قال أبو سعد السمعاني في "ذيله": قدم علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولا إلى مرو، ثم توجّه رسولا من (١) بغداد إلى همدان، فتوفي به سنة سبع وعشرين وخمسمائة (٢).
قال السمعاني: سمعت أبا بكر محمد بن علي الخطيب يقول: سمعت فقيها من أهل قزوين كان يخدم الإمام أسعد في أواخر عمره بهمذان، قال: كنا في بيت وقت أن قرب أجله، فقال لنا: اخرجوا عنّي من ههنا، فخرجنا، فوقفت على الباب، وتسمّعت، فسمعته يقول، ويلطم وجهه: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويردد هذه الكلمة إلى أن مات (٣).
ومنهم:
٣٩ - محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري (¬*)
محيي الدين، أبو أسعد.
стр. 2452
أستاذ المتأخرين، وأوحدهم علما وزهدا، وعلا، حلّ ربى لا وهدا، علا جدّه، وعرف به معنى الغزالي، الذي ما حاكته خيوط الغمام، وما مات أبو حامد حتى حمد منه خلفا، وشيّد للطلبة كنفا، وأورد ما صفا، وجدّد ما عفا، وأطلع منه بدرا لا يسكن سدفا (١)، بل شمسا اتّخذت له في كل بيت بها شرفا، فما أخلف له وعد، ولا خلد إلى حركة إلا كان فيها أبا سعد (٢).
تفقّه على أبي حامد الغزالي، وغيره، وبرع في الفقه، وصنّف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة، وأصحاب طرق في الخلاف (٣).
وكان له حظّ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، ودرّس بنظامية نيسابور، ثم درّس بمدينة هراة، بالنظامية (٤).
وحضر بعض فضلاء عصره درسه، وسمع فوائده وحسن إلقائه، فأنشده (٥):
رفات الدين والإسلام تحيا … بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأنّ الله ربّ العرش يلقي … عليه حين يلقي الدرس وحيا
ومن شعر أبي سعد المذكور (٦):
стр. 2453
وقالوا: يصير الشعر في الماء حيّة … إذا الشمس لاقته، فما خلته صدقا
فلمّا التوى (١) صدغاه في ماء وجهه … وقد لسعا قلبي، تيقّنته حقّا
توفّي شهيدا في رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بنيسابور، ودسّ في التراب (٢)، وكان استشهاده في وقعة السلطان سنجر السلجوقي.
стр. 2454
ومنهم:
٤٠ - عمر بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عكرمة (¬*)
أبو القاسم، المعروف بابن البزري (١)، الجزري، الفقيه، الشافعي.
إمام جزيرة ابن عمر، زين الدين، جمال الإسلام، ومالئ أمالي الأقلام، وزين الدين دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام.
جمّل الإسلام باتّساع علمه، وآوى الأمالي إلى شعاع فهمه، وزيّن الدين بالجوهر، جوهر يمّه، وأضاء في الليالي السالفة إضاءة القمر في تمّه (٢)، وجاء في الأيام الذاهبة طرازا لعصرها، وطرافا (٣) ممدودا (٤) على أبناء عمرها، وطرادا في حلبة السبق ما قابلته صافية العبور (٥) بعذرها.
стр. 2455
تفقّه أولا بالجزيرة، ثم رحل إلى بغداد، واشتغل على إلكيا الهراسي، والغزالي، وصحب الشاشي، وأدرك جماعة من العلماء، واستفاد منهم، ورجع إلى الجزيرة، ودرس بها، وقصد من البلاد للاشتغال بطريقته، وكان من العلم والدين في محلّ رفيع.
كان أحفظ من بقي في الدنيا - على ما يقال - لمذهب الشافعي، وكان الغالب عليه المذهب، وانتفع به خلق كثير (١).
مولده: سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وتوفي: ثاني شهر ربيع الأول، وقيل:
الآخر. سنة ستين وخمسمائة، بالجزيرة، وما خلّف مثله، وله تلامذة كثيرون (٢).
ومنهم:
٤١ - الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي (¬*)
الفقيه، الشافعي.
فقيه فاضل، وإمام رب فواضل، وهمام لا يثبت له مناضل، له في العلم آثار بقيت بعده رياضا، وأشرقت إشراقا لا إيماضا، هذا إلى صدق سريرة، وحسن
стр. 2456
سيرة، وتقلّل من الدنيا الكثيرة، وأخباره ندّ في الأندية، وعقد في الأسماع المصغية، تروى بكلّ لسان، وتوصف أوصاف الحسان، يحكى عن أمانة النضر، وفنونه التي لا تحدّث في أفنانها إلا عن الخضر.
كان فقيها، فاضلا، عارفا بالمذهب، والفرائض، والخلاف، اشتغل ببغداد على إلكيا الهراسي، وابن الشاشي، ولقي عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبنى بها له الأمير أبو منصور سرفتكين (١) الزيني نائب صاحب إربل مدرسة القلعة، سنة ثلاث وخمسمائة، ودرّس فيها زمانا، وهو أول من ذكر (٢) الدرس بإربل.
وله تصانيف حسان كثيرة، في التفسير، والفقه، وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستا وعشرين خطبة للرسول ﷺ ، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكان رجلا صالحا، زاهدا، عابدا، ورعا، متقلّلا، ونفسه كان مباركا.
وقدم دمشق، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى إربل، وتوفي بها، في رابع عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وخمسمائة.
ودفن بمدرسته التي بالربض في قبة مفردة، وقبره يزار (٣).
ومولده سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
стр. 2457
ومنهم:
٤٢ - عبد الله بن محمد بن هبة الله بن مطهر بن أبي عصرون (¬*)
التميمي، الحديثي، ثم الموصلي، الفقيه، الشافعي، شرف الدين، أبو سعد.
ذو علم يهتدى بكوكبه، وعلم يقتدى بموكبه، وحلم ردّي رداؤه على كبكبه (١)، وعلا قدر أخذ بلمّة النجم، ولم (٢) يزاحمه بمنكبه، وتقدم في تلك الأيام والسيوف تنتضى، وديون الدين تقتضى، والخصم لا ينقاد إلا لحاكم
стр. 2458
الحتوف، ولا يذعن إلا لقضاء السيوف، فقوّى الله به منّة الإسلام وشدّها، وأورف ظلال الأحكام ومدّها، وطعن بخطيته (١) الثغور، فثغور العدى هتّمها (٢)، وثغور الإسلام سدّها، وأقام الهيبة فنكست الرؤوس وعدم في مجلسه الهوى، وكثر الناموس.
كان من أعيان الفقهاء، وفضلاء عصره، وممن سار ذكره، وانتشره أمره.
قرأ في صباه القرآن الكريم، وتفقّه، وقرأ الخلاف، وتوجّه إلى واسط فقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفارقي، وأخذ عنه فوائد المذهب، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأقام بسنجار مدة، ثم انتقل إلى حلب سنة خمس وأربعين، ثم قدم دمشق لما ملكها السلطان الشهيد نور الدين، ودرّس بالزاوية الغربية من جامع دمشق المنسوبة إلى الإمام أبي حامد الغزالي، وتولّى أوقاف المساجد، ثم رجع إلى حلب، وأقام بها، وصنّف كتبا كثيرة في المذهب، كلّ مصنّف في عدة مجلّدات، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وتعين بالشام، وتقدّم عند نور الدين الشهيد، وبنى له المدارس بحلب وحماة، وحمص، وبعلبك، وغيرها. وتولّى القضاء بسنجار، ونصيبين، وحرّان، وغيرها من ديار بكر.
ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين وخمسمائة، وتولّى بها القضاء سنة ثلاث وسبعين، عقيب انفصال القاضي ضياء الدين الشهرزوري.
ثم عمي في آخر عمره، قبل موته بعشر سنين، وابنه محيي الدين ينوب عنه، وهو باق على القضاء، وصنّف جزءا لطيفا في" جواز قضاء الأعمى ". وهو على خلاف مذهب الشافعي.
وذكر أبو الحسين العمراني، صاحب كتاب: " البيان "فيه وجها أنه يجوز، وهو غريب.
стр. 2459
وكتب السلطان صلاح الدين بخطه من دمشق إلى القاضي الفاضل بمصر فصولا، من جملتها: حديث الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وما حصل له من العمى، وأنه يقول: إنّ قضاء الأعمى جائز، وأنّ الفقهاء قالوا: إنه غير جائز، فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر ابن عوف الإسكندراني، وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضاء الأعمى: هل يجوز، أم لا؟.
وبالجملة فلا شك في فضله (١).
وقد أثنى عليه عماد الدين الكاتب في" الخريدة "، وقال: ختمت به الفتاوى، وذكر له شيئا من شعره، منه قوله:
أؤمّل أن أحيا وفي كل ساعة … تمرّ بي الموتى تهزّ نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنّ لي … بقايا ليال في الزمان أعيشها
وأورد له أيضا في الخريدة قوله (٢):
أؤمّل وصلا من حبيب وإنّني … على ثقة عما قليل أفارقه
تجاري بنا خيل الحمام كأنما … يسابقني نحو الردى وأسابقه
فيا ليتنا متنا معا ثم لم يذق … مرارة فقدي لا ولا أنا ذائقه
وأورد أيضا قوله (٣):
يا سائلي: كيف حالي بعد فرقته؟ … حاشاك مما بقلبي من تنائيكا
قد أقسم الدمع لا يجفو الجفون أسى … والنوم لا زارها حتى ألاقيكا
وأورد له أيضا: (٤)
стр. 2460
وما الدهر إلا ما مضى وهو فائت … وما سوف يأتي وهو غير محصّل
وعيشك فيما أنت فيه فإنه … زمان الفتى من مجمل ومفصّل (٤)
ومولده: يوم الاثنين، ثاني عشرين ربيع الأول، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، بالموصل.
وتوفي: ليلة الثلاثاء، الحادي عشر من شهر رمضان، سنة خمس وثمانين وخمسمائة، بدمشق.
ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد، وهي معروفة به (١).
ولما توفي ورد من القاضي الفاضل (٢) تعزية فيه جوابا عن كتاب جاءه في ذلك (٣) وهي:
وصل كتاب الحضرة، جمع الله شملها، وسرّ بها أهلها، ويسّر إلى الخيرات سبلها، وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها، ومنه زيادة هي نقص الإسلام، وثلم في البرية تتجاوز رتبة الانثلام إلى الانهدام، وذلك ما قضاه الله من وفاة الإمام شرف الدين بن أبي عصرون ﵀ وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها، ومن مساءة أهل الملة، ومسرة أهل خلافها، فلقد كان عالما للعلم منصوبا، وبقية من بقايا السلف الصالح محسوبا، وقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته، واستيحاشي لخلوّ الدنيا من بركته، واهتمامي بما عدمته من النصيب الموفور من أدعيته (٤).
стр. 2461
ومنهم:
٤٣ - محمد بن يونس بن محمد بن مالك بن محمد (¬*)
عماد الدين، أبو حامد. رجل من رجال الشرع المطهّر، وبطل من الفقهاء دونه البطل المشهر، عالم من العلماء، وعامل على طريق القدماء، طلب العلم طلبا شرف قدره في الأنام، وشرّد عن جفنه المنام، ومنع خده أن يستقرّ على وساد، وجنبه أن يلامس مضجعا حتى شرف وساد، صحب الأيام على هذا الاجتهاد، وقطع الليالي في هذا الجهاد، ولم يدع بحرا ولا ثمادا، ولا ربيعا ولا جمادى، حتى حاز في السبق آمادا، ونصب للدين عمادا، وأتته وفود الطلب تمدّ مطيّها الأعناق، وترد من جواهره بالأعلاق.
كان إمام وقته في المذهب، والأصول والخلاف، وله صيت عظيم، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال، وتخرّج عليه خلق كثير، صاروا كلّهم أئمة مدرّسين يشار إليهم (١).
стр. 2462
وكان مبدأ اشتغاله على أيه بالموصل، ثم توجّه إلى بغداد، وتفقّه بالنظامية، وعاد إلى الموصل، وخطب بالجامع المجاهدي، ودرّس بها بمدارس، وصنّف في المذهب، وتقدّم في دولة نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل تقدّما كثيرا، وتوجّه عنه رسولا إلى بغداد غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وولي القضاء بالموصل، وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمسك قلم الكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المواظبة لنور الدين صاحب الموصل، يرجع إليه في الفتاوى، ويشاوره في الأمور. ولما توفي نور الدين سنة سبع وستمائة توجّه إلى بغداد بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل، ومعه الخلعة والتقليد، فتوفّرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الأدوات، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه، فإنها ليست على قدر فضائله.
وولد بقلعة إربل، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت، وتمثل بالبيت المشهور، وهو:
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي … وأول أرض (١) مس جلدي ترابها
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان وستمائة، وكان الملك المظفر صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: ما متّ؟. فقال: بلى، ولكني محترم (٢).
стр. 2463
ومنهم:
٤٤ - أحمد بن موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك (¬*)
الفقيه، الشافعي، شرف الدين.
جرى لشأو آبائه، ومضى على ما عرف من أنبائه، ومثّلهم في المشاهد حضورا، وفي المعاهد بدورا، وأحلّهم في المحافل صدورا، فقاموا به من حفر اللحود، وقالوا، فلم يستطع الخلق الجحود، فكان يفيت القمر اللائح، ويفيد العنبر الفائح، ويؤيد الشريعة المطهّرة، بتقريره لقواعدها، وإنجازه لمواعدها، ومحاماته عن جنابها المحمي، ومراماته لمنكر فضلها العلمي، حتى غدت بشهبه محروسة السماء، مأنوسة الأرجاء في الظلماء، لا يختطف الخطفة منها مارد، ولا يذاد عن حياضها وارد.
كان إماما كبيرا، فاضلا، عاقلا، حسن السمت، جميل المنظر، شرح "التنبيه" فأجاد، واختصر "إحياء علوم الدين" للغزالي، مختصرين كبيرا وصغيرا، فأحسن، وكان يلقي منه في جملة دروسه درسا حفظا، وكان كثير المحفوظات، غزير المادة، وهو من بيت العلم والرياسة والفضل، ونسج على منوال والده في التفنّن في العلوم، وتخرّج عليه جماعة كثيرة، وتولّى التدريس بإربل، بمدرسة الملك المعظم، ثم انتقل إلى الموصل بعد أن حجّ، ودرّس بالقاهرية، وأقام بها
стр. 2464
ملازما للاشتغال والإفادة إلى أن توفي يوم الاثنين، رابع عشرين ربيع الآخر، سنة اثنتين وعشرين وستمائة (١).
ومنهم:
٤٥ - (٢) عبد العزيز بن عبد السّلام بن أبي القاسم بن حسن السّلمي (¬*)
الدمشقي، شيخ الإسلام، عز الدين، أبو محمد.
بحر لا حدّ له من أئمة الإسلام، وعلم لا يمكن تعريفه كبقية الأعلام، كان
стр. 2465
منتصرا لمذهب أبي الحسن الأشعري، منتصبا لخصم خصمه الجري، شديد البغضاء لأهل التجسيم، قد أورثهم سلّ الأسقام، وسلّ عليهم الانتقام، وسلّط عليهم التضييق في كل مكان، وكان سيفا من وقف أمامه طرق، وسيلا من جاء قدّامه غرق، وناره لا تبوخ (١)، وأرضه لا تسوخ (٢)، ورواشق سهامه لا تخطئ المواقع، وبوائق فكره لا تحل الأعداء إلا البلاقع، إلى أن دالت دولة الأشرف شاه أرمن موسى بن العادل، واستمر مريرها، وخضع منبرها له وسريرها، وكان يميل إلى هذه الخرقة، ويظنّ أنها المحقة، حتى أنست له أكثر حقوقه، وجرت مجرى الدم في عروقه، فأخذ في معارضته وتسكيت عارضته، ويأبى هو إلا أن يجري على غلوائه، ويسري على أضوائه، والأشرف قد أشرف في خلافه، وأشرف على إتلافه، إلا أن الله أنجده بالحصيري (٣) إمام الحنفية، فدخل على الأشرف القلعة وهو على حماره، لم ينزل عنه إلا على فرش داره، وقام الملك الأشرف حتى كان هو الذي نزله وتلقاه وبجّله، ثم أجلسه مكانه، وبذل في كرامته إمكانه، وأقبل عليه فرآه الأشرف قابلا على ابن عبد السّلام، قائلا إنه على معتقده هو من دان دين الإسلام، فلم يسع الأشرف الرد عليه، ولا سلّم بباطنه إليه، فقوي ابن عبد السّلام بعد أن وهن، وتكلّم بعد أن سكت، وتراجعت سورة غضبه لربه، وترادت عزيمته إلى جهاده وذبّه، وكان آخر حاله أنه نفي وكفوا همّه وكفى.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أو في التي بعدها.
وسمع حضورا: من أحمد بن حمزة بن الموازيني، وبركات بن إبراهيم الخشوعي (٤).
стр. 2466
وسمع: من عبد اللطيف بن أبي سعيد، والقاسم بن عساكر، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السماع.
حدّث عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليونيني، وشهاب الدين ابن فرج، والقاضي جمال الدين محمد بن المالكي، وعلم الدين الدواداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بهرام، والمصريون (١).
وبرع في العربية، والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسعة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة، والنسك، والقول بالحق المر، وقد ولي خطابة دمشق بعد الدولعي.
قال الشريف عز الدين في الوفيات: " حدّث ودرّس، وأفتى، وصنّف، وولي الحكم بمصر مدة، والخطابة بجامعها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعا لفنون متعددة، عارفا بالأصول والفروع العربية، مضافا إلى ما جبل عليه من ترك التكلّف، والصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه (٢).
ولي الخطابة، فلما تملك دمشق الملك الصالح إسماعيل، وأعطى الفرنج الشقيف وصفد، تألم الشيخ، ونال من الصالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدا، فعزله واعتقله ثم أطلقه، فنزح هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقّاه السلطان نجم الدين، وبالغ في احترامه إلى الغاية، واتّفق موت قاضي القاهرة شرف الدين بن عين الدولة، فولّى بعده قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، ولي قضاء مصر نفسها، والوجه القبلي الشيخ عز الدين مع خطابة جامع مصر، فاتّفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن الشيخ بنى بنيانا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلخاناة الصاحب، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك
стр. 2467
ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن السلطان والصاحب يغضب من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة معين الدين، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة، وإلا شنّع على المنبر، كما فعل بدمشق فعزله. فأقام في بيته يشغل الناس، وكانت عند الأمير حسام الدين ابن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فنفذ يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته، فتأخرت القضية ثم أثبتت على السنجاري، وله أفعال من هذا الجنس محمودة، وقد رحل إلى بغداد فأقام بها أشهرا، وذلك في سنة سبع وتسعين.
وكتب عبد الملك بن عساكر: أن الشيخ عز الدين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة [من] في علمه وفتياه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، لقوة نفسه، وشدة تقوّله، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء، وهو لبس الطيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلا واحد، وترك الثناء، ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان فأمرهم بالتمهّل، وكانوا في دبر كل صلاة يقولون: إن الله وملائكته يصلون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … الحديث.
ولما مرض بعث الملك الظاهر يقول: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال:
ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه بعده.
قال قطب الدين اليونيني (١): كان رحمه الله تعالى مع شدته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد.
стр. 2468
مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وشهد جنازته الملك الظاهر، والخلق.
وقال أبو شامة (١) شيّعه الخاص والعام، ونزل السلطان، قال: وعمل العزاء له في جامع العقيبة، وكان مقتصدا في لباسه، تاركا للتكبر، مقدّما في العلم والعمل، ومن نظر في تصانيفه عرف قدره.
ومنهم:
٤٦ - محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي (¬*)
قاضي القضاة، ذو الفنون، شهاب الدين، أبو عبد الله بن قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس الخويي.
غمام لا ينزف من العلوم، ومنهل لكلّ طالب منه شرب يوم معلوم، جبل إذا استقرّت الحلوم، ونار إذا جفّ ويبس حطب الظلوم (٢)، ولد ذلك الوالد الذي نشأت من بحره سحابه، وتلألأ من شمسه شهابه، وولي القضاء بالديار المصرية، ثم بالشام، فقرّت به قرارته، وكان قمره الطالع، ودار دارته، ولاذت به الطّلبة فكمل نشأتها، وأحيا في ظلمة الليل ناشئها، ونوّه بأهل الاستحقاق، ونول ما أزال الشقاق، وكان على كرمه ربما بخل، وضنّ وطالما وهب سجاياه الغمام ونحل.
стр. 2469
قال شيخنا ابن الزملكاني: لو لم يقدر الله أن ابن الخويي يجيء إلى دمشق لما جاء منا فاضل.
وبه انتفع الجماعة ابن الوكيل، وابن الزملكاني، وابن الفركاح، وغيرهم.
واشتغلوا عليه، وأذن لهم بالفتوى، ثم كان ينبه عليهم، ويذكرهم بالعلم والفضيلة.
ولد في شوال، سنة ست وعشرين وستمائة، ونشأ بدمشق في صغره، ومات والده وله إحدى عشرة سنة، فبقي منقطعا بالعادلية، ثم أدمن الدرس والسهر والتكرار مدة بالمدرسة، وحفظ عدة كتب، وعرضها، وتنبّه، وتميّز على أقرانه، وسمع في صغره من ابن اللتي، وابن المقير، والسخاوي، وابن الصلاح، وأجاز له خلق من أصبهان، وبغداد، ومصر، والشام، وخرّج له تقيّ الدين ابن عبيد الحافظ معجما حافلا (١).
وحدّث بمصر، وصنّف كتابا كبيرا في مجلد يحتوي على عشرين علما (٢).
وأجاز له عمر بن كرم، وأبو حفص السهروردي، وابن منده، وهذه الطبقة، ولازم الاشتغال في كبره، وصنّف، وشرح "الفصول" لابن معطي، ونظم: "علوم الحديث" لابن الصلاح، و"الفصيح" لثعلب، و"كفاية المتحفّظ"، وشرح من أول "الملخّص" للقابسي خمسة عشر حديثا في مجلّد.
قال الذهبي: فلو تمّ هذا الكتاب لكان أكبر من "التمهيد" وأحسن (٣).
وله مدائح نبوية، وكان من الأذكياء الموصوفين، وانتظار (٤) المصنفين، يبحث
стр. 2470
بتوئدة وسكينة، ويحب الذكي، وينوّه باسمه، وكان حسن الأخلاق، حلو المجالسة، ديّنا، متصوّنا، صحيح الاعتقاد، يحب الحديث وأهله، ويقول: أنا من الطلبة.
درّس وهو شابّ بالدماغية (١)، ثم ولي قضاء القدس من قبل هولاكو (٢).
قال الذهبي: ثم انجفل إلى القاهرة، فولي قضاء القاهرة (٣)، والوجه البحري خاصة، اقتطع له من ولاية الوجيه البهنسي، وأقام البهنسي على قضاء مصر والوجه القبلي إلى أن توفي.
قال أبو حيان: تولى القضاء بالمحلة من الغربية، ثم تولّى قضاء القاهرة، وما ينسب إليها، انتهى.
وتولّى موضعه تقي الدين ابن بنت الأعز، ثم نقل الخويي إلى الشام، ومات الخضر السنجاري، فجمع قضاء الديار المصرية لابن بنت الأعز، ولما مات ابن الزكي بدمشق نقل ابن الخويي إليها (٤).
سمع منه: ابن الفرضي، والمزي، والبرزالي، والختني، وغيرهم (٥)، وروى صحيح البخاري بالإجازة نوبة عكا، وسمع منه خلق. قال أبو حيان: سمعنا عليه مسند الدارمي، انتهى.
وكان يعرف من العلوم: التفسير، والأصولين، والفقه، والنحو، والخلاف،
стр. 2471
والمعاني، والبيان، والحساب، والفرائض، والهندسة (١).
[وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي - رحمه الله تعالى - قال: حججت، وكان من جملة الحاج في تلك السنة قاضي القضاة شهاب الدين الخويي، فلما كنا بالموقف تذاكرنا ما ورد في فضل يوم عرفة، وما ينزله الله تعالى من الرحمة، والمغفرة لأهل الموقف، حتى ذكرنا حديث: "من ذكرني في نفسه" (٢)، فقال القاضي شهاب الدين الخويي: ليت شعري! هل ذكرنا بالملأ الأعلى؟. وإذا شخص ينادي على كتاب لا ندري ما هو؟ فقلت للخويي: ننظر الكتاب. وفتحنا فيه فألا، فإذا أول الصفحة اليمنى قول ابن الفارض ﵁:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد … ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج (٣)
فتأمّلنا الكتاب، فإذا هو ديوان ابن الفارض، فخلع القاضي شهاب الدين الخويي ثياب إحرامه، ودفعها إلى الرجل الذي كان معه الكتاب، وسرّ سرورا عظيما لم يكن مثله] (٤).
ومن شعره:
بخفيّ لطفك كلّ سوء أتقي … فامنن بإرشادي إليه ووفق
أحسنت في الماضي وإنّي واثق … بك أن تجود عليّ فيما قد بقي
أنت الذي أرجو فما لي والورى … إن الذي يرجو سواك هو الشقي
стр. 2472
ومنه قوله: (١)
أمّا سواك فبابه لا أطرق … حسبي كريم جوده متدفّق
ما إن يخاف بظلّ بابك واقف … ظمأ، وبحر نداك طام مغدق
بحبال جودك لا يزال تعلّقي … ما خاب يوما من بها يتعلّق
بشرى لمن أضحى رجاؤك كنزه … وله الوثوق بأنه لا يملق
ومنه:
وهبني ملكت الأرض طرا ونلت ما … أنيل ابن داود من المال والملك
ألست أخلّيه وأمسي مسلما … برغمي إلى الأهوال في منزل ضنك؟
ومنه قوله في ذم الخمر:
أضحى على ترك المدام يلومني … فأجبته لما أطال ملامي
العقل أنفس حيلة تكسو الفتى … فخرا، فكيف أزيله بحرام؟
ومنه قوله:
هجرت المدامة إذ حرّمت … وما زلت مغرىّ بهجر الحرام
وأنفس ما للفتى عقله … فكيف يزال بشرب المدام؟
ومنه قوله:
مساوئ الخمر لا تحصى ولكن … سأذكر بعضها فاسمع مقالي
حصول عقوبة، وظهور سرّ … وفقد بصيرة، وذهاب مال
ومنه قوله:
قالت وقد أبصرت فضلي ومعرفتي: … ما لي أراك بعين الفقر ملحوظا؟
стр. 2473
فقلت: إن الغنى آلى وأقسم لا … يحنو على من غدا بالعلم محظوظا
فقالت: أبشر بعلم قد ظفرت به … فالمال يفنى ويبقى العلم محفوظا
ومنهم:
٤٧ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان (¬*)
البرمكي، الإربلي، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو العباس، الشافعي.
أحنف وقته حلما، وشافعي زمانه علما، وحاتم عصره الذي لا يقاس به حاتم، وخاتم دهره الذي ختم به على الكرماء ولم يفك له خاتم.
стр. 2474
من بقايا البرامكة الكرام، والسادة الذين ليّنوا جانب الدهر العرام، وكان زمنه مثال ذلك الزمان الذاهب، وعلى منوال ذلك الإحسان والمواهب، مع التخلّق بتلك الخلائق التي كأنما بات يشب عنبرها، ويتخيّر من إكليل الثريا جوهرها، بحلم ما دار بمثله معاوية سورة غضبه، ولا دارى بشبيهه أبو مسلم أشتات غضبه، وكرم ما دانى السفّاح غمامه، ولا دان به المأمون وقد طلب الإمامة، هذا إلى أدب خف به الخفاجي (١)، واستصغر الوليد (٢) والطائي (٣)(٤)، مع إتقان في ضبط الوقائع، وحفظ البدائع، وتحقيق الأسماء، وتحرير النقل لكل ما تحت خيمة السماء.
أحد علماء عصره المشهورين، وسيد أدباء دهره المذكورين.
كان خبيرا بعلم الأدب، والنحو، واللغة، والعروض، حسن الشعر، عارفا بالتواريخ، صحيح الذهن، كثير المروءة، وافر العقل، كامل الرياسة، محبا للفضائل وأهلها.
ولي قضاء الشام عشر سنين، ثم انفصل، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدرّسا بالمدرسة الفخرية.
[وكان لا يزال يتشوّق دمشق وأوطانها، ويتذكر أهلها وقطّانها، وفي ذلك يقول:
علّلاني عن الشآم بذكر … إنّ قلبي إليه بالأشواق
مثّلته الذكرى لعيني كأنّي … أتمشّى هناك بالأحداق
قال الكتبي: إنه حكي له أنه طلب بعد عمل هذين البيتين بخمسة أيام، ولي القضاء بدمشق]، فرجع إلى الشام متوليا، فاشتغل بقضاء القضاة ثلاث
стр. 2475
سنين، وانفصل فأقام بدمشق مدرّسا معظّما، مقصودا إلى حين وفاته.
وأول اشتغاله على ابن يونس (١) شارح "التنبيه" (٢).
مولده في ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة بإربل. وحكي أنه كان في زمن صباه أيام اشتغاله بحلب يحب غلاما بها كان في بعض الأحايين يغشاه (٣)، ويسل عليه سيوف حدقه ولا يخشاه، فانقطع عنه مدة لم يستطع هو فيها أن يقصده لكشف خبره، ويتعرّف ما الذي أوجب حجب قمره، فأتاه الغلام كالعاتب، فألفاه وهو في تقييد درسه يملي على كاتب، فقام إليه وعزم عليه أن يجلس إليه ساعة يقضي بها فائت نظره، ويقنع بها في الدنيا من وطره، فقال له:
اقعد واشتغل في الفقه على ذلك، ولا تخدعني بمحالك، فقال:
وما تغيرت عن ذاك الوداد ولا … حالت بي الحال عن عهدي وميثاقي
درسي غرامي بكم دهري أكرره … فقد تفقّهت في وجدي وأشواقي
فثنى ذلك الغزال جيده وولى، وقد أوقد النار في جوانحه وأصلى، وبقي مدة لا يزوره، ولا يأذن له، فيعود إليه سروره، فكتب إليه:
ولما أن تفرّقنا … وحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو … فما ظنك بالصبر؟
فكان هذا معه سبب صلحه، وعفوه عن ذنوبه، وصفحه.
وحكي أنه كان يهوى بعض أبناء الأمراء، ولا يزيده لائمه فيه غير الإغراء، ولا يزال يتتبع مظانّه إذا ركب ليرى قمره الطالع، وجبينه، وكان ذا خال طبع الحسن عليه طابع، ويتقصّد المرور به وهو في الموكب يترنّح غصن قوامه،
стр. 2476
ويصمي جفنه القلوب برواشق سهامه، وذوائب شعره وراءه مجرورة، وجلابيب أقبيته على النهار الساطع مزرورة، حتى اشتهر أمره في حبه، وظهر عليه حتى كاد يفضي إلى قضاء نحبه، فقال (١):
يا سادتي إني قنعت وحقكم … في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفا … وقصدتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى … يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي … ألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة … لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية أنّني … أقضي وما تدري الذي قد حلّ بي
يا من كلفت به فعذّب مهجتي … عطفا على كلف الفؤاد معذّب
إن فاته منك اللقاء فإنّه … يرضى بلقيا طيفك المتأوب
إن كنت تسمح للجفون بهجعة … فلقد أضرّ بها ارتقاب الكوكب
قسما بوجدي في الهوى وتحرّقي … وتحسّري وتلهّفي وتلهّبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقف … فيما أمرت، وإن شككت فجرّب
مولاي هل من عطفة تصغي إلى … قصص وطول شكايتي وتعتّبي
من بعد ذاك الأنس والإقبال قد … أصبحت عندك كالغريب الأجنبي
قد كنت تلقاني بوجه باسم … واليوم تلقاني بوجه مقطّب
ما كان لي ذنب إليك سوى الأسى … فعلام تهجرني إذا لم أذنب؟
وإلى متى هذا الصدود وإنه … ليطول من هذا الصدود تعجبي
وحياة وجهك وهو بدر طالع … وسواد طرّتك التي كالغيهب
وفتور مقلتك التي قد أذعنت … لجمال بهجتها عيون الربرب (٢)
стр. 2477
وبياض مبسمك النقي الواضح … العذب الشهي اللؤلؤيّ الأشنب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من … أخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها … العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ لي … خلع العذار ولجّ فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي … قد جنّ هذا الشيخ في هذا الصبي
فاستر فديتك حرقة قد قاربت … كشف القناع بحق ذيّاك النبي
لا تفضحنّ بحبك الصب الذي … جرّعته في الحب أكدر مشرب
قد خانني صبري وضاقت حيلتي … وتقسمت فكري وعقلي قد سبي
فانظر إليّ برحمة أحيا بها … وتريح قلبي من غرام متعب
وحكي أن شجنا له نزل بالغور شاتيا، وكان له حبيبا مواتيا، وكان له هناك نشب أطال مقامه، وأطال في ليل تهامه منامه، وكان الغور قد تعجل حلة الربيع، ولبس رقيق سحابه اللاذ (١) الرفيع، والشريعة قد أبهجت من جهاتها المذاهب الأربعة، وأصبحت مكانس الظباء غاباتها المسبعة، وكان ابن خلكان يخرج في كل يوم إلى جهة القبلة مسيرا لمخبر يوافيه أو خبر يخفف ما هو فيه، لعلّه يهب إليه رفقة رائحة، أو تهب عليه من الغور رائحه، وكان يسير ويقول:
أحبابنا بالغور طال فراقكم … وتنكرت لمحبكم أيامه
منّوا على جفني القريح بهجعة … لعسى تمثلكم له أحلامه (٢)
وحكي أنه كان في موعد غلام يجيء إلى زيارته، وقعد ينتظر نزول قمره إليه من دارته، فطال المدى وما زاره، ولا زاد على أن أوقد في قلبه ناره، فقامت
стр. 2478
قيامته بانتظاره، ومضى أكثر الليل وما حظي بمزاره، فقام يطوف حول البركة إذ لا يقدر على أن يطوف بربعه، وينظر إلى الماء ويكاد يغرقه بدمعه، هذا والشوق في أحشائه يضطرب، والساعات تمضي وحبيبه لا يدنو ولا يقترب، وكان الغلام فوق أمل المقترح، وأحسن من الغزال لمن يلتمح، لا يشبه الغصن لين قامته، ولا يراه إلا من يئس من سلامته، فجعل يقول (١):
أنا والله تالف … آيس من سلامتي
أوأرى القامة التي … قد أقامت قيامتي
ولم يزل يكرّرها حتى فتح الباب، وطلع عليه الصباح بوجهه المشرق، فانمحى صبغ الليل وانجاب، وبات وليت مثله كل عاشق يظفر بمواصلة الأحباب.
وحكي أنه كان يهوى غلاما من أبناء الملوك الشير كوهية (٢)، تبّله غراما، وصيّر منامه عليه حراما، فكان يكثر الركوب إلى برزة (٣)، مظهرا أن توجهه لزيارة المقام، وقصده المرور على باب الغلام، ولا يقدر له أن يراه، ولا يستطيع في دفع حبه أكثر من أنه واراه، فمرّ مرّة ببابه، وهناك رجال من أقربائه، فعرضوا عليه النزول عندهم من حرّ الهجير، وكان الزمان صيفا يتوقّد شراره، فثنى القاضي رجله ونزل، وكان هذا أكبر أمانيه، وجل قصده، ولأجله كان يطوف حول معانيه، فلما قامت الظهيرة، وطاب النزول في الماء، نزلت الغلمان إلى نهر لتبترد بالماء، وتطلع في أفقه طلوع النجوم في السماء، وقد شدوا سود المآزر على بيض الروادف، فطرفوا الصباح بالظلماء، وانغمسوا في ماء النعماء، وذاك الغلام
стр. 2479
بينهم يسبح، وقد شخص إليه بصر القاضي فما يبرح، فنهاهم فقيه هناك، لم يلم العشق له بفؤاد، ولم يبت وهو يدري كيف تفتت الأكباد، فذبح القاضي بما جاء به من الاعتراض، وحال بينه وبين بوادر الأغراض، فزجر القاضي ذلك الفقيه المعترض، وسلّ عليه سيف عتبه الممض، ثم أقسم أنه لا قعد إن خرجوا من الماء، ولا لبث، ثم أنشأ يقول غير مكترث (١):
وسرب ظباء في غدير تخالهم … بدورا بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي … أما لك عن هذي الصبابة مذهب؟
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى … فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا
وحكي أنه مرّ مرة أخرى بعد ذلك بالمكان لعلّه يرى ذلك الغصن في ذلك البستان، وكان قد سافر منه في بكرة ذلك النهار، وسار وترك من أثر موقده في قلب القاضي النار، فقال:
كأنّني يوم بان الحي عن أضم … والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء (٢) ظلت لفقد الإلف ساجعة … تبكي اشتياقا عليه وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسى … يفيق من سكرات الوجد مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم … فكل ذنب جناه الحبّ مغفور
وحكي أنه كان قد دعي إلى وليمة عملت لبعض أبناء الأكابر في بستان، وقد أعرس، فلما أكل منها ورشّ عليه من ماء الورد، ركب ولم ينظف يده، وكان يكره الزّفر، فرأى فقيها كانت له به خصوصية، وتحت ثيابه شيء يحمله، فسأله عما معه؟ فقال: ماء ورد، فقال: اسكب على يدي منه، فتأبّى، وألحّ القاضي عليه في إخراجه، وكان معه، فلما لم يجد الفقيه بدّا أخرج ما معه، فلما رآه
стр. 2480
القاضي، قال: ما هذا ويحك؟!. فقال له الفقيه: يا مولانا ماء ورد إلا أنه لما رآك استحيا!. فقال القاضي: لعن الله من لا يستحي، ثم تركه وسار.
ومنهم:
٤٨ - عبد الرحمن بن سباع بن ضياء الفزاري (¬*)
البدري، الشافعي، الشيخ تاج الدين، أبو محمد، وأبو إبراهيم.
إمام أنشأ غرس العلماء، وبثّ منهم في الأرض مثل النجوم في السماء، وأنجب غرسه، وثبت أسّه، لم يبق إلا من اغترف من بحره، واعترف لبره، طبّق البلاد علاء، وملا الجواد إليه ارتماء، وأوجب للخلائق إليه انتماء، واقتضى أن
стр. 2481
توميء إليه الحقائق.
وكان لا يعدّ عدد أتباعه، ولا يخالف في وجوب اتباعه، بعلم أيّد بدين، وقرن بصلاح به أعين، وكان على هذا غاية في اللّطف، ونهاية في الظّرف، لو مزج الماء بصفاء خلقه لما تكدّر، أو استعار النهار بياض سريرته لما تغير، كل هذا إلى كمال أدوات أنّى صرف إليها النظر تحيّر، وصفات ما يعرف المرء اللبيب من محاسنها ما يتخير.
قال فيه بعض المؤرّخين: آخر علماء المسلمين، وعين أعيان مذهبه، ومن انتهت إليه رياسة الشافعية بالشام، أقرّ له الموافق والمخالف بالتقدم وغزارة العلم، وفقه النفس، وله التصانيف الحميدة، والتآليف المفيدة.
تفقّه على الإمام أبي محمد عز الدين بن عبد السّلام، وبرع في المذهب بروعا تاما، وكان تفقّه قبله على ابن الصلاح، وقرأ الأصول والعربية، ونظر في الطريقة، وسمع الحديث من جماعة كابن الزبيدي وطبقته، وخرج له مشيخة عن مائة شيخ سمع عليهم، وجلس للإقراء من سنة أربعين وستمائة، والانتفاع به متعدّ عام للخلق، لا سيما الفتاوى التي ما كان وقته يخلو منها، وانتفع به جماعة بما درّس وأفتى (١).
مولده سنة أربع وعشرين وستمائة، وحين ولد ضاق صدر أبيه، لما رأى في رجليه من التغير، وكان رجلا صالحا، فرأى النبي ﷺ وهو يسأله عن ذلك، ويبشّره أن الناس ينتفعون بعلمه، ورآه بعد موته رجل مقعد، وكان صاحبا له، فشكا إليه. فقال له: قم. فاستيقظ وقام كأن لم يكن به شيء.
وتوفي الشيخ تاج الدين رحمه الله تعالى ضحوة الاثنين، خامس جمادى الآخرة، سنة تسعين وستمائة (٢).
стр. 2482
ومنهم:
٤٩ - محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد القرشي (¬*)
الأموي، العثماني، الفقيه، الشافعي، الإمام المتفنّن، أبو عبد الله، صدر الدين، ابن المرحّل، ويعرف بابن الوكيل، لأنّ أباه ولي وكالة بيت المال بالشام.
إمام له نسب في قريش أعرق، وحسب في بني عبد شمس مثل الشمس أشرق، وعلم لو أن البحر سطا بشبهه لأغرق، وفهم لو أن الفجر سطع نظيره لأحرق، وبيت طنّب على المجرّة، ومدّ رواقه فتلألأ بالمسرّة، ونشر رايته البيضاء الأموية (١)، وحولها ثغور الكواكب المفترة، وارتفع أن يقاس بنظير، واتضع والثريا تاج فوق مفرقه والجوزاء تحته سرير، وهمّة دون السماء لا يقصرها، وحكمة عن سبق القدماء لا يؤخرها، مع جبين وضّاح، ويمين منها الكرم يستماح، وأدب أشهى من رشف الرضاب (٢)، وأحلى من رضى الحبائب الغضاب، وخلق شرح الله له صدره، ومنح فضله أندية الرياض المخضرة، وصبر على نوائب ما برح الكريم يمنى بصروفها، ويرمى بصنوفها، ويبيت قلبه المعنّى
стр. 2483
قرى لضيوفها، ورعبه المخيّل مقدّما عنقه لسيوفها، وهو على صداء النوائب لا يزيد سيف ذهنه إلا صقالا، ورحب صدر إلا احتمالا، وكرم يده إلا بسط أنامل، وحط رحل لديه لآمل، وسعة نفس عرفت من بني عبد شمس هزه طرب لا تنكر لبقية أولئك العرب.
وجرت له مع سلطاننا أيام سلطة الأمراء عليه، وسلطنة المظفر بيبرس أمور هيّجت عليه ساكن حنقه، ولججت به إلى موضع غرقه، وكان هو ذلك الوقت بمصر، رأس تلك المجالس التي عقدت، ومبتدئ تلك الفتاوى التي عليه حقدت، ومرتّب تلك الأمور التي انتقدت، وناظم تلك القصائد التي كانت سبب تلك النيران التي عليه أوقدت.
وأراد الصاحب ابن الخليلي وهو إذ ذاك بطّال أن يمسكه ليتقرّب به إلى السلطان، وأخذ هو الخبر، ففرّ، وتردّد رأيه في أيّ جهة يقصد، ثم حمّل نفسه أهوالها، وقال: إما عليها وإما لها، وركب طريق البدرية حتى شارف قطيا، والسلطان قد أشرف عليها، فأتى بكتمر الحاجب لصحبة سالفة له به فعرفه بمجيئه، فقال: ليتك لا جئت، ثم لم يسعه إخفاء أمره، ولا خفاء ما أطلّ من بدره، فأمر السلطان بالتوكيل به، ثم أمر بإحضاره، فما كان إلا أن رآه وكلّمه، وإذا بتلك البارقة وقد تجلّت، وتلك الحفيظة قد ألقت ما فيها وتخلّت، ومدّ يد ذلك الغيم وقد تقشّع، وحديد ذلك الغضب وقد تقطّع، وذلك الحلم الناصري قد رقّت حواشي أهدابه، وراقت نواشي سحابه، فأمر بأن يكون في الصحبة مخلّى السبيل، محميّ القبيل، وأقيلت مواضي تلك الهفوة، وأقيمت مضاجع تلك الغفوة، ودخل مصر آمنا، وأقام في الظلّ الناصري ساكنا (١).
ثم خرج إلى حلب على وظائف تولاها، ومراتب وطئ بأخمصه أعلاها، ثم
стр. 2484
ذكره السلطان، أو ذكّره بعض خواصّه به، فاستدعاه إيثارا لقربه، فرتّبت له رواتب، وعيّنت له مناصب، وأقام في الحضرة السلطانية عليها مرعي الجانب، مرمي المجانب، وأرسل إلى ملك العرب مهنّا بن عيسى فأجمل وفادته وأسماها، وأجزل إفادته وأسناها.
ثم كان بمصر مقامه، وبالسلطان وحاشيته التيامه، ما روع له سرب حتى أتاه حمامه، وفرغت منه أيامه.
ودفن لدى شباك الشافعي رحمه الله تعالى بالقرافة، وكانت وفاته بكرة الأربعاء، رابع عشرين ذي الحجة، سنة عشر وسبعمائة (١).
ومولده في شوال، سنة خمس وستين وستمائة، بدمياط، ومنشؤه بدمشق.
تفقّه بأبيه، وبالشيخ شرف الدين ابن المقدسي وغيرهما، وسمع من القاسم الأربيلي، والعامري، والمزني: "صحيح مسلم".
وسمع من ابن علان: "المسند"، للإمام أحمد. وأفتى وله اثنتان وعشرون سنة، ودرّس بالمدارس الكبار، وله صيت بين العلماء بالفضيلة، وتقدّم عند الدولة والسلطان، وولي مشيخة الحديث بالأشرفية مدة، وحدث بجملة من "صحيح مسلم" بها، ثم نزح عن دمشق، وأقام بحلب مديدة، ثم انتقل إلى مصر، وسكنها، وولّي جهات كبارا (٢).
ولما وصل خبر موته إلى دمشق عمل عزاؤه تحت النسر، وصلّى عليه صلاة الغائب في ثالث المحرم، ورثاه جماعة منهم: علاء الدين بن غانم، والإمام نجم
стр. 2485
الدين القحفاز (١)، ونجم الدين الصفدي (٢).
وكان بينه وبين الأفرم نيابته بالشام صداقة كشفت بينهما الوقار، وأرشفت تصافيهما العقار (٣).
حكى لي ابن الدقاق عنه: أن الأفرم استدعاه ليلة والليل جناحه ما نسل، وخضابه ما نصل، وفارسه المعلم ما نزع جوشنه (٤)، وأفقه المروض ما قلع سوسنه، وخصماء الطير خرس بعد ما نطقت لها ألسنة، وسرّ الفجر ما جال في ضمير، وفرق الشرق ما شاب، والأدب في لمته القتير، وثوب الأفق ما ذر عليه الكافور، ولا نفض عنه العبير، فدخل عليه وهيف الشمع تولول ألسنة نارها، وتعصب رؤوسها بتيجان نضارها، وقد أضاء بصباحها بهو الدار، وقمص سواد ذلك الليل بضيائها جلباب النهار، وقد دعي بالصبوح، وبطح زقّ قام عليه الراووق ينوح، وصفقت القناني، وتصدرت الأواني، واتفق البم (٥) والزير (٦)، ورقص الطرب الزائر والمستزير، وقد دبّ شعاع الخمر في وجنة الساقي، وفاض على المجلس، وألقى على الزجاج الباقي في حضرة ما حصلت في إشبيلية للمعتمد بن عباد، ولا للمقتدر بن أبي العباس في بغداد، ولا للأشرف شاه أرمن في ظواهر أخلاط (٧)، ولا تميم بن معز (٨) في مناظر الفسطاط، وهو بدمشق بالقصر
стр. 2486
الظاهري، المشرف على الميادين، المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبب الغمام المؤزر بديباج الرخام، وسقوفه تنقط ذهبا، وتشعل فحمة الليل لهبا، والشاذروان (١) قد علقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضة، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة (٢) تتلقى ذلك الصّب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النّهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء القمر، فلما حميت به الحميّا، ابتدر وقال قصيدة في صفة الخمر، أنست أبانواس، وشغلت كل الحواس، ومنها قوله (٣):
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا … في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب
لا تأسفنّ على مال تمزّقه … أيدي سقاة الطلا والخرّد العرب
فماكسوا راحتي من راحها حلّلا … إلا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت … فتمّ عجبي بها وازداد لي العجب
إذ ينبع الدرّ من حلو مذاقته … والتبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدت … وكلّ ما قيل في أبوابها كذب
قيراط خمر على القنطار من حزن … يعود في الحال أفراحا وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جمعت … وفوقها الفلك السيّار والشّهب
ماء ونار هواء أرضها قدح … وطوقها فلك والأنجم الحبب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل … بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
стр. 2487
شججت بالماء منها الرأس موضحة (١) … فحين أعقلها بالخمس لا عجب
وما تركت بها الخمس التي وجبت … وإن رأوا تركها من بعض ما يجب
ولن أقطّب وجها حين تبسم لي … فعند بسط الموالي يحسن الأدب
عاطيتها من بنات الترك عاطية … لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا
هيفاء جارية للراح ساقية … من فوق ساقية تجري وتنسرب
من وجهها وتثنيها وقامتها … تخشى الأهلّة والقضبان والقضب
يا قلب أردافها مهما مررت بها … قف بي عليها وقل لي هذه الكثب
وإن مررت بشعر فوق قامتها … بالله قل لي كيف البان والعذب
تريك وجنتها ما في زجاجتها … لكن مذاقته للريق تنتسب
تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب … "لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب" (٢)
ومن شعره الذي نطق به فأبان عن إنسانه، وأتى بالبيان ملء إهابه، قوله:
سرى وستور الهم بالكأس تهتّك … وساكن وجدي بالغناء يحرك
وأقسم لولا نار قلبي تبرقعت … لها في الدياجي ما اهتدت كيف تسلك
فعاطيته كأسا فحيّا بفضلها (٣) … ومازج ذاك الكأس ريق ممسّك
ولما رأيت القوم بالكأس صرّعا … وأن ابنة المطران بالقوم تفتك
أرقت دم الراووق (٤) حلّا لأنّني … رأيت صليبا فوقه فهو مشرك
وسالت دموع العين منه وكلّما … بكى بالدما مما جرى منه أضحك
стр. 2488
وزوّجت بنت الكرم بابن سحابة … فصحّ على التعليق والشرط أملك (١)
ومنه قوله (٢):
وعارض قد لام في عارض … وطاعن يطعن في سنّه
وقائل: قد طلعت ذقنه … فقلت: لا أفكر في ذقنه
ومنه قوله:
لي حبيب مكمّل … من سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحني … بيّض الله وجهه (٣)
ومنه قوله:
ولما جلا فصل الربيع (٤) محاسنا … وصفّق ماء النهر إذ غرّد القمري
أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه … فنقط وجه الماء بالذهب المصري
ومنه قوله:
عيرتني بالسقم طرفك مشبهي … وكذاك خصرك مثل جسمي ناحلا (٥)
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلا … لا بدّ أن يأتي عذارك سائلا
ومنه قوله في مليح به يرقان، ذبل نرجسه، وفتّر جفنه، وأنعشه وازداد به طرفه
стр. 2489
سقاما، ذهب به نصله، وذهب لا يعرف في غير القلوب فعله (١):
[رأيت في طرفه اصفرارا … سبا فؤادي فقلت: مهلا
أيا مليك الأنام حسنا … العفو من سيفك المحلى]
ومنه قوله:
قد جرّد الهندي من لحظاته … وتعلّم الخطي من خطراته
يا خجلة الأغصان من أعطافه … وفضيحة الغزلان من لفتاته
أبدى الذؤابة والقوام فلا تسل … عن بان نعمان وعن عذباته
أرجو وأحذر قربه وبعاده … فالقلب بين حياته ومماته
ومن قوله (٢):
أقصى مرادي (٣) أن أمرّ على الحمى … ويلوح نور رياضه ويفوح
حتى أري سحب الحمى كيف البكا … وأعلّم الورقاء كيف تنوح
ومنه قوله في مليح يلقب بالحامض (٤):
وبديع الجمال، معتدل القامة … كالغصن والقنا الأملود (٥)
لقّبوه بحامض وهو حلو … قول من لم يصل إلى العنقود
ومنه قوله (٦):
стр. 2490
غازل وخذ من نرجس من لحظه … منثور دمع كلّهنّ نظام
واحذر إذا بعث السّلام إليك من … نبت العذار فإنّه نمّام
ومنه قوله (١):
تغنّت في ذرا الأوراق ورق … ففي الأفنان من طرب فنون
وكم بسمت ثغور الزهر عجبا … وبالأكمام قد رقصت غصون
ومنه قوله:
واصل كؤوسك لا أريد فراقها … فلقد رأت عيني المدام فراقها
إن الذي جعل الهموم عقاربا … جعل السّلاف حقيقة درياقها (٢)
لم تصلب الراووق إلا عند ما … قطع الطريق على الهموم وعاقها
ومعنّفي في الخمر لو قد ذاقها … لم يلحني لكنّه ما ذاقها
ومنه قوله (٣):
وبي من قسا قلبا ولان معاطفا … إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقرّ برقّ إذ أقول أنا له … وكم قالها أيضا، ولكن لتهديدي
ومنه قوله:
يا ناقضا عهده من غير ما سبب … إلا لكوني أراعي عهد من خانا
يقول قلبك طور قلت: لا عجب … من جانب الطور قد آنست نيرانا
وحكى لي ثقات من أصدقائه، أنه كان يكتم هوى بعيد مزاره، قريب