الظاهري، المشرف على الميادين، المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبب الغمام المؤزر بديباج الرخام، وسقوفه تنقط ذهبا، وتشعل فحمة الليل لهبا، والشاذروان (١) قد علقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضة، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة (٢) تتلقى ذلك الصّب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النّهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء القمر، فلما حميت به الحميّا، ابتدر وقال قصيدة في صفة الخمر، أنست أبانواس، وشغلت كل الحواس، ومنها قوله (٣):
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا … في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب
لا تأسفنّ على مال تمزّقه … أيدي سقاة الطلا والخرّد العرب
فماكسوا راحتي من راحها حلّلا … إلا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت … فتمّ عجبي بها وازداد لي العجب
إذ ينبع الدرّ من حلو مذاقته … والتبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدت … وكلّ ما قيل في أبوابها كذب
قيراط خمر على القنطار من حزن … يعود في الحال أفراحا وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جمعت … وفوقها الفلك السيّار والشّهب
ماء ونار هواء أرضها قدح … وطوقها فلك والأنجم الحبب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل … بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
стр. 2487
شججت بالماء منها الرأس موضحة (١) … فحين أعقلها بالخمس لا عجب
وما تركت بها الخمس التي وجبت … وإن رأوا تركها من بعض ما يجب
ولن أقطّب وجها حين تبسم لي … فعند بسط الموالي يحسن الأدب
عاطيتها من بنات الترك عاطية … لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا
هيفاء جارية للراح ساقية … من فوق ساقية تجري وتنسرب
من وجهها وتثنيها وقامتها … تخشى الأهلّة والقضبان والقضب
يا قلب أردافها مهما مررت بها … قف بي عليها وقل لي هذه الكثب
وإن مررت بشعر فوق قامتها … بالله قل لي كيف البان والعذب
تريك وجنتها ما في زجاجتها … لكن مذاقته للريق تنتسب
تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب … "لقد حكيت، ولكن فاتك الشنب" (٢)
ومن شعره الذي نطق به فأبان عن إنسانه، وأتى بالبيان ملء إهابه، قوله:
سرى وستور الهم بالكأس تهتّك … وساكن وجدي بالغناء يحرك
وأقسم لولا نار قلبي تبرقعت … لها في الدياجي ما اهتدت كيف تسلك
فعاطيته كأسا فحيّا بفضلها (٣) … ومازج ذاك الكأس ريق ممسّك
ولما رأيت القوم بالكأس صرّعا … وأن ابنة المطران بالقوم تفتك
أرقت دم الراووق (٤) حلّا لأنّني … رأيت صليبا فوقه فهو مشرك
وسالت دموع العين منه وكلّما … بكى بالدما مما جرى منه أضحك
стр. 2488
وزوّجت بنت الكرم بابن سحابة … فصحّ على التعليق والشرط أملك (١)
ومنه قوله (٢):
وعارض قد لام في عارض … وطاعن يطعن في سنّه
وقائل: قد طلعت ذقنه … فقلت: لا أفكر في ذقنه
ومنه قوله:
لي حبيب مكمّل … من سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحني … بيّض الله وجهه (٣)
ومنه قوله:
ولما جلا فصل الربيع (٤) محاسنا … وصفّق ماء النهر إذ غرّد القمري
أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه … فنقط وجه الماء بالذهب المصري
ومنه قوله:
عيرتني بالسقم طرفك مشبهي … وكذاك خصرك مثل جسمي ناحلا (٥)
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلا … لا بدّ أن يأتي عذارك سائلا
ومنه قوله في مليح به يرقان، ذبل نرجسه، وفتّر جفنه، وأنعشه وازداد به طرفه
стр. 2489
سقاما، ذهب به نصله، وذهب لا يعرف في غير القلوب فعله (١):
[رأيت في طرفه اصفرارا … سبا فؤادي فقلت: مهلا
أيا مليك الأنام حسنا … العفو من سيفك المحلى]
ومنه قوله:
قد جرّد الهندي من لحظاته … وتعلّم الخطي من خطراته
يا خجلة الأغصان من أعطافه … وفضيحة الغزلان من لفتاته
أبدى الذؤابة والقوام فلا تسل … عن بان نعمان وعن عذباته
أرجو وأحذر قربه وبعاده … فالقلب بين حياته ومماته
ومن قوله (٢):
أقصى مرادي (٣) أن أمرّ على الحمى … ويلوح نور رياضه ويفوح
حتى أري سحب الحمى كيف البكا … وأعلّم الورقاء كيف تنوح
ومنه قوله في مليح يلقب بالحامض (٤):
وبديع الجمال، معتدل القامة … كالغصن والقنا الأملود (٥)
لقّبوه بحامض وهو حلو … قول من لم يصل إلى العنقود
ومنه قوله (٦):
стр. 2490
غازل وخذ من نرجس من لحظه … منثور دمع كلّهنّ نظام
واحذر إذا بعث السّلام إليك من … نبت العذار فإنّه نمّام
ومنه قوله (١):
تغنّت في ذرا الأوراق ورق … ففي الأفنان من طرب فنون
وكم بسمت ثغور الزهر عجبا … وبالأكمام قد رقصت غصون
ومنه قوله:
واصل كؤوسك لا أريد فراقها … فلقد رأت عيني المدام فراقها
إن الذي جعل الهموم عقاربا … جعل السّلاف حقيقة درياقها (٢)
لم تصلب الراووق إلا عند ما … قطع الطريق على الهموم وعاقها
ومعنّفي في الخمر لو قد ذاقها … لم يلحني لكنّه ما ذاقها
ومنه قوله (٣):
وبي من قسا قلبا ولان معاطفا … إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقرّ برقّ إذ أقول أنا له … وكم قالها أيضا، ولكن لتهديدي
ومنه قوله:
يا ناقضا عهده من غير ما سبب … إلا لكوني أراعي عهد من خانا
يقول قلبك طور قلت: لا عجب … من جانب الطور قد آنست نيرانا
وحكى لي ثقات من أصدقائه، أنه كان يكتم هوى بعيد مزاره، قريب
стр. 2491
ادّكاره، ومن دونه بحر من السراب متأق (١)، وبيداء لا تجتازها من الريح سملق (٢)، وليل لا تبدو النار في سواده، وطود لا ترسي الأرض إلا بأوتاده، والنهار لا يتوضح، والدهر ليل كلّه ليس يبرخ، وعينه قد غار دمعها فما له قرار، وجفا الغمض أجفانها القصار، والنجوم لا تغور كأنما مسخ فيها النهار، قد كتم الفجر منها الخفاء، وعدم الصباح كأنه جود أو وفاء، وهو في شغل بليلى، وهي في شغل بسواه، لا يميل غصنها لهواه، لاهية عن شؤونه، ساهية عما يحمل منها على عيونه، لا يرثي طرفها النائم لطرفه الساهر، ولا يعرف ما فعل الدمع بالناظر، فلم يكن له إلا أن يخاطب إيماض البرق على دارها، ويجاذب عطف الصّبا لازديارها، وفي بعض شجونه وهواه بها وجنونه، قوله:
ألا هل صبا أو بارق بات موهنا … على دار ليلى والنفانف (٣) دونها
يبلّغ عينيها تحية ناظر … أعار الغوادي المعصرات جفونها
يبيت على جمر يشب بذكرها … ويكتم ما يلقى يخاف ظنونها
يراع لبرق بالثنايا كأنما … عليه سيوف الهند هزّت متونها
لئن غاب عنكم حسن ليلى وحبّها … فها فانظروا مجنونها وجنونها
وحدّثت عمّن كان يطّرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرة إليه، وقلب البرق يخفق غيرة عليها، وعين النجم تنظر شزرا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصّرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب، مرّت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولّت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور
стр. 2492
الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغرّ، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأنّ العشي فيه غدو، في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرّة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومأ للسجود إذ جاءه سهوا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار ولا في مفرق ليلها قتير، لكنّهما انقضيا، وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة (١)، وأماله حتى طار النهار وأجفلت الغزالة (٢)، فقال:
سمح الزمان وكان جد شحيح … من بعد ما متّ عادت روحي
جاءت ومسح الليل أسود مسبل … لا شكّ قد وافى إليّ مسيحي
أحييت فيها ليلتي وحييتها … هو قبلتي وبثغرها تسبيحي
وبقيت يومي كلّه متمتّعا … وبها غبوقي المشتهى وصبوحي
حتّى إذا ما اليوم ولّى طائرا … ولّت ولكن خلّفت تبريحي
وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يوما وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها أجرت دموعه، حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلا على غربك (٣)، ورفقا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتّت، وظنّوا أن جملة صبره تشتت، فبقوا يحدثونه، ولا يحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كفّ بعض ذلك الإسراف،
стр. 2493
قوله:
أخفيت حبّك عن جميع جوانحي … فوشت عيوني، والوشاة عيون
ووددت أن جوانحي وجوارحي … مقل تراك وما لهنّ جفون
ووددت دمع الخافقين لمقلتي … حتى غزير الدمع فيك يهون
يا ليت قيسا في زمان صبابتي … حتى أريه العشق كيف يكون
ومنه قوله:
أبثّك أن المرء للقبر صائر … فلم أنت عن داعي المدامة صابر؟
أجب واستمع من راهب الدير واستمع … ومل طربا لمّا ترنّ المزاهر
وروّ بها لحمي وعظمي ورمّتي … وقبري وأكفاني فما لك عاذر
أمزّق مالي والمدام أصونها … أرى الجوهر الأعراض وهي جواهر
أدخّرها للهمّ والغمّ إنما … تفيد لأرباب الرزايا الذخائر
وسم الحميا نقطة وهي نقطة … وقطب سروري حين بلي السرائر
ومنه قوله (١):
قال لي من أحبّ والبدر يبدو … من خلال السحاب ثم يغيب
ما حكى (٢) البدر؟. قلت وجهك لما … يختفي عند ما يلوح الرقيب
ومنه قوله:
يا حبل ودي قط لا تنقطع … فقلبه قد رقّ مما جرى
أما ترى الحبل بتكراره … في الصخرة الصمّاء قد أثّرا
стр. 2494
ومنه قوله:
يقولون لي: كم ذا كلفت بأحول … يقلب بالزوجين؟، قلت لهم: عذرا
رأت كل عين حسن أوصاف أختها … فغارت، فطول الدهر تنظرها شزرا
ومنه قوله:
وصيّرت بدر التمّ مذ غاب مؤنسي … أنيسي، وقلت: البدر منه قريب
فحجّبه عني الظلام بذيله … فوا عجبا، حتى الظلام رقيب!
ومنه قوله مما يكتب على كمدان (١):
بلغت مقاما ما تأتّى لعاشق … حسدت له من بين كل الخلائق
أدور على خصر نحيل وطالما … غدوت على ردف ولست بفاسق
ومن أجل أنّي ليس بيني حائل … وبين حبيبي فقت كل المناطق
فلا يدّعي العشّاق حالي فإنني … نحيل معنّى مثقل بالعلائق
ومنه قوله:
عجبت من قلب معنّاهم … على جفاهم كيف يهواهم!
رآهم في الحب أهلا فما … أحبّ في الأكوان إلا هم
ومنه قوله:
زند المدام في الكؤوس قد قدح … لما رأى زهر الرياض قد قدح
فاصدع بأوتار الجنوك حزنا … قد طير المنام فالطير صدح
واستجل بنت الكرم للشرب ففي … طلاقها كدّ عذولي وكدح
راحا بها الأعمى يرى مع العمى … وهاك برهان على هذي المدح
стр. 2495
الخمر للأقداح قلب دائما … والحدق انظرها تجد قلب القدح
ومنه قوله:
عقود الحساب كيوم الحساب … فمن قلّ وقرا سما في المعالي
كذاك اليمين لها ما يقل … وعقد الكثير نصيب الشمال
ومنه قوله:
فرغت بكم عن الأكوان لمّا … شغلت بحبكم عن كل شغل
وأجمعت القلوب على هواكم … فها أنا سالم من كل عذل
ومنه قوله:
أعنّي على ما دهاني أغنّي … فإني رميت بريم أغنّ (١)
إذا قلت: ثغرك صن باللثام … يقول: سيحميه صارم جفني
وإن قلت: قد صار من فتكه كلي … لا، فللقطف تدلي وللحتف تدني
ولا تخش من لهب فيهما … فنيران خدي جنات عدن
ومنه قوله:
كأنما البرق خلال السماء … من فوق غيم ليس بالكابي (٢)
طراز تبر في قباء أزرق … من تحته فروة سنجاب
ومنه قوله في عمر الذهبي:
ولائم لامني على عمر وقال … لي: قد غلطت بالعربي
كم في الورى مثله. فقلت له: … وأيّ شيء يكون كالذهبي
ومنه قوله:
стр. 2496
يا وجنة هي جنّة قد زخرفت … وردا ومن آس العذار تخضّرت
عين بنور جمال وجهك متعت … وسوى جمالك أبصرت لا أبصرت
ومنه قوله:
بعيشك خلّ عاذلتي تلمني … ومنها في ملامتها ومنّي
فإن نجحت فلا نجحت طريقي … وأدركت المنية لا التمني
وإن خابت فلا خابت طريقي … وإن كان الهوى يأتيه عني
ويا غصن النقا ويجلّ قدرا … قوامك أن أشبّهه بغصن
لحاظك بالهوى فتكت عنادا … ولا تسأل عن الظبي الأغنّ
وعطفك قد كسا الأغصان وجدا … فمالت بالهوى لا بالتثنّي
ورقّت ورقها فبكت عليها … وفي الأفنان أبدت كل فنّ
وقد طارحتها شجنا فلما … بكيت صبابة أخذت تغني!
(١)
ومنه قوله:
يا ليلة فيها الأمان والمنى … وكل ما أطلبه تهيّا
لا تقصري فالصبح قد شربته … مدامة عنقودها الثريا
ومنه قوله:
تلك المعاطف أم غصون البان … لعبت ذوائبها على الكثبان
وتضرّجت تلك الخدود فوردها … قد شقّ قلب شقائق النعمان
ما يفعل الموت المبرّح في الورى … ما تفعل الأحداق في الأبدان
أخليل قلبي وهو يوسف عصره … قلبي الكليم رميت في النيران
стр. 2497
قطعته مذ كان قلبا طائرا … ودعوته فأتى بغير توان
يا نور عيني لا أراك وهكذا … إنسان عيني لا يراه عياني
ولقد رأيت على الأراك حمامة … تبكي وتسعدني على أحزاني
تبكي على غصن وأندب قامة … فجميعنا نبكي على الأغصان
نخشى من الأوتار فهي مروعة … مثلي، فلم تبكي على العيدان
ومنه قوله:
في خدك خط مشرق الصدغ سطور … والشاهد ناظر على الفتك بدور
يا عارضه بالشرع لا تقتلني … الشاهد فاتك وذا خطك زور
ومنه قوله في مليح ذرّ على جسده سدر بالحمّام:
ومذ ذرّ ذاك السدر من فوق جسمه … تزايد من أهواه في حسنه حسنا
ولو لم يزن ذاك القوام اخضراره … لما صحّ عندي أنه يشبه الغصنا
ومنه قوله:
بكيت حيا وحياء بكيت … تفاريق دمع لحاد حدا
لئن كنت أبكي بحارا وفي … خدودك قطر فما ذا سدا (١)
فإن العيون تمدّ البحار … وليس على الورد غير الندا
ومنه قوله:
فصل الشتا منح النواظر نضرة … لما كسا الأكوان وهي عوار
لم يلبس الغبراء خضر مطارف … حتى كسا الزرقاء بيض إزار
ومنه قوله:
стр. 2498
قالوا: اتّئد لا تخف فلانا … فرأسه خفة يطيش
فقلت: بالنبل كم رأينا … قتلى ورووس النبال ريش!
ومنه قوله:
أحبّتنا والدهر جمّ صروفه … ووجدي على طول المدا ليس يبرح
تغيّرتم عما عهدت لأجل ذا … تغيّر دمعي وهو في السفح يسفح
ومنهم:
٥٠ - محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري (¬*)
قاضي القضاة، أبو المعالي، كمال الدين الزملكاني.
من بيت علاء كان آخره، وبحر علم ضمّ القبر آخره، وكان إذا ذكر تضاءلت الناس، وإذا حضر مجلسا نكس لأجله كل راس، توقّل ذرا المناصب والثريا موطئ قدمه حيث داس، وحل المراتب فأغضت النجوم كأنما خاط جفونها النعاس، وساد وما خلت البقاع، وشاد بيت علاه والجوزاء له سجف، والمجرة شراع.
ثم كان حجة في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لا يعرف ما ابن إدريس لولا فنه المذهب، ولا يوصف معه في التدريس إلا إمامه لكونه صاحب المذهب، فما تأمّل أحد الوجهين إلا قال شعاعه لمن حدّق: اذهب لا تذهب، ولا
стр. 2499
وقف على شعب الطريقين إلا وأخذ بأطراف المذهب، ولا مال إلى القديم (١) إلا وأعيا عياض (٢) وكبا أشهب (٢)، ولا قال بالجديد (١) إلا وتمنّى النهار أنه من خليع ملابسه يوهب، فإن عطف على الأصحاب نحو (الماوردي) عطر أرجاءه، أو (الرافعي) رفع قدره وحقّق رجاءه، أو (ابن الصباغ) أظهر ما حال من ألوانه، أو (المزني) أتى بالمطر في غير أوانه، أو (القفّال) لما فتح بابا، أو (إلكيا الهراس) (٣) لما وجد زبونا، ولا استفاد اكتسابا، وكان نورا مذ عقّ تمائمه، ونورا وما تجافى كمائمه، ودرّا وما فارق غمائمه، وصدرا وما لاث عمائمه.
حكى لي من رآه مراهقا، ولمبالغ الرجال مراهقا: أنه ما أغبّ كتابا من نظر، ولا تكلّم إلا وسكت من حضر، فلهذا بزّ (٤) نهايات الآمال، وعزّ بعده أن تدرك غايات الكمال، وكان أكثر ما ينتج الفتاوى مواقع سيله، ويخرج خطه وخطوط العلماء في ذيله، وأتقن كل علم، وأخذ منه بطرف، أو تسلّط عليه تسلّط من عرف، بسرعة إدراك اختصر طريقه، وقوة عارضة لا تمهل معارضها أن يبلع ريقه، بقواطع حجج لا يثبت معها مناظره، ولطافة حديث لا يمل منه محاضره، ما جالس - حتى ولا عدوا له - إلا وأخذ لبه، وقلب إليه قلبه، وكان خطّه أبهى من الرياض، وأزهى ما رئي من السواد في البياض، كأنه خط العذار، أو نقش المواشط في معاصم الأبكار، هذا إلى صورة محبوبة، وهيبة من النفوس قريبة.
وولي التدريس على صغر، وتصدّر في أجلّ محاريبه في الكبر، وكتب الإنشاء والحساب، ثم ولي الوكالة عن السلطان والقضاء بحلب، وما ولي شيئا
стр. 2500
إلا وأتقنه، ولا عانى أمرا إلا وأحسنه ونال أحسنه، وتميز على نظرائه بأنه عالم، وزاد في تخليص قلمه ما هو به عالم.
وله تصانيف، منها: "شرح المنهاج" في الفقه، ولم يكمله، و"إصابة الرمية في الرد على ابن تيمية"، ومصنفات "في أفضلية العلماء والشهداء".
ومن نثره قوله: من توقيع بيّنة لفضائله التي بسقت في رياض الفضائل أفنانها، ومعارفه التي نمّ عليها عرفها ودلّ عليها برهانها، ومآثره التي ظهرت آثارها فصدق خبرها عند الأعيان عيانها، فإذا أنشأ أتى بالبدائع، التي لم تزل عن الانتحال تتورع، والبدائه التي تتعب الأفكار مما تتسرع، وإذا رقش (١) بيض الصحائف خلت الليل البهيم طرزت به أردية النهار، وقلت: الروض البسيم تفتحت منه الأزهار.
ومنه قوله من آخر: علما بما اشتمل عليه من المحاسن والمناقب في المشارق والمغارب، ورغبة في استقراره بهذا البلد الأمين، واستمرارا نظره في أهل العلم والدين، وليتنقل في بروج السيادة فيبدي حكما وحكما، ويتصرف في فنون الإفادة فيصرف لسانا وقلما، ويصبح وقد أحيا كل أرض نزل بها صوب فضله الذي همى، وصواب رأيه الذي لو لم يكن البحر العباب لما طمى، ولا حلّ بهذا حلة ثم حلّة بهذا فطاب الواديان كلاهما".
ومنه قوله، مما كتبه على مجموع جمعه ابن نباتة على الاسم العمادي صاحب حماة وسماه: مطلع الفوائد ومجمع الفرائد (٢): " لقد رضت البيان في وصف هذا الكتاب حق وصفه فجمع، واستمحت أن لو وصف محاسنه فما سمح، واقتدحت نار الفكر لأرى نهج البلاغة في مدحه فما ورى ولا قدح،
стр. 2501
وسرحت جياد العزم في مصائد شوارد حمده فما سرح شيء منها ولا سنح، وكيف يجلى مطلع الفوائد ما لا يعلو على دراري النجوم، وتحلّى مجمع الفرائد بما يفوق الدر المنظوم، أين من فلك المعاني فلك الصور، وأين بحر اللآلي من بحر الفكر، هذا الفلك مطلع صباح البصائر، وذاك مطلع صباح الأبصار، وذاك يتعاقب فيه شمس وقمر، وهذا كله شموس وأقمار، وهذا البحر يفعم بدرّه وإناء كل من اغترف، وذاك إن ولد درّأ خبّأه تحت قراره في الصدف، فلا غرو أن أحجمت عن سلوك هذا المهيع (١)، لا سيما وقد جعلوا من وسم الكتاب باسمه معنى كلمهم، وبلاغة حكمهم، وسراج منهاجهم، ودرة تاجهم، وطراز حلة وشيهم المرقوم، وواسطة در عقدهم المنظوم، فبلغوا من رتب البلاغة غاية المراد، لما شاهدوا مجموع الجمال الفريد في ذات العماد".
ومنه قوله وقد أرسل إليه والدي ﵀ كتابا أنشأته ليقف عليه، فكتب إليه، وينهي أنه وقف على هذا الكتاب الذي ما أنتجه إلا فكر لبيب، ولا أظهره إلا أفق أديب، ولا أمدّ شعاعه إلا شهاب منير، ولا أهدى نوءه إلا سحاب درّه درّ، وبرقه مستطير، تضمّن من الألفاظ الأدبية واللطائف العربية ما تحدّى به على البلغاء، فلم يواخوه، وعظم به شأن عبد الحميد لما قيل إنه ابن يحيى فظنوا أنه أخوه، أقسم المملوك بأمانه جهد إيمانه أنه طرب لمواضع منه طربا كاد يستخفه، ويميل به لما كان كالمدام من تلك الزجاجة يستشفه، فهنئ منه مولانا بسيد كريم، وإمام علم من حاضره قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وقوله في ورقة كتبها إليه: " وحاشا لله أن يسوء سيده بفعله، أو يقابل حلمه بالإقدام على ما يغير عوائد فضله، معاذ الله، معاذ الله، ومن يجحد منن الغمام،
стр. 2502
وينكر صنائع الكرام؟. إنا لله لهذه الأعجوبة، ويا لله كيف جازت هذه الفرية المكذوبة! ".
ومنه قوله في مسامحة كتبها: " وبعد، فإن الله لما خصّ أيامنا الزاهرة بالفتوح التي أنامت الرعايا في مهاد أمنها، وأنالت البرايا مواقع يمنها ومنّها، وكفت أكف الحوادث عن البلاد وأهلها، ونشرت عليهم أجنحة البشائر في حزن الأرض وسهلها، رأينا أن يصفّي بالإعفاء من شوائب الأكدار شربهم، ونؤمن بالإعفاء من طلب البواقي التي هي على ظهورهم كالأوزار سربهم، وأن نشفع العدل فيهم كما أمر الله تعالى بالإحسان إليهم، ونضع عنهم موضع هذه الأثقال إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم، وأن نوفر على عمارة البلاد هممهم، ونبرئ من تبعات هذه الأموال اللازمة لهم ذممهم، ونريح من همّ ذلك أسرارهم، ونطلق من ربقة الطلب المستمر أسارهم، ونسامحهم بالأموال التي أهملوها وهي كالأعمال محسوبة عليهم، ونعفيهم من الطلب بالبواقي التي نسوها كالآجال وهي مقدمة بين يديهم، ورسم بكذا، فليتلقوا هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويستقبلوا هذه المنة بحمد الله تعالى، فإن حمد الله تعالى يستدعي المزيد، ويقبلوا على مصالحهم بقلوب أزال الأمن قلقها، وأذهبت هذه المسامحة المبرورة فرقها، ونفوس أمنت المؤاخذة من تلك التبعات بحسابها، ووثقت بالنجاة في تلك الأهوال من شدة طلب يأبى أن يفارق إلا بها، ولتعف آثار هذا الباقي، بحيث لا يترك لطباقها في أموالنا انتساب، ولا يبقى لها إلى يوم العرض عرض يورد ولا حساب".
ومنه قوله من توقيع خطيب: " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، الذي بعثه إلى الأسود والأحمر، وجعله خطيبا للأنبياء يوم المحشر، وأذعن كل شيء بنبوته حتى حنّ إليه الجذع اليابس حين عدل عنه إلى المنبر، وأقامه للمتقين
стр. 2503
إماما، ونشر له في الخافقين أعلاها، أعلاما، وأمره بالتبليغ، فقال: "أنا سيد ولد آدم (١) لا افتخارا بل تنبيها وإعلاما، صلّى الله عليه وعلى آله وبلّغه منا سلاما، أما بعد، فإن أولى ما صرف إليه وجه الاهتمام، وصرف في تقرير أمره وتحرير ذكره صريف الأقلام، أمر الإمامة في الصلوات، وإقامة الجمعة والجماعات، وكذلك الخطابة التي ما زال خطبها في الإسلام جليلا، والمترشح لها من الأنام قليلا، وهما رتبتان متناجيتان في الشرف، ومعتنقتان اعتناق اللام للألف، قد رفعا إلى ذروة من العلياء شامخة، ووضعا في محلّ لا ترقى إليه إلا قدم في الإقدام على المعالي راسخة، فإنّ أعواد المنابر فلك تتنزّل عن رتبته الأفلاك، وسماء يعرج فيها الملوك كما تعرج في السماء الأملاك، لأنّها المرمى البعيد، والمرام الصعب الشديد، والمقام الذي يجتمع له الناس بالذكرى من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإنّ المحراب باب منه إلى الله الوصول، ومقام بين يدي الله يفوق هوله كل مهول، فلا يدخله إلا من رفع دونه الحجاب، ولا يثبت فيه إلا من استغفر به وخرّ راكعا وأناب، ولذلك شفع مقامها الفرد بمن أصبح في الآفاق فردا، وتعين بهذه الصفات في جامعها جامعها فكتب له بها عهدا، ورسم أن يفوّض إلى فلان لأنه الواحد من علماء الآفاق، وأئمة الأمصار، والحبر الذي علا كعبه على كل حبر، فاستحقّ أن يكون كعب الأحبار، ولأنه الذي تفرّد بجميع شروط الإمامة، فهو الكامل، والإمام الذي إذا تقدّم لم يكن ذلك تقديما
стр. 2504
للمفضول مع وجود الفاضل، فمن أحقّ منه بالإمامة؟، أم من أولى منه بأن يقيم للدين هذه الدعامة؟. يأبى الله ذلك والمسلمون، ولا يتقدّم بأمر الله إلا السابقون الأولون. وكيف لا؟ والموعظة من مثله في القلوب أوقع، والذكرى منه في الأفئدة القاسية أنجع وأنفع، والدعاء منه أقرب للإجابة، والقلوب إلى قوله أحقّ بالإنابة، وهذا المنصب ما زال يتسوق إليه ويتشوق لمقدمه، حتى إن المنبر لو استطاع لمشى إليه، والمحراب لولا استقبال القبلة لكان يقف بين يديه، وهو أعلم بما لهذه المرتبة من الشرف، فإنّها رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وهو وارثهم، ودرجة لم يبلغها إلا نبيّ أو أمير أو عالم، وهو ثالثهم.
وأما شعره، فقليل مختاره، ومنه قوله:
سواكم بقلبي لا يحلّ ولا يحلو … كما أنه من حسنكم قطّ لا يخلو
حللتم عرى صبري وحلّلتم دمي … وحرّمتم وصلّى فلذّ لي القتل
أحبّة قلبي ليس قبلي متيّم … كمثلي، ولا في العالمين لكم مثل
فلا تحسبوا أنّي مللت هواكم … ولا أنّني يوما أملّ ولا أسلو
ومنه قوله:
وفي حلبة الخدّ من أدمعي … خيول تجول ولا تركب
فسبق الكميت بها بيّن … ولكن تقدّمه الأشهب (١).
стр. 2505
ومنهم:
٥١ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري (¬*)
الشافعي، أبو إسحاق، شيخ الإسلام، برهان الدين.
التزم بطريقة أبيه حتى كان إبراهيم الذي وفّى، ونزع به إليه الشبيه فما أغفى، وكان في زمنه أمة قانتا، وطودا لا يقلقل ثابتا، ثبت على هذا طول مدته، وكلّ عمره، حتى أكل الدهر رونق جدته، وكان للدين برهانا، وفي الزمان المسيء إحسانا، التفّت عليه بقايا حلقة أبيه، واحتفّت به، ولم يبق منهم أحد حتى من يربيه.
اشتغل بعد موت والده على قاضي القضاة أبي عبد الله الخويي، وكان ولي الشام، ونشق منه ما ملأ المشام، فارتضاه لمنّته، واصطفاه لابنته. وكان الخويي محبا لتقديم النجباء، وتكريم الألبّاء، وأذن لجماعة بالفتوى كان هو أوّلهم، وأولاهم بما خوّلهم، ثم كان يخطب لجلّة المناصب فيأباها، ويأنف منها، وما أتته إلا أشباها، حتى توفّي قاضي القضاة ابن صصرى، وتوقى المنصب إن يحمّل إصرا، ولم يكن سواه من يجمع عليه، ويطمع النظر دونه إليه، فجهد ملك الأمراء بالشام تنكز في توليته، وطلبه إليه وأخذ في ملاطفته وتفديته، وهو يصرّ على الامتناع، وتجلا عليه ولا يكشف عنها القناع، هذا بعد أن بعث إليه أكابر العلماء، ودخل عليه منهم بأماثل العظماء.
стр. 2506
وأتاه الخطيب القزويني، وابن الزملكاني برسائله، وجدّا في وسائله، وهو لا يلفت إليهم وجها، ولا يرى إلا عنهم غافلا يتلهّى، وقعد لها حتى تخطّته، ونزل عن صهوتها وقد أمطته.
تفقّه بأبيه، وابن الخويي، وأخذ النحو عن عمه شرف الدين، ودأب الليل والنهار في القراءة، والمطالعة، والاشتغال والإشغال، والتعليق والمراجعة، ومذاكرة من حضر، وطلب التحقيق لكل مسألة، والتحرير في حلّ كل مشكلة.
قلت: حكى لي من لا أشك فيه: أن ابن الزملكاني كان يعلق فتاوى الشيخ إذا أتته، وربّما تشكل عليه المسألة، فيضع لها سؤالا، ويدسّ به من يأتيه، فيأخذ خطّه عليه.
وكان ابن تيمية إذا ذكر الفقهاء قال: الفقيه ابن الفركاح.
وكان ابن المجد عبد الله يقول: ينبغي لمن حضر مع الشيخ برهان الدين أن يتأدّب.
وسمعته مرة يقول: ما يستحقّ أحد أن يتكلم مع الشيخ برهان الدين إذا تكلم في الفقه، ولكن يسمع.
وكان ﵀ كريم النفس، سخيّ الكفّ، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب آملا، على ضيق رزقه، وقلة ذات يده، مع الصبر والاحتمال، والقناعة والتصدي لأشغال الطلبة في المسجد الجامع، وفي المدرسة البادرائية (١)، وفي بيته، لا يرى له راحة إلا في التعب، فلا يزال معمور الأوقات بالذكر، والأشغال، والاشتغال، والمطالعة، والتصنيف، والتأليف، والفتوى، هذا إلى خلق حسن، وانبساط، ومجون لا يحظر مثله، مع ملازمة عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجاملة الناس
стр. 2507
في السّلام على القادمين، والتوديع للمسافرين، وتهنئة من تجدّدت له مسرة، والتغمّم لمن نابته نائبة، إلى غير هذا من مكارم الأخلاق، والمحاسن على الإطلاق، وأكثر من برع من الفقهاء بدمشق وبلاد الشام وقضاة البر تلاميذه، وعنه أخذوا.
وقال لي العلّامة فخر الدين المصري: لولا الشيخ برهان الدين لما تفقّه أحد، يعني في مذهب الشافعي - في زمانه.
قلت: والذي قاله هو الحق، لأنه لم يكن في مشايخ زمانه لا من أهل مذهبه، ولا من غيرهم من كان متصديا لأشغال الناس وإفادتهم غيره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصده صاد.
وله مصنفات أجلّها: " التعليقة الكبيرة "وهي على التنبيه في [فروع الشافعية] (١)، ومنها: " مصنف في المنطق "، وآخر سماه: " تفهيم المجاملة في علم المراسلة "، وبعث به إليّ لأقف عليه، فكتبت عليه مقرّظا له، وليس بطائل.
ومنهم:
٥٢ - محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني (¬*)
الحموي الأصل، الشافعي، قاضي القضاة، بدر الدين، أبو عبد الله.
стр. 2508
بقية المشايخ القدماء، وآخر الأكابر العلماء، وكفؤ القضاء، وأهل الإمضاء، وصدر العظماء، وبدر الدين في الأرض أخو بدر السماء، تهادته من بيت المقدس عقيلتا الإسلام، وخطبته دمشق ضرة إرم ذات العماد، ومصر شقيقة بغداد دار السّلام، وجمع له في كل منهما بين الخطابة والقضاء، فأحسن فيهما عن الخلفاء الخلف، وأبيح له منهما الجمع بين الأختين وكان لا يباح إلا ما سلف (١)، ووفق بينهما وكانت لا تتفق الضرائر، ولا يحصل الجمع بين الأختين على صفاء السرائر، وتخلت كواعب المناصب غير ما مرة من حبائله، فكانت لا تعرف هجوعا، ولا تقرّ حتى تراجعه ويبيت لها ضجيعا.
وجمعني وإياه الحج، فلما كنا بموقف الصخرات، ونحن به حيث تعقد النظرات، نزل عن بغلة كان عليها، وركب ناقة تنقّل إليها، فطلع بدره أتمّ من قمر تلك العشية، وأوقر من تلك الأطواد العلية، فقلت:
يومنا في عرفات … كنت من إحدى المنائح
إذ وقفنا حول حبر … فيه تحلو لي المدائح
وعلى الناقة منه … بدر تمّ منه لائح
قيل: من هذا؟ فقلنا: … صاحب الناقة، صالح
ثم أتيت الديار المصرية حين انتقالي إليها، فكنت أجتمع به، وآخذ عنه.
مولده: بحماة، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضي بن البرهان، والرشيد العطار، وإسماعيل بن عزّون وغيره (٢).
وبدمشق: من أبي اليسر، وابن عبد، وطائفة، وأجاز له عمر بن البراذعي،
стр. 2509
والرشيد بن مسلمة، وحدّث بالشاطبية، عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي، وحدّث بالكثير، وتفرّد في وقته (١).
وكان قويّ المشاركة في علوم الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، خطيبا يخطب من إنشائه، ذا تعبّد، وأوراد، وحجّ. [وله عدة تصانيف، درّس وأفتى، وأشغل، ونقل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن السلعوس فولّاه قضاء مصر، ورفع شأنه.
ثم أتى الشام قاضيا، وولي خطابة دمشق مضافة إلى القضاء، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد، وامتدت أيامه، ثم عزل بالزرعي (٢) عند عود السلطان من الكرك، ثاني مرة، ثم أعيد ودام حتى استعفى، وولي عوضه القزويني.
وله نظم كثير، ومنه قوله:
لما تمكّن من فؤادي حبّه … عاتبت قلبي في هواه ولمته
فرثى له طرفي وقال: أنا الذي … قد كنت في شرك الهوى أوقعته
عاينت حسنا باهرا فاقتادني … سرا إليه عند ما أبصرته
وقوله:
أحنّ إلى زيارة حيّ ليلى … وعهدي من زيارتها قريب
وكنت أظنّ قرب العهد يطفي … لهيب الشوق فازداد اللهيب
وقوله (٣):
يا لهف نفسي لو تدوم خطابتي … بالجامع الأقصى وجامع جلّق
стр. 2510
ما كان أهنأ عيشنا وألذّه … فيها، وذاك طراز عمري لو بقي] (١)
ومنهم:
٥٣ - محمد بن محمد بن عبد القادر بن الصايغ (¬*)
الشافعي، الإمام، الزاهد، بدر الدين، أبو اليسر.
غلب الجنيد في جمعه، وسبق إبراهيم بن أدهم بدمعه، وزاد على أبي يزيد في كشفه، وتأنّى والسري يسري من خلفه، ومعروف يستدل بعرفه، هذا مع علم جمّ، هو الذي أوجب له أن يزهد، وأراه ما وراء البصر ليشهد، وكان يدع في غالب أوقاته المدينة ويخرج إلى قراها شغفا بالخمول، والبعد، ليتقدّم أمام الحمول، ولما خلا منصب قضاء القضاة بدمشق عرض عليه، وترقّق له ليقبله ملك الأمراء تنكز، ولم يتطلّع إليه، وجاءه تقليد السلطان، فحين بلغه وصوله فرّ إلى بعض القرى، وتغيّب أياما لا يرى، وصمّم على رأيه في عدم القبول، وبقي التقليد حتى جفّ، وأسرع في ورقه الذبول، ثم إنه ولي خطابة بيت المقدس، وازداد به ضياء يومها المشمس، ثم إنه تركها، وأفلت منها، وقطع شبكها.
أخذ الفقه عن ابن الفركاح، ولازمه ملازمة ظلّه، وطاوعه مطاوعة نعله، وتشبّه بأفعاله، وتشبّث بأذياله، وسلك نحو طريقته المثلى، وكان غاية في الورع والتقشّف، والتقلّل من الدنيا، والفرار من الناس، وكان أبعد الناس من شبهة، لم يزاحم في مدة عمره على منصب، ولا نافس لسوامه في مجدب ولا مخصب.
وكانت بيني وبينه صداقة مؤكدة الإخاء، معدّة للشدة والرخاء.
стр. 2511
ولد: [سنة ست وسبعين وستمائة]، وتوفي: [سنة تسع وأربعين وسبعمائة] (١)، ودفن بتربة تعرف بهم، بسفح قاسيون.
ومنهم:
٥٤ - محمد بن علي بن إبراهيم (¬*)
القاضي، الإمام، الحجة، فخر الدين، أبو المعالي، المصري
الذي لا يسمح منه بالمثاقيل، ولا يهون ذهبه فيشبّه به ذائب الأصيل، ولا يقاس كل مصري يعم البلاد نفعه كما يقاس النيل، بل هو البحر المصري، لأنه ذو النون والقطب المصري، بل صاحبه الإمام فخر الدين، ومثله لا يكون ذو العلم المعروف الذي لا ينكر، واللفظ الحلو المصري السكر.
فاء على الإسلام ظلا مديدا، واستطرف للأيام فضلا جديدا، طالما ذخرت فضائله المسامع، وفخرت دمشق منه بالجامع، ولا حلق إخوته في السماء إلا ليرى مثله، ثم فروقه انقطعت به المطامع، فبرد دير داعينا باستقراره في دياره وطال ظل النيرين بأنه في فيه واستقرّ في جواره، وهوى أفقه من هو بالشام موجود، وأشبه عالم بأصحاب إمامه في الوجود، وأشبه سمي تسمّى بلغ به رتبة الكمال، وصعد هضبة العلياء وما تشكى الكلال.
مولده: [سنة إحدى وتسعين وستمائة] (٢).
стр. 2512
وتفقّه على ابن قاضي شهبة، وابن الفركاح، ثم صحب ابن الزملكاني، والخطيب القزويني، وقرأ عليهما، وانتفع بهما، وكان ابن الزملكاني أول آذن له في الإفتاء، وولي بعده تدريس العادلية الصغيرة، وكان ينوّه بذكره، وينبه على شكره، ويصف تقدّمه في العلم والفهم، ويصفه بإفراط الذكاء، وكان إذا أتته الفتوى بحضوره ألقاها إليه، وقال: ما تقول فيها؟. وكذلك كان يفعل بابن جملة إلا أنه كان يرجحه في الفهم على ابن جملة، ولما ولي القزويني القضاء بالشام استنابهما في الحكم برأي ابن الزملكاني.
ثم زهد فخر الدين في القضاء، وتركه، وعيّن للقضاء بطرابلس، فأبى واستقال. وقال: لا ألي القضاء أبدا.
ثم درّس بمدارس أخرى، منها: المدرسة الرواحية، حين طلب الشيخ شمس الدين الأصفهاني إلى حضرة السلطان بمصر، لاجتماع شروطها فيه دون غيره، وحجّ مرات، وجاور بمكة والمدينة.
وهو اليوم بدمشق لإشغال أبنائها، وقصد إفتائها، جلس مكان شيخه ابن الفركاح.
واجتمعت عليه الطلبة، وتصدى للإشغال والاشتغال، وتقرير المباحث، وإجابة السؤال، هذا إلى غنى ويسار، وبرّ وإيثار، وملازمة جماعات لا يقطعها، وجاري عادات لا يمنعها، محافظا على عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجالسة الفقراء، والتغليس إلى المساجد، مع رياضة أخلاق، ولين جانب، وتفرّد في أهل بلده بسيادة أهل المذهب.
وقد حكى لي من أثق به أنه كان القيّم [ ...... ] (١) في مدة عقلته، وطول عطلته، وقد رزق من الولد من أنجب، وأعجز ابتداؤه وأعجب.
стр. 2513
ومنهم:
٥٥ - الإيجي (١)، عبد الرحمن بن عبد الغفار، التيمي البكري (¬*)
عضد الدين، قاضي قضاة الشرق.
حيّ موجود، ومحيي للجود، عطاياه جسام، وسجاياه وسام، وجداه نائل، ونداه طائل، تحلّى به حزب الله الغالب، وتخلّى كرمه للطالب.
قال الذهلي: هو ذو إنصاف، وعدل، وسياسة، شافعي [في] (٢) الفروع، أشعري في الأصول، ينصر مذهبه، ويحطّ على المعتزلة والفلاسفة، حسن الصورة والخط، والعبارة والإنشاء، قادر على البحث، إمام في المنطق.
شرح: "مختصر ابن الحاجب" في الأصول، في مدة شهر. وله عدة كتب مصنفة، ومؤلّفة، وأجاب الأرموي (٣) عن اعتراضاته على الإمام الرازي.
أخذ عن قطب الدين القالي، وجمال الدين الدمشقي، وغيرهم.
وأخذ عنه أكثر فضلاء الشرق، منهم: أوحد المحققين قطب الدين الرازي،
стр. 2514
وروى عن الدوني (١) عن الصغاني.
قال الذهلي: "يقال: إنه أعرف بالكلام من الإمام فخر الدين الرازي، وإنما هو متشرّع (٢) لا يعرف إلا بهذا".
وقال: "إن بلده الأيك (٣) كلّه أو جلّه ملكه، وإنه كريم خرق اليدين، يقوم بثلثمائة طالب، أو نحوهم من ماله (٤).
وأما الشافعية بالجانب الغربي: فلم يوجد أحد منهم إلا بمصر، وهم بها عدد جمّ في كل زمان، ولهم بها أقدار علية، وتعظيم جانب، وبمذهبهم يتمذهب جمهور أهل البلد لمثوى الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - فيهم، وحسن رأيهم فيه.
стр. 2515
فمنهم:
٥٦ - صاحبه أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي (١) (¬*)
صاحب الشافعي ﵁.
أحد من طار به خبره، ولمس فأبت أن تلين زبره، قبض على دينه والجمر ملتهب، والسيف للأرواح منتهب، والمحنة قد شملت ظلماؤها، والفتنة قد ترامى شررها وأربد (٢) ماؤها، والبلية قد عمّت، والليلة الليلاء قد جمعت النوّام
وضمّت، فما زحزحت هذه القواصف مستقر دينه، ولا غيرت مستمر يقينه، حتى مات وهو في أسار الحديد، وخلّي في القبر وقد أزلف إلى الجنة منزله الجديد.
стр. 2516
اختصّ به الشافعي في حياته، وقام مقامه في الدروس والفتوى بعد وفاته.
سمع الحديث، وحمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة، وأريد على القول بخلق القرآن الكريم، فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس (١) ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات (٢).
وكان صالحا، متنسكا، عابدا، زاهدا.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق ب" كن "، فإذا كانت" كن "مخلوقة، فكأنّ مخلوقا خلق مخلوقا، فو الله لأموتنّ في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنّه، يعني الواثق (٣).
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان ابن أبي الليث قاضي مصر يحسد البويطي ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فمين أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد، وحبس، فلم يجب إلى ما دعي إليه في القرآن، وقال: " هو كلام الله غير مخلوق ". وحبس، ومات في السجن (٤).
وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي (٥): كان البويطي إذا سمع المؤذن وهو في
стр. 2517
السجن يوم الجمعة اغتسل، ولبس ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟. فيقول: أجيب داعي الله. فيقول: ارجع عافاك الله.
فيقول البويطي: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك، فمنعوني.
وقال ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري، فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلّي (١).
وقال الربيع: كان أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى، ما رأيت أحدا أنزع لحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي (٢).
وقال الربيع أيضا: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي، كان الرجل ربّما يسأله عن المسألة، فيقول له: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال.
وقال أيضا: ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي، فيوجّه أبا يعقوب البويطي، ويقول: هذا لساني (٣).
وقال الخطيب في" تاريخ بغداد " (٤): لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه، جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحقّ به منك. وقال ابن عبد الحكم: أنا أحقّ بمجلسه منك. فجاء أبو بكر الحميدي وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحقّ بمجلسي من يوسف بن يحيى، يعني البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت!. فقال الحميدي: كذبت أنت،
стр. 2518
وكذب أبوك، وكذبت أمك.
وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي، ومجلسه، وجلس البويطي فيه في الطاق الذي كان فيه يجلس الشافعي.
وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: رأيت أي في المنام، فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي، فليس في الكتب أقلّ خطأ منه (١).
وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي، أنا والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث.
وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه، أو جدله.
وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد!.
قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيّدا إلى أنصاف ساقيه، مغلولة يداه إلى عنقه!.
وقال الربيع أيضا (٢): كتب إليّ أبو يعقوب من السجن: إنه ليأتي عليّ أوقات لا أحسّ بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء - خاصة - خيرا، فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم … ولن تكرم النفس التي لا تهينها
توفي: يوم الجمعة في رجب، سنة إحدى وثلاثين ومائتين، في القيد والسجن، ببغداد.
وقيل: سنة اثنتين. وقيل: يوم الثلاثاء (٣).
стр. 2519
ومنهم:
٥٧ - حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي (١) (¬*)
أبو حفص، المصري.
أحد الحفّاظ المشاهير من أصحاب الشافعي، وكبار رواة مذهبه الجديد،
стр. 2520
ومذهبه الذي زها به كل عطف وجيد، أحيا العلم بعد [توضّح] (١) نباته، وتصريح أسناته (٢)، فأزاح رونقه، وأزال رنقه (٣) بفضائل سامية الأعلام، هاميّة الغمام، وعمّر والسيادة له مستمرة، والزيادة مستدرة، والسعادة لا تخلق له ثيابها، ولا تطلق لغير سهام حظه عيابها (٤)، ولم يزل على هذا وبوارق سحبه منجّرة، وصواعق رهبه معجرة (٥)، حتى حمي مطالع مذهبه، وحفظها من العدو، وحفضها (٦) بالهدو، فأضحت لا تجاذب أطرافها، ولا تجانب أشرافها، ولا يصوح (٧) لها نبات، ولا يزحزح ثبات، بقيام أدلة تضمن انكشاف الأضواء، وانكفاف الضوضاء.
قال ابن معين: كان أعلم الناس بحديث ابن وهب، ونظر إليه أشهب، فقال:
خير أهل المسجد (٨).
وكان حديث ابن وهب قريبا من مائة ألف حديث، كانت عند حرملة إلا حديثين.
قال الشيخ أبو إسحاق (٩): كان حافظا للحديث، وصنّف" المبسوط "، و" المختصر".
وولد: سنة ست وستين ومائة. ومات: سنة ثلاث وأربعين ومائتين (١٠).
стр. 2521
ومنهم:
٥٨ - إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني، أبو إبراهيم (¬*)
لم يقم مذهب صاحبه الإمام الشافعي إلا بوزنه، ولم يدم سحّ سحاب إلا من مزنه، ولا شيم برق إلا ونوؤه المزني قادح ناره، ومائح مائه (١) من دافق أنهاره، ومفتل خيوط الأنواء من أدنى ما وهب، ومكتنف سجوف اللأواء منه بالذهب، وهو ذو المختصر الذي ما أتى بمثله مطيل، ولا أوتي نظير فضله إلا من ادّعى الأباطيل. وكان البحر فيض ندى، والغمام ومض شعاع يطير بأجنحة الضرم مصعدا، نور دجى بعبادة محت حندسه (٢)، وحمى الوادي بما أسسه، وسكن مصر فأضحت به مقدّسة لتقوى، عمرت باطنه، وعمّت مواطنه، وعدت عليها
стр. 2522
البحار، ولم تزل في مكانها قاطنة حتى واراه الضريح، وناب القبر عن الصدر، والرثاء عن المديح.
كان زاهدا، عالما، مجتهدا، محجاجا، غوّاصا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه.
صنّف كتبا كثيرة. وقال الشافعي في حقه: " ناصر (١) مذهبي".
وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصرة، قام إلى المحراب، وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى (٢).
وقال ابن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتّبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقّع الاجتماع بالمزني مدة، ولم يتفق، فاجتمعا يوما في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئا حتى أسمع كلامه.
فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم التحريم على التحليل؟.
فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أنّ النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلّل. ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه، وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس، فقيل له في ذلك؟. فقال: بلغني أنهم يستعملون
стр. 2523
السرجين (١) في الكيزان، والنار لا تطهرهما (٢).
وقيل: إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلّى منفردا خمسا وعشرين صلاة استدراكا لفضيلة الجماعة، مستندا في ذلك إلى قوله ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة" (٣).
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن من أصحاب الشافعي يحدّث عن نفسه في شيء من الأشياء في التقدم عليه، وهو الذي تولّى غسل الشافعي. وقيل: كان معه أيضا الربيع (٤).
توفّي لستّ بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، بمصر، ودفن بالقرب من تربة الشافعي (٥). وذكر ابن زولاق: أنه عاش تسعا وثمانين سنة، وصلّى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.
стр. 2524
ومنهم:
٥٩ - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي بالولاء، المؤذن، المصري (¬*)
أبو محمد. صاحب الإمام الشافعي، وهو الذي روى أكثر كتبه، وآوى إلى أكثر كثبه، ونشر بعلمه حلل الربيع، وظهر بفهمه خفي البديع، وكان من إمامه الشافعي قريبا، ومن غمامه لا يرد إلا قليبا، علا به كعبه نهاية الدرج، وغاية ما يبلغه الأرج، طالما رقعت سوائم الأفهام في وهاد ربيعه، وجرت حلابيب (١) الأعلام في ربوعه، واخضرّ نبات ربيعه المعشب، واخضلّ بناء ضيعه المعجب،
стр. 2525
وتقضّت فصول السنة وزهر ربيعه ينفح، ونجوم نرجسه عليها نهر المجرة يطفح، ومضى ونسيمه نسيم الربيع ما صحّ اعتلاله، وليله ونهاره ما طال ولا قصر اعتداله، ومطره الربعي ما زاد على أن لثم ثغور أقاحه (١)، وزاد في التصنيف حلب لقاحه، وفضضت بكر أيامه وسماؤه قد صفحت بالحديد، وطرر لياليه قد سرحت لتجلي الزمان في ثوب ربيعه الجديد.
قال الشافعي في حقه: "الربيع راويتي" (٢).
وقال الشافعي أيضا: "ما خدمني أحد ما خدمني الربيع" (٣).
وكان يقول: "لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك" (٤).
وقال الربيع: دخلت على الشافعي - عند وفاته، وعنده البويطي، والمزني، وابن عبد الحكم، فنظر إلينا، ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب - يعني البويطي -، فتموت في حديدك. وأما أنت يا مزني: فستكون لك في مصر هنات، ولتدركنّ زمانا تكون فيه أقيس أهل زمانك. وأما أنت يا أبا محمد - يعني ابن عبد الحكم -: فسترجع إلى مذهب مالك. وأما أنت يا ربيع: فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلّم الحلقة.
قال الربيع: فلما مات الشافعي، صار كل واحد منهم إلى ما قال، حتّى كأنه نظر إلى الغيب من ستر رقيق (٥).
والربيع آخر من روى عن الشافعي، بمصر.