قال النديم (١): رأيته وكان لي صديقا.
قال الشيخ أبو إسحاق (٢): مات سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقبره في مقبرة خيزران.
وعنه أخذ البغداديون مذهب داود.
ومنهم:
٤ - أبو سعد، بشر بن الحسين (¬*)
قاضي القضاة.
وقف عند الساحل، وحطّ رحله قبل طيّ المراحل، ولم يقدر على خوض الغمرة، ولا مخالطة الزمرة، فوقف عند الظاهر، وسكت حيث لا ناه ولا آمر.
قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن علي بن محمد البغدادي، صاحب ابن المغلس.
وكان إماما في مذهب داود، وولي قضاء القضاة ببغداد، بجاه عضد الدولة، وعنايته، فاستناب على القضاء أربعة أنفس.
ومات بفارس، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة (٣).
ومنهم:
٥ - القاضي أبو العباس، أحمد بن محمد بن صالح المنصوري (¬**)
رجل وقف مع الظاهر، فضيّق على نفسه، وغيّم على شمسه، وقلّل فئته التي
стр. 2627
إليها يرجع، وأمحل مراده فلم ينجع.
قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن مملوك أبيه الذي أعتقه، وكان خرج إلى بغداد، فتعلّم العلم، وعاد إلى المنصورة، فأخذ عنه ابن معتقة.
قال النديم (١): كان أبو العباس من أفاضل الداوديين، وله كتب جليلة حسنة، كبار، منها: كتاب "المصباح" كبير، وكتاب "الهادي"، وكتاب "النير".
ومنهم:
٦ - القاضي أبو الفرج الفامي الشيرازي (¬*)
جمع بين نقيضين ظاهر لا يحتمل التأويل، واعتزال له في ليله سبح طويل.
خرج في كلي ميليه عن الإجماع، ونهج عجيبا قرّع به الأسماع، فكان في قومه عجبا، وفي قوله ما أصبح صباح الحق به عنه محتجبا.
أخذ العلم عن بشر بن الحسين، وكان إماما في مذهب داود، وعنه أخذ فقهاء شيراز مذهب داود، وكان أيضا رأسا في الكلام على مذهب المعتزلة.
قال أبو إسحاق الشيرازي: كنت أنظره بشيراز وأنا صبي (٢).
ومنهم:
٧ - أبو نصر، يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف (¬**)
فزع إلى فئة منزورة الأعداد، منزوفة الإمداد. أخذ عمّن لقي، وكثّر طائفة كالنكتة السوداء في بياض الثوب النقي.
стр. 2628
ذكره الشيخ أبو أسحاق، فقال: تفقّه أولا على مذهب مالك، ثم انتقل إلى مذهب داود، وتقدّم فيه، وتمّم كتاب "الإيجاز" لمحمد بن داود (١).
ومولده: سنة خمس وثلاثمائة (٢).
ومنهم:
٨ - أبو الحسن، عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس (¬*)
حمد نظره السّرى لما أصبح، وفقد الكرى حتى أربح، وحصّل علما لا تنفد ذخائره، ولا تسام أخائره، حتى أقامت إليه المطي صدورها، وأدامت تتناوب إليه ورودها وصدورها، وضربت إليه الإبل أكبادها تخبط المهامه (٣)، وتخطب منه
стр. 2629
المتشابه، وتعقل في ذراه لتحمل أوقارها، وتعمل إليه السير لتجد لديه قرارها.
أخذ العلم عن أبي بكر بن داود، وانتهت إليه رياسة الداوديين في وقته، ولم ير مثله فيما بعد، وكان فاضلا، عالما، نبيلا، صادقا، ثقة، مقدّما عند جميع الناس، ومنزله ببغداد على نهر مهدي، يقصده العامة من سائر البلدان.
توفي لأربع خلون من جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، بسكتة أصابته.
وله كتاب جليل، يعرف ب: "الموضح". وعنه انتشر علم داود في البلاد (١).
ومنهم:
٩ - عبد العزيز أحمد بن الخرزي، الأصفهاني (¬*)
أبو الحسن، القاضي. ممن لم يتسع به مديّ النظر، ولم يتجاوز به مذهب الظاهر مقدار ما ظهر، وقف به الجمود، وطفى في لهبه الخمود، ومضى وعلمه لا يقدّر له في السرد لما نسب إلى داود. وكان في أهل وقته من العلماء الذين يفضلون، والحكام الذين يؤهلون، والقضاة الذين مضوا على الحق، قضوا به وكانوا يعدلون.
صنّف في مذهب داود، وكان متمكّنا في المذهب، وولّاه عضد الدولة قضاء الربع الأسفل من الجانب الشرقي، أخذ العلم عن بشر بن الحسين (٢).
стр. 2630
قال أبو عبد الله الصّيمري: ما رأيت أنظر منه، ومن أبي حامد الإسفراييني، وجاء إلى بغداد هو والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني، صحبة عضد الدولة، من شيراز، وعنه أخذ فقهاء بغداد من أهل الظاهر (١)، وأخذ عنه ابن له.
قال الشيخ أبو إسحاق: رأيته وكان يناظر، وأخذ عنه أيضا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن الأخضر، وكان من أجلّاء شهود قاضي القضاة ببغداد، وأخذ عنه أيضا القاضي أبو علي الداودي، قاضي فيروزآباد (٢). ومات أبو الحسن سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وهؤلاء مشاهير الظاهرية بالمشرق، ثم انقطع مداهم، وما أكل القلم مطاه، وتقلص ظلهم، وكان أقصر من إبهام القطاة.
فأما بالمغرب فلم يكن منهم إلا واحد، لكنه كالألف، وفرد يحطم به كل صف، وهو:
١٠ - أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي (¬*)
أسد فتح فاه والتقم، وبحر زخر عبابه والتطم، سيل عرم يجتحف ما قدامه، وريح زعزع ينسف ما جاء أمامه، وجبل لا يأمن من استذرى به أن يقع عليه،
стр. 2631
وأرقم (١) لا يطمئن راقيه أن يثب إليه، شجاع أعدّ للحرب، وحسام لا يفلّ له غرب، ومثقف ما ألف إلا الطعن والضرب، أكل العلماء بلسانه، وأذهب سوء الصنيع بإحسانه، ووطئ الرجال بقدمه، وفلّ النصال بقلمه، ونكس بعلمه الأعلام، وقطع حيازيم (٢) الملوك بالكلام، وكان أمة وحده، والسّلام.
ولد في الجانب الشرقي من قرطبة من بلاد الأندلس، سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة (٣).
وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه، وجده يزيد
стр. 2632
أول من أسلم من أجداده (١). وذكره ابن بسام (٢) بكلام ملخّصه: " إنه تمذهب للشافعي، ثم رأى رأي داود بن علي الظاهري، وأبغضه علماء زمانه، وسعوا حتى طرد إلى بادية لبلة (٣)، وهو لا يبالي بل يصنف ويؤلف، ويشغل ويدارس.
وصنف وسق بعير لم يعدّ أكثرها عتبة باديته، لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها بإشبيلية، ومزّقت علانية، وهو لا يزداد إلا بصيرة في نشرها، وجدالا للمعاند فيها، إلى أن مضى لسبيله (٤).
ثم قال: وعلى ذلك كله، فلم يكن بالسليم من اضطراب رايه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك منه بالسؤال [فيفجر منه] (٥) بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا تقصر عنه الرشا (٦).
قال: ووصفه ابن حيان، ولعمري ما عقّه، ولا بخسه حقه (٧).
وقال ابنه أبو رافع [الفضل] بن علي بن حزم: اجتمع عندي بخط أبي من تأليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة (٨).
стр. 2633
وقال ابن بشكوال: كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة بعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، والسير، والأخبار (١).
وقال أبو عبد الله بن فتوح: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وجمعت شعره على حروف المعجم (٢)، وكان بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات، وماجرّيات [يطول شرحها] (٣).
وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدّمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستقل (٤) بفقهاء وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشرّدته عن بلاده، حتّى انتهى إلى بادية "لبله"، فتوفي بها في شعبان، سنة ست وخمسين وأربعمائة (٥).
وفيه قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم، وسيف الحجاج شقيقين، وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب: "العواصم من القواصم": وقد حطّ على الظاهرية -: هي أمة سخيفة تسوّرت على مرتبة ليست لها، وتكلمت
стр. 2634
بكلام لم تفهمه، تلقّفوه من إخوانهم الخوارج، حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف من إشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوه تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوامّ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا (١)، فيتضاحك مع أصحابه منهم، وعضدته الرئاسة بما كان فيه من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه، بما كان يلقي إليهم من شبه البدع والشرك، وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ظلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، [إلى حسّاد] (٢) يطؤون عقبي تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم، وتشغيب بهم ". وذكر كلاما في الحطّ على الظاهرية (٣).
وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي: أخبرني ابن حزم: أن سبب تعلمه للفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل:
قم، فصلّ تحية المسجد. وكان ابن ستّ وعشرين سنة، قال: فقمت، وركعت.
فلما رجعنا من الجنازة، جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: اجلس، اجلس، ليس ذا وقت صلاة!، يعني بعد صلاة العصر.
стр. 2635
فانصرفت حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته وأعلمته بما جرى عليّ. فدلّني على" الموطأ ". فبدأت به عليه قراءة، ثم تتابعت قراءاتي عليه وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة (١).
ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته (٢).
وقال أبو مروان بن حيان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه، وجدل، ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط لجرأته في التّسوّر على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هناك، وضلّ في سلوك المسالك، وخالف أرسطو واضعه - مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض.
ومال أولا إلى مذهب الشافعي، وناضل عنه، حتى وسم به، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى الظاهر، فنقّحه، وجادل، ولم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل، وينشقه إنشاق الخردل، فتمالأ عليه فقهاء وقته، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم من الدنوّ منه، وطفق الملوك يقصونه، ويسيّرونه عن بلادهم، وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع، يبث علمه في من ينتابه من بادية بلده من أصاغر الطلبة، يسمعهم ويفقّههم، ويدارسهم.
стр. 2636
وكان مما يزيد في شتاته: تشيّعه لأمراء بني أمية، ماضيهم، وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم، (١) حتى نسب إلى النّصب.
وقال ابن دحية: كان قد برص من أكل اللّبان، وأصابه زمانة، وعاش اثنتين وستين سنة، إلا شهرا.
وقال اليسع بن حزم الغافقي: أما محفوظ ابن حزم، فبحر عجاج، وماء ثجاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت بثجاجه ألفاف النعم، في رياض الهمم، لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على أهل كل دين، وكان أولا يلبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير، مدح المعتمد فأجاد، وقصد بلنسية، وبها المظفر أحد الأطواد.
حدثني عنه عمر بن واجب، قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية، وبها المظفر وهو يدرس المذهب، إذ بأبي محمد يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفقه؟. فاعترض فيه، فقال له بعض الحضّار: هذا العلم ليس من منتحلاتك، فقام وقعد. ودخل منزله، فعكف، ووكف منه وبل ما كف، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع، فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب (٢).
وتوفي بقريته، على خليج البحر الأعظم، في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وقيل: مات ليومين بقيا من شعبان، سنة ست وخمسين وأربعمائة (٣).
ومن شعره، قوله في قصيدة:
أجل هو مغنى قد عفته الروامس … فهل أنت فيه ويب غيرك حابس؟
стр. 2637
عسى يستجيب الربع إذ أنا سائل … وهل ترجع اللفظ الطلول الدوارس؟
وفي طي مثنيّ الصفيح على الثرى … سنا شبه للشكل والحسن لابس
غريب صفات الحسن إن تبغ حسنه … فأمنع معدوم هناك المجانس
إذا حدّ لم تحو الحدود جهاته … وإن قيس يوما ضلّ فيه المقايس
عجبت لدهر لا يني وهو طالبي … بثأر ولا ينفكّ دأبا يمارس
فأهلا بوفد الشيب إذ جاء وافدا … وكنت، وقلبي قبل ذا منه واجس
ولما أتى ردّت نفوس بغيظها … ولم تنبسط نحوي اللحاظ النواعس
تثنّين عني كالغصون وأعرضت … ضواحك أقمار وهنّ عوابس
إذا ما تراميني مفاخر معشر … فأيسر فخري للمفاخر دائس
وإني بعرضي دون ديني متّق … وإني بروحي دون عرضي متارس
سما بي ساسان ودارا وبعدهم … قريش العلى أعياصها والعنابس
فما أخّرت حرب مراتب سؤددي … ولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس
وقوله في قصيدة قالها، وقد تعصّب على بعض أصحابه في وقت، بميورقة، فامتد بعض جهّالها إلى بعض كتبه فأحرقها، ليشنعوا بذلك ليردّ الناس عنه (١):
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي … تضمّنه القرطاس بل هو في صدري
دعوني من إحراق رقّ وكاغد … وقولوا بعلم كي يرى الله من يدري
وقوله - وقد أكثروا عليه تخويف بأس نظرائه، كأبي الوليد (٢)، وغيره:
قالوا: تحفّظ، فإنّ الناس قد كثرت … أقوالهم، وأقاويل العدا محن
فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا … أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن
لا أنثني لمقاييس يقاس بها … في الدين، بل حسبي القرآن والسنن
стр. 2638
دعهم يعضوا على صمّ الحصى كمدا … من مات من قوله عندي له كفن
إنّي لأعجب من شأني وشأنهم … وا حسرتا إنني بالناس ممتحن
ما إن قصدت لأمر قط أفعله … إلا وطارت به الأظعان والسفن
أما لهم شغل عني فيشغلهم … أو كلّهم بيّ مشغول ومرتهن؟
كأنّ ذكري تسبيح به أمروا … فليس يغفل عني منهم لسن
لو بيع ذكري على ما قد تكاثر من … طلابه لم يكن يدرى له ثمن
إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهم … حتى إذا ما رأوني طالعا سكنوا
دعوا الفضول وهبوا للبيان لكي … يدرى مقيم على الحسنى ومفتتن
وقوله حين بلغه أنّ أبا الوليد الباجي يتناوله:
قالوا: سليمان يذمّك جاهدا … فقلت: دعوه، إنه غير طائل
هو المرء لا يؤسى لمطلق ذمّه … ولا لثناء منه بشرى لعاقل
وقوله (١):
أنائم أنت عن كتب الحديث وما … أتى عن المصطفى فيه من الدين؟
لمسلم والبخاريّ اللذان هما … شدّا عرى الدين في نقل وتبيين
أولى بأجر وتعظيم ومحمدة … من كل قول أتى من رأي سحنون
هيهات رأي امرئ من وحي خالقنا … قياس هذا بذا رأي المجانين
يا من هدى بهما اجعلني كمثلهما … في نصر دينك واجهد غير مفتون
وقوله من قصيدة (٢):
стр. 2639
وألزم أطراف الثغور مجاهدا … إذا هيعة ثارت، فأول نافر
لألقى حمامي مقبلا غير مدبر … بسمر العوالي والرّقاق البواتر
أطاعنهم حتى يوافيني الردى … بضربة حرّان وطعنة ثائر
كفاحا مع الكفار في حومة الوغى … وأكرم موت للفتى قتل كافر
ويرحل أصحابي، وأترك ثاويا … طريحا لوحدي في مكرّ الحوافر
فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرها … ولا تجعلنّي من قطين المقابر
وقوله يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة أبا المطرف - رحمه الله تعالى - من قصيدة (١):
ألمّ تجاليني جلاء مجرب … على أنه حقا بي العالم الطبّ
أعيذك أن ترتاب في آتي الذي … أتى سابقا والكلّ ينجرّ أو يحبو
أمثلك يعشو عن مكاني ويمتري؟ … بأني من أفلاك ذا الأدب القطب؟
أيخفى عليك البدر ليلة تمّه … ولم تستتر عنك النيازك والشهب
وحاشاي أن يمتدّ زهو بمنطقي … وأن يستفز الحلم من قولي العجب
ولكن لي في يوسف خير أسوة … وليس على من بالنبي ائتسى ذنب
يقول، وقال الحقّ والصّدق إنّني … حفيظ عليم ما على صادق عتب
فلو كسي الفولاذ حدّة خاطري … تساوى لديه اللحم والحجر الصلب
ولو كان للنيران بعض ذكائه … وفاضت عليها لجة البحر لم يخب
وما اختصّ علم دون علم بوجهتي … بلى مسرحي في كلها الواسع الخصب
ومالي عميم لست أخشى نفاده … بإنفاقه، لا، بل يزيد وينصبّ
سموت بنفسي لا بمجد هوت به … من الزمن العدّاء آلاته الجدب
стр. 2640
وما ضرّ شعري أن منوشهر (١) والدي … ولم تحظ بي علما تميم ولا كعب
وإن شئت إخبار الدهور فإنني … أنا جامع التاريخ مذ نبت الهضب
سواء عليّ ذكري قريب ونازح … ومن حملت أرض ومن ضمّه الترب
يسافر علمي حيث سافرت ظاعنا … ويصحبني حيث استقلّت بي النّجب
أنا الشمس في جو العلوم منيرة … ولكنّ عيبي أن مطلعي الغرب
ولي نحو أكناف العراق صبابة … ولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ
هنالك يدرى أن للبعد قصة … وأنّ كساد العلم آفته القرب
فيا عجبا، من غاب عنهم تشوّقوا … له، ودنوّ المرء من دارهم ذنب!
وقوله من أبيات يصف مقامه مع مناظريه:
ويوم كحدّ السيف ليس بثابت … عليه جليد لا، ولا متجلّد
لقيت شباه وهو جمر مؤجّج … وأقلعت عنه وهو فخر مخلّد
وقوله في أخرى:
وددت بأنّ ودّي فيك مني … إليك مصوّرا لك بالعيان
فتعلمه معاينة كما قد … علمت يقين ذلك بالمعاني
وليت القلب شقّ وصرت فيه … بجسمك، ثم أطبق في المكان
فغبت عن البرية فيه طرّا … ودمنا هكذا أمد الزمان
وقوله:
أحقا ترى أن يطول المغيب؟ … إلى بلد نازح شاسع
ولم ترني أستحقّ الوداع … يا لوداد مضى ضائع
وما لك عذر سوى واحد … نجوت به من حلى القاطع
стр. 2641
وكنت أعدّد أيضا على … أخيك بمؤلمة السامع
ولكن إذا الدجن غطى ذكا (١) … فما الظنّ بالقمر الطالع؟
وقوله:
أياديك عندي جمّة لا أعدها … كفاك اعتذارا إنني لك عبدها
أمولاي قد أودى العتاب بمهجتي … وليس سوى الأعتاب شيء يردها
وقوله في الاستعتاب:
لنا في ذمام الودّ ما يوجب الرضا … فيعطف مأمول ويرفع منحطّ
وللعفو شرط في الكرام مؤكّد … وما في صواب الحكم أن ينقض الشرط
لقد جلّ ذنب ضاق عفوك دونه … على أنّني ما كان لي قبله سقط
ونافرتني حتى كأنّ خلائقي … أفاع، تمجّ السمّ منكرة رقط
وما تكره العتب اليسير سجيتي … على أنه قد عيب في الشّعر الوخط
توسّط إذا عاينت أمرا فإنه … يقال: خيار الأمر أجمعه الوسط
وقوله:
ما مثل حبي لمن أهواه أعلمه … ولا كوحشته في جانبي مثل
حاشا الوزير أبا مروان أنّ به … فيما امتحنّا به ما ضمّنا السبل
قد هام عشقا بدنيا ليس يعجبها … لقى وليست لها في وصله أمل
فرغبة بقرار الضدّ يطلبها … ضدّ فهل يلتقي الضدان يا رجل
حينا بإغرام قاضي المصر يطلبها … نعم، وبالدين إن ضاقت به الحيل
يبل بالقطر فاه عند ظمأته … فلا عصوب بكفيه ولا بلل
وقوله:
стр. 2642
لقد بغتتني كرة البين فجأة … بشمس وغصن يستقل به دعص
وما كنت أخشى قبل ذا نفثاتة … ولكن دهري في تقلبه لصّ
خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر … فأعجب بأعراض يقين ولا شخص
بحبّ غزال قلبه الصخر قسوة … تحيط به من جسمه ناعم رخص
أظنك لو أدركت أيام يوسف … لما جاءنا إلا بصورتك النصّ
وقوله:
ليس شيء في الدهر أحلى وأشهى … من عناق يكون يوم تلاق
ليس يدري لذاذة العيش إلا … من جرى في ميادن العشاق
وقوله (١):
لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضت … فالدهر ليس على حال بمتّرك
ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميفعة (٢) … وتارة في ذرى تاج على ملك
وقوله (٣):
لئن أصبحت مرتحلا بشخصي … فروحي عندكم أبدا مقيم
ولكن في العيان لطيف معنى … له سأل المعاينة الكليم (٤)
وقوله (٥):
وذي عذل في من سباني حسنه … يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره … ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
стр. 2643
فقلت له: أسرفت في اللوم طاهرا … وعندي ردّ - لو أردت - طويل
ألم تر أني ظاهريّ، وأنّني … على ما بدا، حتى يقوم دليل
(١) سمعت وأطعت، لقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وسلّمت وانقدت لحديثه ﷺ : " صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك " (٢).
ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصارا ممن تعرّض لأذاك، إعراضك عنه.
وأقول:
تبغّ سواي امرءا يبتغي … سبابك إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السّفاه … وصنت محلي عمّا يعاب
وقل ما بدا لك من بعد ذا … وأكثر فإنّ سكوتي خطاب
ومن شعره (٣):
من ظلّ يبغي فروع علم … يروى ولم يدر منه أصلا
فكلّما ازداد فيه سعيا … زاد لعمري بذاك جهلا
стр. 2644
وقد نقل ابن الوحيد (١) الكاتب هذا المعنى من حال إلى حال، وأجاد إذ قال:
جهد المفند في الزمان مضيّع … وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا … يدري الطريق فلا يزال مكانه
قال ابن حيان: ويا لبدائع هذا الحبر عليّ (٢)، وغرره ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله ردي العلماء تريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داء لا دواء له (٣).
وأورد أبو عبد الله الحميدي أيضا من شعره قوله (٤):
هل الدهر إلا ما لحقنا وأدركنا … فجائعه تبقى ولذاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرّة ساعة … تولّت كمرّ الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعاد وموقف … نودّ لديه أنّنا لم نكن كنّا
حصلنا على همّ وإثم وحسرة … وفات الذي كنا نلذّ به عينا
حنين لما ولّى، وشغل بما أتى … وغمّ لما يرجى، فعيشك لا يهنا
كأنّ الذي كنّا نسرّ بكونه … إذا حقّقته النفس لفظ بلا معنى
قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يوما: قال أبو نواس (٥):
عرّصن للذي تحبّ بحبّ … ثم دعه يروضه إبليس!
стр. 2645
فقل أنت في طريق التحقيق. فقال (١):
أبن قول وجه الحق في نفس سامع … ودعه، فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه رفقا فينسى نفاره … كما نسي القيد الموثّق مطلق
ومن شعره أيضا قوله (٢):
أحاجيكم: من قلّد (٣) القمر القرطا؟ … وأسألكم: من ألحف الغصن المرطا؟
فما جزعي إن جاوزا الجزع ظاعنا … ولا ساقط حزني إذا جاوزوا السقطا
ومنها:
وليدة سر المدح (٤) تبذخ نخوة … وقد عظمت مجدا وقد كرمت رهطا
ولم ترض بالجوزاء عقدا ودملجا … ولا قنعت بالنجم شنفا ولا قرطا
تقنّصتها والعمر في عنفوانه … فلا غصني أحنى ولا لمّتي شمطا
وليل غطا والنجم في الأفق حائر … فغطّى على الأعلام منه الذي غطّى
وليس وشاحي غير عضب مهنّد … أبى حدّه أن يسأم القدّ والقطّا
تشابه عزمي والحسام وهمّتي … ثلاثة أسياف بأمثالها يسطى
وقوله (٥):
سرت من لوى خبت إلينا تعسّف … مهامه ذات الجهل والجوّ أكلف
стр. 2646
[يقول فيها] (١)
تبيت بذي الأرطى وقد بات طيفها … لنا صنما نحنو عليه ونعكف
هبيك سريت الليل فرعك أسحم … وثغرك بسّام، ولحظك أوطف
فأنّى أطقت المشي قدّك مائد … وردفك رجراج، وخصرك أهيف
سقى ربعك المألوف حيث تصدّعت … لي الكبد الحرّى ربيع وصيّف
فكم لي فيه من جناب وطئته … كريما فلا آسى ولا أتأسّف
وقد شققت فيه البروق جيوبها … وباتت علينا أدمع الغيث تذرف
ليالي بات البان فوق كثيبه … عليّ بأنواع الجنى يتعطف
إذا ارتجّ من ردف كثيب مرجرج … تأود من قدّ قضيب مهفهف
يمدّ علينا للسحاب سرادق … ويسحب فينا للجنائب مطرف
ولله درّي ما أدرّ مدامعي (٢)؟ … إذا سجعت ورق على الأيك هتّف
بدا العلم الفرد الذي كنت عالما … به، وسرى العرف الذي كنت أعرف
يذكرني سعداي بالغور ما تني … مساعدة إذ لا صدوفي تصدف
ولله سلمى يوم أهدى سلامها … بذي سلم نحوي البنان المطرّف
[ومنها] (٣)
وما ظبية أدماء تعرو أراكها … وتعطو وقد وافى برير وعلّف
بأحسن منها يوم ريعت لزورتي … فراغت إلى أترابها تتشوّف
وقالت: أما تثنيك رقبة حارس … وأنياب ليث في العرينة تصرف؟
ودون الذي أمّلت أجرد سابح … وأسمر عرّاص (٤) وأبيض مرهف
стр. 2647
فقلت لها: بعض الذي بك، فانثنت … وأنجز ميعادا بخيل مسوف
ونلت سقاطا من حديث وعاقني … تنزّه حرّ عن خنا وتعفّف
يساعدني تحت النقابين منظر … ويسعدني تحت اللثامين مرشف
[ومنها] (١)
وركب سروا والليل مرخ عليهم … ستورا من الظلماء لا تتكشّف
خبطت بهم أكنافه ونجومه … روائم (٢) أظآر (٢) على البدر عكّف
على كل قنعاس (٣) كأنّ لغامه (٤) … وقد سئم الإرقال - قطن مندّف
هدايا خطوب بات ينحرها السرى … ولكنّها من باطن الخف ترعف
إلى أن أناف الصبح ينفض عرفه … وطائره في غرة الفجر يهتف
فما انشقّ إلا عن منادي ابن منذر … نذيرا بصرف عاقهم عنه يصرف
[ومنها] (٥)
ويا ربّ ميدان أتى فيه سابقا … وغودر منكوتا (٦) هجين ومقرف
وما نام حتى لمّ مفترق العلا … فها هي عقد في يديه مؤلّف
(إياس) و (بسطام بن قيس) و (حاتم) … و (قسّ) و (لقمان بن عاد) و (أحنف)
وما هذه الأيام إلا مقاول … تلت سورا من مجده وهو مصحف
إذا مضر الحمراء أدلت بمجدها … وجرّت ذيول الفخر قيس وخندف
стр. 2648
سما لك قحطان ببنيان سؤدد … ينيف على تلك المباني ويشرف (١)
وقال (٢):
أمن البراق التاح برق ما سرى … إلا وردّ الأفق مرطا أحمرا
أتبعته نظر المشوق بمقلة … لم تدر مذ عهد الأثيلة ما الكرى
عاينته كالصقر صفّق طائرا … فغدت غرابيب الدياجي نفّرا
وسللت من نار الصّبابة صارما … وجررت من وفد التصابي عسكرا
ومشيت منسابا فقل في أرقم … وضح النهار له فعاد غضنفرا
بتنا، وبات المسك فينا واشيا … بمكاننا، والحلي عنا مخبرا
ورنت بألحاظ تدير كؤوسها … فينا فنشربها حلالا مسكرا
والليل يلحفني سرابيل الدجى … جهلا وقد عانقت صبحا مسفرا
لو جئتنا لرأيت أعجب منظر … أسد توسّد كفّ ظبي أعفرا
ولقد رأيت (٣) من الحمى أعلامه … وشككت لما شمته متغيرا
ألا ترى المنصور تحت لوائه … تلق ابنه طلق الجبين مظفّرا
أو لا تجد في الحفل عاقد حبوة … هودا فإنّا قد وجدنا حميرا
أو تفتقد صمصام عمرو في الوغى … فلقد سللنا ذا الفقار مذكرا
لا غرو جئت البحر إذ بخل (٤) الحيا … ورأيت يحيى حين لم أر منذرا
فإذا دعونا من يجيب لنكبة … لبّت تجيب فخلتها سيلا جرى
شيم غدت قرط الزمان فلم أنم … حتى نظمت عليه شعرا جوهرا
стр. 2649
لله درّك والرماح شوارع … والبيض تقطع لأمة وسنوّرا (١)
ومقامة لك في الأعادي قد حمت … أيام قوم قبلها أن تذكرا
كان اللسان لها الحسام المنتضى … والمنبر العالي الأغر الأشقرا
غادرت أحشاء البنود خوافقا … فيها ومرّان الوشيج مكسّرا
أنسيتنا جذل الطعان وعامرا … وعتيبة بن الحارثي ومسهرا
فإذا أتيتك مادحا لك لم يجئ … شعري ليسأل بل أتاك ليفخرا
غيري الذي اتّخذ المدائح مكسبا … وسواي من جعل القوافي متجرا
أنا ما شعرت لأن أنبّه خاملا … لكن لأمنع شاعرا أن يشعرا (٢)
قلت: وبنو حزم كلهم سادة نبلاء، وأعيان أجلّاء، أشرقوا إشراق النهار، وتدفّقوا تدفّق البحار.
ومنهم:
١١ - الوزير أبو المغيرة، عبد الوهاب بن حزم (¬*)
أحد الوزراء الأعيان، والكبراء اللايثين عمائمهم بالسّحاب. قرطس في المعالي، وقرطق باللآلي، وجاء بالسحر الذي ما جاء من بابل، وأصاب لبّة النحر الذي ما وصل إليه نابل.
وكانت بينه وبين أبي محمد [بن حزم ابن عمه] (٣) مشاجرات، استطال فيها
стр. 2650
لسان الخصام، ورسائل أفتك من مواقع الصمصام (١).
وقد ذكر ابن بسّام (٢) أبا المغيرة فقال:
"كان أبو المغيرة هذا ظبة الحسام (٣)، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان، حلّ من زهر الفضائل، محلّ السنان من العامل، والزبرقان (٤) من المنازل، [وتمّت به غرر المحامد، تمام الصّلات بالعوائد، ومجهول اللغة بمعلوم الشواهد]، ودولة عبد الرحمن بن هشام المستظهر كانت مهبّه الذي منه عصف، ومجاله الذي فيه تصرّف، ألقى إليه زمامه، وأخدمه أيامه، ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فتسحّب على الرمل، تسحّب الهوى على العذل، وامتزج بملوك العصر امتزاج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
قال أبو مروان:
"وكتب عن عدة من الأمراء، ونال حظا عريضا من دنياهم، إلا أنه اعتبط شابا بعد أن ألّف عدّة تواليف، وجرت بينه وبين ابن عمه الفقيه أبي محمد بن حزم هنات، ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكّته (٥) حتى أسكته، لأنه كان أنبه منه في حضور شاهده، وذكاء خاطره.
وكان في زمانه في الجدّ والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء، مستفخذا للبيضاء، ممتطيا للشقراء، وتصوّر في قلوب الرؤساء فأجزلوا أرزاقه، وأعظموا صلاته ".
стр. 2651
قال ابن بسام: " وقد أخرجت من رسائله العميدية (١)، وقصائده اللبيدية (٢)، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتّاب " (٣).
كتب إليه أبو علي بن الربيب القروي رقعة يقول فيها:
"إني فكرت في بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومعدن (٤) كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، وصحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب، يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكانته، فشجع عندهم بذلك الجبان، وأقدم التيهان، ونبّه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيّ، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتثعبن الحفاث (٥)، وتنافس الناس في العلوم، ثم هم في ذلك مع غاية التقصير، ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دوّنوا فضائل أمصارهم، فخلدوا في الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتّاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين، وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امريء منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبيه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف أن
стр. 2652
يعنّف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقسا (١) في فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه، على أنه لو أطلق ما عقل الإغفار من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همّة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل (٢)، ويأخذ كظم ابن دغفل (٣)، ويصير شجى في حلق أبي العميثل (٤)، فإذا أدرك تلك البغية وجاءته (٥) بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره.
ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة
стр. 2653
قارب، لو نفث من بلدكم مصدور لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان أحمد بن عبد ربه الذي سماه: "العقد" (١)، على أنه يلحقه في بعض اللوم، لا سيما إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل، وأطال الهزّ بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم.
فأرشد أخاك - أرشدك الله إن كانت عندك في ذلك الجلية وبيدك فصل القضية، إن شاء الله.
فراجعه أبو المغيرة برقعة يقول فيها (٢):
"أما بعد، أبقاك الله من حميم صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإنّ الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم، وليس عدم الترائي والعيان، بقاطع للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل بقادح في الأذمة والوسائل، والكتاب عوض من الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسّم ذكرك، فأترسّم (٣) قدرك، وأسمع خبرك فأرى خبرك، حتى أرادت الأيام كشف السر، ورفع الستر، فوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، ووشي محوك (٤)، وذهب مسبوك، فرأيت صور الأدب باهرة المرأى والعيان، شاهدة لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها، ومالك جملتها، وواحذ فنونها، ووارد معينها، وقادمة جناحها، وصبا رياحها، فسألت
стр. 2654
سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادّعيت الحيرة وأنت أهدى في تلك الفلا من فارط القطا (١)، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب، والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أنّي على نفسي أبتهل بهذا الدعاء لمن أسرّ حسوا في ارتغاء (٢).
فأول ما قدّمت في كتابك ما يقدمه ذو الفضل والنبل من ثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك على الغارب والسنام، حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد (٣)، وناطق الأعجم الفصيح، وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسدا [على الفضائل] (٤) هذا معنى كلامك، لم أورد ألفاظه، وإن أصميت (٥) أغراضه، إشفاقا من أن أفضح كلامي به، وأدل على قصور آلتي بمجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه (٦) والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب (٧).
ثم قلت: إنّ ذكر الفتى عمره الثاني (٨)، والميت: المجهول لا الفاني، فكم من
стр. 2655
هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشانه، وحيّ أثوابه كفنه، وجهله جننه (١).
وهؤلاء الذين أنضيت في وصفهم جياد مدحك، وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي، وبخلاف هذا المذهب قائلون، فولّيت في حيّز وعزلت، وارتفعت في حال ونزلت، وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدّين في كل حال، ثم زدت في التعليل، وبالغت على الاحتجاج باعتمادك تكذيب من قال: "إن الذي قلته لو ارتفع، والذي قاله غيرك لو وقع، لكان قرب المسافة التي هي شوط جار، بل غمضه سار، توجب حلّ الشك، وانجلاء الإفك، فعجبت من أمنك مراجعا لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوّتك عقدي، يجعل جوابك قول القائل (٢):
لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تنادي
وغفرا غفرا لهذا العقوق، وخذه بإزاء قولك: " تخطّفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق "، وعلى كل حال: فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا، وما أشبهنا بالغريبة التي خيرها يدفن وشرها يعلن (٣)، يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه، والبحر بعلمه، والنار بذكائه، والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة" (٤).
وفي فصل منها (٥):
стр. 2656
"ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعرف مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صقعنا، لكان عذرنا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحا، وإن كان كتب بإطلاق قولك هذا قد جاهرتنا، وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف انقاد كريم طبعك لها، وأعجب أيضا من بخوعي (١) لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أنّ عندكم لنا تواليف، تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها، وإن ودّا عقل لك لسانين ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لودّ يفضح الروض في حزنه، برائق حسنه، ورضوى (٢) هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه، وما هي إلا شيمة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها".
ثم خرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول هي عادلة عن هذه السبيل، وختمها بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها (٣).
ومنه قوله: " … فعفى تلك الآثار ما سال من عذاره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره، لا جرم لقد بقيت خيلان (٤) كالآثار الدالّة على الديار، والحلي السقيط المخبر عن بين الخليط، وإذا تأمّلتها وقد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب (٥):
стр. 2657
برسوم كأنهنّ نجوم … في عراص كأنهنّ ليال
قال ابن بسام (١): " وأبو المغيرة في دعابته هذه كما قرأته في فصل كتبه أبو عبد الرحمن بن طاهر إلى [الوزير] (٢) ابن عبد العزيز، مع غلام وسيم، يقول فيه: هذا الفتى كما تراه يطلب خدمة، وبه حشمة، ويزعم أنه يحمل حمله، ويؤتى كل حين أكله، وقدما عهدتك تحنّ إلى هذه العصافير، فإنها حمر الحواصل صفر المناقير".
ولأبي المغيرة من أخرى (٣):
"أعزك الله - في الاحتماء حسم الداء، ولا عدوّ للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا جنسه، وليس في الحيوان أخبث في ذاته من الإنسان، فالاحتراس كل الاحتراس، والمعاشرة الجميلة للناس، فأبصر [وحسن] (٤) سريرتك، ولا تلدغنّ من جحر مرتين، واذكر المثل السائر في اللاعب بين وتدين، والعاقل من حمله كل بلد، ونفق عند كل أحد، وأعقل منه من عرف الناس ولم يعرفوه، فاستراح من أجنبي متكلف، أو قريب غير منصف، ولم يفتقر إلا إلى ربّه، ولم يأنس إلا بنور لبّه.
ومن أخرى (٥):
"فالأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها، وتقلدت سخابها (٦)، وبرز الورد من كمامه، واهتزّ الروض لتغريد حمامه، والأشجار قد نشرت شعورها، وهزّت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها، وأماطت عبوسها،
стр. 2658
وكأنّ بها قد أطلعت من كل ثمر ضروبا، وأبدت من جناها منظرا عجيبا، وإن كنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس، والدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة:
شهدنا [إذ رأيناهم فإنا] (١) … على اللذات في الدنيا شهود
وحالي (٢) حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية (٣)، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية، وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك لأسكن إليها إلى ما أوثره من ذلك، وشفّع لي بخبر فلان، واشرح لي: أين بلغ من تكسّبه، وحيث انتهى من تطبّبه، وكيف ظروفه (٤) وخزائنه، ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبّه، وينفق بختجه (٥) وحبه (٥)، وصف لي ما يقوله على الماء، ويبرئه من الأدواء، وأهد إليّ ما ينمقه من المقال، على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام، في الفالج والزكام، [فالحمد لله لمن قرن له ذلك إلى القيام بشريعة الإسلام والتمهر في الأحكام] (٦) ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدل والخصام".
وله من أخرى خاطب بها أبا محمد بن حزم، قال ابن بسام (٧): أثبت منها بعض الفصول فرارا من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس (٨):
стр. 2659
ألا لا أرى مثل امترائي في رسم (١) … توهمه عيني ويرفضه وهمي
أتت صورة الأشياء بيني وبينه … فظنّي كلا ظنّ، وعلمي كلا علم
وقفت - كلأك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام، على كتاب عنوانه باسمك، أسمال كأنه طلل بال، فكلّما هززته هوّم، أو سألته استعجم، معنى كصدي الإنسان، ولفظ كمنهجات (٢) الأكفان، وأغراض لا يدب فيها بسهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجّها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمت متبلدا، وعدت على نفسي وقريحتي متردّدا، فقالتا: أفق أيها الإنسان، لست بالنبي سليمان، متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل (٣) وسرار النمل؟. ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت؟. ألم تسر في صحرائه فأوغلت؟. ألم تجر في ميدانه فسبقت؟. ألم تنر في ظلمائه فأشرقت؟. هل أحسست بنكول جنان؟. أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود، عليترائب الفتاة الرود؟. ونثرت كالنجوم في صفحة الليل البهيم؟.
قلت: بلى. قالتا: فأعرض عن رطانه الزّط (٤)، وصفير البط، ولا تعج على طلل بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد.
فقلت: أسرفتما طاعنتين، إنّ كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعالم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان، فأعدت النظر، فإذا بك - أبا محمد - صاحبه، كتاب مبني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس الله أنواره، وأظهر عواره (٥)، فجاء
стр. 2660
كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر".
وفي فصل منها (١):
"فاستقصرت من دفع إليّ كتابك، فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة؟، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة (٢)؟. ونسيت - أبا محمد - حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدارسهم، وكبير أحراسهم، تحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر، فتارة عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطورا تبكيهم بحديث التيه، وطورا تضحكهم بقوم جالوت وذويه، حتى كأنّ التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تحدّث وتقول وتعجبت من حرصي ونسيت نفسك - أبا محمد - حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجربياء (٣)، وفي وقت تمكن فيه الحيوان، وأحقّها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيا قائما على حاله، مالكا لماله، يدعو الله عليك، إن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه".
وفي فصل منها (٤):
"ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصرها وأناخها، ومن أين نفد بصرك حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل؟. وما أظنك جعلتها إلا تميمة لتلك القطعة الكريمة، امتثالا لقول القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى … عيب يوقيّه من العين
стр. 2661
ومن لك بأن نصبر عليك؟، ونتأنّى بك؟، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت، ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السّلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل وصوله (١) بيدي:
فقل فيما يجنّ عليه ليل … ويمضي في صناعته نهار
هنالك تظهر الآيات حتى … يقال: تناثر الفلك المدار
فراجعه أبو محمد برقعة قال فيها:
سمعت وأطعت لقوله تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾ وسلمت وانقدت لحديثه ﵊ «صل من قطعك واعف عمن ظلمك» ورضيت بقول الحكماء: «كفاك انتصارا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه وأقول:
تبغّ سواي امرءا يبتغي … سبابك إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السفاه … وصنت محلي عما يعاب
وقل ما بدالك من بعد ذا … وأكثر فإن سكوتي جواب
وأقول:
كفاني بذكر الناس إلى ومأثري … وما لك فيهم يا ابن عمي ذاكر
عدوّي وأشياعي كثير كذاك من … غدا وهو نفّاع المساعي وضائر
وإنّي وإن آذيتني وعققتني … لمحتمل ما جائني منك صابر
فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها، أنشدتني:
نحنح زيد وسعل … لما رأى وقع الأسل
стр. 2662
فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لا قطعتها إلا يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سببا لصونها، وقلت:
نعقت، ولم تدر كيف الجواب … وأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبة … نأت عنك فيها الجياد العراب
وبتّ من الجهل مستنبحا … لغير قرى فأتتك الذئاب
فكيف تبيّنت عقبى الظلوم … إذا انتفضت في الخميس العقاب
لعمرك ما لي طباع تذم … ولا شيمة يوم مجد تعاب
أنيل المنى، والظّبا سخّط … وأعطي الرضى والعوالي غضاب
وأقول (١):
وغاصب حقّ أوبقته المقادر … "يذكرني حاميم والرمح شاجر" (٢)
غدا يستعير الفخر من خيم خصمه … ويجهل أن الحق أبلج ظاهر
ألم تتعلّم يا أخا الظلم أنّني … برغمك ناه منذ عشر وآمر
تذلّل لي الأملاك حرّ نفوسها … وأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شواردا … تألّفهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإنّي سائر … وإن أنأ عن قوم فإنّي حاضر
وحسبك أن الأرض عندك خاتم … وأنك في سطح السلامة عاثر
إذا كنت في ظهر من العدل منجدا … فإنك في بطن من الجور غائر
ولا لوم عندي في استراحتك التي … تنفّس عنها والخطوب فواقر
فإنّي للحلف الذي مرّ حافظ … وللنزغة الأولى لحاميم ذاكر
стр. 2663
هنيئا لكلّ ما لديه فإنها … عطية من تبلى لديه السرائر
وكذلك من هؤلاء الأسرة الغراء، والدوحة النضراء:
١٢ و ١٣ - الوزير عمرو بن مذحج (¬*)، وأبو الوليد (¬**) ابن عمه أبناء حزم
وهما قمرا السماء، وفرقدا الظلماء، وظبتا الحسام، وتتمّتا الأقسام، ومشعر الحجيج، ومنظر الربيع البهيج.
قال ابن بسام (١): "وأبو الحكم منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت، لمن اتّخذ الإحسان قبلة، وحجّة على من جعل النقصان جبلّة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع، وفي كل أفق من علو القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، قلّما عنّ لبصر إلا راقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن السّيد (٢) البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبا منه وإعجابا به:
رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه … وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له: عمرو كعمرو، فقال لي: … صدقت، ولكن ذاك شبّ عن الطوق
وفيه أيضا يقول الوزير أبو محمد بن عبدون، من جملة أبيات (٣):
стр. 2664
يا عمرو ردّ على الصدور قلوبنا … من غير تقطيع ولا تحريق
وزر الثريا وهي نحن بكوكب … لولا العقول لقلت: بالعيّوق (١)
وأدر علينا من خلالك أكؤسا … لم تأل تسكرنا بغير رحيق
وفيه يقول أحدهما (٢):
قل لعمرو بن مذحج … خاب ما كنت أرتجي
شارب من زبرجد … ولمى من بنفسج
فلمّا همّ ليله بنهاره، ودبّ على سيف وجنته فرند (٣) عذاره، راع المجد بحزم وكرم، ونبوة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، واحتلّ (٤) صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع، قلّما يغبه البديع، وقد أتيت منه بفصول تشهد له بالتفضيل.
فمن ذلك ما أجاب به أبا محمد بن عبدون، لما كتب إليه أبياتا يقول فيها (٥):
سلام كما هبّت من الحزن نفحة … تنفّس قبل الفجر في وجهها الزهر
من الوارف الفينان وشت بروده … ذراع من الليث الثريا له شبر
وإلا يد حزمية مذحجية … تقشّع عنها مذحج فانهمى عمرو
فجاد على تلك الأجارع والربى … رواعده وعد وبارقه بشر
أبا حكم أبلغ سلام فمي يدي … أبي حسن وارفق فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي هي والندى … رضيعا لبان لا اللجين ولا التبر
стр. 2665
فراجعه بأبيات منها (١):
أتى النظم كالنظم الذي تزدهي به … عروس من الجوزاء إكليلها البدر
تحلّت لنا منه بخطك رقعة … هي الروضة الغناء كلّلها الزهر
تحير ذهني في مجاري صفاته … فلم أدر شعر ما به فهت أم سحر
فإن قلت: شعر، فالقلوب شعاره … وإن قلت: سحر، فهو سحر ولا كفر
أرى الدهر أعطاك التقدم في العلا … وإن كان قد أوفى أخيرا بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخرا … ففي أخريات الليل ينبلج الفجر
ومنه قوله في صديق له سقط عن دابة ووثئت رجله يسمى باسمه (٢):
لقد أسرعت فيك العيون وإنما … جميل دفاع الله عنك التمائم
وما أنت إلا البدر طارت بسرجه … عقاب لها الريح الخريق قوادم
ولا غرو أن طافت برجلك وثأة (٣) … لها المجد خفّاق الجناحين حائم
فقد ترجف الأفلاك في دورانها … وتنقضّ أعلام النجوم العواتم
ومنه قوله فيه أيضا من أبيات (٤):
أضمرت فيك صبابتي فوشى بها … دمع فككت به صحيفة مضمر
من ذا يفرّق بيننا وجلالنا … متكافئ في المنتمى والعنصر
في أبي العلاء زهر بن عبد الملك (٥):
ضع الرحل في حمص بأيمن طائر … ووال اصطناع الخير فيها وظاهر