ورمّم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقاما لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله.
وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارا صالحا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد، إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاءة (١) مع كفاية.
فغضب تنكز لذلك وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟.
فقال لرسوله: قل له: مثلما زوّجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي.
وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب.
فلما أعيد عليه الجواب، زاد غضبه، ولم يقدر يتكلم.
وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها، حتى نمت متحصلاتها، وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء، وولي أمورها للكفاة، وتولاها بالعفاف والخبرة، حتى درّت إدراراتها وتسهّلت أرزاق الطلبة، ثم جعل لكل من عرض عليه كتابا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو، جعالة (٢)، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهمم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء، وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للإشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب. وكان يسمح لمن عرض
стр. 2592
عليه ويوصيه ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا - دون قضاة بقية المذاهب - عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل.
وكان مدة ولايته كلها على حاله الأول، متقلّلا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبا اكترى دابة من حمير الكراء، يركب عليها بالأجرة، ويمشي والمئزر تحت إبطه، يفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج، هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.
قال لي بعض بطائنه (١): إنه ما كان يأكل إلا من مقرر أعاده المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية (٢) القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده.
وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مسجد أو إصلاح طريق من طرق المسلمين يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين به في ذلك البر، وتهيّأ له في هذا كل عجيب.
حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك. وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي
стр. 2593
النحو عليه، أجلّه عن السؤال عن هذا، غير أنني كنت إذا رأيته أتوسم سيما السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأوّل، وأظنّ - والله أعلم - أنه لو مدّ له في العمر، غطّت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين.
وحجّ مرات؛ رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى.
وحجّ بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله وجماله وغالب الطريق وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر (١)، ورغبة في احتساب الخطوات، ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظّمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي ﵁ يفعل، ولقد كان يحج ماشيا، والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت، فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حجّ معي، وحجّ معه، حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسّنّة المأثورة، فرحمه الله، وغفر له، لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا.
ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن أشربون ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق.
وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده ما هو عليه -:
هو يد لم تؤيد بساعد.
وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيّما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه
стр. 2594
زيف، ولا يدخل عليه بهرج، ولا يفضله أحد في حسن النقد، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألفهم ولا ينفرهم، ويستر فضائحهم، ولا يكشفها، مع الاحتراز لنفسه، والاحتياط لدينه.
وحقد عليه بعض أصحابنا الشافعية لقيامه مع العلامة أبي عبد الله بن قيم الجوزية، وأصحاب ابن تيمية، وأسرّوها له، واستعانوا بدوادار النائب، وكان لا يصدر ولا يورد إلا به، وكان متحمّلا عليه لعدم قبول شفاعاته، فشرع في بناء حوانيت في وجه وقف يريد بها ارتفاع الوقف، وينمي أجوره، فقالوا: هذا ما يجوز. وعقد له مجلس انتدب فيه ابن جملة للمحاققة، وأبرز فيه وجه المقابحة، وتبسط في الأقوال الفاضحة، فحكم بهدم ما كان شرع في بنائه، وقام - رحمه الله تعالى - بدائه، فعزم على الحج، واجتمعت به لأسبطه وأثبطه، فقال لي:
هيهات، والله، والله، لأستبدلن دارا خيرا من دارهم، وجارا خيرا من جارهم، ولأقيمنّ بالمدينة، ثم انطلق أوان الحج، فكان ما أراد، إلا أنه أقام ميتا لا حيا، أتى المدينة متمرّضا، ومات بها في التوجه، ودفن بالبقيع، قريب من قبر عقيل بن أبي طالب ﵁. فرحمه الله، وغفر له، ونعّمه في تلك الدار، وأوجب له حق الجوار.
стр. 2595
ومنهم:
٢٥ - عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزّريراني (١)، ثم البغدادي (¬*)
الحنبلي، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو بكر.
لمحة فضل تغتنم، ولمعة بارق في ليلة لم ينم، طبق الرّبى والوهاد، وفرّق الكرى والسهاد، وجعل قراءة الكتب طيفه الذي يهم، وسهاده الذي يمنع إغفاءه أن يلم، ولقي العلماء وما بقل نبت عارضه، ولا أثار أرض الصبا بذلوله ولا فارضه، ولا ألمّ بالشباب وهو في ميعته إلا إلماما، ولا صرف إليه ونية (٢) ذهنه ولا اهتماما، حتى حصل من العلم جليله، وبلّ به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلة مسهمة ما أكنّت مثلها الحلل ولا المضارب.
ولد: في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم، وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علّامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني (٣).
انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقرّ له الموافق والمخالف.
стр. 2596
وكان قد قرأ الفقه ببغداد على جماعة، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدين [ابن] (١) المنجا، ومجد الدين إسماعيل، ثم عاد إلى بلده وأعاد وأفاد، ولازم الاشتغال ليلا ونهارا، ثم درّس بالمدرسة المستنصرية، وتولى قضاء الحنابلة مع التقشف والصيانة، وصار عالم العراق على الإطلاق، وآية في الفقه ومعرفة مذاهب الأئمة الأربعة.
قال الشيخ أبو الخير الذهلي: حكى لي بعض الفضلاء ببغداد، قال:
"اجتمع الشيخ تقي الدين الزريراني وجماعة من علماء بغداد في مجلس، فوقعت مسألة، فسأل الشيخ تقيّ الدين، ابن المطهر عن حكمها في مذهبه؟.
فأجاب عنها. فقال له الشيخ تقي الدين: مذهبكم خلاف ما نقلت لنا!.
والصحيح عندكم كذا وكذا. وأوقفه على النقل، فأذعن له ابن المطهر" (٢).
قال: وحكى ابن خميس، الفقيه الحنبلي، قال: جاءت فتيا من واسط، فكتب عليها بعض الشافعية والمالكية، والحنفية، وحملوها إلى الشيخ تقي الدين، فلما قرأها قال: أخطأ الجماعة كلّهم في الجواب، وطلبهم. وقال:
الصحيح من مذهبكم كذا وكذا، فسلّموا له، ورجعوا إلى قوله.
قال: ومن محفوظاته: "الهداية"، لأبي الخطاب، والخرقي (٣)، وطالع "المغني"، للشيخ موفّق الدين ثلاثا وعشرين مرة، وعلّق عليه حواشي مفيدة، وشرع في شرح "المحرر"، فكتب منه قطعة من أوله، وكانت دروسه منقحة مفيدة، يزيد في كل يوم على أربعمائة سطر، مع ضيق وقته، واشتغاله بأمر القضاء، والعيال، ويتردد إليه العلماء من الطوائف الأربع، ويستفيدون منه، وكذلك المحدّثون،
стр. 2597
يسألونه عن أسماء الرجال، وصحيح الحديث، وسقيمه، والتاريخ.
وكان ذهنه يتوقّد ذكاء، مع فكرة صائبة، وعذب عبارة، وحسن خط، ولفظ، وشكل. ومدحه جماعة من الأئمة الفضلاء.
وتوفي: في الليلة المسفر صباحها، عن يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى، سنة: تسع وعشرين وسبعمائة.
وأخرج يوم الجمعة، فصلّي عليه بالمدرسة المستنصرية، وحضر جنازته خلق عظيم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد (١).
ومنهم:
٢٦ - محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزي (¬*)
الحنبلي، العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله.
خطّى المجد النبت أسلا، وطائر الشهد المجني عسلا، لسان الفضل وقلمه، وعلم العدل وعلمه، ومثقف الشرع وسمهريه (٢)، وفاروق الحق وعبقريه، طال أرومة (٣)، وطاب جنى وأكرومة، بلزوم طريقة تقفّى المجرة عليها، وتقف الجبال المشمخرة (٤) لديها، مدّ على مرمى الطرف سجافها، وأدار بكؤوس الصباح سلافها (٥)، بنهمة حمد في طلب العلم إسرافها، وحدّ على مراقب النجوم إسفافها، لهمّة لا قصور في باعها، ولا قصور إلا في رباعها، فما ردّت الغايات
стр. 2598
جماحه، ولا ردت بغير رياش السحب جناحه، إلى أن شطّ مزارا وقطوف الثريا دانية، ونشط بدارا وعصوف الرياح متوانية، فنزل من السماء في عليائها، وترك السحائب وراءه قطائع من إعيائها، ورسا كما رسا أبان (١)، ووصل بشباب الليالي ذوائب شيبان.
ولد: يوم الأحد، منتصف شوال، سنة إحدى وثمانين وستمائة.
حفظ القرآن العظيم في صباه، واشتغل بالفقه، وحفظ: "المقنع"، وقرأ الأصلين، والعربية، واللغة، والمنطق، والطب، وعلم التصوف، وبهر في ذلك (٢).
وكان إماما، علّامة، زاهدا، كثير التلاوة للقرآن مع صلاة وصيام، وتهجّد في الليل، شجاعا، شهما، قوّالا بالحق، مهيبا، وقورا، يتوقد ذكاء، وله اليد البارعة في جميع الفنون، وله الشعر الفائق، والنظم الرائق، مليح المذاكرة، حلو النادرة، سخي النفس.
سافر إلى بلاد الهند، وبحث مع علمائها، واستظهر عليهم في البحث، وأبان عن علم غزير، وفضل كبير، فأذعنوا له، وتقدّم عليهم عند سلطانها، وأقرّوا له بالفضل والعلم، وصنّف للسلطان كتابا في الطب، نظما ونثرا، فأعجبه ذلك، وسأله الإقامة عنده، فلم يفعل، فعاد إلى بغداد، وعيّن معيدا بالمدرسة المستنصرية، ثم ولي تدريسها بعد الزريراني (٣).
ومن شعره قوله:
ثكلت مني نفسي إن اخترت غيره … إماما لغايات عظام أرومها
وإن سمحت نفسي لغير محمد … بمدح فلا انجابت بذكري غيومها
وإن جنحت إلا إليه مطيّتي … فتعسا لها والعاصفات تعومها
стр. 2599
توفي: يوم الأحد، سادس عشر شوال، سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (١).
وأخرج بكرة نهار الاثنين، فشيّعه القضاة، والعلماء، والفقهاء، وأرباب المناصب في عالم كثير، وجمّ غفير، وصلّى عليه بجامع القصر، بدار الخليفة، ثم صلّى عليه ثانيا بالمدرسة المستنصرية، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ومنهم:
٢٧ - أحمد بن الحسن بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمرو المقدسي (¬*)
الحنبلي، العلامة، شرف الدين، أبو العباس.
بحر دره عجب، وغمام شكره رجب، روض يطلع ألوانا، ودوح يجمع صنوانا، وفاضل ما شئت منه اقتبس، وكامل ما طلبت منه التمس.
انتهى إليه الطلب، والتهى لديه المستوفز عن المنقلب، إن فسّر فما (الواحدي) بأوحد، ولا (الرازي) ممن وقف عند الحد، ولا (الثعالبي) إلا ممن أوكر خوفا منه فأقبره وألحد، لو أدركه (الخرقي) لسأل منه رقع ما خرق، أو (ابن نقطة) لاستكفى منه الغرق، أو (الغيلاني) لداخله خوفا منه لا يأكله الفرق، أو (السيف الآمدي) لما أسهر جفنه الأرق، بل لو عدل إلى بقية العلماء لما عدّ أحدا من القدماء، ولا عدل به (المحاملي) إذا ظعن، ولا صاحب أبي حنيفة وكلّ منهما ابن الحسن (٢)، ولا شبّه (الباجي) وإن جيء به قبله في الزمن، بل لو ساوم
стр. 2600
(الرماني) لرمى نهود رمانه بالبوار، وبرقع خدود زمانه حياء بالجلنار (١). أو لزّ به في غرائب اللغة (أبو عبيدة) لأنف استعباده، أو (ابن قريب) (٢) لما قرّب بعاده، أو (جنادة) اللغوي لجعل من جملة أجناده جناده. أو نسب إليه في النحو (ابن المرزبان) لما بان، أو (ابن جنّي) لأصبح ذاهل الجنان، أو (ابن رشيق) لأنكر معاطف كلمه، أو (ابن وكيع) لتكعكع دون حكمه، أو (العسكري) أكبر أئمة الأدب لما جاء إلا تحت علمه.
مع منقول ما حفظها الحافظ (الخطيب)، ولا جاء (ابن عساكر) قريبا منها إلا بالتقريب، إلى ما يفلّ به (أفلاطون)، ويقرر (أرسطو) أن مخالفيه يخطؤون، بذكاء لو رأى ضوء ناره (إياس) ليئس، أو جرى على آثاره (ابن الجوزي) لبئس، كل هذا إلى أصل عريق، وفضل وريق، وخلق ألين من تنبيه الشفيق، وأندى مما ترشفه شمس الضحى من ريق الغوادي بكؤوس الشقيق.
تفقّه على مجد الدين إسماعيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأخذ عنه، وعن أخيه شرف الدين عبد الله. (٣).
وكتب إليّ: -
الله أحمد إذ رأيت لسيد … قسّ البلاغة زنده قدّاح
هو بحرها الطمطام لا بل نحرها … هو فخرها، بل فجرها الوضّاح
سلطانها، إنسانها، بل عينها … ما قلت من ذا ليس فيه جناح
أسلاله الأطهار ما هذا الذي … طرف العوالم نحوه طمّاح
أبرزت إبريزا يفوق نضارة … بل جوهرا هو ماطر سحّاح
стр. 2601
وجليت في هذا الوجود عرائسا … ظهرت يزين جمالها الإفصاح
فتفطّرت كبد المعاند جهرة … حقا كأنّ نثارها الأرواح
فأجبته: -
وافت إليك وما أضاء صباح … بيض أوانس كلّهنّ صباح
بيض عواطر ما هبين لسحرة … إلا وهنّ صبابها وصباح
حمّرن أطراف البنان وإنّما … خمّرنها وكذا تكون الراح
وبناظري منهنّ بدر طالع … والبدر يجنح ما عليه جناح
ويزينه سمراء تنبت بالنقا … يا خدّها من أين ذا التفّاح
وأنت من شرف المدينة قد أتت … والحيّ باد والرجال فصاح
قد عوّدوا شرب اللقاح لأجل ذا … أمسوا وحيهم المشط لفاح
أبيات حسن طفت حول فنائها … والليل منتطق عليه وشاح
فرأيت ما ملأ العيون محاسنا … متّعت ما كل الملاح ملاح
أصداف ريم خفت رب كناسها … لولاه قلت بأنها أقداح
شكرا لمنته فقد قلّدتها … وكلاهما للجوهري (صحاح)
وأريد أمدحه وباعي قاصر … هيهات أن بلغ السما مدّاح
(١)
وهذا من الفقهاء الحنابلة آخر من ذكر، وبتمامهم تمام المختار من مشاهير الأعلام، من مذاهب الأئمة الأربع المجمع عليهم في العصور والأمصار إلى وقتنا هذا.
وسنذكر بعدهم مشاهير الفقهاء الظاهرية، الآخذين بالظاهر دون التأويل،
стр. 2602
وإنما ذكرناهم معهم، وأعقبنا بهم جمعهم، اقتداء بالشيخ العلامة أبي إسحاق الفيروزآبادي - رحمه الله تعالى - إذ ذكرهم في طبقات الفقهاء، وجعلهم فرقة خامسة، ولم يكن إلا التّسليم إليه، وإن أمكن فيه المنافسة (١): -
فإمامهم:
١ - الإمام أبو سليمان داود بن [علي بن] (٢) خلف الأصبهاني، ثم البغدادي (¬*)
مولى المهدي، إمام أهل الظاهر، وتمام الفضل الباهر، قلب العلم ولسنه، وكري الحلم ووسنه، طالما خلّى بيده زمام الأدب ورسنه، وخلّف بتعهد شقيق
стр. 2603
الروض وسوسنه، وكان للمجالس زينا، ولأهل المدارس عينا، لفضائل فسيحة الفضاء، وفواضل صحيحة القضاء، وخلق بات النسيم يدمثه، وخلق ودّ ثاني القمرين (١) لو يثلّثه، إلى أجوبة حاضرة، وأندية لبادية وحاضرة، وديم تسحب مطارفها الأنواء، وشيم تبلل معاطفها الأنداء.
ولد: سنة مائتين، وقال أبو إسحق الشيرازي: سنة ثلاث ومائتين (٢).
وسمع الحديث، وجالس الأئمة، وصنّف الكتب، وأخذ العلم عن إسحاق، وأبي ثور، وكان زاهدا، متقلّلا (٣).
قال أبو بكر الخطيب: كان إماما، ورعا، ناسكا، زاهدا، وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدا (٤).
وقال أبو إسحاق: قيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان (٥) أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، صنّف كتابين في فضائله، والثناء عليه.
قال: وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد (٦).
قال أبو عمرو المستملي: رأيت داود بن علي يرد على إسحاق بن راهويه، وما رأيت أحدا قبله، ولا بعده يرد عليه، هيبة له (٧).
وقال عمر بن محمد بن بجير: سمعت داود بن علي يقول: دخلت على
стр. 2604
إسحاق بن راهويه، وهو يحتجم، فجلست، فأخذت كتب الشافعي، فجعلت أنظر، فصاح: أيش تنظر؟. فقلت: ﴿مَعاذَ اَللّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]. فجعل يضحك (١).
وقال المرّوذي: كان داود قد خرج إلى خراسان، إلى إسحاق بن راهويه، فتكلّم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد وآخر، شهدا عليه أنه قال: "القرآن محدث". فقال لي أبو عبد الله: من داود بن علي؟. لا فرج الله عنه!. قلت:
هذا من غلمان أبي ثور. قال: جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري: أنّ داود الأصبهاني قال ببلدنا: "إنّ القرآن محدث! " (٢).
قال المرّوذي: حدّثني محمد بن إبراهيم النيسابوري: أن إسحاق بن راهويه لما سمع كلام داود في بيته، وثب عليه إسحاق، فضربه، وأنكر عليه (٣).
قال أبو محمد بن حزم: إنما عرف بالأصبهاني لأنّ أمه أصبهانية، وكان أبوه حنفيّ المذهب، قال: وكتب داود ثمانية عشر ألف ورقة (٤).
قال ابن كامل: توفي في رمضان سنة سبعين (٥) ومائتين.
стр. 2605
ومنهم:
٢ - أبو بكر محمد بن داود (¬*)
نبعة زلال، وطلعة هلال، لو شاء لألان الصخرة الصمّاء، وأماط عن معطف الليل الظّلماء، بألفاظ تروّض الجامح، وتردّ الجانح، لوفور نصيب تحلق (١) على الناطح، وفنون نسيب تحل العصم سهل الأباطح. هذا إلى مدد غزير، وفضل غرير، وعلم لا ينقصه انتهاب الطّلاب، ولا تعرّيه كثرة السّلاب، كضياء المصباح يزيد إذا اقتبس، والماء القراح (٢) يطيب إذا حبس، لو رآه سلف العشّاق لتكثر به (كثيّر)، واستسقى منه (ابن مطير)، ولبنى على قواعده بيوت أغزاله (صاحب لبنى)، ورمم (ذو الرمة) ما له من طلل ألفاظ بلا معنى.
حفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وذاكر الرجال بالآداب والشعر، وله عشر سنين، وسمع الحديث من جماعة.
قال أبو بكر الخطيب: لما جلس محمد بن داود الأصبهاني بعد وفاة أبيه
стр. 2606
يفتي، استصغروه عن ذلك، فدسوا إليه رجلا، وقالوا له: سله عن حدّ السكر ما هو؟.
فأتاه الرجل، فسأله عن حد السكر، ما هو؟. ومتى يكون الإنسان سكران؟.
فقال محمد: إذا عزبت (١) عنه الهموم، وباح بسره المكتوم.
فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم (٢).
وكان يشاهد في مجلسه أربعمائة صاحب محبرة (٣).
وروى بسنده عن رويم بن محمد، قال: كنا عند داود بن علي الأصبهاني، إذ دخل عليه ابنه محمد، وهو يبكي، فضمّه إليه، وقال: ما يبكيك؟.
قال: الصبيان يلقّبوني، قال: فعلى أيش حتى أنهاهم؟. قال: يقولون لي شيئا. قال: قل لي ما هو حتى أنهاهم عن الذي يقولون.
قال: يقولون لي: يا عصفور الشوك.
قال: فضحك داود. فقال له ابنه: أنت أشدّ عليّ من الصبيان، مم تضحك؟.
فقال داود: لا إله إلا الله، ما الألقاب إلا من السماء، ما أنت يا بنيّ إلا عصفور الشوك (٤).
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: حدثني أبو العباس الخضري، شيخ كان بطبرستان، قال: كنت جالسا عند أبي بكر محمد بن داود، فجاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة، لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها. ومعنى
стр. 2607
قولها: "لا هو ممسكها: أنه لا يقدر على نفقتها".
فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصّبر والاحتساب، ويبعث على التطلب والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، وإلا يحمل على الطلاق.
قال أبو العباس: فلم تفهم قوله، وأعادت فسألته، وقالت له: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟.
فقال: يا هذه! قد أجبتك عن مسألتك. وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان، فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي!. انصرفي رحمك الله.
قال: فانصرفت المرأة ولم تفهم جوابه!! (١).
وروى الخطيب بسنده، قال: كان أبو بكر بن داود، وأبو العباس بن سريج إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرا ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدّمه أبو بكر يوما، فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟
فقال: إنه إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل، فشرع فيه. ودخل ابن سريج؛ فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه.
فقال ابن سريج لابن داود: أولا يا أبا بكر - أعزّك الله - هذا قول من من المسلمين تقدمكم فيه؟.
فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي؟، أحسن أحوالهم أن أعده خلافا، وهيهات أن يكونوا كذلك.
стр. 2608
فغضب ابن سريج، وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب "الزهرة" أمهر منك في هذه الطريقة.
فقال أبو بكر: وبكتاب "الزهرة" تعيّرني؟، والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن [أحد المناقب لي] (١)، إذ كنت أقول فيه:
أكرر في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرّما
وينطق سري عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رده لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم … فما إن أرى حبّا صحيحا مسلّما
فقال له ابن سريج: أو عليّ تفخر بهذا القول، وأنا الذي أقول:
ومشاهد بالغنج من لحظاته … قد بتّ أمنعه لذيذ سباته
ضنّا بحسن حديثه وعتابه … وأكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصّبح لاح عموده … ولّى بخاتم ربّه وبراته
فقال أبو بكر: أيّد الله القاضي، قد أقرّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادّعى البراءة مما توجبه، فعليه إقامة البينة.
فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقرّ إذا أقرّ إقرارا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته.
فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان.
فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة! (٢).
وروي أيضا عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم النحوي نفطويه، قال: دخلت إلى أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك؟.
стр. 2609
فقال: حبّ من تعلم، أورثني ما ترى!.
فقلت: ما منعك من الاستمتاع به، مع القدرة عليه؟.
فقال: الاستمتاع على وجهين؛ أحدهما: النظر المباح. والثاني: اللذة المحظورة. فأما النظر المباح فأورثني ما ترى. وأما اللذة المحظورة، فإنه منعني منها ما حدّثني به أبي، قال: حدّثنا سويد بن سعيد، ثنا (١) علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "من عشق، وكتم، وعفّ، وصبر، غفر الله له، وأدخله الجنة" (٢).
ثم أنشدنا لنفسه:
انظر إلى السحر يجري في لواحظه … وانظر إلى دعج (٣) في طرفه الساجي (٤)
وانظر إلى شعرات فوق عارضه … كأنّهنّ نمال دبّ في عاج (٥)
وأنشدنا لنفسه أيضا:
ما لهم أنكروا سوادا بخدّي … هـ، ولا ينكرون ورد الغصون؟
стр. 2610
إن يكن عيب خدّه بدّد الشع … ر، فعيب العيون شعر الجفون
فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبتّه في الشعر؟!.
فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعوا إليه.
قال: ومات في ليلته، أو في اليوم الثاني، في رمضان، سنة سبع وتسعين ومائتين (١).
وقال أبو بكر في كتاب" الزهرة "عقيب هذا الحديث: " ولو لم تكن عفة المتحابّين عن الأدناس، وتحاميهما ما ينكر في عرف كافة الناس محرّما في الشرائع، ولا مستقبحا في الطبائع، لكان الواجب على كل واحد منهما تركه إبقاء على ودّه عند صاحبه، وإبقاء على ودّ صاحبه عنده.
ومن شعره، قوله:
أحبّ إليّ من الصبر عنك … فؤاد جريح وطرف قريح
إذا ما سألتك عطفا تريح … به مهجتي فأنا المستريح
فلا تنجز الوعد خوف السلوّ … فإنّي على زفراتي شحيح
ومنه قوله:
بعينيك ما ألقى إذا كنت حاضرا … وإن غبت، فالدنيا عليّ محابس
إذا لم أنافس في هواك ولم أغر … عليك، ففيمن ليت شعري أنافس
فلا تحتقر نفسي وأنت حبيبها … فكل امرئ يصبو إلى من يجانس
ومنه قوله (٢):
قدمت قبلك قد والله برح بي … شوق إليك، فهل لي فيك من حظّ؟
стр. 2611
قلبي يغار على عيني إذا نظرت … بقيا عليك، فما أروي من اللحظ؟
ومنه قوله (١):
جعلت فداك إن صلحت فداء … لنفسك نفس مثلي أو وقاء
وكيف يجوز أن تفديك نفسي؟ … وليس محلّ نفسينا سواء
وقال محمد بن داود: ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتّاب، وبدأت بعمل كتاب "الزهرة"، وأنا في الكتّاب، ونظر أبي في أكثره (٢).
وروى الخطيب عن محمد بن الحسين، قال: كان محمد بن داود، وأبو العباس بن سريج يسيران في طريق ضيّقة، فقال ابن سريج: الطرق الضيقة تورث العقوق، فقال له محمد بن داود: وتوجب الحقوق.
وقال ابن سريج لابن داود في كلام ناظره فيه: عليك بكتاب "الزهرة".
فقال: ذاك كتاب عملناه هزلا، فاعمل أنت مثله جدا (٣).
وقال عبيد الله بن عبد الكريم: كان محمد بن داود خصما لابن سريج، وكانا يتناظران، ويترادّان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داود، نحّى مخادّه، ومساوره (٤)، وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب يأكل لسان محمد بن داود! (٥).
وذكر ابن النجّار: أن محمد بن داود صنع خاتما ونقش عليه سطرين:
الأول: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. والسطر الثاني: ﴿فَلا﴾
стр. 2612
﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]. وكان إذا رأى رجلا يلحّ بالنظر إلى الأحداث، قال له: اقرأ ما على هذا الخاتم، فينتهي عن ذلك.
ومن شعره أيضا (١):
حملت جبال الحب فيك وإنّني … لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماجة … ولكنّه شيء به الروح تكلف
ومنه قوله في حبيبه محمد بن زخرف (٢):
يا يوسف الحسن تمثيلا وتشبيها … يا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شكّ في الحور فلينظر إليك فما … صيغت معانيك إلا من معانيها
ما للبدور وللتحذيف (٣) يا أملي … نور البدور عن التحذيف يغنيها
إن الدنانير لا تجلى وإن عتقت … ولا تزاد على النقش الذي فيها
قال الخطيب (٤): كان ابن داود يميل إلى محمد بن جامع، وبسببه عمل كتاب "الزهرة"، وقيل: إن محمد بن جامع دخل الحمّام، وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة، فنظر إلى وجهه، فغطّاه، وركب إلى محمد بن داود، فلما رآه مغطّى الوجه خاف أن يكون لحقته آفة، فقال: ما الخبر؟. فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته، وأحببت أن لا يراه أحد قبلك!. فغشّي على محمد بن داود.
وكان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشق إلا هو!. وقيل: إن النفقة كانت في كل يوم عشرين دينارا.
стр. 2613
وذكر ياقوت الحموي في ترجمة نفطويه زيادة غريبة، وهي أنه قال: دخلت على ابن داود، وذكر القصة التي تقدّمت، والحديث، قال نفطويه: ثم غشّي عليه ساعة، وأفاق ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلقك قد سكن!، وعرق جبينك قد انقطع، وهذه أمارة العافية. فأنشأ يقول:
أقول لصاحبيّ وسلّياني … وغرّهما سكون حمى جبيني
تسلّوا بالتعزّي عن أخيكم … وخوضوا في الدعاء وودّعوني
فلم أدع الأنين لضعف سقم … ولكنّي ضعفت عن الأنين
ثم مات من ليلته، فيقال: إن نفطويه انفجع عليه، وجزع جزعا شديدا، ولم يجلس للناس سنة كاملة، ثم ظهر بعد السنة، فجلس. فقيل له في ذلك؟.
فقال: إنّ أبا بكر بن داود قال لي يوما، وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء - فقال لي: أقلّ ما يجب للصديق أن يحزن على صديقه، عملا بقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فحزنّا عليه سنة، كما شرط.
وذكر ابن السمعاني: أن ابن جامع معشوق ابن داود قال: دخلت على المتقي بالله أمير المؤمنين، فسألني عن أبي بكر بن داود، هل رأيت منه ما تكره؟.
قلت: لا يا أمير المؤمنين، إلا أنّي بتّ عنده ليلة، فكان يكشف عن وجهي، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني لأحبه، وإني لأراقبك فيه.
قال: فما بلغ من رعايتك من حقه؟.
قلت: دخلت الحمّام، فلما خرجت، نظرت في المرآة، فاستحسنت صورتي فوق ما أعهد، فغطيت وجهي وآليت أن لا ينظر إلى وجهي أحد قبله. وبادرت إليه، فكشف وجهي، ففرح، وسرّ، وقال: سبحان خالقه ومصوره!. وتلا: ﴿هو﴾
стр. 2614
﴿اَلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اَلْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] (١).
وذكر ابن النجّار: أنّ ابن سريج كانت له جارية توقظه بالليل للمطالعة، فلما مات ابن داود، جاءت الجارية لتوقظه، فقال لها: ويلك الذي كنّا نسهر لأجله قد مات!.
وهذه نبذة يسيرة من كتاب: "الزهرة" (٢): -
"أطال الله في العزّ الدائم بقاك، وصان عن غير الأيام نعماك، وجعلني غرضا للنوائب فداك (٣)، وقدّمني إلى ورود الحمام قبلك [وابقاك] (٤).
أما بعد: أدام الله الرغبة إليك، وجعل معتمد أوليائك عند المهمّات لديك (٥)، فإني وإن بخل عليّ الزمان بوفائك، ونافستني الأيام فيما أعتصم به من جميل (٦) إخائك، لمنطو (٧) من المودة لك، والثقة بك، والرعاية لحقّك، والأنس بقربك، على حال تفنى الأوصاف دون فنائها، وتنقضي الآجال قبل انقضائها، ولن يعدل بي [شكوى] (٨) ما شكوت وجوده من تواتر جفائك، وألمت لفقده من صحة وفائك، عن المسارعة إلى طاعتك، والوقوف عند محبتك، فإنّ من حسن وداده قبح استفساده، ومن صحّت مودّته وجبت طاعته، ولست أفعل ذلك.
стр. 2615
قدّمني الله قبلك وقاء لك، بدلا من وفائك، ولا مجازاة لك على عدلك وإحسانك (١)، ولا ملتمسا به الذريعة إليك، ولا متفضّلا به عليك، لأنّ من دعاه [إلى الوفاء لصاحبه وفاؤه، دعاه إلى الغدر جفاه، ومن دعاه] (٢) العدل إلى الإنصاف دعاه الجور إلى الانتصاف، ومن دعاه إلى فعل المكرمات رغبة في المجازاة، دعاه إلى تركها ظفرة بأمنيته، أو يأسه من لحاق طلبته.
وكيف يكون متفضّلا عليك من ليست له فضيلة إلا وهي مردودة إليك، ولئن حرمت العلم بفضلك علي، مع ما حرمته من رغبتك فيّ، وميلك إلى، لقد حرمت حظا جزيلا، وخيرا كثيرا، ولكن السبب (٣) الباعث لي على طاعتك، والمذلّل لي عند سطوتك، والباسط (٤) إليّ العذر فيما تجنيه، والمعدل لك عليّ فيما تدّعيه، سبب يلطف عن أن يعاين بالإبصار، ويدقّ عن أن يدرك بالفحص والاعتبار. إن رمت إخفاءه وجد، وإن حاولت إظهاره فقد، فهو شيء منعني عن وصف جنسه اشتغالي به في نفسه، وتقطّعني مسامرته عن المسامرة [به] (٥)، ويعوقني التفرد بمغازلته (٦) عن التعرض بصفاته، كما قال بعض أهل هذا العصر:
ينسى الهوى وصفه من حلّ ذروته … كالأرض يشغل عنها من ثوى فيها
لا أقول: شيئا وقع لي اضطرارا، فأقرّ بأنّي لم أكن مختارا، ولا أقول:
أوسعته (٧) لنفسي اكتسابا، فأكون إذ نفيته عن نفسي كذابا، ولا أزهد فيه
стр. 2616
فأرغب في سواه، ولا يفارقني فأتمناه، محلّه من الروح محل الروح من الجسد، لا يدري الجسد ما الروح فيسرّ إذ جعل وعاه، ويحزن إذ لم يستودع سواه. وقد وقفت على ما وصفته من تصاريف الزمان، وخيانة الإخوان. واعلم أيدك الله - أنّ من عجيب ما تحضره الأيام، وتجول به الأوهام: ظالم يتظلّم!، وغابن (١) يتندّم، ومطاع يستظهر، وغالب يستنصر.
ما الذي تنكر - أدام الله عزك، وبسط بالخير يدك - من تغيّر الزمان، وأنت من أحدّ مغيّريه؟، ومن جفاء الإخوان وأنت المقدم فيه؟. أنت بأن تحتج له وتعتذر لفاعليه أولى (٢) منك أن تعيبه، وتذم مستعمليه … ".
إلى أن قال: (٣) (من كثرت لحظاته دامت حسراته) (العقل عند الهوى أسير، والشوق عليهما أمير) (من تداوى بدائه لم يصل إلى شفائه) (ليس بلبيب من لم يصف ما به للطبيب (٤)) (إذا صحّ الظفر وقعت الغير) (التذلّل للحبيب من شيم الأديب) (من طال سروره قصرت شهوره) (من كان ظريفا فليكن عفيفا) (ليس من الظرف امتحان الحبيب بالوصف) (سوء الظن من شدة الضّن) (من وفى له الحبيب هان عليه الرقيب) (من منع بكثرة (٥) الوصال قنع بقليل النوال) (من حجب عن الأحباب تذلّل للحجاب) (من منع من الوصول اقتصر على الرسول) (من أحبّه أحبابه وشى به أترابه) (من لم يعاتب على الزّلّة فليس بحافظ للخلة) (من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق (٦) أن يملّه ويقلاه)
стр. 2617
(بعد القلوب على قرب المزار أشد من بعد الديار [من الديار] (١)) (ما عتب من اغتفر ولا أذنب من اعتذر) (إذا ظهر الغدر سهل الهجر) (من راعه الفراق ملكه الإشفاق (٢)) (قلّ من سلا إلا غلبه الهوى) (من غلبه هواه على الصبر صبر لمن يهواه على الغدر) (من تجلّد على النّوى فقد تعرّض للبلوى) (في الوداع قبل الفراق بلاغ إلى وقت التلاق) (ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق) (من غاب قرينه كثر حنينه) (من لم يلحق بالحمول بكى على الطلول) (من قصر عن مصاحبة الجار لم ينفعه مساءلة الدار) (من منع من البراح تشوق بالرياح) (في لوامع البروق أنس للمستوحش المشوق) (في تلهّب (٣) النيران أنس للمدنف الحيران) (في نوح الحمام أنس للمتفرد المستهام) (من امتحن من المفارقة والهجر اشتغل فكره بالعيافة (٤) والزجر) (في حنين البعير المفارق أنس لكل صبّ وامق (٥)) (من فاته الوصال نعشه الخيال) (من منع من النظر استأنس بالأثر) (من حجب عن الأثر تعلّل بالذكر) (مسامرة الأوهام والأماني تنسب إلى العجز والتواني) (من قصر نومه طال ليله) (من غلب عزاؤه كثر بكاؤه) (نحول الجسد من دلائل الكمد) (طريق الصدّ بعيد وكتمان الحب شديد) (من غلب صبره ظهر سره) (من لم يقع له الهوى باكتساب لم ينزجر بالعتاب) (من قدم هواه قوي أساه) (من شابت ذوائبه جفاه حبائبه) (من يئس ممن يهواه فلم يتلف (٦) من وقته سلاه) (لا يعرف المقيم على العهد إلا عند فراق أو صد)
стр. 2618
(قليل الوفاء بعد الوفاة أجل من كثيره وقت الحياة).
وقال أيضا: "الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر يوجبه البغض المتمكن في القلوب.
فأما هجر الدلال: فهو ألذّ من كثير من الوصال.
وأما هجر الملال: فيبطله مرّ الأيام والليال. إما بنأي الدار، وإما بطول الاهتجار.
وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب: فالتوبة تذهبه من القلب.
وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي: فهو الذي لا دواء له.
قال ابن داود (١): حدّثتني مريم الأسدية، قالت: سمعت امرأة عقيلية تقول وهي على بعير لها تسر:
سقينا سلوة فسلا كلانا … أزال (٢) الله نعمة من سقانا
قالت مريم: فسألتها عن هواها (٣)، فقالت: كنت أهوى ابن عمّ لي، ففطن لي بعض أهل الحي، فسقوني وإياه شيئا، فسلا كلّ واحد منا عن صاحبه.
قال ابن داود: وهذه حال قلّ ما يقع مثلها، وهي ألطف محلّا من كل ما ذكرناه قبلها، وما نذكره بعدها. لأنّا [إنما] نصف من آثر المقام مع من يهواه على السلو عنه، والراحة من أذاه، [وهو بعد مقيم في هواه].
وصاحبة هذا البيت تسلّت عن محبوبها، وإنما تتأسّى على العشق لا على المعشوق.
وفي هذا النحو يقول بعض الهذليين (٤):
стр. 2619
إذا ما سألتك وعدا تريح … به مهجتي فأنا المستريح
فلا تعطني الوعد خوف السلو … فإني على حسراتي شحيح
أحبّ إليّ من الصبر عنك … فؤاد قريح وقلب جريح
ولقد أحسن الوليد بن عبيد، حيث يقول (١):
ويعجبني فقري إليك ولم يكن … ليعجبني - لولا محبتك - الفقر
وما لي عذر في جحودك نعمة … ولو كان لي عذر لما حسن العذر
وأحسن الذي يقول (٢):
وما سرّني أنّي خليّ من الهوى … على أن لي ما بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحبّ ذنبي إليكم … فلا غفر الرحمن ذلك من ذنب
وأحسن أيضا الذي يقول (٣):
أحببت قلبي لما أحبكم … وصار رأيي لرأيه تبعا
وربّ قلب يقول صاحبه … تعسا لقلبي، فبئس ما صنعا
قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار، لجميل (٤):
خليليّ!، فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟
فلو تركت عقلي معي ما تبعتها … ولكن طلابيها لما فات من عقلي
قال أبو بكر (٥): وهذا المعنى الذي في البيت الثاني داخل فيما عيّنّاه من أن
стр. 2620
من أقبل على من يهواه ما دام مفتقرا إليه، فليست له في ذلك منة عليه.
وقال أبو بكر (١): " أصل الهوى يتولّد من النظر والسماع، ثم يقوى حالا بعد حال، فإذا كان النظر الصاحي إلى الصورة التي يستحسنها طرفه مؤكدا للمنظور إليه المحبة في قلبه، كان نظر المحب بعد تمكن المحبة له أحرى أن يغلبه على لبه، ويزيده كربا على كربه، ألا ترى أنّ من حمّ يومين متواليين كان ألمه في الثاني من اليومين إذا تساوى مقدار الحمّيين أصعب إليه في أول اليومين؟.
وفي ذلك يقول غيلان بن عقبة (٢):
خليليّ لما خفت أن تستفزّني … أحاديث نفسي بالهوى واهتمامها
تداويت من ميّ بتكليمة لها … فما زاد إلا ضعف شوقي كلامها
وقال أيضا (٣): إن تقصير المحبوب عن مواصلة محبه، وتراخيه عن إظهاره على كل ما له في قلبه، إنما يتولدان عن وقوع الثقة به، فربّما جهل المحب على نفسه، فتوهّم أن ذلك داخل في باب الخيانة والغدر، فكافى عليه بالانحراف والهجر، فيجني على نفسه ما لا يتلافاه العذر، ولا يقاومه الصبر، والحازم من صبر على مضاضة التدلل، والتمس العز في استشعار التذلل، فحينئذ يتمكن من وداد محبوبه، ويظفر من هواه بمطلوبه.
قال الحسن بن هانئ (٤):
يا كثير النوح في الدّمن … لا عليها بل على السّكن
سنّة العشّاق واحدة … فإذا أحببت فاستكن
стр. 2621
وقال عمر بن أبي ربيعة (١):
لست من ظالمتي منتصفا … قبّح الله محبا ينتصف
وفتاة إن تغب شمس الضحى … فهي للناس من الشمس خلف
أجمع الناس على تفضيلها … وهواهم في سواها مختلف
وقال الوليد بن عبيد البحتري (٢):
منّي وصل ومنك هجر … وفيّ ذلّ، وفيك كبر
عذّبني حبّك المعنّى … وغرّني منك ما يغرّ
قد كنت حرا وأنت عبد … فصرت عبدا، وأنت حرّ
يا ظالما لي بغير جرم … إليك من ظلمك المفرّ
أنت نعيمي وأنت بؤسي … وقد يسوء الذي يسرّ
وقال أبو تمام الطائي (٣):
ظنّي به حسن لولا تجنّيه … وأنه ليس يرعى عهد حبّيه
عمّت محاسنه عني إساءته … حتى لقد حسنت عندي مساويه
تاهت على صورة الأشياء صورته … حتى إذا خضعت تاهت على التيه
وقال أبو بكر (٤): "من سامحته الأيام لمحابّه، ورزق حسن الوفاء والمساعدة من أحبابه، ما يجب عليه في حدود الظرف، دون ما يجب من رعاية حقوق الإلف، أن يقابل نعم الله عليه، بما يوجب المزيد فيها لديه، فإن لم يفعل ذلك فلا ينبغي له أن يتعرض لأسباب المهالك، وليعلم أن وصف ما في صاحبه من الخصال
стр. 2622
المرتضاة مغر بمن علمها بالمشاركة له في هواه، ولقد أحسن الذي يقول:
ولست بواصف أبدا خليلا … أعرّضه لأهواء الرجال
وما بالي أشوّق عين غيري … إليه ودونه ستر الحجال
كأني آمن الشركاء فيه … وآمن فيه أحداث الليالي (١)
وأحسن أيضا الذي يقول:
أصونك أن أدلّ عليك وهما … لأنّ الظنّ مفتاح العيوب
وما قصّر علي بن محمد العلوي حيث يقول:
ربّما سرّني صدودك عني … وتأبّيك وامتناعك مني
ذاك ألا أكون مفتاح غيري … وإذا ما خلوت كنت التمنّي
وقال أبو بكر (٢): زعم بعض المتفلسفين: أن الله خلق كل روح مدوّرة الشكل على هيئة الكرة، ثم قطعها أنصافا، فجعل في كل جسد نصفا، فكل جسد لقي النصف الذي قطع من النصف الذي كان معها، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة، وتقارب (٣) أحوال الناس في ذلك بين القوي والضعيف، على حسب رقة طبائعهم.
وقد قال جميل بن عبد الله العذري، أو قيس بن ذريح في ذلك (٤):
تعلق روحي روحها قبل خلقنا … ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا، فأصبح ناميا … وليس إذا متنا بمنتقض العهد
ولكنّه باق على كل حالة … وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
стр. 2623
وحكي عن أفلاطون أنه قال: لا أدري ما الهوى؟. غير أني أعلم أنه جنون إلهيّ لا محمود ولا مذموم.
وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاثة مساكن: التخييل: وهو في مقدّم الرأس. والفكر:
وهو في وسطه. والذكر: وهو في مؤخره. وليس يكمل لأحد اسم عاشق حتى يكون إذا فارق من يعشقه لم يخل من تخييله، وفكره، وذكره. وقلبه وكبده، فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ، والتخييل والذكر له، والفكر فيه، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقا، فإذا لقيه خلت هذه المساكن.
قال أبو بكر (١): ولعمري لقد أحسن فيما وصف، واحتجّ لما قال فانتصف، غير أنه ذكر حال العاشق وحده، وترك ذكر أحوال ما قبله، [وأحوال ما (٢) بعده] وذلك: أن الأحوال التي تتولّد عن النظر والسماع والاستحسان والنظر تختلف في باب العظم والصغر، فأول ما يتولد عن السماع الاستحسان، ثم يقوى، فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ودّ إنسانا ودّ أن يكون له خلا، ومن ودّ غرضا ودّ أن يكون له ملكا، ثم تقوى المودة فتصير محبة، والمحبة سببا للطاعة، وفي ذلك يقول محمد الوراق (٣):
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن أحبّ مطيع
стр. 2624
ثم تقوى المحبة، فتصير خلّة، والخلة بين الآدميين أن تكون محبة أحدهما قد تمكنت من صاحبه، حتى أسقطت السرائر بينه وبينه، فصار متخلّلا لسرائره، ومطّلعا على ضمائره.
وفي هذا النحو يقول بعض أهل العصر (١):
فلا تهجر أخاك بغير جرم … فإنّ الهجر مفتاح السلوّ
إذا كتم الخليل أخاه سرا … فما فضل الصديق على العدوّ؟
ويقال (٢): إن الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلّل المودة بين اللحم والعظام، واختلاطهما بالمخ والدم، وهذا المعنى غير مخالف للأول، بل هو أوضح سبب له، لأنّ من حلّ [من النفس (٣)] هذا المحل لم يستبد عنه بأمر ولم يستظهر عنه بسر.
وقد أنشدوا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا المعنى (٤):
تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير
[شققت القلب ثم ذررت فيه … هواك فليم، فالتام الفطور] (٥)
توغّل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور
[غني النفس أن أزداد حبا … ولكني إلى وصل فقير] (٦)
قال أبو بكر (٧): ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى، والهوى اسم لانخراط المحب
стр. 2625
في محاب المحبوب، وفي التوصل إليه بغير تمالك ولا ترتيب.
وقال أيضا (١): ذكروا أن قيس بن الملوّح المجنون العامري، رقد ليلة تحت شجرة فانتبه بتغريد طائر، فأنشأ يقول (٢):
لقد هتفت في جنح ليل حمامة … على فنن تدعو وإني لنائم
فقلت اعتذارا عند ذاك وإنّني … لنفسي فيما قد رأيت للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابة … بليلى ولا أبكي وتبكي الحمائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم
ومنهم:
٣ - أبو الحسن حيدرة بن عمر الزّندوردي (٣) (¬*)
ظاهريّ عجز عن الجدال، ونكب عن المجال، واقتصر على ظاهر النقل فيما فعل سواه ولا قال.
أخذ العلم عن ابن المغلس، وكان من الأخيار، وفقيها على مذهب أصحابه.
стр. 2626
قال النديم (١): رأيته وكان لي صديقا.
قال الشيخ أبو إسحاق (٢): مات سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقبره في مقبرة خيزران.
وعنه أخذ البغداديون مذهب داود.
ومنهم:
٤ - أبو سعد، بشر بن الحسين (¬*)
قاضي القضاة.
وقف عند الساحل، وحطّ رحله قبل طيّ المراحل، ولم يقدر على خوض الغمرة، ولا مخالطة الزمرة، فوقف عند الظاهر، وسكت حيث لا ناه ولا آمر.
قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن علي بن محمد البغدادي، صاحب ابن المغلس.
وكان إماما في مذهب داود، وولي قضاء القضاة ببغداد، بجاه عضد الدولة، وعنايته، فاستناب على القضاء أربعة أنفس.
ومات بفارس، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة (٣).
ومنهم:
٥ - القاضي أبو العباس، أحمد بن محمد بن صالح المنصوري (¬**)
رجل وقف مع الظاهر، فضيّق على نفسه، وغيّم على شمسه، وقلّل فئته التي
стр. 2627
إليها يرجع، وأمحل مراده فلم ينجع.
قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن مملوك أبيه الذي أعتقه، وكان خرج إلى بغداد، فتعلّم العلم، وعاد إلى المنصورة، فأخذ عنه ابن معتقة.
قال النديم (١): كان أبو العباس من أفاضل الداوديين، وله كتب جليلة حسنة، كبار، منها: كتاب "المصباح" كبير، وكتاب "الهادي"، وكتاب "النير".
ومنهم:
٦ - القاضي أبو الفرج الفامي الشيرازي (¬*)
جمع بين نقيضين ظاهر لا يحتمل التأويل، واعتزال له في ليله سبح طويل.
خرج في كلي ميليه عن الإجماع، ونهج عجيبا قرّع به الأسماع، فكان في قومه عجبا، وفي قوله ما أصبح صباح الحق به عنه محتجبا.
أخذ العلم عن بشر بن الحسين، وكان إماما في مذهب داود، وعنه أخذ فقهاء شيراز مذهب داود، وكان أيضا رأسا في الكلام على مذهب المعتزلة.
قال أبو إسحاق الشيرازي: كنت أنظره بشيراز وأنا صبي (٢).
ومنهم:
٧ - أبو نصر، يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف (¬**)
فزع إلى فئة منزورة الأعداد، منزوفة الإمداد. أخذ عمّن لقي، وكثّر طائفة كالنكتة السوداء في بياض الثوب النقي.
стр. 2628
ذكره الشيخ أبو أسحاق، فقال: تفقّه أولا على مذهب مالك، ثم انتقل إلى مذهب داود، وتقدّم فيه، وتمّم كتاب "الإيجاز" لمحمد بن داود (١).
ومولده: سنة خمس وثلاثمائة (٢).
ومنهم:
٨ - أبو الحسن، عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس (¬*)
حمد نظره السّرى لما أصبح، وفقد الكرى حتى أربح، وحصّل علما لا تنفد ذخائره، ولا تسام أخائره، حتى أقامت إليه المطي صدورها، وأدامت تتناوب إليه ورودها وصدورها، وضربت إليه الإبل أكبادها تخبط المهامه (٣)، وتخطب منه
стр. 2629
المتشابه، وتعقل في ذراه لتحمل أوقارها، وتعمل إليه السير لتجد لديه قرارها.
أخذ العلم عن أبي بكر بن داود، وانتهت إليه رياسة الداوديين في وقته، ولم ير مثله فيما بعد، وكان فاضلا، عالما، نبيلا، صادقا، ثقة، مقدّما عند جميع الناس، ومنزله ببغداد على نهر مهدي، يقصده العامة من سائر البلدان.
توفي لأربع خلون من جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، بسكتة أصابته.
وله كتاب جليل، يعرف ب: "الموضح". وعنه انتشر علم داود في البلاد (١).
ومنهم:
٩ - عبد العزيز أحمد بن الخرزي، الأصفهاني (¬*)
أبو الحسن، القاضي. ممن لم يتسع به مديّ النظر، ولم يتجاوز به مذهب الظاهر مقدار ما ظهر، وقف به الجمود، وطفى في لهبه الخمود، ومضى وعلمه لا يقدّر له في السرد لما نسب إلى داود. وكان في أهل وقته من العلماء الذين يفضلون، والحكام الذين يؤهلون، والقضاة الذين مضوا على الحق، قضوا به وكانوا يعدلون.
صنّف في مذهب داود، وكان متمكّنا في المذهب، وولّاه عضد الدولة قضاء الربع الأسفل من الجانب الشرقي، أخذ العلم عن بشر بن الحسين (٢).
стр. 2630
قال أبو عبد الله الصّيمري: ما رأيت أنظر منه، ومن أبي حامد الإسفراييني، وجاء إلى بغداد هو والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني، صحبة عضد الدولة، من شيراز، وعنه أخذ فقهاء بغداد من أهل الظاهر (١)، وأخذ عنه ابن له.
قال الشيخ أبو إسحاق: رأيته وكان يناظر، وأخذ عنه أيضا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن الأخضر، وكان من أجلّاء شهود قاضي القضاة ببغداد، وأخذ عنه أيضا القاضي أبو علي الداودي، قاضي فيروزآباد (٢). ومات أبو الحسن سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وهؤلاء مشاهير الظاهرية بالمشرق، ثم انقطع مداهم، وما أكل القلم مطاه، وتقلص ظلهم، وكان أقصر من إبهام القطاة.
فأما بالمغرب فلم يكن منهم إلا واحد، لكنه كالألف، وفرد يحطم به كل صف، وهو:
١٠ - أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي (¬*)
أسد فتح فاه والتقم، وبحر زخر عبابه والتطم، سيل عرم يجتحف ما قدامه، وريح زعزع ينسف ما جاء أمامه، وجبل لا يأمن من استذرى به أن يقع عليه،