← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ومنهم: ٤ - عبدان بن محمد بن عيسى الفقيه، أبو محمد المروزيّ الجنوجردي (١) (¬*) أحد من أظهر مذهب الشافعي. اشتمل بالمناقب، واحتفل لما يقي ذكره في العواقب، وأتى بالعلوم التي طالت أوضاحها (٢)، وآلت وقد أخجل الصبح افتضاحها، فضاهى الكواكب، وباهى العلماء، وقد جالت بفرسانها المواكب، وحبي لعلم يشيده، وعمل بالشكر يزيده، وفضل يفيده آخر يستفيده، فكانت تهبّ من معرسه صبا الصباح، ويستدني من مغرسه جنى النجاح، وكانت مجالسه معالم بالأمالي مغتصة، ومواسم بالأماني مختصة، لا تسامي طماح مراده، ولا تشام مراح مزاده، وكانت لا تزال الطلبة إليه وافية المناهج، وافرة المباهج، تضرب إليه السباسب (٣) وتأتيه وترجع بالمكاسب. قال السمعاني (٤): اسمه عبد الله، وهو أحد من أظهر مذهب الشافعي بخراسان، وكان الرجوع إليه في الفتاوى والمعضلات بعد أحمد بن سيار.

стр. 2382

قد حمل كتب الشافعي إلى مرو، وأعجب الناس بها، فأراد عبدان أن ينسخها، فمنعه ابن سيار من ذلك، فباع ضيعة له بجنوجرد، وسار إلى مصر، ونسخ كتب الشافعي على [أكثر من وجه] (١) وأكثر ورجع، فدخل عليه أحمد بن سيّار مسلّما ومهنّئا، واعتذر من منع الكتب. فقال: لا تعتذر، فإنّ لك عليّ منّة في ذلك!، فلو دفعت إليّ الكتب لما رحلت إلى مصر. ولمّا رحل إلى مصر تفقّه بأصحاب الشافعي، وبرع في المذهب ونشره. وكان يوصف بالحفظ والزهد. وروى الحديث عن جماعة بخراسان والعراق ومصر. وروى عنه جماعة. مولده ليلة عرفة، سنة عشرين ومائتين، وتوفي ليلة عرفة سنة ثلاث وتسعين ومائتين (٢). ومنهم: ٥ - محمد بن نصر الإمام، أبو عبد الله المروزيّ (¬*)

стр. 2383

أحد الأئمة الأعلام. والأزمّة لما تمليه الأقلام. ضرب الآفاق في طلب الحديث، واغترب لا يقنعه السير الحثيث، وذهب وذكره لم يذهب، وبرّه محفوظ لم ينهب، وخلّف ذخائر العلم مخزونة في كنف الصدور، مكنونة في حجب السطور، وكان ممن شرفت به المعالي، وأسعفت بسناء نوره العالي، وكان لملك خراسان منه خلوص ولائه وخصوص وفائه طالما منعه أن يسفك الدماء، ويهتك الذماء (١)، فخلد ملكه في بنيه، وخلص له وده وكان أشر ما يقتنيه. ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين. وسكن سمرقند وغيرها، وكان أبوه مروزيا. تفقّه على أصحاب الشافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق (٢). قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة (٣) ومن بعدهم. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر بمصر إماما، فكيف بخراسان! (٤). وقال القاضي محمد بن محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر (٥). وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي، إمام الأئمة، الموفّق من السماء، له

стр. 2384

كتاب: "تعظيم قدر الصلاة"، وكتاب: "رفع اليدين". وغيرهما من الكتب المعجزة. وكان له مال يقارض عليه، وينفق عليه من غلّته. وكان إسماعيل بن أحمد والي خراسان وأخوه يصله كل منهما بأربعة آلاف في السنة. ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة. فقيل له: لو ادّخرت لنا منه!. فقال: سبحان الله! أنا بقيت كذا كذا سنة قوتي وثيابي، وكاغدي (١)، وحبري، وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرين درهما، فترى إن ذهب هذا لا يبقى ذاك؟ (٢). وقد ذكر له كرامات: منها ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي، قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يوما للمظالم، وجلس أخي إلى جانبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمت له إجلالا لعلمه. فلما خرج عاتبني أخي، وقال: أنت والي خراسان، تقوم لرجل من الرعية؟!، هذا ذهاب السياسة!. فبتّ تلك الليلة وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ ، فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبّت الله ملكك، وملك بنيك بإجلال محمد بن نصر. ثم التفت إلى إسحاق؛ فقال: ذهب ملك إسحاق وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر (٣). وقال ابن حزم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسّنن،

стр. 2385

وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحّتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمّ منها في محمد بن نصر المروزي. فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق (١). توفي - رحمه الله تعالى - بسمرقند، سنة أربعة وتسعين ومائتين (٢). ومنهم: ٦ - محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الفقيه، الشافعي، أبو جعفر الزاهد (¬*) السّاهر إذا نام السّاهد، ولا يغيب عنه الشاهد، المتقلّل من الدنيا على كثرة متاعها، ولذة استمتاعها، المخلي بينها وبين مبتاعها. قضى عمره كلّه في قليل من البلاغ، وبلال (٣) من ريق الدين إن ساغ. فلما آن له الإطلال على الأجل، ودنا به خطو العجل، حصل له سوء مزاج

стр. 2386

أصدأ مرآة مخيّلته، وأفسد صورة ممثّلته، فعظم اختلاطا، وكثر خلطا، وضيق عليه دار البقاء حتى حلّ من القبر في دار اللقاء. سكن بغداد، وحدّث بها، ولم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقلّلا منه، وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا (١). قال أبو الطيّب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص [عمر] ابن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي، فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا" (٢). فالنزول كيف؟. أيبقى فوقه علو؟!. فقال أبو جعفر: النّزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٣). وكان من التقلّل في المطعم على حال عظيمة، فقرا، وورعا، وصبرا على الفقر. أخبرني محمد بن موسى بن حمّاد، أنه أخبره: أنه تقوّت في سبعة عشر يوما بخمس حبّات!. أو قال: ثلاث حبّات. قلت: كيف عملت؟. قال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة. وذكر أبو إسحاق الزجّاج [النحوى] أنه كان يجري عليه في كل شهر (٤) أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا (٥).

стр. 2387

ولد في ذي الحجة، سنة ثمان، وقيل: سنة عشر ومائتين. وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، سنة خمس وتسعين ومائتين (١). ولم يغير شيبه، وكان قد اختلط اختلاطا عظيما في آخر عمره. ومنهم: ٧ - أحمد بن سريج، أبو العباس الشيرازي، الفقيه الشّافعيّ (¬*) نور لم تزل معاليه بالآلاء لائحة، ونوء لم تبرح أياديه بالآلاء (٢) سائحة، يتوضّح في فجر الفخر، وينبجس من صلد الصخر، بما يرقّ من فضفاض أرديته، ويطفو من فياض أنديته.

стр. 2388

سحب ذيله على المجرّة، وصحب سيله الدنيا وفارقها تجلى في برودها المخضرّة، بعلوم أعطت المسامع نشوة الاهتزاز، والمجامع جلوة الاعتزاز، وجادل عن مذهبه حيث لا يبل الريق اللسان، ولا يلبي الفكر المجيب للإنسان، وأفاض بتصانيفه المواهب الجسيمة، والسحائب في أكناف الرياض البسيمة، فأطال الدعائم، وطار إلى النعائم (١)، ولقي الله وهو مسرور بلقائه، مغبط بحال مماته وحالي بقائه. كان من عظماء الشافعية، وأئمة المسلمين، وكان يقال له الباز الأشهب (٢). وولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني. وإنّ فهرست كتبه كان يشتمل على أربعمائة مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي، وردّ على المخالفين، وفرّع من كتب محمد بن الحسن الحنفي (٣). وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه (٤). وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر الآفاق. وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له يوما: أبلعني ريقي. فقال له: أبلعتك دجلة!.

стр. 2389

وقال له يوما: أمهلني ساعة!. فقال: أمهلتك من الساعة إلى يوم الساعة. وقال له يوما: أكلّمك من الرّجل، فتجيبني من الرأس!. فقال له: هكذا البقر إذا حفيت أظلافها، دهنت (١) قرونها!. وكان يقال له في عصره: إن الله تعالى بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، فأظهر كل سنّة وأمات كلّ بدعة، ومنّ الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السّنّة وأخفى البدعة. ومنّ الله تعالى في رأس الثلاثمائة بك حتّى قوّيت كلّ سنّة وضعّفت كلّ بدعة. ومنهم: ٨ - الحسين بن صالح بن خيران، الفقيه الشافعي، أبو علي (¬*) إمام تهدل (٢) له حمائم المدائح، وتهطل به غمائم المنائح، ناضر الحديقة، وناظر الحدقة إلى الحقيقة.

стр. 2390

طلبه السلطان للقضاء فوقف حذاء الحذار، وعطف عذار الأعذار، وردّ عليه ما ولّاه من حكمه، وأراه منه ما ودّ كثيرا لو رآه في حلمه، بعزم أيد جاش جأشه، وعاش انتعاشه حتى تقشّع عنه غمّ ذلك الغمام، وقد اضمحلّ محلّه، وتضاءل ظلّه، ولم يرعه طلب السلطان، وقد أنبأه بتهويم وهمه، وأنبهه لكن لما أشغله بهمّه، وقبح في الردّ وما وجم ولا وجل، ولا خشع ولا خجل، فقبل منه المعذرة، وأزال عنه ما حذره، فأعفاه العاتب من اللوم، وعفا عما كان منه إلى اليوم. كان من جلّة الفقهاء المتورّعين، وأفاضل الشيوخ. وعرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر، فلم يفعل. فوكّل به الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بداره مترسما، فخوطب في ذلك، فقال: إنما قصدت ذلك ليقال: كان في زماننا من وكل بداره ليتقلّد القضاء، فلم يفعل!. وكان يعاتب أبا العباس بن سريج على توليته، ويقول: هذا الأمر لم يكن فينا، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاثمائة. قاله أبو العلاء العسكري: وقال الدارقطني: كانت وفاته في حدود سنة عشر وثلاثمائة. وصوّبه أبو بكر الخطيب (١).

стр. 2391

ومنهم: ٩ - عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل النيسابوري (¬*) الفقيه، الحافظ، العلّامة، الشافعي. إمام أنوار فضائله متلألئة، وآثار فضائله متتالية، وسحب مواطره مغدقة، وشهب خواطره محدقة. وله المصنفات التي لم يزل فكره السيّال منها فيض كرم، وروض نعم، وشذا تصنيف أريج، وسنا تأليف بهيج، بقلم قلّم أظفار النوائب، وقلّل إكدار الشوائب، ودام على حالي حاله حتى قارب أوان ارتحاله. بلغ به الكبر غايته وما خار له أنبوب (١) ولا حار يعبوب (٢)، في حين ما للبلاغة فيه بلاغ، ولا للخواطر فراغ، إذ كان البيان قد نضب، واللسان قد قطع (٣) ما اقتضب. قال الحاكم: كان إمام عصره في الشافعية بالعراق، ومن أحفظ الناس للفقهيات، واختلاف الصحابة (٤).

стр. 2392

وقال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من ابن زياد كان يعرف زيادات الألفاظ في المتون (١). ولما قعد للتحديث قالوا: حدّث. قال: بل سلوا أنتم!. فسئل عن أحاديث، أجاب عنها وأملاها (٢). قال يوسف [القواس] (٣): سمعت أبا بكر (٤) النيسابوري يقول: نعرف من أقام الليل أربعين سنة لم ينم الليل!. ويتقوّت كل يوم بخمس حبات، يصلي صلاة الغداة على طهارة العشاء الآخرة. ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أمّ عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوّجني؟. ثم قال: ما أراد إلا الخير (٥). وقال الدارقطني: كنّا في مجلس فيه أبو طالب الحافظ، والجعابيّ، وغيرهما، فجاء فقيه، فسأل: من روى عن النبي ﷺ : " وجعلت تربتها لنا طهورا "؟. فلم يجيبوه!. ثم ذكروا وقاموا، فسألوا أبا بكر بن زياد، فقال: نعم (٦) يا فلان … ، وسرد الحديث، والحديث في مسلم (٧). مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، قال ابن قانع: مات في رابع ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٨).

стр. 2393

ومنهم: ١٠ - الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل، أبو سعيد الإصطخري، الفقيه الشافعي (¬*) قاض لا يجور، وماض أقطع للباطل من سيف الصباح للديجور (١)، وقضاياه تصحح العقود، وتفسح للنظر مجال النقود، قام بهذا الغرض فيما وليه، وقال هذا في بلده وما يليه، وجهر بهذا وليس للنطق نطاق، وعلى الصدق صداق، فصحّت به الأنساب، وصحت من غمرات سكرها الأحساب، فجلا الهمّ الماثل، وجلّى الفهم الماحل، حتى وضح الحق المبين على المنار، ومنع فراش الجهالة من التساقط في النار. كان من نظراء الشيخ أبي العباس بن سريج، وأقران أبي علي بن أبي هريرة، وله مصنفات حسنة في الفقه، منها: "كتاب الأقضية"، وكان قاضي قم، وتولّى حسبة بغداد، وكان ورعا، متقلّلا، واستقضاه المقتدر على سجستان، فسار إليها، فنظر في مناكحاتهم، فوجد معظمها على غير اعتبار الولي، فأنكرها،

стр. 2394

وأبطلها (١). وتوفي في جمادى الآخرة، وقيل: في شعبان، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ومولده: سنة أربع وأربعين ومائتين (٢). ومنهم: ١١ - أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي (¬*) الفقيه، الشافعي. رجل تحلّق همّته إلى آفاق الكواكب ارتقاء، وتتخير أخلاق السحائب انتقاء. أنفق عمره كله في طلب العلم كرما، وجعل فواضله على سواه حرما، فحاز أفخر المناقب، وجاء خاطره (٣) يسخر بالنجوم الثواقب، حيث أضحى للفواضل مجمعا، وحاز الفضائل في العلم والعمل معا، فتضاءلت البدور في مرمى شمسه، وحرجت الصدور لمرأى غرسه، وكان نظره محكّا للنقد، وخاطره مضطرم الوقد، فلو تستر الزغل (٤) بخافي الوهم لأخرجه، أو جاز الزيف في دراهم النجوم لبهرجه، وكان يتوقى نظره، ويخافه المريب فلا يحضره، فتعالى من جعل شمل الشتات به ملموما، وفخر الأنساب إليه مضموما.

стр. 2395

أخذ الفقه عن ابن سريج، واشتهر بالحذق في النظر والقياس، وعلم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إليه (١). حكى أبو بكر القفّال: أن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحاب الشافعي للشروع في علم الشروط، وصنّف فيه كتابا أحسن فيه كل الإحسان. وتوفي يوم الخميس، لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاثين وثلاثمائة. ومنهم: ١٢ - أحمد بن أبي أحمد، المعروف بابن القاص الطبري، أبو العباس (¬*) الفقيه الشافعي رجل أتمّ على الأمة نعمتها، وسرّ صدور الشريعة وأئمتها، وصرف قلمه بما صدّ صروف الأيام، وكفى صنوف الآلام، وتصانيفه كبرت نجما، وإن صغرت حجما، ملأ منها القطر الإناء فأفعمه، وسما إلى اللسان فأفحمه، ولم يزل الدهر يتعصّب لفضله، وتتمتّع العيون بلألاء شمسه، وبرد ظله، حتى جلس مجلس ذكر كان هو فيه أول من أجاب الداعي، وقدم منه على رتبة مشكور المساعي.

стр. 2396

كان إمام وقته بطبرستان، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وصنّف كتبا كثيرة، جميعها صغيرة الحجم، كثيرة الفائدة. وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى القضاء بها، فعقد له مجلس وعظ، وأدركته رقّة وخشية، وروعة من ذكر الله، فخرّ مغشيّا عليه. ومات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وقيل: سنة ست (١). ومنهم: ١٣ - إبراهيم بن أحمد بن إسحق المروزي، الفقيه الشافعي، أبو إسحاق (¬*) بطل جدال يروع، وفارس علم يبرز عليه صداء الدروع، تنقاد له الصعاب مذلّلة، وتقبل إليه متهلّلة، بفتاو ترد من ردى، وتعدّ رقى لسهام العدا، نصب تصانيفه منارا على طرق الهدى، وأخصب بها آثارا بها يقتدى، وفوّفها (٢) كالحدائق الزاهرة، وصرّفها في الحقائق التي تملأ العيون الساهرة، فسدّت كل

стр. 2397

ثلمة، وجلت كل ظلمة، إلى أن لم يبق بقية، وحتى ذهب مثل يوم الصحو والسماء نقية. أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، وبرع فيه، وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج، وكان إمام عصره في الفتوى والتدريس، وصنّف كتبا كثيرة، وشرح مختصر المزني، وأقام ببغداد دهرا طويلا يدرّس ويفتي، وأنجب من أصحابه خلق كثير. ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره، فأدركه أجله، فتوفّي لتسع خلون من رجب، سنة أربعين وثلاثمائة. ودفن قريبا من الإمام الشافعي (١). ومنهم: ١٤ - أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفّال، الشاشي (¬*) إمام عصره، والذي ما فتح بابا في العلم فخاف من عسره، وقف دون تحصينه كلّ قفّال، وخبت قبل فهمه مصابيح باتت تشب لقفال، وكان لا يمارى أنه فيما

стр. 2398

علم ذو بأس شديد، وفيما عرف أن نظره حديد، وبما عمل أنه لا يقدر على ما قفل إليه، ولا ما قفل عليه، وأنّه ممن ألين الذهب له، والحديد على يديه، وأنّه أتى بالجوهر ثم اتخذ عليه أقفالا إلا أنّها حافظته التي لا تنسى، وعارضته إلا أنّها أشدّ قوة من الحديد وسّا. كان محدّثا، فقيها، أصوليّا، لغويا، شاعرا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته. رحل إلى خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، والثغور، وسار ذكره في البلاد، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وهو أول من صنّف الجدل من الفقهاء (١)، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده. توفي سنة ستّ وستين وثلثمئة في الصحيح. وقيل: سنة ستّ وثلاثين، وهو تصحيف. ومنهم: ١٥ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المروزي، الفاشاني (¬*) الشافعي، أبو زيد.

стр. 2399

فقيه أيسر بعد الإعسار، واستغنى بعد عدم اليسار، وكثر ماله حيث لا يقدر على مدّ اليمين ولا اليسار، واستطاع وأوامر شهوته لا تطاع، وقد ذهب أطيباه (١)، وقهر سلطان مشيبه صباه. وجاور مدّة ببيت الله الحرام، وأسفّ طائره بعد الخيام، وقام قائما على قدم التعبّد، وأحيا الليل بنور التهجّد، والطواف بفناء ذلك البيت الذي لا يمل الملائكة إليه التردد. ثم آب إلى وطنه مملىّ بظفره، لا يشكو وعثاء سفره، فأثرى بعد توسّد الثرى، واكتسى بعد ما تعرّى، وما عرا، لفقر طويل طال ما ضمّ عليه أعضاه، وأكثر إسخاطه ثم أرضاه. أخذ الفقه عن إبي إسحاق المروزي، وأخذ عنه أبو بكر القفال، ودخل بغداد، وحدّث بها، وسمع منه الدارقطني وغيره. ثم خرج إلى مكة، فجاور بها سبع سنين، وحدّث هناك بصحيح البخاري، عن محمد بن يوسف الفربري، وكان حسن النظر، مشهورا بالعلم، حافظا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة (٢). قال أبو بكر الخباز (٣): عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أنّ الملائكة كتبت عليه خطيئة (٤). وقال أبو زيد: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأنا بمكة كأنه يقول لجبريل:

стр. 2400

يا روح القدس، اصحبه إلى وطنه. وكان في أول أمره فقيرا لا يقدر على شيء، وكان يعبر الشتاء بلا جبة، مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك، يقول: بي علّة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر. وكان لا يشتهي أن يطلع أحدا على باطن حاله. ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسنّ، وتساقطت أسنانه، وكان لا يتمكّن من المضغ، وبطلت منه حاسّة الجماع، وكان يقول مخاطبا للنعمة: لا بارك الله فيك، أقبلت حيث لا ناب، ولا نصاب. ومنهم: ١٦ - عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز الدّاركي (¬*) الفقيه، الشافعي. بحر خبيئه الدرر، وبرق خفوه (١) المطر، وفقيه هو أشدّ على الشيطان من ألف

стр. 2401

عابد، ونبيه يرمي الزمان بالأوابد (١)، إلا أنه لم يخل من حاسد قصد أن يضعه، ومعاند ما غيّر في الصدور موضعه، هيهات أن يوصم دينه باختزال، أو يوصم باعتراء إلى اعتزال، والقمر على تمام حسنه لا بد له من عائب، والفاضل من تعدّ له معايب. نزل نيسابور سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، ودرس الفقه بها سنين، ثم انتقل إلى بغداد، وسكنها إلى حين وفاته (٢). وعليه تفقّه عامّة شيوخ بغداد، وغيرهم من أهل الآفاق. وكان يدرّس ببغداد في مسجد: "دعلج بن أحمد بدرب أبي خلف، وله حلقة بالجامع للفتوى والنظر. وانتهى التدريس إليه ببغداد، وانتفع به خلق كثير، وله في المذهب وجوه جيدة دالّة على متانة علمه، وكان يتّهم بالاعتزال (٣). وكان أبو حامد الإسفراييني يقول: ما رأيت أحدا أفقه من الداركي. وكان إذا جاءته مسألة يفكر طويلا ثم يفتي فيها، وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما. فيقال له في ذلك؟. فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين (٤). وتوفي ببغداد، يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، عن نيّف وسبعين سنة (٥).

стр. 2402

ومنهم: ١٧ - محمد بن أحمد الخضري المروزي الشافعي (¬*) إمام مرو. كان إذا حفظ شيئا كان كأنه النقش في الحجر، والسواد الممثل في البصر، والحبيب الذي ما غاب عن القلب منذ حضر، وكان يداوم الدروس كأنها أنفاسه التي لا يملّها، ويكرّر المحافيظ كأنها أكياسه التي لا يحلّها، دأبا في الدأب يحمل النفس على مكروهه، وفقها في المذهب يعرف على سمات البدور حسن وجوهه. صحب أبا بكر الفارسي، وكان من أعيان تلامذة أبي بكر القفّال الشاشي، وأقام بمرو، ناشرا فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلّة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة نقلها الخراسانيون، وكان له معرفة بالحديث أيضا. وتوفي في عشر الثمانين والثلاثمائة (١).

стр. 2403

ومنهم: ١٨ - سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، أبو الطيّب الصّعلوكي، النيسابوري (¬*) الفقيه، الشافعي. صدر منشرح، وأمل منفسح، لم يزل قدره رفيعا، ودهره له ربيعا، وليله بأعماله الصالحة صديعا، وكيوده (١) بسيف حتفه صريعا، وحسوده في نار الحقد بغيظه لا يكلّ إلا ضريعا. كم أنقذ آملا من الإملاق، وصان آمالا عن الإخفاق، بعد ما أطال عند غيره الطلب، وأنضى في قصد سواه المطية والقتب (٢)، وجرّد له عزما فما أغنى، ووقف بغيره فكان كواقف على دارس المغنى، وما برح يصحب الدنيا حتى فارقها بالحسنى، واستبدل بالعرض الأدنى الجوهر الأسنى. كان مفتي نيسابور، وابن مفتيها، وكان يقال له في وقته" الإمام ". وهو متّفق

стр. 2404

عليه، عديم المثل في مثله (١) وديانته، وكان فقيها، أديبا، متكلّما، خرّجت له الفوائد من سماعاته، وقيل: إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة، وجمع رياسة الدنيا والآخرة (٢)، وأخذ عنه فقهاء نيسابور (٣). وتوفي في المحرم، سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (٤). وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (٥): إنه توفي سنة اثنتين وأربعمائة. قال عبد الواحد اللخمي: أصاب سهلا الصعلوكي رمد؛ فكان الناس يدخلون عليه، وينشدونه من النظم، ويروون له من الآثار ما جرت به العادة، فدخل عيه أبو عبد الرحمن السّلمي وقال: أيها الإمام لو أن عينيك رأيا وجهك ما رمدتا. فقال له الشيخ: ما سمعت بأحسن من هذا الكلام. وسرّ به (٦). ولما مات أبوه محمد بن سليمان، كتب أبو النصر بن عبد الجبار إلى أبي الطيب المذكور يعزّيه عن والده (٧): من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة … عنّي رسالة محزون وأوّاه أولى البرايا بحسن الصبر ممتحنا … من كان فتياه توقيعا عن الله

стр. 2405

ومنهم: ١٩ - الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم (¬*) الفقيه، الشافعي، الجرجاني، المعروف "بالحليمي". عرف بحلمه، وعرض السداد بعزمه. كان نسيج وحده، وذكاء أفق الذكاء، وقمر سعده، والمفرد بمذهبه المذهب، والمنفرد بري الظّماء من مورده الأعذب، بفضل يخفض مضاهيه، ويسكت شقشقة مباهيه. ولد بجرجان، سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وحمل إلى بخارى، وكتب الحديث، وتفقّه على أبي بكر الأودني، وأبي بكر القفّال، ثم صار إماما معظّما، مرجوعا إليه بما وراء النهر، وله في المذهب وجوه حسنة، وحدّث بنيسابور، وروى عنه الحاكم وغيره. وتوفي في جمادى الأولى، وقيل: ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة (١).

стр. 2406

ومنهم: ٢٠ - أحمد بن أبي طاهر بن محمد الإسفراييني (¬*) الفقيه، الشافعي، أبو حامد. كان واحد الفضل وأوحده، والمستأثر بكل أثر يثبته من جحده، قعد حيث تأرّج نجده، وتبلّج مجده، وكان تميمة في جيد المفاخر، وشبهة غرّاء للبحار الزواخر، وأسفرت لياليه صباحا، وسجرت في مجامر شقيق الشفق إقاحا، ففاح عنبر لياليه، وافترّ مبسم زمانه عن لآليه، وكانت أوقاته كلها تتفاوح أسحارا، وتتفاوت في جنى الجنات أشجارا. انتهت إليه رياسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة فقيه (١)، وعلّق على "مختصر المزني" تعاليق، وطبق الأرض

стр. 2407

بالأصحاب. وله في المذهب "التعليقة الكبرى"، وكتاب "البستان (١) "، وهو صغير، وفيه غرائب، واتّفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه في جودة النظر. وقال خطيب بغداد في تاريخه (٢): "حدّث أبو حامد بشيء يسير عن عبد الله بن عدي، وأبي بكر الإسماعيلي، وإبراهيم بن محمد بن عبدك الإسفراييني، وكان ثقة، ورأيته غير مرة وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله ابن المبارك، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقّه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به". وروي عنه أنه قال: ما قمت من مجلس نظر قطّ فندمت على معنى ينبغي أن يذكر، فلم أذكره. وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذرا إليه، فأنشده (٣): جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط … وعذر أتى سرّا فأكّد ما فرط ومن ظنّ أن يمحو جليّ جفائه … خفي اعتذار فهو في أعظم الغلط ومولده سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. وقدم بغداد سنة ثلاث وستين. ودرّس الفقه بها إلى أن مات في شوّال سنة ست وأربعمائة. ودفن بداره، ثم نقل إلى باب حرب سنة عشر وأربعمائة (٤).

стр. 2408

ومنهم: ٢١ - أحمد بن [محمد بن (١)] أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الضبّي (٢)، المحاملي (٣) (¬*) الفقيه الشافعي. فقيه لم يكن له بغير العلم إلمام، ولا بسواه اهتمام، ولا إلى غير رايته انضمام، هجر الملاذ، وهجّر في غير التعلق بالشواذ (٤)، هذا والصّباء في عنفوانه، والشباب ما لبس من المشيب بيض أكفانه، والنفس نزّاعة، والشهرة تكثر نزاعه، وعمره في النمو، وقدره في السمو، وزمانه لا يرمقه إلا بجفن مخادع، ولا يرميه إلا مراماة خادع، ورحاب الأمل فسيحة، وركاب الأجل ما وقعت به

стр. 2409

طليحة (١)، حتى سرح في فضاء [الفضائل، وتكلّم وسكت كل قائل، وأتى بلوامع غرر لو كنّ نجوما لكنّ بدورها، أو دسوتا (٢) للعلياء لكنّ صدورها، ضربت إليه الطّلبة آباط الإبل، تسأل: أين حطت ركابه؟. وفي أي الأرض سرت محامله وضربت قبابه؟. فلا تجد إلا من طار وقد حدا لوداع قلبه، وتاه في تلك الحلل لا يعرف في أي المحامل قلبه] (٣). أخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وله عنه تعليقة تنسب إليه، ورزق الذكاء وحسن الفهم ما أربى به على أقرانه. وبرع في الفقه، ودرّس في حياة شيخه أبي حامد، وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر، وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة وأسمعها به، وصنّف في المذهب "المجموع"، وهو كتاب كبير، وغير ذلك. وصنّف في الخلاف كثيرا، ودرّس ببغداد. وتوفي ببغداد، في شهر ربيع الأول، سنة خمس عشرة وأربعمائة. ومنهم: ٢٢ - أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله (¬*) الفقيه، الشافعي، المعروف بالقفّال، المروزي

стр. 2410

إمام لا يعسر عليه قفل، ولا يعرف لديه غفل، تجنح إلى مصابيحه قفال (١)، وتفتح بمفاتيحه أقفال، لا يحط قمر دأديه (٢) أفول، ولا تحلّ بغير ناديه قفول، ولم تحفظ أبواب التصانيف بمثل أقفاله التي تشد عليها، وتسد بها الطرق، فلولاه للفتح لم يتوصل إليها، طالما شبّت لمعارضه نار قريحة، وشبّ مثلها فكره النافخ، وهدرت عارضة مجادله فأسكتها، وهدر رعده الصارخ، وطال عمره وهو ممتّع بحواسه لا يستعين، وقارب المائة والعلماء معه في مثل عقد التسعين. كان وحيد زمانه فقها وحفظا، وورعا، وزهدا، وله في مذهب الشافعي ما ليس لغيره من أبناء عصره، وتخاريجه كلّها جيدة، وإلزاماته لازمة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، منهم: أبو علي السنجي، والقاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجويني، [والد] (٣) إمام الحرمين وكل واحد من هؤلاء صار إماما يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة، ونشروا علمه في البلاد، وأخذ عنه أئمة كبار أيضا. وكان ابتداء اشتغاله بالعلم على كبر السنّ بعد ما أفنى شبيبته في عمل الأقفال، ولذلك قيل له "القفّال". وكان ماهرا في عملها (٤).

стр. 2411

ويقال: إنه لما شرع في التفقّه، كان عمره ثلاثين سنة (١). وكانت وفاته سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو ابن تسعين سنة. ودفن بسجستان، وقبره معروف فيها يزار (٢). ومنهم: ٢٣ - الحسين بن شعيب بن محمد السّنجي (٣) (¬*) الفقيه، الشافعي. جاد به الزمان بعد أن بخل، وأوصل بمثله ولم يخل، حصّل العلوم وجمعها، وقصر النجوم وراءه وطمعها، وأتى بما يرقم ديباج الصحف رقم العذار للخدود، والنهار لحلك الليالي السود، حتى حام على منهله كل خاطر، ووقف دون منهله كل ماطر، وأرى البحار العجائب، وأغصّ القفار بالنجائب (٤)، وأشرق صدر الدست منه بمالئ لجوانبه وكالئ لسرحه من مجانبه، مطلّ بصقره على البغاث،

стр. 2412

[مقبل بحده على من كره الانبعاث، تارك لسوام أهل الطلب مراده، مخوّل مرام كل من دأب منهم مراده] (١). أخذ الفقه بخراسان عن أبي بكر القفّال المروزي، هو والقاضي حسين، وأبو علي الجويني، والد إمام الحرمين. وشرح "الفروع" التي لأبي بكر بن الحداد المصري (٢) شرحا لم يقاربه فيه أحد مع كثرة شروحها. وهو أول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وكان فقيه أهل مرو في عصره. وكانت وفاته سنة نيف وثلاثين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. ومنهم: ٢٤ - سليم بن أيوب بن سليم الرازي (٣) (¬*) أبو الفتح. الفقيه، الشافعي، الأديب.

стр. 2413

ممن نور فهمه، وصوّر في التحقيق وهمه، بكل حركة تمنع المتحرك، وتضيع تعب المستدرك. وكان لأهل مذهبه الظهر الذي يقع إليه الاستناد، والصدر الذي عليه الاعتماد، تعرض عليه الأمور الجليلة فيلتهمها، ويمد يده إلى المعالي فيتسلمها، وكان حمى لخلطائه يرعى منهم الغائب، ويخرس العائب، لا يقنع لهم دون وجدان النافع بعدم الضائر، ولا يرضى لهم بالشيء إلا وله نظائر، فما تزال مجالسه موقّرة، وألسنة جلسائه مطهّرة. وكان مشارا إليه في الفضل والعبادة، وصنّف الكتب الكثيرة. قال سليم: دخلت بغداد في حداثتي لطلب علم اللغة، فكنت آتي شيخا هناك؛ فبكرت في بعض الليالي إليه. فقيل لي: هو في الحمّام، فمضيت نحوه، فعبرت في طريقي على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو يملي، فدخلت المسجد، وجلست مع الطلبة، فوجدته في "كتاب الصيام" في مسألة، فاستحسنت ذلك، وعلّقت الدرس على ظهر جزء كان معي، فلما عدت إلى منزلي جعلت أعيد الدرس، فحلا لي، فقلت: أتمّ كتاب الصيام، فعلقته، ولزمت

стр. 2414

الشيخ أبا حامد حتى علقت جميع التعليق. وكان لا يخلو له وقت عن الاشتغال، حتى إنه كان إذا برى القلم قرأ القرآن، أو سبّح، وكذلك إذا كان مارّا في الطريق، وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها (١). وسكن سليم الشام بمدينة "صور"، متصدّرا لنشر العلم، وإفادة الناس، وكان يقول: وضعت مني صور، ورفعت من أبي الحسن المحاملي هذا. ثم إنه غرق في بحر القلزم (٢)، بعد رجوعه من الحج، عند ساحل جدّة، في سلخ صفر، سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان قد نيف على الثمانين. ودفن بجزيرة عند المخاضة (٣) في طريق عيذاب. ومنهم: ٢٥ - طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري (¬*) أبو الطيب، القاضي، الفقيه، الشافعي.

стр. 2415

جامع فضل، بيته المطهّر كالمساجد، ومصابيحه المنوّرة للهاجد. أجاد في المسائل الشرعية، والفضائل الشعرية، ولولاه في زمانه لم يجر للسنن رسن، ولا عرفت للنظر فطن، فردّ شأن شانئه صاغرا، ولسان حاسديه يجوب فما فاغرا، إذ لا يتساوى البليد والبليغ، والمسيء والمسيغ، ولم يتغير عليه حال والقوة مقويه، والمواد موديه. لم يزل على هذا حتى أسكت الموت شقاشق لسنه، وأبدل شقائق أدبه بياسمين كفنه. كان ثقة، صادقا، ديّنا، ورعا، عارفا بأصول الفقه وفروعه، محقّقا في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء. ومن شعره ما أورده الحافظ أبو طاهر السلفي بسنده إلى أبي الطيب، قال: كتبت إلى أبي العلاء المعرّي الأديب حين وافى بغداد، وقد كان نزل في سويقة غالب (١): وما ذات درّ لا يحل لحالب … تناوله واللحم منها محلّل لمن شاء في الحالين حيا وميّتا … ومن شاء شرب الدرّ فهو مضلّل إذا طعنت في السنّ فاللحم طيب … وآكله عند الجميع مغفّل وخرفانها للأكل فيها كزازة (٢) … فما لحصيف الرأي فيهنّ مأكل

стр. 2416

وما يجتني معناه إلا مبرّز … عليم بأسرار القلوب محصّل فأجابني، وأملى على الرسول في الحال مرتحلا: جوابان عن هذا السؤال كلاهما … صواب، وبعض القائلين مضلل فمن ظنّه كرما فليس بكاذب … ومن ظنه نخلا فليس يجهّل لحومهما الأعناب والرّطب الذي … هو الحلّ، والدرّ الرحيق المسلسل ولكن ثمار النخل وهي غضيضة … تمرّ وغضّ الكرم يجنى ويؤكل يكلّفني القاضي الجليل مسائلا … هي النجم قدرا بل أعزّ وأطول ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها … جديرا، ولكن من يودّك مقبل فأجبته عنه وقلت: أنار ضميري من يعزّ نظيره … من الناس طرا سابغ الفضل مكمل ومن قلبه كتب العلوم بأسرها … وخاطره في حدة النار مشعل تساوى له سرّ المعاني وجهرها … ومعضلها باد لديه مفصل ولما أنار الحب قاد منيعه … أسيرا بأنواع البيان يكبّل وقرّبه من كل فهم بكشفه … وإيضاحه حتى رآه المغفّل وأعجب منه نظمه الدر مسرعا … ومرتجلا من غير ما يتمهّل فيخرج من بحر ويسمو مكانه … جلالا إلى حيث الكواكب تنزل فهنّأه الله الكريم بفضله … محاسنه والعمر فيها مطوّل فأجاب مرتجلا، وأملى على الرسول: ألا أيها القاضي الذي بدهائه … سيوف على أهل الخلاف تسلّل فؤادك ممهور من العلم آهل … وجدّك في كل المسائل مقبل فإن كنت بين الناس غير مموّل … فأنت من الفهم المصون مموّل

стр. 2417

إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلا … فأنت، وهم مثل الحمائم أجدل كأنّك من في الشافعي مخاطب … ومن قلبه تملي فما تتمهّل وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا … وأنت بإيضاح الهدى متكفّل تفضّلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما … فعلت وكفّي عن جوابك أجمل لأنك في كنه الثريّا فصاحة … وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل فعذرك في أني أجبتك واثقا … بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي … هي المجد لي منها أخير وأول ولكن عداني أن أروم احتفاظها … رسولك وهو الفاضل المتفضل ومن حقها أن يصبح المسك عامرا … لها وهي في أعلى المواضع تجعل فمن كان في أشعاره متمثلا … فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل تجمّلت الدنيا بأنك فوقها … ومثلك حقا من به تتجمّل ومن شعره (١): قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم … لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل وعاش مائة وسنتين، لم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات. واشتغل عليه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: "لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا، وأشدّ تحقيقا، وأجود نظرا منه، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مسجده سنتين بإذنه، ورتّبني في حلقته". واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، بعد موت عبد الله الصيمري.

стр. 2418

ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته في شهر ربيع الأول، يوم السبت لعشر بقين منه، سنة خمسين وأربعمائة (١). ومولده بآمل (٢)، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة (٣). ومنهم: ٢٦ - أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري (¬*) الفقيه، الشافعي، الماوردي (٤).

стр. 2419

الذي ينفح عطرا، ويملأ الأرض من ماء الورد قطرا، بما هو أذكى من الورد الذي تحمله الغصون، وتذيع الريح سره المصون، ويذبل به ورد الشفق فلا يوصف بالخفر، ولا يوجد منه الخبر مثل الخبر، بل لو قابله الورد في غصونه لأطرق، ولعلم أنه بنار الحسد لماء ورده يحرق (١)، وعلم أنه لمداناته وقع في جور جور (٢)، وألقى حمأ في التنور المسجور (٣)، وفعل به فعل مردة العفاريت فأدخل في قمقمه وسد، وأوثق عليه الوكاء وشد، حين أرسل عليه شواظ من نار ونحاس، وحبس حبس الجن لا الناس، بعد ما خلع من سندس الورق إزاره، وفككت من عري الغصون أزراره، وشحب نجمه المريخي مصفودا من الأفق، وأصبح (٤) مرميا على الطرق وظل مصلوبا على شجره، منكس الرأس مائل العنق، وغدا يوقت له الأوان، ويرمى في سوق الهوان، بل هو من ورد الخد الذي تكلل بلؤلؤ العرق، وتموج فلولا ناره لشرب، ولولا ماؤه لاحترق، وجاء بما يفخر به نيسان على الزمان، ويذخر منه في قعر البحر الجمان، لا بل هو الورد الذي لا يذوي حسنه، ولا يلوي غصنه، والعنبر الورد الذي تفتقه الأذهان، وتشققه البحار فيعز والعنبر يهان، من العلم الذي يدني جني الجنان، ويدوم وقد ذوى

стр. 2420

الزهر وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه (١)، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم (٢) من المسرة، وولي القضاء فما نقص (٣) منه ولا ضره. كان من وجوه الفقهاء الشافعية، من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظا للمذهب، وله كتاب "الحاوي" (٤)، الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد. وله تصانيف أخر، منها: "النكت والعيون". في تفسير القرآن الكريم. و"أدب الدين والدنيا" (٥)، و"الأحكام السلطانية" (٦)، و"قانون الوزارة وسياسة الملك" (٧)،
следующие страницы →