← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وما يجتني معناه إلا مبرّز … عليم بأسرار القلوب محصّل فأجابني، وأملى على الرسول في الحال مرتحلا: جوابان عن هذا السؤال كلاهما … صواب، وبعض القائلين مضلل فمن ظنّه كرما فليس بكاذب … ومن ظنه نخلا فليس يجهّل لحومهما الأعناب والرّطب الذي … هو الحلّ، والدرّ الرحيق المسلسل ولكن ثمار النخل وهي غضيضة … تمرّ وغضّ الكرم يجنى ويؤكل يكلّفني القاضي الجليل مسائلا … هي النجم قدرا بل أعزّ وأطول ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها … جديرا، ولكن من يودّك مقبل فأجبته عنه وقلت: أنار ضميري من يعزّ نظيره … من الناس طرا سابغ الفضل مكمل ومن قلبه كتب العلوم بأسرها … وخاطره في حدة النار مشعل تساوى له سرّ المعاني وجهرها … ومعضلها باد لديه مفصل ولما أنار الحب قاد منيعه … أسيرا بأنواع البيان يكبّل وقرّبه من كل فهم بكشفه … وإيضاحه حتى رآه المغفّل وأعجب منه نظمه الدر مسرعا … ومرتجلا من غير ما يتمهّل فيخرج من بحر ويسمو مكانه … جلالا إلى حيث الكواكب تنزل فهنّأه الله الكريم بفضله … محاسنه والعمر فيها مطوّل فأجاب مرتجلا، وأملى على الرسول: ألا أيها القاضي الذي بدهائه … سيوف على أهل الخلاف تسلّل فؤادك ممهور من العلم آهل … وجدّك في كل المسائل مقبل فإن كنت بين الناس غير مموّل … فأنت من الفهم المصون مموّل

стр. 2417

إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلا … فأنت، وهم مثل الحمائم أجدل كأنّك من في الشافعي مخاطب … ومن قلبه تملي فما تتمهّل وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا … وأنت بإيضاح الهدى متكفّل تفضّلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما … فعلت وكفّي عن جوابك أجمل لأنك في كنه الثريّا فصاحة … وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل فعذرك في أني أجبتك واثقا … بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي … هي المجد لي منها أخير وأول ولكن عداني أن أروم احتفاظها … رسولك وهو الفاضل المتفضل ومن حقها أن يصبح المسك عامرا … لها وهي في أعلى المواضع تجعل فمن كان في أشعاره متمثلا … فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل تجمّلت الدنيا بأنك فوقها … ومثلك حقا من به تتجمّل ومن شعره (١): قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم … لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل وعاش مائة وسنتين، لم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات. واشتغل عليه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: "لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا، وأشدّ تحقيقا، وأجود نظرا منه، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مسجده سنتين بإذنه، ورتّبني في حلقته". واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، بعد موت عبد الله الصيمري.

стр. 2418

ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته في شهر ربيع الأول، يوم السبت لعشر بقين منه، سنة خمسين وأربعمائة (١). ومولده بآمل (٢)، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة (٣). ومنهم: ٢٦ - أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري (¬*) الفقيه، الشافعي، الماوردي (٤).

стр. 2419

الذي ينفح عطرا، ويملأ الأرض من ماء الورد قطرا، بما هو أذكى من الورد الذي تحمله الغصون، وتذيع الريح سره المصون، ويذبل به ورد الشفق فلا يوصف بالخفر، ولا يوجد منه الخبر مثل الخبر، بل لو قابله الورد في غصونه لأطرق، ولعلم أنه بنار الحسد لماء ورده يحرق (١)، وعلم أنه لمداناته وقع في جور جور (٢)، وألقى حمأ في التنور المسجور (٣)، وفعل به فعل مردة العفاريت فأدخل في قمقمه وسد، وأوثق عليه الوكاء وشد، حين أرسل عليه شواظ من نار ونحاس، وحبس حبس الجن لا الناس، بعد ما خلع من سندس الورق إزاره، وفككت من عري الغصون أزراره، وشحب نجمه المريخي مصفودا من الأفق، وأصبح (٤) مرميا على الطرق وظل مصلوبا على شجره، منكس الرأس مائل العنق، وغدا يوقت له الأوان، ويرمى في سوق الهوان، بل هو من ورد الخد الذي تكلل بلؤلؤ العرق، وتموج فلولا ناره لشرب، ولولا ماؤه لاحترق، وجاء بما يفخر به نيسان على الزمان، ويذخر منه في قعر البحر الجمان، لا بل هو الورد الذي لا يذوي حسنه، ولا يلوي غصنه، والعنبر الورد الذي تفتقه الأذهان، وتشققه البحار فيعز والعنبر يهان، من العلم الذي يدني جني الجنان، ويدوم وقد ذوى

стр. 2420

الزهر وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه (١)، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم (٢) من المسرة، وولي القضاء فما نقص (٣) منه ولا ضره. كان من وجوه الفقهاء الشافعية، من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظا للمذهب، وله كتاب "الحاوي" (٤)، الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد. وله تصانيف أخر، منها: "النكت والعيون". في تفسير القرآن الكريم. و"أدب الدين والدنيا" (٥)، و"الأحكام السلطانية" (٦)، و"قانون الوزارة وسياسة الملك" (٧)،

стр. 2421

و"الإقناع في المذهب" وهو مختصر. وصنّف في أصول الفقه، والأدب، وانتفع به الناس. وقيل: إنه لم يظهر شيء من مصنفاته في حياته، وإنما جمعها كلها في مواضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني تصنيفي كلها!، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر!!. فإذا عاينت الموت، ووقعت في النّزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها!، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت. وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة. قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت يده في يدي، فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه [بعده] (١). وذكر الخطيب في أول "تاريخ بغداد" (٢): عن الماوردي - المذكور - قال: كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد: طيب الهواء ببغداد يشوّقني … قدما إليها وإن عاقت مقادير فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت … طيب الهواءين ممدود ومقصور (٣) وكان أبو الحسن الماوردي من أهل البصرة، وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارها لها، ثم طابت له، ونسي البصرة، فشقّ عليه فراقها، فلما خرج من بغداد راجعا إلى البصرة ينشد أبيات الأحنف بن قيس (٤):

стр. 2422

أقمنا كارهين لها فلمّا … ألفناها خرجنا مكرهينا وما حبّ البلاد بنا ولكن … أمرّ العيش فرقة من هوينا خرجت أقرّ ما كانت لعيني … وخلّفت الفؤاد بها رهينا وقد نسب السمعاني هذه الأبيات إلى أبي محمد المزني (١). وتوفي الماوردي يوم الثلاثاء، سلخ شهر ربيع الأول، سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد (٢)، وعمره ست وثمانون سنة. ومنهم: ٢٧ - الحسين بن محمد بن أحمد المرورّوذيّ (٣) (¬*) الفقيه، الشافعي، المعروف بالقاضي. زيّن بنيّره سماء الفضائل، وبيّن بقدره قدر البدر المتضائل، فأخفق منى

стр. 2423

مناوئه، وأظلم مساء مساوئه. وله التعليقة التي صحّ ذهبها على التعليق، وطهر مذهبها على التحقيق، وجاء فيها ما لا يجيء فيه نور هلال بن هلال (١)، إلا في مشقة التعريف، فلم يبق من لم يتمنطق بنعمتها، ويتعلّق بعصمتها، لما ضمت من أشتات الفضائل في صحفها، وظلت تجمع في أقطارها النائية من تحفها، حتى أغنت مطالها عن ترقّب المطاله، وترقي الأمل في المطامع، ولم يحتج في توسيع ذيل الطلب والجد الذي يحث عليه الطرب، إلى تقبيل الثرى، وتقليب البرى فإنه لم يدع قاصية من العلوم حتى حصل على أكنافها، وحصّن أطرافها، وأصبحت حقائب تأليفه برحابها رابضة، ولعصاتها رائضة، فطال حتى لم يقم أحد بإزائه، ولا وفى بجزائه. أخذ الفقه عن أبي بكر القفّال المروزي، وصنّف في الأصول، والفروع والخلاف، وكان إماما كبيرا، صاحب وجوه غريبة في المذهب، ولم يزل يحكم بين الناس، ويدرّس، ويفتي، وأخذ عنه الفقه جماعة من الأعيان. وتوفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة، بمرو روذ. ومنهم: ٢٨ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني (٢) (¬*) المروزي، الفقيه، الشافعي، أبو القاسم.

стр. 2424

رجل فتح له القفّال الباب، ومنح فهمه اللبيب علمه اللباب، فلم يتّخذ في الفقه وليجة لم يلجها، ولا للمذهب تاجا لم يجعل له منه وجها، مع توسّع في العلم، ترفّع أن يدع نقصا لم يتم، واستطالة في الكلام إذا نطق، وإذا أجرى الأقلام إلى طلق لا يقف عند فن، ولا يقع إلا على حقيقة إذا ظن، لذكاء حدس، وذكاء قريحة لا شمس. كان مقدّم الفقهاء الشافعية بمرو، وهو أصولي فروعي، أخذ الفقه عن أبي بكر القفّال الشاشي، وصنف في الأصول، والمذهب، والخلاف، والجدل، والملل والنّحل، وانتهت إليه رياسة الفقهاء الشافعية، وطبق الأرض بالتلامذة، وله في المذهب وجوه جيدة. وتوفي في شهر رمضان، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، بمرو، عن ثلاث وسبعين سنة (١).

стр. 2425

ومنهم: ٢٩ - إبراهيم بن علي بن يوسف الشّيرازي (¬*) الفيروزآبادي، أبو إسحق، الإمام جمال الدين - صاحب التنبيه -. المتفقّه به كلّ نبيه، رجل يضرب به المثل الممثّل ويطرب به الشرف المؤثّل (١). كلمه لهوادي (٢) الكلام فرائد، ولصوادي (٣) الأفهام موارد، لهنة (٤) من

стр. 2426

جنى، وأنبوبة من قنا، يفضح النجوم الزواهر في إشراقها، ويلف الغيوم المواطر في أوراقها، طالما رمى إلى المعالي طرفا رامحا، وأجرى طرفا (١) جامحا، وكان مذ كان مغرى بتتبع ما أشكل لكشف غوامضه، وكف ما غطى الحق (٢) من عوارضه، بهمة عليّة لو سقطت السحائب لهمّ بجمعها، أو الكواكب لما رضي لكلمه بلمعها، أو الكتائب لولّوا أمامه وأعينهم تفيض بدمعها، عادت على حفظة كتبه حسن نيته، وصدق سريرته وعلانيته، فلم ير منهم إلا من أثرى بالآمال أو ولي بالأعمال، أو تصدّر وجاءت منقادة إليه الآمال. سكن بغداد، وتفقّه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرا، وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيدا في حلقته (٣). ولمّا بنى نظام الملك مدرسته ببغداد سأله أن يتولاها فأبى، فولاها أبا نصر بن الصباغ (٤) مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك، فتولّاها، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد، حادي عشرين جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وأربعمائة، ببغداد، ودفن من غده (٥). وكان في غاية الورع والتشدد في الدين. قال ابن النجار (٦): انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار من تلامذته.

стр. 2427

وحكى الملك المؤيد (١) صاحب حماة أنه كان مستجاب الدعوة، متطرح التكلّف، قال: ولما توجّه إلى خراسان برسالة المقتدي إلى السلطان ملك شاه، ونظام الملك الوزير، قال: ما دخلت بلدا إلا وجدت خطيبها وقاضيها تلاميذي. ولما مات جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتّب مؤيد الملك بن نظام الملك أبا سعد (٢) المتولي مكانه، فبلغ الخبر نظام الملك، فكتب ينكر ذلك، وقال: كان من الواجب تغلق المدرسة سنة لأجله، وأزرى على من تولّى موضعه، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ في مكانه (٣). ورثاه أبو القاسم عبد الله بن ناقيا (٤)، بقوله (٥): أجرى المدامع بالدم المهراق … خطب أقام قيامة الآماق ما للّيالي لا تؤلّف شملها … بعد ابن بجدتها أبي إسحاق إن قيل: مات، فلم يمت من ذكره … حيّ على مرّ الليالي باقي وله - أعني أبا إسحاق - الشعر الحسن، فمنه قوله (٦):

стр. 2428

سألت الناس عن خلّ وفيّ … فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظفرت بودّ حرّ … فإنّ الحرّ في الدنيا قليل ومنه قوله (١): جاء الربيع بحسن ورده … ومضى الشتاء بخشن برده فاشرب على وجه الحبيب … ووجنتيه وحسن خدّه ومنهم: ٣٠ - عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد (¬*) أبو نصر، المعروف بابن الصّبّاغ. ما فتحت الكتب بمثل أبواب تصانيفه المصبغة، ولا تنزّهت النواظر في أحسن من قوالبه المفرّغة، كأنّما توشّت الوجنات بصباغه، ونمت قطع الرياض في أصباغه، ومرت عليه أخلافها سحب وحيّه، ومرت له عليها يد سيحية،

стр. 2429

فأخرجت منه ما طلب من ألوان شتّى، وأصباغ ما ترك في جملتها من تفاصيل الزهر نبتا، فجاء بما ظهر من ألوانه، وأشبه الزهر في أوانه، حتى جاء بما يقرّ قوس قزح لتلوينه، وتقرّ عيون الرياض لو برزت في أفانينه، ويعيد زمان الربيع وقد ذهب، ويواصل بصنائع صنعاء وقد انقطع الجلب، وتتمنى العرائس لو جليت في حلله الملونة، ورفعت أنماطها من أفانينه المفنّنة، وزينت صورها الحسان بجلابيبه المحسّنة، وجاء بألوان البصرة كما يقال إلا أنها تملأ البصر، وتربأ عن مصبغات المحاسن التي في تراكيب الصور، والتشبيه بخضرة العذار، وحمرة الخد، وبيان الجبين، وسواد الطرر،. حرجا مما يحرك هوى، أو يحرض على جوى، الله أكبر إنّ بالفضل لكلفا أكثر من الكلف بالحسان، وأكبر من أن يوصف إلا إذا جفّ اللسان، ولقد جمع فما أبقى كتابه "الشامل"، ولا خلى إلا السحاب ودمعه هامل، ولا أغرى بتمامه إلا البدور بالنقص وهي كوامل، بلى أبات حاسده بليال طوال كسهره في تصنيفه، وقاسمه مقالة الناس له بشكره، ولحاسده بتعنيفه. وكان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ويقدم عليه في معرفة المذهب، وكانت الرحلة إليه من البلاد (١). وكان تقيا، حجة، صالحا، وله مصنّفات مفيدة، منها: كتاب "الشامل" في الفقه، وهو من أجود كتب الشافعية وأصحّها نقلا وأثبتها أدلّة (٢). وتولّى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، أول ما فتحت، ثم عزل عنها بالشيخ أبي إسحاق، وكانت ولايته لها عشرين يوما (٣)، ثم أعيد إليها بعد وفاة

стр. 2430

أبي إسحاق. وذكر أبو الحسن بن الصابئ أن المدرسة المذكورة لما فرغ من بنائها، أمر نظام الملك واقفها أن يكون المدرّس بها أبا إسحاق الشيرازي. وقرروا معه الحضور في يوم السبت عاشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة للتدريس، فاجتمع الناس ولم يحضر، وطلب فلم يوجد، فنفذ إلى أبي نصر بن الصباغ وأحضر، ورتّب بها مدرّسا، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم، وفتروا عن حضور درسه، وراسلوه ان لم يدرّس بها مضوا إلى ابن الصبّاغ وتركوه. فأجاب إلى ذلك، وعزل ابن الصبّاغ، وجلس أبو إسحاق مستهلّ ذي الحجة، وكان مدة تدريس ابن الصبّاغ عشرين يوما (١). وقال ابن النجار: لما مات أبو إسحاق تولّى أبو سعد المتولي، ثم صرف في سنة ست وسبعين [وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سبع وسبعين] (٢) وأعيد أبو سعد إلى أن مات، وكان مولد أبي نصر سنة أربعمائة، وكفّ بصره في آخر عمره. وتوفّي في جمادى الأولى، سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقيل: بل توفي يوم الخميس منتصف شعبان منها (٣).

стр. 2431

ومنهم: ٣١ - عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب الجويني (١) (¬*) أبو المعالي، الفقيه، الشافعي، ضياء الدين، إمام الحرمين. إمام مكة والمدينة، ونظام البلدتين الطيبة والأمينة، أفصح الفقهاء لسانا،

стр. 2432

وأوضح البلغاء إحسانا، لعباراته في الفقه نزعات أدبية، ونزغات عربية، كأنما جاء بها من البادية، تلاعبها أعطاف ريحها، وتجاذبها أطراف البداوة إلى لمم شيحها (١)، كأنما كلامه صفائح زبر (٢)، أو صحائف خبر، أسرى من الخطب في المسامع، وأسرع من البخت في المطامع، وفي دلائه علم يضوي الحنادس (٣)، ويضوّع (٤) المجالس، ولقد اختار أبوه أمّا أخرجه من وعائها النظيف، وزرع في أرضها الزاكية منبته الشريف، ثم احتاط لمطعمه، وخاط بالحمية على فمه، حتى طلع ذهبه خالصا، وسطع بدره، وما طلع هلاله إلا تاما لا ناقصا، وقد ذكرت في ترجمة أبيه ما هو المشهور في حسن مرباه، وذكرت هنا ما ذكره ابن خلكان على ما يأتي وإن نافاه، وقد يكون هذا غير ذاك، وقد يكون إياه، غير أن الرواية اختلفت، وكلتاهما بتمام المراد قد وفّت. تفقّه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبيعته وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرّف فيها حتى زاد عليها في التحقيق والتدقيق، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، وإذا فرغ منه مضى إلى الأستاذ أبي القاسم الإسفراييني الإسكافي بمدرسة البيهقي، حتى حصّل عليه علم الأصول. ثم سافر إلى بغداد، ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بها أربع سنين، وبالمدينة، يدرّس ويفتي، ويجمع طرف المذهب، فلهذا قيل: إمام الحرمين.

стр. 2433

ثم عاد إلى نيسابور في ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي، والوزير يومئذ نظام الملك، فبنى له المدرسة النظامية بنيسابور، وتولّى الخطابة بها، وكان يجلس للوعظ والمناظرة، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر من الأئمة، وانتهت إليه رياسة الأصحاب، وفوّض إليه أمور الأوقاف، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلّم إليه المحراب والمنبر، والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة (١). وصنف في كل فن (٢). قال أبو جعفر الحافظ: سمعت الشيخ أبا إسحق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة (٣). وادّعى الاجتهاد المطلق لأنّ أركانه كانت حاصلة له، ثم عاد إلى تقليد الإمام الشافعي لعلمه أن منصب الاجتهاد قد مضت سنوّه. ومن تلاميذه أبو القاسم الأنصاري. وكان والده الشيخ أبو محمد في أول عمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كتب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضا إلى أن حبلت (٤) بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدا من إرضاعه، فاتّفق أنه دخل عليها يوما وهي متألّمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم،

стр. 2434

وشاغلته بثديها، فرضع منه قليلا، فلمّا رآه شقّ عليه وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل عليّ أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه (١). ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة! (٢). ومولده في ثامن عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربعمائة. ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها بشتنقان، موصوفة باعتدال الهواء، وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء، وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ونقل إلى نيسابور تلك الليلة، ودفن من الغد بداره. ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلّى عليه ولده أبو القاسم، وأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، وأكثروا فيه المراثي (٣)، وكانت تلامذته يومئذ قريبا من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك عاما كاملا (٤).

стр. 2435

ومنهم: ٣٢ - عبد الرحمن بن محمد، أبو سعد (١) المعروف بالمتولّي (٢) (¬*) الفقيه، الشافعي، النيسابوري. قدوة الفقهاء، وأسوة القمر في البهاء، تصدر بلا ازدهاء، وبلغ مدى أمانته بلا انتهاء، لاذ بركنه المحراب، ولاب (٣) لاستسقاء مزنه السحاب، ولام الحبل فواراه التراب، ولاح ضاحكا ففضح الغمام الانتحاب، وذكر من الدروس ما هو خلاله ذكرى، وخلّى حتى الأسطوانة سكرى، وخلّف محاجر الصدف بمدامع اللؤلؤ شكرى. كان جامعا بين العلم والدين، وحسن السيرة، وتحقيق المناظرة، له يد قوية في الأصول، والفقه، والخلاف.

стр. 2436

تولّى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد بعد وفاة شيخه أبي إسحاق الشيرازي، ثم عزل عنها في بقية سنة ست وسبعين وأربعمائة، وأعيد أبو نصر ابن الصباغ، ثم عزل ابن الصبّاغ، وأعيد إليها أبو سعد المذكور، واستمرّ عليها إلى حين وفاته (١). ولما جلس للتدريس بالمدرسة المذكورة بعد الشيخ أبي إسحاق، أنكر الفقهاء استناده موضعه، وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه، ففطن، وقال لهم: اعلموا أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين: أحدهما: أني جئت من وراء النهر، ودخلت سرخس، وعليّ أثواب أخلاق، لا تشبه ثياب أهل العلم، فحضرت مجلس أبي الحارث بن أبي الفضل السرخسي، وجلست في أخريات أصحابه، فتكلّموا في مسألة، فقلت واعترضت، فلما انتهيت في نوبتي أمرني أبو الحارث بالتقدم، فتقدّمت، ولما عادت نوبتي استدناني وقرّبني حتى جلست إلى جنبه، وقام لي وألحقني بأصحابه، فاستولى الفرح على قلبي. والشيء الثاني: حين أهّلت للاستناد في موضع شيخنا أبي إسحق رحمه الله تعالى، فذلك أعظم النعم، وأوفى القسم. وتخرّج على الإمام أبي سعد جماعة من الأئمة، وصنّف في الفقه، والخلاف، والفرائض، وكل تصانيفه نافعة. ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين، وتوفي ليلة الجمعة، ثامن عشر شوال، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ببغداد (٢).

стр. 2437

ومنهم: ٣٣ - سهل بن أحمد بن علي الأرغياني (١) (¬*) الفقيه، الشافعي. رجل لم تكن همّته أرضية، ولا عزمته إلا رضيّة، وكان جملة نعماء وجبلّة نماء، وكان للقبائح مباعدا، وللمنائح مواعدا، وللمدائح بجميل خلائقه مساعدا، هذا والشبيبة في ريعانها، وبارقة الصّبا في لمعانها، والقريحة لافحة، والبديهة سانحة، مع التيقّظ لأفعال المروءة وأعمال الفتوة، هذا إلى ما كان يصبغ خدّيه من أديم الحياء، ويجمع تسهيم برديه من الحباء. كان إماما كبير المقدار في العلم والزهد، قرأ على أبي عليّ السنجي، ثم على القاضي حسين المرورذي، وحصل طريقته حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله. ودخل نيسابور، وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين، وناظر في مجلسه، وارتضى كلامه، ثم عاد إلى ناحية أرغيان، وتقلّد قضاءها سنين مع حسن السيرة، وسلوك الطريق المرضية.

стр. 2438

ثم خرج إلى الحج، ولقي المشايخ بالعراق، والجبال، والحجاز، وسمع منهم، وسمعوا منه، فلما رجع من مكة دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني - شيخ وقته - زائرا، فأشار عليه بترك المناظرة، ولم يناظر بعد ذلك، وعزل نفسه عن القضاء، ولزم البيت والانزواء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولا بالتصنيف، والمواظبة على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله، مستهلّ المحرم، سنة سبع وتسعين وأربعمائة (١). ومنهم: ٣٤ - عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الرّوياني (٢) (¬*) الفقيه، الشافعي، أبو المحاسن.

стр. 2439

الشهيد، والقانع في الدنيا بالعيش الزهيد، عبد الواحد، المتعبّد بالتوحيد، وابن إسماعيل إلا أنه كان هو الذبيح. الروياني: أنه رأى أن متجر الآخرة الربيح. والمجاهد لنصرة الحق حتى قتل، والمجاهر لخذلان الباطل حتى ختل، المقتول ظلما في ثوب السماء دمه، المنقول إلى جوار ربّ يضاعف حسناته ويرحمه. رحل إلى بخارى، وأقام بها مدة، ودخل غزنة، ونيسابور، ولقي الفضلاء. وحضر مجلس ناصر المروزي، وعلّق منه، وسمع الحديث، وبنى ب "آمل" مدرسة، ثم انتقل [إلى] (١) الري، ودرس بها، وقدم أصبهان، وأملى بجامعها، وصنّف الكتب المفيدة (٢)، ونقل عنه أنه كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري (٣). وكان له الجاه العريض، والحرمة الوافرة في تلك الديار، وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له الكمال فضله، [قال الحافظ أبو طاهر السلفي بلغنا أن أبا المحاسن الرؤياني (٤)] وأملى بمدينة "آمل"، وقتل بعد فراغه من الإملاء بسبب التعصّب في الدين، في المحرّم سنة اثنتين وخمسمائة، قتلته الملاحدة في الجامع، يوم الجمعة الحادي عشر من المحرم (٥).

стр. 2440

ومنهم: ٣٥ - أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري، المعروف ب "إلكيا (١) الهراسي" (¬*) وأيّ عليّ لو وجد شيعة، وطبريّ طيّب بؤس المذاهب الشنيعة، عماد ما رفع مثله عمود الفجر لرواق الصباح، ولا شيّد به إلا بناء البيت في نطاق البطاح. إمام لو وجد مؤتمّا، وعيان لو لم تفتح عينه على أعمى. الهرّاس: وأيّ هريسة، وأيّ زبون، وأيّ عزيز يشتري منه بالنفوس!، بارك الله للمغبون، لا يذوي له غراس، ولا يموت به إلا حاسد وقتيل بجانب المهراس (٢).

стр. 2441

أصله من طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقّه على إمام الحرمين إلى أن برع، وكان حسن الوجه، جهوري الصوت، فصيح العبارة، حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق، ودرس بها مدة إلى أن خرج إلى العراق، وتولّى تدريس المدرسة النظامية ببغداد، إلى أن توفي (١). وقد ذكره عبد الغافر الفارسي في "تاريخ نيسابور" (٢)، فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح، وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركيا روق بن ملك شاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولّى القضاء بتلك الدولة، وكان محدّثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: "إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهابّ الرياح". واستفتاه الحافظ أبو الطاهر السلفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بينه وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: "ما يقول الإمام - وفقه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ ". فكتب الشيخ تحت السؤال: "نعم، كيف لا، وقد قال النبي ﷺ : " من حفظ على أمتي أربعين حديثا في أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما " (٣).

стр. 2442

وسئل إلكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة، لأنّه ولد في أيام عمر بن الخطاب وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولمالك قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح!. وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهد، والمنادم للقرد، ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله (١): أقول لصحب ضمت الكأس شملهم … وداعي صبابات الهوى يترنّم خذوا بنصيب من نعيم ولذة … فكلّ وإن طال المدى يتصرّم وكتب فصلا طويلا، ثم قلب الورقة، وكتب: " لو مددت ببياض (٢) لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وكتب فلان بن فلان". وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك (٣): فإنه سئل عمّن صرّح بلعن يزيد، هل يحكم بفسقه؟. أم يكون ذلك مرخّصا له فيه؟. وهل كان مريدا قتل الحسين؟. أم كان قصده الدفع؟. وهل يسوغ الترحم عليه، أم السكوت عنه أفضل؟.

стр. 2443

فأجاب ﵁: "لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﵌: "المسلم ليس بلعّان" (١)، وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟. وقد ورد النهي عن ذلك. وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكافر بنص النبي ﷺ ، ويزيد صحّ إسلامه، وما صحّ قتله الحسين، ولا أمره، ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصحّ ذلك منه، لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضا حرام وقد قال تعالى: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : "إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه" (٣). وأن يظنّ به ظنّ السوء، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أن به غاية حماقة، فإنّ من قتل الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، ومن الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو إذا كان في بلد بعيد، وفي زمن بعيد، وقد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟.

стр. 2444

وقد تطرّق التعصّب في الواقعة فكثرت فيه الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلا، وإذا لم يعرف، وجب إحسان الظنّ بكل مسلم يمكن إحسان الظنّ به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل؟. وبم يعرف أن قاتل الحسين ﵁ مات قبل التوبة (١). ﴿وَهُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئاتِ﴾ (٢)؛ فإذا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله تعالى، ولو جاز لعنه، فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس؟. ويقال للّاعن: لم لعنت؟. ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون؟. والملعون هو المبعد من الله ، وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافرا. فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحّم عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات" فإنه كان مؤمنا، والله أعلم. كتبه الغزالي (٣). وكانت ولادة إلكيا في ذي القعدة، سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس، وقت العصر، مستهل المحرم، سنة أربع وخمسمائة، ببغداد.

стр. 2445

ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وكان مقدّم الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما منافسة في حال الحياة، فوقف أحدهما عند قبره، والآخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلا قوله (١): وما تغني النوادب والبواكي … وقد أصبحت مثل حديث أمس؟ وأنشد الزينبي متمثلا: عقم النساء فلم يلدن شبيهه … إنّ النساء بمثله عقم ومنهم: ٣٦ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد الغزالي (¬*) حجة الإسلام، ومحجّة دار السّلام، ذو الطرح الغريب، والبرد القشيب، والبزّ

стр. 2446

الرفيع العجيب، نسيج وحده، ونسيب الروض في برده، ما امتدّت إلى دقائقه اللواحظ الغزّالة، ولا شبرقت (١) مثل حلله مجاجة الغزالة، مع أدب مات وما بلغه المقتل، ونخب تتجاذب من أطرافه مثل هداب الدمقس (٢) المفتل، ينصت من حديثه إلى أرقّ سمر، ولا تفنى غلائله وقد زرت أزرارها على القمر، فقد كان قمر الشافعية الذي لا يعروه نقصان، وسمر الرقاق الخرصان (٣)، وله في التصوف مقامات لا يدّعي الحريري شبهها حيث ذهب، ولا يموه في مماثلتها حريرة الذهب. اشتغل في مبدأ أمره ب "طوس"، ثم قدم نيسابور، واختلف إلى دروس إمام الحرمين، وجدّ في الاشتغال حتى تخرّج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنّف في ذلك الوقت، وكان استاذه يتبجّح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي إمام الحرمين، فخرج من نيسابور، ولقي نظام الملك فأكرمه وعظّمه، وبالغ في الثناء عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، وظهر عليهم، واشتهر اسمه، وسارت بذكره الركبان (٤).

стр. 2447

ثمّ فوّض إليه الوزير تدريس النظامية ببغداد، فدرّس بها في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته. ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحجّ، فلمّا رجع توجّه إلى الشام، فأقام بدمشق مدة يذكر الدروس في الزاوية الغربية من الجامع الأموي. ثم انتقل إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد، والمواضع المعظّمة، ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال: إنه قصد منه الركوب في البحر إلى بلاد المغرب، على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، فبينما هو كذلك، بلغه نعي يوسف المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية (١). ثم عاد إلى وطنه بطوس، واشتغل بنفسه، وصنّف الكتب المفيدة في عدة فنون، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور، والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم نزل في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه يوم الإثنين، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسمائة (٢). وقد أورد له عماد الدين الأصبهاني في "الخريدة" (٣): حلّت عقارب صدغه في خدّه … قمرا فجلّ بها عن التشبيه

стр. 2448

ولقد عهدناه يحل ببرجها … فمن العجائب كيف حلّت فيه! ومما أورد له قوله: هبني صبوت كما ترون بزعمكم … وحظيت منه بلثم خدّ أزهر إنّي اعتزلت فلا تلوموا إنه … أضحى يقابلني بوجه أشعري ومنهم: ٣٧ - محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي (١) الأصل، الفارقي (٢) المولد (¬*) فخر الإسلام، المستظهري، الشافعي، أبو بكر. عمامة رأس، وزينة لباس، تاج شرفن ومنهاج علم، ما أخذ منه بطرف، زعم

стр. 2449

لتواضعه إذ رأس، وجلس للتدريس كما درس، إنه إنما ساد وقد خلت البقاع، وشب شبله إذ ثكلت السباع، وما ذلك كما زعم، بل ساد والبقاع ما خلت، وشب والسباع ما ثكلت لسيادة استحقّها، ورتبة استوجب حقّها. تفقّه أولا بميّافارقين، ثم رحل إلى بغداد، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وقرأ عليه، وأعاد عنده، ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق، وتكلّم في مسألة بين يدي إمام الحرمين، فأحسن فيها، وعاد إلى بغداد، وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية، وصنّف التصانيف الحسنة. ودرس بنظامية بغداد، في شعبان سنة أربع وخمسمائة، ولما ذكر بها الدرس وضع منديله على عينيه وبكى كثيرا، وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرّسين بالجلوس عليها، وأنشد (١): خلت الديار فسدت غير مسوّد … ومن البلاء تفرّدي بالسؤدد وجعل يردّد هذا البيت ويبكي أسفا لخلوّ الزمان، وذهاب أهله، حتى هتف باسمه وقيل: فلان. وتوفي يوم السبت، خامس عشرين شوال، سنة سبع وخمسمائة، ببغداد. ودفن مع الشيخ أبي إسحاق في قبر واحد (٢).

стр. 2450

ومنهم: ٣٨ - أسعد بن أبي نصر بن أبي الفضل الميهني (١) (¬*) الفقيه، الشافعي، مجد الدين، أبو الفتح. حاز الفخر الفخم، والشرف الضخم، وارتدّ عنه كلّ مناظر لا يبرز وجوه صدفه، ولا يجلي قمره سدفه، بجدل ألزم للخصم من الظلّ، وأثبت في الصدر من الغل، وكان لا يزال خصيمه معه كلما كتب محا، وكلما صور دحا، وهو لا يستطيع معه إلا أن يصبر على مضض، ويبصر عن مرض، يرجو رواج بهرجه وهو زيف، ويبدي التحكّم وهو ضيف، ويؤمل أن يقاوم حقيقة اليقظة وهو مجاز طيف. تفقّه بمرو، ثم رحل إلى غزنة، واشتهر بتلك الديار، وشاع فضله، ثم ورد بغداد، وفوّض إليه التدريس بالنظامية مرتين، وخرج إلى العسكر فتولّى غيره مكانه. وكان إماما مبرّزا في الفقه والخلاف، وله فيه "تعليقة" مشهورة، اشتغل عليه الناس، وانتفعوا به وبطريقته الخلافية (٢).

стр. 2451

قال أبو سعد السمعاني في "ذيله": قدم علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولا إلى مرو، ثم توجّه رسولا من (١) بغداد إلى همدان، فتوفي به سنة سبع وعشرين وخمسمائة (٢). قال السمعاني: سمعت أبا بكر محمد بن علي الخطيب يقول: سمعت فقيها من أهل قزوين كان يخدم الإمام أسعد في أواخر عمره بهمذان، قال: كنا في بيت وقت أن قرب أجله، فقال لنا: اخرجوا عنّي من ههنا، فخرجنا، فوقفت على الباب، وتسمّعت، فسمعته يقول، ويلطم وجهه: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويردد هذه الكلمة إلى أن مات (٣). ومنهم: ٣٩ - محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري (¬*) محيي الدين، أبو أسعد.

стр. 2452

أستاذ المتأخرين، وأوحدهم علما وزهدا، وعلا، حلّ ربى لا وهدا، علا جدّه، وعرف به معنى الغزالي، الذي ما حاكته خيوط الغمام، وما مات أبو حامد حتى حمد منه خلفا، وشيّد للطلبة كنفا، وأورد ما صفا، وجدّد ما عفا، وأطلع منه بدرا لا يسكن سدفا (١)، بل شمسا اتّخذت له في كل بيت بها شرفا، فما أخلف له وعد، ولا خلد إلى حركة إلا كان فيها أبا سعد (٢). تفقّه على أبي حامد الغزالي، وغيره، وبرع في الفقه، وصنّف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة، وأصحاب طرق في الخلاف (٣). وكان له حظّ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، ودرّس بنظامية نيسابور، ثم درّس بمدينة هراة، بالنظامية (٤). وحضر بعض فضلاء عصره درسه، وسمع فوائده وحسن إلقائه، فأنشده (٥): رفات الدين والإسلام تحيا … بمحيي الدين مولانا ابن يحيى كأنّ الله ربّ العرش يلقي … عليه حين يلقي الدرس وحيا ومن شعر أبي سعد المذكور (٦):

стр. 2453

وقالوا: يصير الشعر في الماء حيّة … إذا الشمس لاقته، فما خلته صدقا فلمّا التوى (١) صدغاه في ماء وجهه … وقد لسعا قلبي، تيقّنته حقّا توفّي شهيدا في رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بنيسابور، ودسّ في التراب (٢)، وكان استشهاده في وقعة السلطان سنجر السلجوقي.

стр. 2454

ومنهم: ٤٠ - عمر بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عكرمة (¬*) أبو القاسم، المعروف بابن البزري (١)، الجزري، الفقيه، الشافعي. إمام جزيرة ابن عمر، زين الدين، جمال الإسلام، ومالئ أمالي الأقلام، وزين الدين دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام. جمّل الإسلام باتّساع علمه، وآوى الأمالي إلى شعاع فهمه، وزيّن الدين بالجوهر، جوهر يمّه، وأضاء في الليالي السالفة إضاءة القمر في تمّه (٢)، وجاء في الأيام الذاهبة طرازا لعصرها، وطرافا (٣) ممدودا (٤) على أبناء عمرها، وطرادا في حلبة السبق ما قابلته صافية العبور (٥) بعذرها.

стр. 2455

تفقّه أولا بالجزيرة، ثم رحل إلى بغداد، واشتغل على إلكيا الهراسي، والغزالي، وصحب الشاشي، وأدرك جماعة من العلماء، واستفاد منهم، ورجع إلى الجزيرة، ودرس بها، وقصد من البلاد للاشتغال بطريقته، وكان من العلم والدين في محلّ رفيع. كان أحفظ من بقي في الدنيا - على ما يقال - لمذهب الشافعي، وكان الغالب عليه المذهب، وانتفع به خلق كثير (١). مولده: سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وتوفي: ثاني شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر. سنة ستين وخمسمائة، بالجزيرة، وما خلّف مثله، وله تلامذة كثيرون (٢). ومنهم: ٤١ - الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي (¬*) الفقيه، الشافعي. فقيه فاضل، وإمام رب فواضل، وهمام لا يثبت له مناضل، له في العلم آثار بقيت بعده رياضا، وأشرقت إشراقا لا إيماضا، هذا إلى صدق سريرة، وحسن
следующие страницы →