البربهاري نفسان!. فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي، بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترا، فتوفّي في الاستتار، في رجب، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة (١).
وكان قد اختبأ عند أخت توزون، بالجانب الشرقي، فبقي نحوا من شهر، فلحقه قيام الدم. فقالت لخادمها - لما مات البربهاري -: انظر من يغسّله؟ فجاء بالغاسل، فغسّله، وغلّق الباب حتى لا يعلم أحد، ووقف يصلي عليه وحده، فاطّلعت صاحبة الدار، فرأت الدار ملأى رجالا بثياب بيض خضر، فلمّا سلّم لم تر أحدا!. فاستدعت الخادم، وقالت: أهلكتني مع أخي!.
فقال: رأيت ما رأيت؟.
فقالت: نعم.
فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق.
فقالت: ادفنوني في بيتي، وإذا متّ فادفنوني عنده. فدفنوه في دارها، وماتت بعده بزمان، فدفنت في ذلك المكان، ومضى عليه الزمان، وصار تربة يزار (٢).
стр. 2557
ومنهم:
١١ - أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجّاد (¬*)
العالم، الناسك، الورع، والسالك على ما نصّ الشارع ﷺ وما شرع، طرقت فتاويه المشارق والمغارب، وطرّزت حلل النهار وأردية الغياهب (١)، وتناقلت فضائله الركائب، وكانت أحاديثه تتحدّث بها السّمّار على عيسها (٢)، وتؤنس بها الفيافي في إقالتها وتعريسها.
كان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان: قبل الصلاة للفتوى على مذهب أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث. اتّسعت روايته، وانتشرت أحاديثه
стр. 2558
ومصنفاته (١).
قال أبو علي الصواف: كان أحمد بن سلمان يجيء معنا إلى المحدّثين، ونعله في يده. فقيل له: لم لا تلبس نعلك؟. قال: أحبّ أن أمشي في طلب حديث رسول الله ﷺ وأنا حاف!.
فلعلّه ذهب إلى قوله ﷺ : " ألا أنبئكم بأخفّ الناس حسابا يوم القيامة بين يدي الملك الجبار؟. المسارع إلى الخيرات ماشيا على قدميه حافيا، أخبرني جبريل أن الله تعالى ناظر إلى عبد يمشي حافيا في طلب الخير " (٢).
وقال أبو إسحاق الطبري: كان النجّاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك منه!. فإذا كان ليلة الجمعة تصدّق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها (٣).
وكان إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق بابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته (٤).
وقال أبو بكر النجّاد: ضقت وقتا من الزمان، فمضيت إلى إبراهيم الحربي، فقصّيت له قصتي. فقال لي: اعلم، أنّني ضقت يوما حتى لم يبق معي إلا قيراط!، فقالت الزوجة: فتّش كتبك، وانظر ما لا تحتاج إليه، فبعه!. فلما صليت عشاء الآخرة، جلست في الدهليز أكتب، إذ طرق عليّ الباب طارق.
فقلت: من هذا؟. فقال: كلّمني. ففتحت الباب فقال لي: أطف السراج.
فطفيته، فدخل الدهليز، فوضع فيه كارة (٥)، وقال لي: اعلم أننا أصلحنا
стр. 2559
للصبيان طعاما، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيها نصيب، وهذا أيضا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة، وقال: اصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل!، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة، وقلت لها: أسرجي، فأسرجت، وجاءت، وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسطا، في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار!.
قال النجّاد: فقمت من عنده، ومضيت إلى قبر أحمد، وزرته، ثم انصرفت، فبينا أنا أمشي على جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا، فقالت لي:
أحمد!، فأجبتها. فقالت: مالك مغموم؟. فأخبرتها. فقالت: اعلم أنّ أمك أعطتني قبل موتها [ثلاثمائة درهم] (١)، وقالت: أخبئي هذه عندك. فإذا رأيت ابني مضيّقا، مغموما، فأعطيه إياها. فتعال معي حتى أعطيك إياها!. فمضيت معها، فدفعتها إليّ (٢).
توفي - وقد كفّ بصره - ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
وعاش خمسا وتسعين سنة. ودفن عند بشر الحافي (٣).
стр. 2560
ومنهم:
١٢ - عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقيّ (¬*)
صاحب" المصنف " (١) الذي هو اليوم لأهل المذهب جادة الطريق، ومادة الفريق، ومفقّه الطائفة الأحمدية، إلا أنها التي لا تتقحّم النار (٢)، ولا تسري على غير منار، ولا يطربها أصوات المزاهر ولا المدائح، ولا تقتفي إلا الأثر الأحمدين ساكن طيبة ﷺ ، لا ساكن البطائح (٣).
قرأ العلم على من قرأه على المرّوذي وغيره، وله المصنّفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلا" المختصر "في الفقه، لأنه خرج عن مدينة السّلام لما ظهر سبّ الصحابة ﵁، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت الكتب فيها، ولم تكن انتشرت بعد (٤). قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب (٥). توفي الخرقيّ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ودفن بدمشق.
стр. 2561
ومنهم:
١٣ - عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلّال (¬*)
إمام له صدر المحراب، وسرّ الصّواب، والواحد الذي إذا تكلّم في السنّة أزال العتاب، وإذا قال، قال الذي عنده علم من الكتاب، رأس طائفته ورئيسها، وفريدها الذي تهدى إليه سفنها وتحدى عيسها.
جدّد مذهب إمامه وما أخلق، ووصل به سببه وهو بالسماء معلّق.
حدّث عن جماعة، وروى عنه خلق، وكان موثوقا به في العلم، متّسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة (١).
له المصنّفات في العلوم المختلفة، ك" تفسير القرآن "، والفقه، و: " الخلاف مع الشافعي "، وغير ذلك (٢).
وقال أبو يعلى: كان ذا دين، وأخا ورع، علّامة، بارعا في علم المذهب.
ثم ذكر مكانته في النفوس، وتقدّمه عند السلطان، وذكر: أن أبا بكر ذكر عند أخت معزّ الدولة بسوء!، وأنّه تغمّص (٣) من علي ﵁.
стр. 2562
فاستدعته، وجمعت المتكلّمين لمناظرته.
فكان صوته عاليا عليهم، وحجّته ظاهرة لديهم. وأخت معزّ الدولة بحيث تسمع كلامه، حتى شهدت له بالفضل، وكان منها الإنكار عليهم فيما كذبوه عليه، وأضافوه إليه، وبذلت له شيئا من المال، فامتنع من قبوله، مع خفة حاله، وقلّة ماله، زهدا وورعا (١).
قال القاضي أبو يعلى: حكى لنا ابو بكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن سكينة الأزجي، قال: حكى لنا الشيخ أبو الفضل ابن التميمي، قال: حكى لي شيخ كان يسافر في طلب الحديث: أنه وقع إليّ في خبر، أنّ النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب" (٢).
قال: فسافرت كذا كذا بلد، أسأل: هل هناك زيادة على هذا العدد؟. فما زادني أحد. وكلّ يقول: هكذا سمعنا. فدخلت مدينة البصرة، وسألت عن ذلك؟ فما زادني أحد. فلما كان ذات يوم، نمت وأنا تعب، فرأيت النبي ﷺ ،
стр. 2563
فقبّلت قدمه، فقال لي: يا فلان، قد تعبت في هذا الخبر الذي سمعته عني؟.
فقلت له: إي والله يا رسول الله.
فقال لي: امض إلى بغداد، إلى جامع الخليفة، سترى رجلا واسع الجبين، جهوري الصوت، فسلّه عن هذه المسألة؟. يعني: أبا بكر بن عبد العزيز، فإنه يجيبك.
قال: فلم يحملني القعود حتى مضيت إلى بغداد. قال: فقلت في نفسي: لا سألت أحدا عن هذا الرجل حتى أدخل الجامع، وأنظر إلى الصفة التي وصفها سيدنا رسول الله ﷺ . فدخلت يوم الجمعة الجامع، فسمعت صوته، فإذا هو بالصفة التي وصفها سيدنا رسول الله ﷺ ، فوقفت حذاءه، وقلت له: أيها الشيخ! مسألة؟.
فقال: أوسعوا للشيخ موضعا، إلى أن وصلت إلى بين يديه، فقال لي:
اجلس. فجلست. فقال لي - سرا -: ألست الرجل الذي بعث بك سيدنا رسول الله ﷺ ؟.
فوقعت عليّ الرعدة، فقلت: نعم، وأمسكت.
ثم قال لي: أيها الشيخ!، هات مسألتك؟. فسألت عن الحديث، أن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب"؟.
فقال لي: يا أبله!، أنت والذين سألتهم!. حدّثنا فلان عن فلان - وذكر الإسناد -. أنه إذا كان يوم القيامة، وحصل أهل الموقف، يقول الله : "ولا أبالي". ثلاث مرات. ويحثي ثلاث حثيات، فمن قبضته أربع عشرة سماء، والأرض [في يده] (١) كحبّة خردل في أرض فلاة، كم مرة سبعون ألفا؟ (٢).
стр. 2564
توفي يوم الجمعة، لعشر بقين من شوال، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وروي أنه قال لأصحابه في علّته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة!. فقيل له:
يعافيك الله، أو كلاما هذا معناه.
فقال: سمعت أبا بكر الخلّال يقول: سمعت أبا بكر المرّوذي يقول: عاش أحمد ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وعاش أبو بكر المرّوذي ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة، ولي ثمان وسبعون سنة!. فلما كان يوم الجمعة، مات، ودفن بعد الصلاة! - وهذه كرامة حسنة، فإنه حدّث بيوم موته - وكان يوما عظيما بكثرة الجمع.
وهاجر من داره لما ظهر سبّ السلف إلى غيرها، وهذا يدلّ على قوة دينه، وصحة عقيدته (١).
وحكى أبو القاسم الأزجي عن عبد العزيز: أنه ضاق في بعض الأوقات، قال: فأخذت رقعة وكتبت فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، فلان بن فلان محتاج". قال: وأخذت الرقعة، وخرجت إلى باب الحلبة، وألقيت الرقعة من يدي، فحملتها الريح، وعدت إلى منزلي، فما كان يسيرا، وإذا الباب يطرق، فخرجت، وإذا شيخ لا أعرفه، ودفع إليّ قرطاسا ثقيلا، فأخذته، ودخلت، فاعتيرته (٢)، فإذا هو خمسمائة درهم، وإذا رقعتي بالقرطاس، وفيها مكتوب: "يا صاحب الرقعة! بعدها أحسن الأدب في الطلب" (٣).
стр. 2565
ومنهم:
١٤ - الحسن بن حامد، بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي (¬*)
فقيه وفّق لصواب القول وسداده، وتدفّق العلم وإمداده، كان يبكر إلى المعابد، ويفكر فكر العابد، إلى علم يلقّنه، وعمل يتقنه، بدقائق معان تتأمّل تأمّل العيان، وتتكامل تكامل السحر في العيان، أدرك الغاية وحازها، وبلغ النهاية وجازها، وكان يعدّ من غرائب الرغائب، ويعدّى حسن اللآلئ على الترائب، فلو كانت الفضائل نفوسا لكان قوتها، أو جواهر لكان ياقوتها.
وكان إمام الحنبلية في زمانه، ومدرّسهم، ومفتيهم، له المصنفات في العلوم، وله المقام المشهود في الأيام القادرية (١).
وقد ناظر أبا حامد الإسفراييني في وجوب الصيام ليلة الغمام، في دار الإمام القادر بالله، بحيث يسمع الخليفة الكلام، فخرجت الجائزة السنية من أمير المؤمنين، فردّها - مع حاجته إلى بعضها، فضلا عن جميعها - تعفّفا، وتنزّها (٢).
стр. 2566
وقيل: إنه كان يبتدئ في مجلسه بإقراء القرآن، ثم بالتدريس، ثم ينسخ بيده، ويقتات من أجرته، فسمّي: ابن حامد الورّاق لأجل ذلك.
قال القاضي أبو الحسين: وبلغني أنه كان في كثير من أوقاته إذا اشتهت نفسه الباقلاء لم يأكل معه دهنا، وإذا كان معه دهن، لم يجمع بينه وبين الباقلاء.
وكان كثير الحج، فعوتب في كثرة سفره وحجّه، مع كبر سنه؟. فقال: لعلّ الدرهم الزيف يخرج مع الدراهم الجيدة.
وحكى: أنّ إنسانا من الحاج جاءه بقليل ماء، وهو مستند إلى حجر، وقد أشرف على التلف!.
فأومأ إلى الجائي له بالماء: من أين هو، وأيش وجهه؟.
فقال له: هذا وقته؟!.
فأومأ: أن نعم، هذا وقته. عند لقاء الله تعالى أحتاج أن أدري ما وجهه؟. أو كما قال.
توفي سنة ثلاث وأربعمائة (١).
стр. 2567
ومنهم:
١٥ - محمد بن الحسين، بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرّاء، أبو يعلى (¬*)
القاضي والإمام الذي حمد من زمانه الراضي (١)، بحر العلم الزاخر العباب، الفاخر الدرر على مباسم الحبائب والحباب، لم يجمع طرفا عصره مثله، وإن ذهب بكرا وأصالا، وأبى ليله [نصولا] (٢) ونهاره إلا نصالا.
أعاد عصر الإمام الشيباني (٣) مقبلا، وقد شابت اللمم، وشانت معايب العجز الهمم، ونال من أكرومة الخلفاء ما كان ببره جديرا، وعلى شكره قديرا.
كان عالم وقته، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له في
стр. 2568
الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المجلس السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين: القادر، والقائم ﵄. وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون، ويدرّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعوّلون، والفقهاء - على اختلاف مذاهبهم وأصولهم - كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون، ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالائتمام به يقتدون، وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهبه، واختلاف الروايات عنه، وما صحّ لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد، والورع، والعفة، والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بتسطير العلم وبثّه، وإذاعته (١).
ولما خرج ابن حامد (٢) إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة، سأله محمد بن علي المقرئ: على من يدرس؟. وإلى من يجلس؟. فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى.
وكان لابن حامد أصحاب كثير، فتفرّس في أبي يعلى ما أظهره الله تعالى عليه (٣).
وكان فيه صبر على المكاره، واحتمال لما يلحقه من عدوّ، وزلل إن جرى من صديقه، وتعطّف بالإحسان على الكبير والصغير، ويصطنع المعروف مع القاصي والداني، ويجري على سنن الإمام أحمد حذو القذة بالقذة (٤)، ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة، ونبلا، وعلما، وفضلا (٥).
وحضر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة في دار الخلافة، في أيام القائم بأمر الله، مع الجم الغفير، والعدد الكثير، مع أهل العلم لفساد قول أجري من المخالفين لمّا
стр. 2569
شاع قراءة كتاب: "إبطال التأويلات"، فخرج إلى أبي يعلى من القائم بأمر الله، الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده أبو يعلى (١).
وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب: "إبطال التأويلات" ليتأمل، فأعيد إلى أبي يعلى، وشكر له تصنيفه، فقرئ ذلك الاعتقاد الذي خرج من عند الخليفة القائم، والقارئ قائم على قدميه، والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين، من أهل العلم والفقهاء، على اختلاف مذاهبهم، وجعلت كالشرط المشروط.
فأول من كتب: الزاهد أبو الحسن القزويني،: "هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي، وعليه اعتمادي". ثم كتب أبو يعلى بعده، وكتب القاضي أبو الطيب الطبري، وأعيان الفقهاء من بين موافق ومخالف، فلما أرادوا النهوض التفت ابن القزويني إلى أبي يعلى، وقال: كما في نفسك؟. فقال أبو يعلى: الحمد لله على ما تفضّل به من إظهار الحق. فقال ابن القزويني: لا أقنع بهذا، وأنا أحضر بجامع المنصور، وأملي أحاديث الصفات.
فحضر القزويني جمعات مترادفات بجامع المنصور، وأملى أخبار الصفات ناصرا لما سطّره أبو يعلى (٢).
توفي أبو يعلى ليلة الاثنين بين العشاءين، تاسع عشر شهر رمضان، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (٣)، وصلّى عليه ولده أبو القاسم، وحضره جمع، ولحقهم حرّ شديد، فأفطروا جماعة، لم يسمحوا بالرجوع.
стр. 2570
ومنهم:
١٦ - عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو جعفر (¬*)
الشريف العباسي، والمنيف الطّود الراسي، من آل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم، وأطلعهم على سرائر العلم وأظهرهم.
وبلغ من المقتدي بالله مبلغا كان به حجة المعتدي، ونجم المهتدي، ومزنة السحاب التي تشافه الروض الندي، قلّ أن وجد له مثال، أو بلغ له منال، أو عرف وجه في المذهب إلا وله فيه مقال.
مولده: سنة إحدى عشرة وأربعمائة (١).
درس الفقه على القاضي أبي يعلى، وأعاد الدروس في الفروع، وأصول الفقه، فبرع في المذهب، ودرّس، وأفتى في حياة شيخه، وكان مليح التدريس، جيّد الكلام في المناظرة، عالما بالفرائض وأحكام القرآن والأصول (٢)، صنّف رؤوس المسائل، وغير ذلك.
وكان يدرّس في مسجد بدرب [سكة الخضري] (٣)، وبجامع المنصور، ثم
стр. 2571
انتقل إلى الجانب الشرقي، فدرّس في المسجد المعروف به مقابل دار الخلافة.
وكان إذا بلغه منكر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة، وكان شديد القول على أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم، ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يده عنهم أحد (١).
ثم انتقل إلى الرصافة، وسكن درب الديوان، ودرّس بجامع المهدي، وبالمسجد الذي برأس درب الديوان، وكان يجلس للنظر في كل يوم اثنين (٢)، ويقصده جماعة من فقهاء المخالفين (٣).
وهو الذي غسّل أبا يعلى ابن الفراء، وغسّل القائم بأمر الله بعد وفاته.
وكان قد أوصى له الخليفة بأشياء كثيرة من المال والثياب فأبى أخذها، فقيل له: خذ قميص أمير المؤمنين تتبرك به. فأخذ فوطة نفسه، فنشف بها الإمام القائم، وقال: قد لحق هذه الفوطة وهي ملكي بركة أمير المؤمنين، ولم يأخذ القميص (٤).
وبلغ من قدره ومحلّه عند الإمام المقتدي بأمر الله، أنه لما فرغ من غسل القائم لم يؤذن له في المصير إلى منزله حتى بايع الناس المقتدي بأمر الله على الاجتماع، واستدعاه لبيعته منفردا، خاليا به، وبايعه. ثم قال له الشريف في جملة كلامه:
إذا سيّد منّا مضى قام سيد … قؤول بما قال الكرام، فعول
ثم أذن له بالمضيّ إلى منزله بعد بيعته (٥).
стр. 2572
توفي في نصف صفر، سنة سبعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، وحضره جمع يفوت الإحصاء، وأخذ الناس من تراب القبر شيئا كثيرا للتبرك، ولزموا قبره ليلا ونهارا مدة طويلة، يقرؤون الختمات، وقرئ على قبره في مدة شهور ألف ختمة (١).
ومنهم:
١٧ - الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنّاء (¬*)
أبو علي. وذو الفخار الذي ينظر إلى الكواكب من علي.
شيّد لأبيه البناء، وجدّد له الثناء، ونشر له جناحا امتدّ طرافه (٢) المذهب،
стр. 2573
وصفح بلجين الكواكب أبنوس الغيهب. وكان طود العلم المنيف، وقوام الدين الحنيف، وحجة لله قاطعة، وبيّنة بلألاء الحق ساطعة، وأبقى بعده من التصانيف أفضل ما خلّفه عالم، وأسرى بغير طيفه الحالم.
تفقّه على القاضي أبي يعلى (١)، وعلّق عنه المذهب والخلاف، ودرّ في الجانب الشرقي بدار الخلافة في حياة شيخه أبي يعلى، وصنّف كتبا في الفقه، والحديث، والفرائض، وأصول الدين، وفي علوم مختلفات (٢).
وكان متفنّنا في العلوم، وكان له حلقتان: [إحداهما:] (٣) في جامع المنصور، والأخرى: في جامع القصر، للفتوى والوعظ، وقراءة الحديث.
وكان أديبا، شديدا على أهل الأهواء (٤).
توفي أبو عليّ ابن البنّاء يوم السبت، الخامس من رجب، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. (٥).
(٦)
стр. 2574
ومنهم:
١٨ - محمد بن أبي الحسن، أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي اليونيني (¬*)
البعلبكي، الحنبلي، أبو عبد الله، القدوة.
عرف بالشيخ الفقيه، من أفاضل العلماء، ومناهل الظّماء، منشأ البيت المشهور، ومنبع الفضل الذي استعذب ورده الجمهور. جمع العلم والعمل وهما شرفان، وحازهما وهما طرفان، وكان ممن دنا له خضوع الملك الأشرف موسى، وكان إذا أتاه نهض له وقام، وإذا جاء إليه زائرا سأله المقام، وعلى هذا كان بنوه عند الملك المنصور قلاوون.
ومن عقبه الآن: العلامة محيي الدين عبد القادر. وهو ببعلبك اليوم صدرها، وشمس أفقها المشرق وبدرها، لعلمه الموفر الأجزاء، وكرمه الذي يضحك بالسحاب ضحك الاستهزاء.
مولده: سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، بيونين، من بعلبك، ولبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي، صاحب الشيخ عبد القادر، وصحب الشيخ عبد
стр. 2575
الله اليونيني، وتفقّه بالشيخ الموفق، وبرع في الخط المنسوب، وسمع الحديث، وحدّث، وروى عنه خلق كثير (١).
وكان والده مرخّما (٢) ببعلبك، ثم بدمشق، فمات، ونشأ الفقيه يتيما بالكشك مع والدته، فأسلمته نشابيا ثم حفظ القرآن، وجوّد الخط، ثم حفظ: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، بكماله (٣).
[وذكره] (٤) عمر بن الحاجب فأطنب، وقال: اشتغل بالفقه والحديث، إلى أن صار إماما، حافظا، لم ير في زمانه مثله في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا للخلق، مطرحا للتكلف، من جملة محفوظه: "الجمع بين الصحيحين"، وحدّثني أنه حفظ: "صحيح مسلم"، جميعه، وكرر عليه في أربعة أشهر، وكان يكرر عليّ أكثر [مسند أحمد] (٥) من حفظه، وأنه كان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا (٦).
وقال ولده قطب الدين: حفظ: "الجمع بين الصحيحين" وأكثر "المسند"، وحفظ: "صحيح مسلم"، في أربعة أشهر، وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية في بعض يوم.
стр. 2576
وكان الأشرف يحترمه، ويعظمه، وكذلك أخوه صالح، وقدم في أواخر عمره دمشق، فخرج الملك الناصر يوسف إلى زيارته بزاوية القرشي (١)، وتأدب معه.
وقال غيره: كان الشيخ الفقيه، كبير القدر، يذكر بالكرامات والأحوال، وكان أهل بعلبك يسمعون بقراءته على المشايخ الواردين عليهم.
توفي في تاسع عشر رمضان، سنة ثمان وخمسين وستمائة (٢).
ومنهم:
١٩ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة (¬*)
شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي الحنبلي.
كان إماما موفّقا، وغماما مدفقا، كنزا لكلّ طالب، وعزّا لكلّ غالب، طرّز برد
стр. 2577
ذلك الأوان، وبرز في ذلك القران (١) على كيوان.
وكان مجلسه يقدس الواطي، ويحبو بالعفو [على] الخاطي، كرما وسعه نطاق حلمه، ووسعه إشراق علمه، وله في مذهب الإمام أحمد ما أصبح فيه أحمد أهل دهره، وأجمع أهل وقته لأفنان زهره، حتى كان جادة ذلك المذهب، ومادة ذلك البحر الذي عنه لا يذهب.
مولده ب "جمّاعيل" من عمل نابلس، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، في شعبان، وهاجر مع أهل بيته وأقاربه وله عشر سنين، وحفظ القرآن، ولزم الاشتغال من صغره، وكتب الخط المليح، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم (٢).
ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني في أول سنة إحدى وستين، في طلب العلم إلى بغداد، فأدركا نحو أربعين يوما من حياة الشيخ عبد القادر ﵁، ونزلا عنده بالمدرسة، واشتغلا عليه تلك الأيام، وسمعا منه ومن تلك الطبقة، وكان عالم أهل الشام في زمانه (٣).
قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة، حجة، نبيلا، غزير الفضل، نزها، ورعا، عابدا على قانون السلف، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته، قبل أن يسمع كلامه (٤).
وقال عمر بن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصّه الله بالفضل
стр. 2578
الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنّت بذكره الأمطار، وضنّت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية (١).
قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظنّ الزمان يسمح بمثله، متواضع، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدّثين، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه (٢).
وعمل الشيخ الضياء سيرته في جزأين (٣)، فقال: كان تامّ القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج (٤)، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، ممتع بحواسه، أقام هو والحافظ (٥) ببغداد أربع سنين، فأتقنا الفقه والحديث، والخلاف.
أقاما عند الشيخ عبد القادر خمسين ليلة، ثم أقاما عند ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط النّعّال، واشتغلا على ابن المنّي، ثم سافر في سنة سبع وستين، ومعه الشيخ العماد، واقاما سنة، صنّف "المغني" عشر مجلدات، و"الكافي" أربعة، وصنّف عدة مجلّدات (٦).
قال الحافظ ضياء الدين: رأيت أحمد بن حنبل في النوم، فألقى عليّ مسألة.
فقلت: هذه في "الخرقي".
стр. 2579
فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في شرح "الخرقي" (١).
وسمعت داود بن صالح المقرئ، سمعت ابن المنّي يقول: - وعنده الإمام الموفّق -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه.
توفي يوم السبت، يوم الفطر، ودفن من الغد، سنة عشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون (٢).
ومنهم:
٢٠ - عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسين بن أبي الجيش القطفتي (¬*)
الحنبلي، أبو الخير، وأبو أحمد، مجد الدين، شيخ الإسلام.
إمام لم يكن بمتّهم، ولا يمكن أن تتطرّق إليه التّهم، حصّل الفضل وجمعه، ولم يشم في عمره لغيره لامعة، ولا استمطر لسواه هامعة، وكان في طلب العلم نهما لا يشبع، ومرتسما بما يطبع، لا ينبع غيره ما استنبط، ولا يربع على غيره وما أفرط.
стр. 2580
وحكي عنه أيام تحصيله ما فضل به كل أهل أوانه، وأشاب ناصية الليل، وقد صحبه في عنفوانه، فماج بحرا، ومال طودا، وهو [بحرا أجرى] (١)، ومات يبلّل البكاء عليه جيدا ونحرا، وأبقت شمسه شعاعا يخلفها وقد غربت، ويدنيها والساعة بموته قد اقتربت.
مولده: ببغداد، في منتصف المحرم، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة (٢).
قرأ القرآن بالروايات على جماعة، وأخذ النحو والعربية عن أبي البقاء العكبري، والمبارك بن أبي السعادات الواسطي، وتفقّه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من خلائق (٣).
وكان إماما، عالما، فاضلا، سيدا، وقورا، مهيبا، خطيبا، زاهدا، عابدا، قلّ أن ترى العيون مثله.
أجمعت الطوائف على أنه إمام وقته في القرآن، وإنشاء الخطب، ومعرفة اللغة، والعربية، والحديث، والزهد، والورع. وكان طويل القامة، حسن الشكل، جهوري الصوت، له وقع في القلوب، وجلالة في النفوس، صاحب كرامات ومكاشفات، وأحوال، ومدحه الشيخ يحيى الصرصري، وجمع له بعض أصحابه مجلدا في فضائله وزهده وسيرته.
وحدّث بأسباب النّزول للواحدي، وب "زاد المسير في علم التفسير" لابن الجوزي، وب "الصحيحين"، و"جامع الترمذي"، و"السنن" لابن ماجه، و"مسند الدارمي"، و"أحمد"، و"المنتخب من مسند عبد بن حميد"، و"مسند" الطيالسي، وعدة كتب من تصانيف ابن الجوزي، وبكثير من كتب القراءات.
стр. 2581
وأنشأ الخطب، والتصاديق، ووسمها، ب "صنوف الضيوف المرتبة على الحروف"، وهي سبع مجلدات، وكتب كثيرا بخطه من كتب القراءات، وأجزاء الحديث، وخطّه مليح صحيح معرب، وخطب بجامع الخليفة بعد واقعة بغداد، قريبا من عشر سنين (١).
وتوفي يوم الخميس، سابع عشر شهر ربيع الأول، سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن عند الإمام أحمد، في الحضرة، واقتسم العوام خشب تابوته، قصدا لبركته، ولم يخلف بعده مثله (٢).
ومنهم:
٢١ - عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن أبي نصر بن عبد الباقي بن عكبر العكبري (¬*)
البغدادي، جلال الدين، أبو محمد.
إمام حل التمام، وحلّ بيده الزمام، وحلّق وقصر الغمام، درّس حتى درس (٣)، وجلس مجلس الطلبة حتى أجلس، وشرح الله صدره، ومنح الشرف قدره،
стр. 2582
وفخر بما ذخر، وطما (١) على البحر وقد زخر، وأحيا عظم فخاره الرميم وقد انتخر، ولاذ به الناس من كل جانب، وعاذ به المسالم والمجانب، وعاف وارده بعده الأنهار واستذنب المذانب.
مولده: سنة عشرين وستمائة، ببغداد.
حفظ القرآن في صباه، وكتبا في علوم شتّى. وسمع الحديث، وكان إماما، عالما، فاضلا، كاملا، وحيد دهره في علم التفسير، والفقه، والوعظ، والحديث، خبيرا بالمذهب، جامعا لفنون من العلم، مليح الشكل، دمث الأخلاق، له وقع في القلوب، ومهابة في النفوس، طيب الإنشاء، رقيق الاستشهاد، درّس بالمدرسة المستنصرية للطائفة الحنابلة، بعد واقعة بغداد، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وصنّف عدة كتب.
قال جلال الدين العكبري: كتب إليّ النقيب قطب الدين الحسين بن الأقساسي من نظمه بيتين، وأنشدني إياهما بعد ذلك: -
كتابة صدغيه قد جهزت … وأبدع في الحسن خطّاطها
فلا كالرجال، ولا كالنسا … ء وخير المراتب أوساطها
فأجزتهما ارتجالا: -
جياد قريضك يوم السباق … أعيا السوابق أشواطها
وشعرك يوسف غرّ القريض … وأشعار غيرك أسباطها
وإن حلّ سمّ بأذهاننا … فألفاظك الغرّ بقراطها (٢)
ومن نثره: "إخواني، من لم ينظر بعين اليقظة ما بين يديه، توجّهت الملامة في وقوعه إليه، ومن نسي حساب سيئاته، وجده مذكورا في كتاب حافظيه،
стр. 2583
ومن لم يخف مقامه بين يدي ربه، فلا يحضر لديه، ومن اعتبر بمن عبر وغبر، ونظر العبر بالغير في نفسه وجانبيه، فيا من غفل عن ذنبه بين يدي ربه، أما علمت أنّ ربك مطلع عليه.
توفي يوم الاثنين، السابع والعشرين من شعبان، سنة إحدى وثمانين وستمائة، ببغداد (١).
ومنهم:
٢٢ - عبد الرحمن بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة (¬*)
قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين، أبو الفرج، المقدسي، الحنبلي.
شمس عصره التي ذهبت وأبقت شعاعا منها يخلفها، وواحد دهره الذي أمن أيامه وهو يخوفها، أوسع زمانه صلاحا، وولي الحكم فأسكت من لاحى، وكان
стр. 2584
يجلس فوق الشافعي صاحب المنصب، ويهمي حتى على ربعه المخصب، وكان خيرا كله، وسحابا في كل مكان يحله، لا جرم أن أيامه انقضت أقصر من جناح الذبابة، وأقرب مما بين الوسطى والسبابة، ويقال: إنه كان يحكم على الجان!، ويحكى عنه في هذا مثل حكايات المجّان، وعلى الجملة كان فردا لا يخلف، ولابس حلل فخار مثلها لا يخصف، لعلم مغدق، وعمل مصبح ومغبق، وكرم مليء الوفاض، وخط كوشي الرياض، إلى رأفة أندى من السحاب، وبصيرة أهدى من الشهاب، وورع عفّ به عن أكثر الحلال، وزهد كان لا يرى الإكثار إلا في الإقلال، فما عدا سيرة السلف، ولا عدا طريقة الاقتصاد خوفا من السرف.
مولده: سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وسمع حضورا قبل الستمائة، وسمع من حنبل المسند كله، وأكثر عن ابن طبرزد، وتلك الطبقة، وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وتفقّه بعمه الشيخ موفق الدين، وعرض عليه" المقنع "، وعمل له شرحا في عشر مجلدات (١).
وكان كبير الشأن، بعيد الصّيت، منقطع القرين، له وقع في النفوس، ومحبة في القلوب، جميل الصورة، حسن البشر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كثير التعبد والصيام، والتهجد والسكينة والتودد، وحسن الأخلاق والصفات الحميدة، قلّ أن ترى العيون مثله، ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مشربا بحمرة، واسع الوجه، أزجّ (٢) الحاجبين، أقنى (٣)، أشهل (٤)، رقيق البشرة، كثّ اللحية، مقتصدا في ثيابه، صغير العمامة، يرسل
стр. 2585
عذبته بين يديه، يدخل إلى البلد للفصل بين الخصوم، فيركب دابته، وكان يقوم الليل ويصلّي الضحى، وبين العشاءين، ويبلغه الأذى فيغضي ويحلم، فقلّما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة فيفرقها على الفقراء والتلاميذ، وحجّ ثلاث مرات، وغزا عدة غزوات، نوبة صفد، ونوبة الشقيف، وحصن الأكراد، قد جمع الله الألسنة على تعظيمه، وتوقيره، وولي القضاء اثنتي عشرة سنة، لم يتناول عليه رزقا، ثم تركه (١).
قال الفخر أبو محمد عبد الرحمن البعلبكي: أعرفه منذ خمسين سنة ما رأيته غضب.
وكان الشيخ محيي الدين النووي يقول: هو أجلّ شيوخي.
وقد أثنى عليه الموافق والمخالف. توفي شهيدا بالبطن، في سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، عن خمس وثمانين سنة، وأربعة أشهر. وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يفوت الإحصاء، ورثته الشعراء بعدة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون (٢).
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: رأيت وفاته بخط شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، البريء عن جميع النقائص والمساوي، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذو الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والترفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنّت يطلب له عيبا فيعوزه، إلى أن قال: وبكت
стр. 2586
عليه العيون بأسرها، وعمّ بمصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق، فأي دمع ما انسجم، وأي أصل ما جذم، وأي ركن ما هدم، وأي فضل ما عدم، يا له من خطب ما أعظمه، وأجل ما أقدره (١)، ومصاب ما أقحمه، وأكثر ذكره.
وفي الجملة فقد كان الشيخ أوحد العصر في أنواع الفضائل، هذا حكم مسلّم من جميع الطوائف، وكان مصابه أجلّ من أن تحيط به العبارة؛ فرحمه الله ورضي عنه (٢).
[وحكى لي من أثق به: أن الملك الظاهر بيبرس، لما خرج إلى بلاد الروم، جعل طريقه بمدينة دمشق على الجسر الأبيض، حتى أتى الجامع المظفري، ونزل به، والشيخ جالس به، يريد وداعه، ليكون آخر عهده به، فأتى إليه، وجلس بين يديه، وأمسك يده، والشيخ يتأبّى، ثم لم يزل به حتى قبّلها، وأمرّها على عينيه، ثم سأل منه الدعاء، وخرج لوقته، فركب وانطلق] (٣).
ومنهم:
٢٣ - سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر، بن الشيخ أبي عمر (¬*)
تقي الدين، أبو الفضل، قاضي القضاة.
ولي الحكم فكان سليمان زمانه حكما، وسلمان أوانه علما، لو علم بإتيانه
стр. 2587
القاضي أبو يعلى لاستعلى، أو ابن بطة لو استبطا أتى إبانه لما استملى، أو استشعر به قاضي العراق لنفض عن هدبه الكرى وأراق، فلو علم به البربهاري لبره، أو أقسم به الموفق على الله لأبرّه، بزهد لو رأى المرّوذي بزه الرفيع لنسج عليه، أو الخلّال لخلى ما عنده لديه، حكم فما انتقد عليه حتى الآن، واشتدّ فما قسى، وسهل فما لان، وذهب وصدر الزمان به ملآن.
ولد: سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع "الصحيح" حضورا في الثالثة من ابن الزبيدي، وسمع. "صحيح مسلم" وما لا يوصف كثرة من الحافظ ضياء الدين، وابن اللتّي، وجعفر الهمداني، وابن الجمّيزي، وكريمة [الميطورية] (١).
وسمع - حضورا - من جدّه الجمال أبي حمزة، وابن المقيّر، وأبي عبد الله الإربلي، وأجازه محمد بن عمّار، وابن باقا، والمسلم المازني، ومحمد بن منده، وابن عبد الواحد المديني، وشعرانة (٢)، والسهروردي، والمعافى، وابن عيسى المقري، وخلق كثير (٣).
وخرّج له ابن الفخر معجما كبيرا، وسمع عليه الكثير، ودرّس بالجوزية، وكان مليح الدروس، وولي القضاء عشرين سنة، وعزله الجاشنكير في سلطنته، ثم أعاده السلطان عند عوده من الكرك، فبقي حتى توفي سنة خمس عشرة وسبعمائة (٤).
стр. 2588
ومنهم:
٢٤ - محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الصالحي (¬*)
قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله، الحنبلي.
شمس حجبت أيامه بأجنحة الفواخت (١)، وضمخت بطيبها ردّ الأيام الفوائت، كان عصره مذهبا، وزمنه لأوقات السرور مذهبا، أمن به كل خائف كان يترقب، واستقرّ به كل سارق كان بخمر الباطل يتنقب.
كان أبوه رجلا يبيع الملح، ويتسبب في قليله طلبا للربح، وقضى على هذا الأيام، وأصلح به زمنه إصلاح الملح للطعام، وولد ابنه مغتذيا بطعامه الحل، ناشئا منه على نهج لسواه لا يستحل، فلما آن له حبّب إليه العلم، وحلّ لديه رتاج (٢) الفهم ظل، فظلّ يكاثر في اقتنائه، ويتابع سبيل السلف باقتفائه، حتى أصبح شمس عصره، إلا أنه مثل رأد (٣) الضحى، وردء الفجر وقد أطلّ مصبحا، فقنع ببلل من العيش لا تبل به الآماق، ولا تمسك بسببه الأرماق، منتصبا لطلبة يعلمها ما لم تعلم، وطلبة لو سئلت من الغمام لكان منه يتعلم.
ثم خطب من وظيفة القضاء للمنصب الجليل فامتنع، وطلب له غير القليل فاقتنع، فلم يزل به أرباب التعيين حتى قبل عقدها، وقدم زخرف الدنيا نقدها، وولي منصب القضاء وقعد لفصل المضاء، فما رأى جلي الكبراء أدقّ منه نظرا،
стр. 2589
ولا أكثر منه لقديم الوقائع مستحضرا.
هذا على أنه كان من الناس بمعزل، ومن الدنيا كلها في جوف منزل، إلا أن الله نور بصره، وسدد رأيه ونصره، فما جاز عليه زيف التدليس، ولا قابله طيف الباطل إلا تحت راية التنكيس، كل هذا إلى استعادة جهات أوقاف تملكت، وعمارة مواضع بر (١) استهلكت، والنظر في عامة المصالح، مع إصلاح طرق المسلمين، والضرب على أيدي الظّلمة المتحكّمين، وقول الحقّ وإن كان مرا، والوقوف معه نفع زيدا أو ضرّ عمرا.
وحجّ مرات، آخرها وقد تألّبت عليه عصب لم ترد إلا أن تغطي عليه، وقد جنحت شمسه، وأشرفت على الفراق نفسه، فلما أتى المدينة الشريفة مات ودفن في البقيع، وجاور سماء تلك الأنجم أهل ذلك الرقيع (٢).
وكان قبل تلك حجّ مرة، فمات له صاحب في مرجعه، فحمل من مكة المعظمة، حتى دفن في تلك المقبرة، وحضر هو جنازته، فبقي يقلب تراب قبره بيده، ويقول: طوبى لك، وينافسه عليه، ثم قال: تمنيت أن يكون قبري إلى جانبه، وكان في السنة الآتية ما تمنى، ونال سروره إذ قبر هناك طاب وتهنّا.
وحكي أنه لما حفر قبره ليدفن فيه، وتكون في قيد تلك الأذرع شمسه، إن أمكن، وجدت نصيبة (٣) قبر من قديم مكتوب عليها هذا البيت:
إذا كان قبري في البقيع بطيبة … فلا شكّ أني في حمى صاحب القبر
فهنيئا له ما سنح به الفال، وما سيمنح من تحية ركائب إلى ذلك الحمى زائرين، وقفّال (٤).
стр. 2590
وكان ذا علم جمّ، مبرّزا في نحو إضحى (الرياشي) أخص القوالم، و (الفارسي) قدم العربي كالخادم، و (المازني) لا يقام معه وزن ما هو له عالم، إلى لغة يجب لأهلها هجر (القالي)، وحطّ قدر (صاعد) (١) العالى وحساب لو كلّف (إقليدس) (٢) أقلّ ما لديه لقال: ما هذا فني. أو فرض شبيهه في الفرائض الحسين بن محمد الوني (٣) لأسرع ووني الونى، مع روايات يخشع لها (الخشوعي) (٤)، ويدرك سلف السلف (٥) الاختشاء والعي، مما لو اتصل بأبي القاسم الطبراني لطرب، أو أبي زكريا النووي لما اطمأنت بنواه رحلة مغترب، هذا إلى زهد ترتعد له فرائص الحارث بن أسد (٦)، ويظنّ سري السقطي أن ما عنده قد كسد.
ولي القضاء على شرط على أن لا يلزم بتغيير زيه، ولا ركوب بغله، ولا ركوب قدام المحمل السّلطاني، في دوران، ولا وداع، ولا ملتقى، وأن يكون له النظر في أوقاف طائفة الحنابلة، من غير معارضة، وغير ذلك.
فأجيب إلى هذا جميعه، فلم يغير زيه الذي كان عليه، وقام بالحق وسدّد وقارب، وفعل فوق ما كان يظن في الإمكان لسوء الزمان، وخلّص كثيرا من الأوقاف التي كان استولي عليها حتى فتح مدارس كان قد أغلقت منذ أزمان، منها: الصاحبية (٧): بسفح قاسيون، والدنيسريه (٨) للطب، وعمر الدواثر،
стр. 2591
ورمّم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقاما لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله.
وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارا صالحا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد، إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاءة (١) مع كفاية.
فغضب تنكز لذلك وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟.
فقال لرسوله: قل له: مثلما زوّجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي.
وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب.
فلما أعيد عليه الجواب، زاد غضبه، ولم يقدر يتكلم.
وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها، حتى نمت متحصلاتها، وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء، وولي أمورها للكفاة، وتولاها بالعفاف والخبرة، حتى درّت إدراراتها وتسهّلت أرزاق الطلبة، ثم جعل لكل من عرض عليه كتابا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو، جعالة (٢)، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهمم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء، وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للإشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب. وكان يسمح لمن عرض
стр. 2592
عليه ويوصيه ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا - دون قضاة بقية المذاهب - عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل.
وكان مدة ولايته كلها على حاله الأول، متقلّلا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبا اكترى دابة من حمير الكراء، يركب عليها بالأجرة، ويمشي والمئزر تحت إبطه، يفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج، هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.
قال لي بعض بطائنه (١): إنه ما كان يأكل إلا من مقرر أعاده المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية (٢) القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده.
وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مسجد أو إصلاح طريق من طرق المسلمين يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين به في ذلك البر، وتهيّأ له في هذا كل عجيب.
حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك. وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي
стр. 2593
النحو عليه، أجلّه عن السؤال عن هذا، غير أنني كنت إذا رأيته أتوسم سيما السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأوّل، وأظنّ - والله أعلم - أنه لو مدّ له في العمر، غطّت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين.
وحجّ مرات؛ رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى.
وحجّ بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله وجماله وغالب الطريق وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر (١)، ورغبة في احتساب الخطوات، ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظّمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي ﵁ يفعل، ولقد كان يحج ماشيا، والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت، فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حجّ معي، وحجّ معه، حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسّنّة المأثورة، فرحمه الله، وغفر له، لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا.
ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن أشربون ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق.
وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده ما هو عليه -:
هو يد لم تؤيد بساعد.
وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيّما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه
стр. 2594
زيف، ولا يدخل عليه بهرج، ولا يفضله أحد في حسن النقد، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألفهم ولا ينفرهم، ويستر فضائحهم، ولا يكشفها، مع الاحتراز لنفسه، والاحتياط لدينه.
وحقد عليه بعض أصحابنا الشافعية لقيامه مع العلامة أبي عبد الله بن قيم الجوزية، وأصحاب ابن تيمية، وأسرّوها له، واستعانوا بدوادار النائب، وكان لا يصدر ولا يورد إلا به، وكان متحمّلا عليه لعدم قبول شفاعاته، فشرع في بناء حوانيت في وجه وقف يريد بها ارتفاع الوقف، وينمي أجوره، فقالوا: هذا ما يجوز. وعقد له مجلس انتدب فيه ابن جملة للمحاققة، وأبرز فيه وجه المقابحة، وتبسط في الأقوال الفاضحة، فحكم بهدم ما كان شرع في بنائه، وقام - رحمه الله تعالى - بدائه، فعزم على الحج، واجتمعت به لأسبطه وأثبطه، فقال لي:
هيهات، والله، والله، لأستبدلن دارا خيرا من دارهم، وجارا خيرا من جارهم، ولأقيمنّ بالمدينة، ثم انطلق أوان الحج، فكان ما أراد، إلا أنه أقام ميتا لا حيا، أتى المدينة متمرّضا، ومات بها في التوجه، ودفن بالبقيع، قريب من قبر عقيل بن أبي طالب ﵁. فرحمه الله، وغفر له، ونعّمه في تلك الدار، وأوجب له حق الجوار.
стр. 2595
ومنهم:
٢٥ - عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزّريراني (١)، ثم البغدادي (¬*)
الحنبلي، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو بكر.
لمحة فضل تغتنم، ولمعة بارق في ليلة لم ينم، طبق الرّبى والوهاد، وفرّق الكرى والسهاد، وجعل قراءة الكتب طيفه الذي يهم، وسهاده الذي يمنع إغفاءه أن يلم، ولقي العلماء وما بقل نبت عارضه، ولا أثار أرض الصبا بذلوله ولا فارضه، ولا ألمّ بالشباب وهو في ميعته إلا إلماما، ولا صرف إليه ونية (٢) ذهنه ولا اهتماما، حتى حصل من العلم جليله، وبلّ به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلة مسهمة ما أكنّت مثلها الحلل ولا المضارب.
ولد: في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم، وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علّامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني (٣).
انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقرّ له الموافق والمخالف.