروزيّ الجنوجردي (١) (¬*)
أحد من أظهر مذهب الشافعي.
اشتمل بالمناقب، واحتفل لما يقي ذكره في العواقب، وأتى بالعلوم التي طالت أوضاحها (٢)، وآلت وقد أخجل الصبح افتضاحها، فضاهى الكواكب، وباهى العلماء، وقد جالت بفرسانها المواكب، وحبي لعلم يشيده، وعمل بالشكر يزيده، وفضل يفيده آخر يستفيده، فكانت تهبّ من معرسه صبا الصباح، ويستدني من مغرسه جنى النجاح، وكانت مجالسه معالم بالأمالي مغتصة، ومواسم بالأماني مختصة، لا تسامي طماح مراده، ولا تشام مراح مزاده، وكانت لا تزال الطلبة إليه وافية المناهج، وافرة المباهج، تضرب إليه السباسب (٣) وتأتيه وترجع بالمكاسب.
قال السمعاني (٤): اسمه عبد الله، وهو أحد من أظهر مذهب الشافعي بخراسان، وكان الرجوع إليه في الفتاوى والمعضلات بعد أحمد بن سيار.
стр. 2382
قد حمل كتب الشافعي إلى مرو، وأعجب الناس بها، فأراد عبدان أن ينسخها، فمنعه ابن سيار من ذلك، فباع ضيعة له بجنوجرد، وسار إلى مصر، ونسخ كتب الشافعي على [أكثر من وجه] (١) وأكثر ورجع، فدخل عليه أحمد بن سيّار مسلّما ومهنّئا، واعتذر من منع الكتب.
فقال: لا تعتذر، فإنّ لك عليّ منّة في ذلك!، فلو دفعت إليّ الكتب لما رحلت إلى مصر. ولمّا رحل إلى مصر تفقّه بأصحاب الشافعي، وبرع في المذهب ونشره.
وكان يوصف بالحفظ والزهد. وروى الحديث عن جماعة بخراسان والعراق ومصر. وروى عنه جماعة.
مولده ليلة عرفة، سنة عشرين ومائتين، وتوفي ليلة عرفة سنة ثلاث وتسعين ومائتين (٢).
ومنهم:
٥ - محمد بن نصر الإمام، أبو عبد الله المروزيّ (¬*)
стр. 2383
أحد الأئمة الأعلام. والأزمّة لما تمليه الأقلام.
ضرب الآفاق في طلب الحديث، واغترب لا يقنعه السير الحثيث، وذهب وذكره لم يذهب، وبرّه محفوظ لم ينهب، وخلّف ذخائر العلم مخزونة في كنف الصدور، مكنونة في حجب السطور، وكان ممن شرفت به المعالي، وأسعفت بسناء نوره العالي، وكان لملك خراسان منه خلوص ولائه وخصوص وفائه طالما منعه أن يسفك الدماء، ويهتك الذماء (١)، فخلد ملكه في بنيه، وخلص له وده وكان أشر ما يقتنيه. ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين. وسكن سمرقند وغيرها، وكان أبوه مروزيا. تفقّه على أصحاب الشافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق (٢).
قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة.
وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة (٣) ومن بعدهم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر بمصر إماما، فكيف بخراسان! (٤).
وقال القاضي محمد بن محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر (٥).
وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي، إمام الأئمة، الموفّق من السماء، له
стр. 2384
كتاب: "تعظيم قدر الصلاة"، وكتاب: "رفع اليدين". وغيرهما من الكتب المعجزة. وكان له مال يقارض عليه، وينفق عليه من غلّته.
وكان إسماعيل بن أحمد والي خراسان وأخوه يصله كل منهما بأربعة آلاف في السنة. ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة.
فقيل له: لو ادّخرت لنا منه!.
فقال: سبحان الله! أنا بقيت كذا كذا سنة قوتي وثيابي، وكاغدي (١)، وحبري، وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرين درهما، فترى إن ذهب هذا لا يبقى ذاك؟ (٢). وقد ذكر له كرامات: منها ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي، قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يوما للمظالم، وجلس أخي إلى جانبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمت له إجلالا لعلمه.
فلما خرج عاتبني أخي، وقال: أنت والي خراسان، تقوم لرجل من الرعية؟!، هذا ذهاب السياسة!.
فبتّ تلك الليلة وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ ، فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبّت الله ملكك، وملك بنيك بإجلال محمد بن نصر.
ثم التفت إلى إسحاق؛ فقال: ذهب ملك إسحاق وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر (٣).
وقال ابن حزم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسّنن،
стр. 2385
وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحّتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمّ منها في محمد بن نصر المروزي. فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق (١).
توفي - رحمه الله تعالى - بسمرقند، سنة أربعة وتسعين ومائتين (٢).
ومنهم:
٦ - محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الفقيه، الشافعي، أبو جعفر الزاهد (¬*)
السّاهر إذا نام السّاهد، ولا يغيب عنه الشاهد، المتقلّل من الدنيا على كثرة متاعها، ولذة استمتاعها، المخلي بينها وبين مبتاعها.
قضى عمره كلّه في قليل من البلاغ، وبلال (٣) من ريق الدين إن ساغ.
فلما آن له الإطلال على الأجل، ودنا به خطو العجل، حصل له سوء مزاج