ومنهم:
٥٨ - إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني، أبو إبراهيم (¬*)
لم يقم مذهب صاحبه الإمام الشافعي إلا بوزنه، ولم يدم سحّ سحاب إلا من مزنه، ولا شيم برق إلا ونوؤه المزني قادح ناره، ومائح مائه (١) من دافق أنهاره، ومفتل خيوط الأنواء من أدنى ما وهب، ومكتنف سجوف اللأواء منه بالذهب، وهو ذو المختصر الذي ما أتى بمثله مطيل، ولا أوتي نظير فضله إلا من ادّعى الأباطيل. وكان البحر فيض ندى، والغمام ومض شعاع يطير بأجنحة الضرم مصعدا، نور دجى بعبادة محت حندسه (٢)، وحمى الوادي بما أسسه، وسكن مصر فأضحت به مقدّسة لتقوى، عمرت باطنه، وعمّت مواطنه، وعدت عليها
стр. 2522
البحار، ولم تزل في مكانها قاطنة حتى واراه الضريح، وناب القبر عن الصدر، والرثاء عن المديح.
كان زاهدا، عالما، مجتهدا، محجاجا، غوّاصا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه.
صنّف كتبا كثيرة. وقال الشافعي في حقه: " ناصر (١) مذهبي".
وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصرة، قام إلى المحراب، وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى (٢).
وقال ابن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتّبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقّع الاجتماع بالمزني مدة، ولم يتفق، فاجتمعا يوما في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئا حتى أسمع كلامه.
فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم التحريم على التحليل؟.
فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أنّ النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلّل. ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه، وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس، فقيل له في ذلك؟. فقال: بلغني أنهم يستعملون
стр. 2523
السرجين (١) في الكيزان، والنار لا تطهرهما (٢).
وقيل: إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلّى منفردا خمسا وعشرين صلاة استدراكا لفضيلة الجماعة، مستندا في ذلك إلى قوله ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة" (٣).
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن من أصحاب الشافعي يحدّث عن نفسه في شيء من الأشياء في التقدم عليه، وهو الذي تولّى غسل الشافعي. وقيل: كان معه أيضا الربيع (٤).
توفّي لستّ بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، بمصر، ودفن بالقرب من تربة الشافعي (٥). وذكر ابن زولاق: أنه عاش تسعا وثمانين سنة، وصلّى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.
стр. 2524
ومنهم:
٥٩ - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي بالولاء، المؤذن، المصري (¬*)
أبو محمد. صاحب الإمام الشافعي، وهو الذي روى أكثر كتبه، وآوى إلى أكثر كثبه، ونشر بعلمه حلل الربيع، وظهر بفهمه خفي البديع، وكان من إمامه الشافعي قريبا، ومن غمامه لا يرد إلا قليبا، علا به كعبه نهاية الدرج، وغاية ما يبلغه الأرج، طالما رقعت سوائم الأفهام في وهاد ربيعه، وجرت حلابيب (١) الأعلام في ربوعه، واخضرّ نبات ربيعه المعشب، واخضلّ بناء ضيعه المعجب،
стр. 2525
وتقضّت فصول السنة وزهر ربيعه ينفح، ونجوم نرجسه عليها نهر المجرة يطفح، ومضى ونسيمه نسيم الربيع ما صحّ اعتلاله، وليله ونهاره ما طال ولا قصر اعتداله، ومطره الربعي ما زاد على أن لثم ثغور أقاحه (١)، وزاد في التصنيف حلب لقاحه، وفضضت بكر أيامه وسماؤه قد صفحت بالحديد، وطرر لياليه قد سرحت لتجلي الزمان في ثوب ربيعه الجديد.
قال الشافعي في حقه: "الربيع راويتي" (٢).
وقال الشافعي أيضا: "ما خدمني أحد ما خدمني الربيع" (٣).
وكان يقول: "لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك" (٤).
وقال الربيع: دخلت على الشافعي - عند وفاته، وعنده البويطي، والمزني، وابن عبد الحكم، فنظر إلينا، ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب - يعني البويطي -، فتموت في حديدك. وأما أنت يا مزني: فستكون لك في مصر هنات، ولتدركنّ زمانا تكون فيه أقيس أهل زمانك. وأما أنت يا أبا محمد - يعني ابن عبد الحكم -: فسترجع إلى مذهب مالك. وأما أنت يا ربيع: فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلّم الحلقة.
قال الربيع: فلما مات الشافعي، صار كل واحد منهم إلى ما قال، حتّى كأنه نظر إلى الغيب من ستر رقيق (٥).
والربيع آخر من روى عن الشافعي، بمصر.
стр. 2526
ومن شعره (١):
صبرا جميلا ما أسرع الفرجا … من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى … ومن رجا الله كان حيث رجا
وتوفي الربيع يوم الاثنين لعشر بقين من شوال، سنة سبعين ومائتين بمصر، ودفن بالقرافة (٢).
ومنهم:
٦٠ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين ابن ليث بن رافع المصري الفقيه (¬*)
عنبر مجد يتضوع (٣)، وجوهر حدّ يتنوع، وبحر لا يجيء النيل من أياديه
стр. 2527
بإصبع، وسابق أرخى عنانه لما علم بأنه لا يتبع، وكان قويّ الجنان، قويم السنان، قؤول اللسان، صؤول اليد بالإحسان، حمل إلى بغداد، والسيف يقطر دما، والرمح يقرع سنه ندما، والوجود يود لو عدّ عدما، وطلب في المحنة التي أظلت والمدة التي ظلت، والمصيبة التي افترست الأديان، وأخرست الألسنة إلى يوم العرض على الديان، فقال ولم يبل، وبالغ لله أبوه ولأمّ غيره الهبل (١).
سمع من ابن وهب، وأشهب من أصحاب مالك، فلما قدم الشافعي مصر صحبه، وتفقّه عليه، وحمل في المحنة (٢) إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبو دؤاد، فلم يجب إلى ما طلب منه (٣)، فردّ إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بها (٤).
قال المزني: كنّا نأتي الشّافعيّ نسمع منه، فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه (٥) ويطيل المكث، وربّما تغدّى معه، ثم ينزل فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته قرّب إلى محمد دابّته فركبها، وأتبعه الشافعي بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدا مثله، وعليّ ألف دينار دينا لا أجد لها قضاء (٦).
وقال ابن عبد الحكم: كنت أتردّد [إلى الشافعي] (٧)، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا له: يا أبا محمد، إنّ محمدا ينقطع إلى هذا الرجل، ويتردّد إليه، فيرى الناس أن هذا رغب (٨) عن مذهب
стр. 2528
أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم، ويقول: هو حدث، ويحبّ النظر في اختلاف أقوال الناس ومعرفة ذلك، ويقول لي في السر: يا بنيّ، الزم هذا الرجل فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة، فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك: من أشهب؟. قال: فلزمت الشافعي، وما زال كلام أبي في قلبي حين خرجت إلى العراق، فكلّمني القاضي بحضرة جلسائه، فقلت فيها: قال أشهب عن (١) مالك: [فقال] ومن أشهب؟. وأقبل على جلسائه، فقال لبعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبلق (٢)!.
وذكره القضاعي في كتاب "خطط مصر" فقال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى جبّ سقايته بالمعافر، لما توقف الناس عن شرب مائها، والوضوء به، فشرب منها، وتوضأ، فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته، ووجه إليه بصلة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح (٣).
قال ابن خلّكان: توفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثمان وستين ومائتين (٤)، ودفن - فيما ذكر - عند أبيه وأخيه، مع الشافعي.
ومولده: سنة اثنتين وثمانين ومائة. وقيل: سنة سبع وستين.
стр. 2529
ومنهم:
٦١ - ابن الرفعة: [أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن صارم (١)] (¬*)
بحر يعجّ، ومعين يفج. كان في المذهب من أوضح الأعلام، وأوضاء البدور في الظلام، لو جاء فيما تقدّم لأخليت له الرحاب، وخلفت خلفه الأصحاب، وشفي به صدر الشافعي، ورفع قدر الرافعي ولم يماثل أخا العلم منه ابن الصلاح، ولا قابله ابن عبد السّلام إلا وقد ألقى السلاح، ولم تعد أسد الشرى (٢) شرواه (٣)، ولا سحب الحياء إلا وراه (٤).
سألت عنه قاضي القضاة السبكي - أمتع الله ببقائه -، فقال: ما جاء بعد الرافعي مثله!.
قلت: وأهل مصر على كلمة إجماع في تفضيله، وأهل الشام بعدهم على ذلك، وشرح "التنبيه" شرحا ما ترك فيه بعده، ولا ترك من أهل الفقه إلا من لم يتجاوز حدّه.
стр. 2530
ومنهم:
٦٢ - الزنكلوني: [أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز، مجد الدين (١)] (¬*)
فقيه نبله المتصوب لم يطش، ومثله إلى الزمن المتأخر لم يعش، رسا مجدا، وعلا نجدا، واتّسع ذيل تصنيفه، وطبع العلم على حكم تصريفه، وكان وقورا ترى الطود لديه محفورا، وتخال السحاب بما حمل منه موقورا، انتفع به عامّة الجيل الباقي من الفقهاء، وارتفع به شأنهم رفع الازدهاء، ومن نكد الدهر وولعه بالحط من ذوي القدر أنه كانت له خطابة قرية من قرى مصر لا يكاد يزيد عدد رجالها على من تقوم بهم الخطبة (٢)، وزوحم فيها، ونوزع عليها، وليت من نازعه كان يحفظ غير فاتحة الكتاب سورة متلوّة، أو يحسن يسبغ كما أمر وضوءه، وإنما كان رجلا من أهل الريف أصوب ما قرأه بالتحريف، وحرصت أنا وشيخنا قاضي القضاة القزويني الخطيب ﵀ على تحقيق أولويته، وسداد قضيته، وتقديمه على ذلك الفدم (٣) الجاهل، وإظهار الفرق ما بين القدم والفرق (٤)، فأبى له الحظّ السيّ ء إلا الحرمان، وليس هذا موضع القول، ويكفي هذا القدر في التلويح (٥).
стр. 2531
ومنهم:
٦٣ - ابن عدلان: محمد بن [أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان بن محمود بن لاحق بن داود] (١) الكناني (¬*)
الشافعي، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله.
إمام نشر في التدريس مذهب إمامه ابن إدريس، وأتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تطقه قدرة مصنّف ولا قائل، حتى أضحت الوجوه ضاحكة مسفرة، والطرق سالكة مستقره، واستدلّ للقولين معا، وبلغ قصيّ كلّ فضيلة، فلا غرو أن دعي مجمعا، وسدّد منه سهم من كنانة، وثقف سمهريّ (٢) لا يردّ سنانه، وبقي فقيه السلف، وقدوة الخلف، وناب في القضاء حيث المتولي لا تداني النجوم رتبته المنيفة، وحيث النائب عنه في الحكم العزيز خليفة، هذا وكم من مواقف جاهد فيها أكبر الجهاد، وزاحم فيها مرتبة الاجتهاد، وأقدم والسيوف على رأسه تتلمظ (٣)، ونيران الغضب حوله تتشوظ (٤)، ولم يخط جرح فمه، وقد كان ينزف دما، ويأتي منه على آخر الذما (٥)، إلا أن الله سلّم، وخلص من دمه من
стр. 2532
كاد له يتذمّم، وهو الآن على قضاء العساكر تعز به جنودها، ويعقد بسببه بنودها، وهو مقبل على التصنيف لا يريح منه خاطره، ولا يربح أنواءه الماطرة (١).
وهذا آخر من نذكره من الفقهاء الشافعية، ونتلوهم برابع الأئمة الأربعة وهو: [إمام الحنابلة، وأول طبقتهم]:
стр. 2533
الحنبلية
١ - الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني (¬*)
الإمام، أبو عبد الله، المروزي، ثم البغدادي.
أحد أئمة الإسلام، والهداة الأعلام، وأحد الأربعة الذين تدور عليهم أقضية
стр. 2534
الحكام، وفتاوى الفقهاء في الحلال والحرام، والتابعين بإحسان لطرق السلف الكرام. وهو العلم إلا أنه في صدره النور، والنجم الذي يهدي ولا يغرّ، ويسري ولا يغور، وحافظ الملّة من تحريف الغالين، وتحريف القالين.
قام بالحق حتى كان أمة وحده، وقال بالصدق ولم يخش السيف ولا حدّه، وصبر على بلاء المحنة (١)، وصابر من الأعداء الإحنة (٢)، وأقام في إخماد ضرم تلك الفتنة حين أضرمت الهيجاء (٣)، وأظلمت الأرجاء، حتى انكشفت تلك الضلة، وانصرفت تلك الفرق المضلّة، ووجهه يتهلّل، وشبهه القمر لمن يتأمل، حتى منع حمى القرآن ممن قال فيه تلك المقالات، ودعا فيه إلى تلك الضلالات، ولم يرعه مضاء السيف المصلت، ولا ضيق السجن الذي منه لا يفلت، وصابر السياط التي صبّت عليه عذابها، والقيود التي جمد عليه مذابها، حتّى جلّى الله تلك المحن، وقد وقى مهجته، ورفع بحط عدوّه درجته، وأعدّ له ما أعدّه، وأقامه قيام سيد تيم (٤) في قتال أهل الردّة، وكان لا تخور له قوى عزيمة، ولا تمرّ به الأبطال إلا كلمى (٥) هزيمة (٦).
стр. 2535
وكان غماما في المحل (١)، إذا ما طرا ماطرا، وهماما في الخطب إذا عرا ذاعرا (٢).
ما عدل عن كتاب ولا سنّة، ولا سلك مذهبه إلا طريقا إلى الجنة.
خرجت أمّه من مرو وهي حامل به، فولدته في بغداد، في ربيع الأول، سنة أربع وستين ومائة، وقيل: بل ولد بمرو، وحمل إلى بغداد وهو رضيع (٣).
وطاف البلاد في سماع الحديث والعلم، فدخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة (٤).
وروى عن الجمّ الغفير، والعدد الكبير من أهل العلم، ومشايخ الحديث، وأخذ الفقه عن جماعة من أجلّهم الإمام أبو عبد الله الشافعي (٥).
وقد روي: أن الإمام أحمد صحب الشافعيّ مدّة مقامه ببغداد، في الرحلة الثانية، وأنه سلك مسلكه، ونهج منهجه، وقال: كل مسألة ليس عندي فيها دليل فأنا أقول فيها بقول الشافعي.
وكان إمام المحدّثين، صنّف كتابه "المسند" وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وهو من أجلّ كتب الإسلام، وصنّف كتاب "الزهد".
ويقال: إنه جمع تفسيرا جمع فيه مائة ألف حديث وعشرين ألفا.
وقال في حقّه الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلّفت بها أتقى، ولا أفقه من ابن حنبل (٦).
стр. 2536
ودعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضرب وحبس، وهو مصرّ على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة عشرين ومائتين (١).
وكان حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحنّاء خضابا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود.
قال الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفا إلا وأحمد حاضر، ولا ذهبت إلى الشافعي مجلسا إلا وجدت أحمد فيه (٢).
وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟.
وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين، فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟.
فقال: يا أبا زكريا، ولو مشيت إلى جنبها الآخر لكان أنفع لك (٣).
وقال يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل حبر من أحبار هذه الأمة.
وقال الميموني: قال لي عليّ بن المديني لما ضرب أحمد بن حنبل وحبس: يا ميموني!، ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل (٤).
قال المروزي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فقال: قد ضربت برّها وبحرها، أو قال: قصدت إليك، ولولا أني قيل لي في منامي أن آتيك فأخبرك لما جئت!. فقيل لي: قل له: إنّ الله قد باهى بضربك الملائكة (٥).
стр. 2537
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لست أعلم في الإسلام مثل أحمد.
وقال أبو جعفر التفيلي: أحمد بن حنبل من أعلام الدين.
وقال مهنّا بن يحيى الشامي: ما رأيت أحدا أجمع لكلّ خير من أحمد بن حنبل وما رأيت مثله في علمه، وفقهه، وزهده، وورعه.
وسئل أبو ثور عن مسألة؟ فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا (١).
وقال حجّاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود راس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل (٢).
وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟. فقال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب (٣).
وروى عنه جماعة من الأماثل منهم: البخاري، ومسلم، والشافعي، ويزيد بن هارون، - وهما من شيوخه - وإسحاق بن منصور الكوسج، وبقي بن مخلد الأندلسي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيّان، وحرب الكرماني، وابناه: صالح وعبد الله.
وذكر مناقبه يطول شرحها، وللناس في ذلك مصنفات مفردة، أحسنها وأبسطها ما جمعه أبو الفرج بن الجوزي.
وتوفي أحمد بن حنبل ضحوة نهار الجمعة، لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر المذكور.
стр. 2538
وقيل: من ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، ببغداد، عن سبع وسبعين سنة على المشهور.
ودفن بمقبرة باب حرب، وقبره مشهور هناك يزار.
وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا: ثمانمائة ألف، ومن النساء: ستين ألفا، وقيل: ألف ألف (١).
وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفا من النصارى، واليهود، والمجوس (٢).
قال صالح بن أحمد: حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده، وبيدي الخرقة لأشدّ بها لحيته، فجعل يعرق، ثم يفيق، ويفتح عينيه، ويقول بيده: هكذا - إلا بعد، إلا بعد! - ثلاث مرات. فقلت له: يا أبه، أيش هذا الذي لهجت به في هذا الوقت؟. قال لي: ما تدري؟. قلت: لا. قال: إبليس - لعنه الله - قائم بحذائي عاضّا على أنامله، يقول لي: يا أحمد فتّني!!. فأقول: لا، حتى أموت.
حدّث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام، كأنه خارج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟.
قال: غفر لي وأكرمني.
فقلت: ما هذا الذي في كمك؟.
قال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل، فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطت.
قلت: فما فعل الله بيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل؟.
قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد.
قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟.
قال: قد عرف هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه [الكريم] (٣).
стр. 2539
ومنهم:
٢ - إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب الكوسج، المروزي (¬*)
الرافل في أحسن فخار وزي، استمد منه أهل الصحيح، واستعد للسحاب فلم يقدح زناده الشحيح، حتى حصّل ما حصّل، وحاز ما لو شاب خضاب الليل لما تنصّل.
وكان جدّ ثقة، ومؤدي أمانة أعطى عليها موثقة.
ولد بمرو، ورحل إلى العراق، والحجاز، والشام، وسمع جماعة. وورد بغداد، وحدّث بها، وروى عنه الشيخان صاحبا الصحيحين، وجماعة من الأئمة، وكان علاما فقيها.
وهو الذي دوّن الفقه عن الإمام أحمد، ولمّا بلغه أن أحمد رجع عن المسائل التي كان علقها عنه، جمع إسحاق تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره،
стр. 2540
وخرج راجلا إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقرّ له بها ثانيا، وأعجب بذلك أحمد من شأنه (١).
وسئل مسلم عن إسحاق؟. فقال: ثقة، مأمون (٢).
توفي يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة، لعشر بقين من جمادى الأولى، سنة إحدى [وخمسين] (٣) ومائتين، بنيسابور.
ودفن إلى جنب إسحاق بن راهويه.
ومنهم:
٣ - أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي، أبو بكر الأثرم (¬*)
صاحب الإمام أحمد.
زند ذكاء ما فيه قادح، ونهار لألاء (٤) لا يحتاج إلى مادح، أثرى من الفضائل ثم ما افتقر، وأثر من الفواضل ما لو قيس به الذهب لكان يحتقر، جذب بضبعه (٥)
стр. 2541
العلم فارتفع، وعمّ بنفعه الخلق وانتفع، ولم ير ألين من فننه (١)، ولا أجرى من ماء التعليم في غصنه، حتى صار من أعلام الحفّاظ، ومن أعلى من عرف منه حسن الحفاظ.
قال أبو بكر الخلال: كان جليل القدر، حافظا.
لما قدم عاصم بن علي بغداد طلب من يخرج له فوائد، فلم يجد مثل أبي بكر، فلم يقع منه بموقع، لحداثة سنّه، فأخذ يقول: هذا خطأ، وهذا وهم، فسرّ به عاصم (٢).
وكان للأثرم تيقّظ عجيب، حتى قال يحيى بن معين وغيره: كأن أحد أبويه جنّيا!.
وقال إبراهيم الأصفهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن.
وقال الحسن بن علي بن عمر: قدم شيخان من خراسان للحجّ، فحدّثا، فقعد هذا ناحية معه خلق ومستملي، وقعد الآخر ناحية كذلك، فقعد الأثرم بينهما، فكتب ما أمليا معا! (٣).
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: أظنّه مات بعد الستين ومائتين (٤).
стр. 2542
ومنهم:
٤ - صالح ابن الإمام أحمد (¬*)
أبو الفضل، قاضي أصبهان.
أكبر إخوته، ومجيب كلمة أبيه وملبي دعوته.
كان زاهدا، ما فيه ما يقال، وعابدا أمن أن لا يقال، بلي بثقل الجناح والقضاء، وإن كان لا يخاف الجناح، وتوفي بدار اغتراب، وبلد نازح، على أن أصل ابن آدم من تراب.
سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع، يسأل لهم عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جيدة.
وكان أبوه يحبه ويكرمه ويدعو له، وكان معيلا، بلي بالعيال على حداثته، وكان سخيا، يطول ذكر سخائه. افتصد يوما؛ فدعا إخوانه، وأنفق في ذلك عشرين دينارا في طيب وغيره (١).
وروي عن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي: أنا أدعوك، وأبعث خلفك إذا جاءنا رجل متقشّف لتنظر إليه، رجاء أن يرسخ في قلبك إذا نظرت إلى مثله.
فلما صار صالح إلى أصبهان، بدأ بمسجد الجامع، فدخله وصلّى ركعتين، واجتمع الناس والشيوخ، وجلس، وقرئ عليه عهد الخليفة الذي كتب له، جعل يبكي بكاء كثيرا، فبكى الشيوخ الذين قربوا منه، فلما فرغ من قراءة العهد،
стр. 2543
جعل المشايخ يدعون له، [ويقولون] (١): ما في بلدنا أحد إلا وهو يحب أبا عبد الله ويميل إليك.
فقال لهم: أتدرون ما الذي أبكاني؟.
ذكرت أبي ﵀ أن يراني في مثل هذا الحال.
قال: وكان عليه السواد، قال: كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد، أو رجل متقشّف، لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم، أو يراني مثلهم، ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني، وكثرة عيال، أحمد الله.
وكان صالح إذا انصرف من مجلس الحكم يترك سواده، ويقول: تراني أن أموت وأنا على هذا؟ (٢).
وولي صالح بطرسوس، قبل ولاية القضاء بأصبهان.
ومات بأصبهان، في رمضان سنة ستّ وستين ومائتين (٣). وقيل: سنة خمس (٤).
ومولده: سنة ثلاث ومائتين.
стр. 2544
ومنهم:
٥ - حنبل بن إسحاق بن حنبل (¬*)
أبو علي الشيباني.
ابن عمّ الإمام أحمد.
فقيه لولاه للفضل لما نفق، ولولا بقياه لما تخلف الصباح بالشّفق، ممن يقر البحر بعلمه، وإن كان ما له قرار، والبدر لفهمه لو لم يدركه السرار، من كافور تلك الجبلة، ونور تلك الأسرة المستهلة.
عرف بعلمه، وعزّ قدره بابن عمّه.
قال الخلّال: جاء عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب، وإذا نظرت في مسائله شبّهتها في حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم (١).
وكان رجلا فقيرا، خرج إلى عكبرا، فقرأ مسائله عليهم، وخرج أيضا إلى واسط (٢).
وقال حنبل: جمعنا عمي لي (٣)، ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه مني - يعني ثانيا (٤) - غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته
стр. 2545
وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة (١).
ومن ورعه: أنه لما قدم عكبرا، نزل في غرفة اكتراها، فلما اجتمع أصحاب الحديث إليه قال لهم: اكترينا هذه الغرفة لنسكنها، فإذا كثر الناس خشينا أن نضرّ، فإذا اجتمعتم خرجنا إلى المسجد (٢).
وقال حنبل: حججت في سنة إحدى وعشرين، فرأيت في المسجد الحرام كسوة البيت [من] (٣) الديباج، وهي تخيّط في صحن المسجد، وقد كتب في الدارات: (ليس كمثله شيء - وهو اللطيف الخبير!! -). فلما قدمت، سألني (٤) عن بعض الأخبار فأخبرته بذلك، فقال: قاتله الله، الخبيث - يعني ابن أبي دؤاد - عمد إلى كتاب الله فغيّره!، يعني: أزال ﴿وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٥).
توفي في جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين ومائتين (٦).
стр. 2546
ومنهم:
٦ - أحمد بن محمد بن الحجّاج بن عبد العزيز، أبو بكر، المرّوذي (¬*)
لم يكن مثله في التحلّي بدين، والتخلي ليقين، فرد في تأييد العلم بالورع، والتقدّم والناس له تبع، وكان أنيس إمامه، وجليس غمامه، ورسيل (١) علمه إذا عبّ بحره وزخر، وعديل حلمه إذا رسا طوده وفخر.
كان مقدّما في أصحاب الإمام أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به، وينبسط إليه، وهو الذي تولّى إغماضه لما مات، وغسله. وقد روى عنه مسائل كثيرة (٢).
وقال المرّوذي: رأيت ربي في المنام، وكأنّ القيامة قد قامت، ورأيت الخلائق والملائكة حول بني آدم، فسمعت الملائكة تقول: قد أفلح الزاهدون في الدنيا.
ورأيت النبي ﷺ وسمعته يقول: يا أحمد بن حنبل هلمّ إلى العرض على الله ، فرأيت أحمد، ورأيتني خلفه (٣).
ولما قدم أحمد بن حنبل من سامراء جعل يقول: جزى الله المرّوذي عني خيرا (٤).
وكان المرّوذي شديد التمسك بقول أحمد، قال يوما في جنازة حضرها: لو
стр. 2547
أن الخليقة انحازت عن قول أحمد بن حنبل ما تحاشيت أن أجفوها.
توفي المروذي في جمادى الأولى، سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن عند رجل قبر أحمد بن حنبل (١).
ومنهم:
٧ - إبراهيم بن إسحاق البغدادي، الحربي (¬*)
الإمام، الحافظ، أبو إسحاق الحربي.
أحد الأعلام، وفرقد (٢) الظلام.
تفقّه على الشيباني (٣) وتبع مذهبه، وسمع الحديث وكتبه، وصنّف في سائر العلوم، وتصرّف في الخصوص تصرّف العموم، وكان من أفراد الزّهّاد، وأنجاد (٤)
стр. 2548
العلماء، وهو النّجد، وهم الوهاد (١).
ولد سنة ثمان وستين ومائة، وسمع الحديث وتفقّه على الإمام أحمد، وكان من جملة أصحابه (٢).
قال الخطيب: كان إماما في العلم، رأسا في الزهد، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام، حافظا للحديث، مميّزا لعلله، قيما بالأدب، جمّاعة (٣) للّغة، صنّف: " غريب الحديث "، وكتبا كثيرة، أصله من مرو (٤).
قال القفطي: " غريب الحديث "، له: من أنفس الكتب، وأكبرها (٥).
قال ثعلب: " ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة " (٦).
وقال السّلمي: سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي، فقال: كان يقال بأحمد بن حنبل في زهده، وعلمه، وورعه" (٧).
وقيل: إن المعتضد سيّر إلى الحربي عشرة آلاف، فردّها!، ثم سيّر له مرة أخرى ألف دينار، فردّها (٨).
وقال الحربي: ما أنشدت بيتا قطّ إلا قرأت بعده: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾. ثلاث مرات (٩).
стр. 2549
وقال لعبد الله بن أحمد: قال لي أبي: امض إلى إبراهيم الحربي حتى يلقي عليك الفرائض (١).
وقال الحاكم: سمعت أحمد بن صالح يقول: ما أخرجت بغداد مثل إبراهيم الحربي في الفقه، والحديث، والأدب، والزهد، يعني: من جميع هذه الأشياء (٢).
وقال الدارقطني: هو إمام بارع في كل علم، صدوق (٣).
ومات: في ذي الحجة، سنة خمس وثمانين ومائتين (٤).
ومنهم:
٨ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل (¬*)
الحافظ، الحجّة، أبو عبد الرحمن.
стр. 2550
محدّث العراق، ومحطّ الطّرّاق (١)، شبل ذلك القسورة (٢)، وبقية تلك الجوهرة، جرى على ذلك السّنن (٣)، وغرّد على ذلك الفنن (٤)، وأحيا مآثر شيبان، وما شاب عارضه (٥)، ولا ينال باللثام معارضه.
ولد: سنة ثلاث عشرة ومائتين. وسمع من أبيه فأكثر (٦)، وحدّث عن النّسائي، وغيره.
قال الخطيب: كان ثقة، ثبتا، فهما (٧).
وقال أحمد بن المنادي في "تاريخه": لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله، لأنّه سمع منه: "المسند"، وهو ثلاثون ألفا، و"التفسير": وهو مائة
стр. 2551
وعشرون ألفا، ثلثه، والباقي وجادة (١).
وسمع منه: "التاريخ"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"حديث شعبة"، و"المقدّم والمؤخّر في كتاب الله"، و"المناسك الكبير"، وغير ذلك … ، و"حديث الشيوخ" وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون لعبد الله بمعرفة الرجال، ومعرفة علل الحديث، والأسماء، والمواظبة على الطلب، حتى أفرط بعضهم وقدّمه على أبيه في الكثرة والمعرفة (٢).
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت من أبي مائة ألف، وبضعة عشر ألفا، وكل شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين أو ثلاثة، وأقلّه مرّة (٣).
وقال أبو زرعة: قال لي أحمد: ابني عبد الله محفوظ من علم الحديث، لا يذاكرني إلا بما أحفظ (٤).
وكان كثيف اللحية، يصبغ بالحمرة، وكان يلي القضاء بطريق خراسان في خلافة المستكفي.
ومات في جمادى الآخرة، سنة تسعين ومائتين.
وكانت جنازته مشهودة، وأوصى أن يدفن بالقطيعة بباب التبن. فقيل له في ذلك؟. فقال: قد صحّ عندي أن بالقطيعة نبيا مدفونا. وأن أكون في جوار نبي، أحبّ إليّ أن أكون في جوار أبي (٥).
стр. 2552
ومنهم:
٩ - أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر، المعروف بالخلال (¬*)
صاحب التصانيف الدائرة، والكتب السائرة، أشهر من النهار، وأظهر محاسن من الروض، تدفّقت في جوانبه الأنهار.
لم ير أشهى من شهده، ولا أورى من زنده، ولا أضمّ من نطاقه، ولا أتمّ سنا من قمره في آفاقه. أراق عن جفونه في طلب العلم الكرى، حتى أنامها قريرة وادعة، مسرورة هاجعة، وتفرّد بحسن الأحدوثة، وانحصر فيه بالاستحقاق علوم مذهبه الموروثة، وبقي بين أقرانه غريبا، وعلى بعد زمانه قربا، وخلى من مدده ما هو ليد كلّ طالب غنى، ولسمع كل راغب جنى، ولأمل كل غائب نائي عنه منى.
رحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد فنال منها، وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق.
وكان شيوخ مذهبه يشهدون له بالفضل والتقدّم (١).
стр. 2553
وكانت حلقته بجامع المهدي (١).
قال أبو بكر عبد العزيز: رأيت أبا بكر الخلّال في المنام، فسألته عما يأكل؟.
فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ!، أما علمت أن طعام الجنة لا ينفد؟! (٢).
ومن تصانيفه: كتاب "الجامع" (٣)، و"العلل"، و"السنة"، و"الطبقات"، و"العلم"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، و"أخلاق أحمد"، وغير ذلك، وسمع من خلائق لا يحصون كثرة (٤).
قال أبو بكر بن شهريار: كلّنا تبع لأبي بكر الخلّال، لم يسبقه إلى جمع علم الإمام أحمد أحد قبله (٥).
وقال أبو بكر الخطيب: جمع علوم أحمد بن حنبل، وتطلّبها، وسافر لأجلها، وكتبها، وصنّفها كتبا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع لذلك منه (٦).
توفي يوم الجمعة، ثاني ربيع الآخر، سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
ودفن: إلى جانب قبر المرّوذي، عند رجل أحمد (٧).
وله سبع وسبعون سنة. وقيل: بل نيف على الثمانين.
стр. 2554
ومنهم:
١٠ - الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البربهاري " (١) " (¬*)
كان حيث سار تبعته الرعية، وحيث أشار كلمته مرعيّة، وكان حبّه مغناطيس القلوب، وذكره عطر الأفواه والجيوب، ولذلك ما جأر ابن المعتز حين أراد استنهاض العامّة (٢) إلا باسمه الذي صرخ به مناديه، وصرف الأنصار إلى ناديه، حتى كاد يتم أمره لو ساعده القدر، وساعفه الحظّ الذي كسف الشمس وخسف القمر.
وكان لا يرى بعد ابن حنبل إلا بدلا من إمامه، وخلفا منه إن وصل أحد بعده إلى مقامه.
كان شيخ الطائفة، ومتقدّمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم، باليد واللسان.
وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب.
وكان أحد الأئمة العارفين، والحفّاظ للأصول المتقنين، والثقات المأمونين (٣).
стр. 2555
صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم: المرّوذي، وصحب سهلا التّستري، وصنّف كتاب: " شرح السّنّة "، وتنزّه عن ميراث أبيه، عن سبعين ألف درهم (١).
وكانت له مجاهدات، ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدة وعشرين وثلاثمائة، في خلافة القاهر، تقدّم الوزير ابن مقلة، بالقبض على البربهارين فاستتر، وقبض على جماعة من أكابر أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله ابن مقلة على ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة، وعزله القاهر عن الوزارة، وطرح في داره النار، وقبض على القاهر يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الآخرة، سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع، وسملت عيناه (٢) في هذا اليوم حتى سالتا جميعا؛ فعمي.
ثم تفضّل الله وأعاد البربهاري إلى حشمته، وزادت، خصوصا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، علت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، حتى إنه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس، فشمّته أصحابه، فارتفعت ضجّتهم حتى سمعهم الخليفة، وهو في روشنه (٣)، فسأل عن الحال؟ فأخبر بها.
فاستهولها، وذلك أيام الراضي (٤).
ثم لم يزل المبتدعة يثقلون قبل الراضي على البربهارين فتقدّم الراضي إلى بدر الحرسي، صاحب الشرطة، بالركوب والنداء ببغداد: أن لا يجتمع من أصحاب
стр. 2556
البربهاري نفسان!. فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي، بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترا، فتوفّي في الاستتار، في رجب، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة (١).
وكان قد اختبأ عند أخت توزون، بالجانب الشرقي، فبقي نحوا من شهر، فلحقه قيام الدم. فقالت لخادمها - لما مات البربهاري -: انظر من يغسّله؟ فجاء بالغاسل، فغسّله، وغلّق الباب حتى لا يعلم أحد، ووقف يصلي عليه وحده، فاطّلعت صاحبة الدار، فرأت الدار ملأى رجالا بثياب بيض خضر، فلمّا سلّم لم تر أحدا!. فاستدعت الخادم، وقالت: أهلكتني مع أخي!.
فقال: رأيت ما رأيت؟.
فقالت: نعم.
فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق.
فقالت: ادفنوني في بيتي، وإذا متّ فادفنوني عنده. فدفنوه في دارها، وماتت بعده بزمان، فدفنت في ذلك المكان، ومضى عليه الزمان، وصار تربة يزار (٢).
стр. 2557
ومنهم:
١١ - أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجّاد (¬*)
العالم، الناسك، الورع، والسالك على ما نصّ الشارع ﷺ وما شرع، طرقت فتاويه المشارق والمغارب، وطرّزت حلل النهار وأردية الغياهب (١)، وتناقلت فضائله الركائب، وكانت أحاديثه تتحدّث بها السّمّار على عيسها (٢)، وتؤنس بها الفيافي في إقالتها وتعريسها.
كان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان: قبل الصلاة للفتوى على مذهب أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث. اتّسعت روايته، وانتشرت أحاديثه
стр. 2558
ومصنفاته (١).
قال أبو علي الصواف: كان أحمد بن سلمان يجيء معنا إلى المحدّثين، ونعله في يده. فقيل له: لم لا تلبس نعلك؟. قال: أحبّ أن أمشي في طلب حديث رسول الله ﷺ وأنا حاف!.
فلعلّه ذهب إلى قوله ﷺ : " ألا أنبئكم بأخفّ الناس حسابا يوم القيامة بين يدي الملك الجبار؟. المسارع إلى الخيرات ماشيا على قدميه حافيا، أخبرني جبريل أن الله تعالى ناظر إلى عبد يمشي حافيا في طلب الخير " (٢).
وقال أبو إسحاق الطبري: كان النجّاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك منه!. فإذا كان ليلة الجمعة تصدّق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها (٣).
وكان إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق بابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته (٤).
وقال أبو بكر النجّاد: ضقت وقتا من الزمان، فمضيت إلى إبراهيم الحربي، فقصّيت له قصتي. فقال لي: اعلم، أنّني ضقت يوما حتى لم يبق معي إلا قيراط!، فقالت الزوجة: فتّش كتبك، وانظر ما لا تحتاج إليه، فبعه!. فلما صليت عشاء الآخرة، جلست في الدهليز أكتب، إذ طرق عليّ الباب طارق.
فقلت: من هذا؟. فقال: كلّمني. ففتحت الباب فقال لي: أطف السراج.
فطفيته، فدخل الدهليز، فوضع فيه كارة (٥)، وقال لي: اعلم أننا أصلحنا
стр. 2559
للصبيان طعاما، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيها نصيب، وهذا أيضا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة، وقال: اصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل!، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة، وقلت لها: أسرجي، فأسرجت، وجاءت، وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسطا، في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار!.
قال النجّاد: فقمت من عنده، ومضيت إلى قبر أحمد، وزرته، ثم انصرفت، فبينا أنا أمشي على جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا، فقالت لي:
أحمد!، فأجبتها. فقالت: مالك مغموم؟. فأخبرتها. فقالت: اعلم أنّ أمك أعطتني قبل موتها [ثلاثمائة درهم] (١)، وقالت: أخبئي هذه عندك. فإذا رأيت ابني مضيّقا، مغموما، فأعطيه إياها. فتعال معي حتى أعطيك إياها!. فمضيت معها، فدفعتها إليّ (٢).
توفي - وقد كفّ بصره - ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
وعاش خمسا وتسعين سنة. ودفن عند بشر الحافي (٣).
стр. 2560
ومنهم:
١٢ - عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقيّ (¬*)
صاحب" المصنف " (١) الذي هو اليوم لأهل المذهب جادة الطريق، ومادة الفريق، ومفقّه الطائفة الأحمدية، إلا أنها التي لا تتقحّم النار (٢)، ولا تسري على غير منار، ولا يطربها أصوات المزاهر ولا المدائح، ولا تقتفي إلا الأثر الأحمدين ساكن طيبة ﷺ ، لا ساكن البطائح (٣).
قرأ العلم على من قرأه على المرّوذي وغيره، وله المصنّفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلا" المختصر "في الفقه، لأنه خرج عن مدينة السّلام لما ظهر سبّ الصحابة ﵁، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت الكتب فيها، ولم تكن انتشرت بعد (٤). قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب (٥). توفي الخرقيّ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ودفن بدمشق.