← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ومن لك بأن نصبر عليك؟، ونتأنّى بك؟، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت، ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السّلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل وصوله (١) بيدي: فقل فيما يجنّ عليه ليل … ويمضي في صناعته نهار هنالك تظهر الآيات حتى … يقال: تناثر الفلك المدار فراجعه أبو محمد برقعة قال فيها: سمعت وأطعت لقوله تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾ وسلمت وانقدت لحديثه ﵊ «صل من قطعك واعف عمن ظلمك» ورضيت بقول الحكماء: «كفاك انتصارا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه وأقول: تبغّ سواي امرءا يبتغي … سبابك إن هواك السباب فإني أبيت طلاب السفاه … وصنت محلي عما يعاب وقل ما بدالك من بعد ذا … وأكثر فإن سكوتي جواب وأقول: كفاني بذكر الناس إلى ومأثري … وما لك فيهم يا ابن عمي ذاكر عدوّي وأشياعي كثير كذاك من … غدا وهو نفّاع المساعي وضائر وإنّي وإن آذيتني وعققتني … لمحتمل ما جائني منك صابر فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها، أنشدتني: نحنح زيد وسعل … لما رأى وقع الأسل

стр. 2662

فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لا قطعتها إلا يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سببا لصونها، وقلت: نعقت، ولم تدر كيف الجواب … وأخطأت حتى أتاك الصواب وأجريت وحدك في حلبة … نأت عنك فيها الجياد العراب وبتّ من الجهل مستنبحا … لغير قرى فأتتك الذئاب فكيف تبيّنت عقبى الظلوم … إذا انتفضت في الخميس العقاب لعمرك ما لي طباع تذم … ولا شيمة يوم مجد تعاب أنيل المنى، والظّبا سخّط … وأعطي الرضى والعوالي غضاب وأقول (١): وغاصب حقّ أوبقته المقادر … "يذكرني حاميم والرمح شاجر" (٢) غدا يستعير الفخر من خيم خصمه … ويجهل أن الحق أبلج ظاهر ألم تتعلّم يا أخا الظلم أنّني … برغمك ناه منذ عشر وآمر تذلّل لي الأملاك حرّ نفوسها … وأركب ظهر النسر والنسر طائر وأبعث في أهل الزمان شواردا … تألّفهم وهي الصعاب النوافر فإن أثو في أرض فإنّي سائر … وإن أنأ عن قوم فإنّي حاضر وحسبك أن الأرض عندك خاتم … وأنك في سطح السلامة عاثر إذا كنت في ظهر من العدل منجدا … فإنك في بطن من الجور غائر ولا لوم عندي في استراحتك التي … تنفّس عنها والخطوب فواقر فإنّي للحلف الذي مرّ حافظ … وللنزغة الأولى لحاميم ذاكر

стр. 2663

هنيئا لكلّ ما لديه فإنها … عطية من تبلى لديه السرائر وكذلك من هؤلاء الأسرة الغراء، والدوحة النضراء: ١٢ و ١٣ - الوزير عمرو بن مذحج (¬*)، وأبو الوليد (¬**) ابن عمه أبناء حزم وهما قمرا السماء، وفرقدا الظلماء، وظبتا الحسام، وتتمّتا الأقسام، ومشعر الحجيج، ومنظر الربيع البهيج. قال ابن بسام (١): "وأبو الحكم منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت، لمن اتّخذ الإحسان قبلة، وحجّة على من جعل النقصان جبلّة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع، وفي كل أفق من علو القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، قلّما عنّ لبصر إلا راقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن السّيد (٢) البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبا منه وإعجابا به: رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه … وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق فقلت له: عمرو كعمرو، فقال لي: … صدقت، ولكن ذاك شبّ عن الطوق وفيه أيضا يقول الوزير أبو محمد بن عبدون، من جملة أبيات (٣):

стр. 2664

يا عمرو ردّ على الصدور قلوبنا … من غير تقطيع ولا تحريق وزر الثريا وهي نحن بكوكب … لولا العقول لقلت: بالعيّوق (١) وأدر علينا من خلالك أكؤسا … لم تأل تسكرنا بغير رحيق وفيه يقول أحدهما (٢): قل لعمرو بن مذحج … خاب ما كنت أرتجي شارب من زبرجد … ولمى من بنفسج فلمّا همّ ليله بنهاره، ودبّ على سيف وجنته فرند (٣) عذاره، راع المجد بحزم وكرم، ونبوة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، واحتلّ (٤) صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع، قلّما يغبه البديع، وقد أتيت منه بفصول تشهد له بالتفضيل. فمن ذلك ما أجاب به أبا محمد بن عبدون، لما كتب إليه أبياتا يقول فيها (٥): سلام كما هبّت من الحزن نفحة … تنفّس قبل الفجر في وجهها الزهر من الوارف الفينان وشت بروده … ذراع من الليث الثريا له شبر وإلا يد حزمية مذحجية … تقشّع عنها مذحج فانهمى عمرو فجاد على تلك الأجارع والربى … رواعده وعد وبارقه بشر أبا حكم أبلغ سلام فمي يدي … أبي حسن وارفق فكلتاهما بحر ولا تنس يمناك التي هي والندى … رضيعا لبان لا اللجين ولا التبر

стр. 2665

فراجعه بأبيات منها (١): أتى النظم كالنظم الذي تزدهي به … عروس من الجوزاء إكليلها البدر تحلّت لنا منه بخطك رقعة … هي الروضة الغناء كلّلها الزهر تحير ذهني في مجاري صفاته … فلم أدر شعر ما به فهت أم سحر فإن قلت: شعر، فالقلوب شعاره … وإن قلت: سحر، فهو سحر ولا كفر أرى الدهر أعطاك التقدم في العلا … وإن كان قد أوفى أخيرا بك الدهر لئن حازت الدنيا بك الفضل آخرا … ففي أخريات الليل ينبلج الفجر ومنه قوله في صديق له سقط عن دابة ووثئت رجله يسمى باسمه (٢): لقد أسرعت فيك العيون وإنما … جميل دفاع الله عنك التمائم وما أنت إلا البدر طارت بسرجه … عقاب لها الريح الخريق قوادم ولا غرو أن طافت برجلك وثأة (٣) … لها المجد خفّاق الجناحين حائم فقد ترجف الأفلاك في دورانها … وتنقضّ أعلام النجوم العواتم ومنه قوله فيه أيضا من أبيات (٤): أضمرت فيك صبابتي فوشى بها … دمع فككت به صحيفة مضمر من ذا يفرّق بيننا وجلالنا … متكافئ في المنتمى والعنصر في أبي العلاء زهر بن عبد الملك (٥): ضع الرحل في حمص بأيمن طائر … ووال اصطناع الخير فيها وظاهر

стр. 2666

وهبت فؤادي للبشير بأوبة … سليما ولم أبخل عليه بناظري وفيه (١): يا جاليا وجه السعادة واضحا … ومقلّبا طرف النباهة طامحا صيّر مجنّك صفحتي قمر الدجى … وسنان رايتك السماك الرامحا وفيه، وقد جاز البحر معه (٢): يا ابن زهر طأ الثريا عبيرا … وحصى البيد لؤلؤا وعقيقا وتلقّ الهواء وهو طليق … كمحيّاك حين تلقى الصديقا ما ترى الريح كيف هبت رخاء … لك بعد الهبوب ريحا خريقا وضحى البحر هيبة لك لما … جئته سالكا عليه طريقا غمرته من راحتيك بحار … صاح من موجها (٣) الغريق الغريقا فرق اللجّ منك حتى استطارت … منه أحشاؤه فريقا فريقا جزه يا ابن الكرام أرضا ذلولا … أو فقده إن شئت طرفا عتيقا وانتض الحزم حيث كنت حساما … واصحب النجح حيث كنت رفيقا وتفيّأ علاك ظلا ظليلا … وتنشّق ذكراك مسكا فتيقا [وكتب] إلى الوليد ابن عمه (٤): لا غرو إن بعدت دار مصاقبة (٥) … بنا وجدّ بنا في الحضرة السفر فمحجر العين لا يلقاه ناظرها … وقد توسّع في الدنيا به النظر

стр. 2667

ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيتة الأصلية، ابن عمه: أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم (¬*) أحد أعيان الأدب، وأحلى الناس شعرا لا سيما إذا عاتب، أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه (١)، فقلّ ما يتجاوزه إلى سواه، وكلما أبدأ فيه وأعاد، أحسن ما شاء وأجاد، وفي كل معنى [يحسن] أكثر مما يمكن، ولكن رأيته في باب العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره (٢). أتجزع من دمعي وأنت أسلته … ومن نار أحشائي ومنك لهيبها وتزعم أن النفس غيرك علّقت … وأنت، ولا منّ عليك حبيبها إذا طلعت شمس عليّ بسلوة … أثار الهوى بين الضلوع غروبها [وقال أبو الوليد] (٣): وطارحك الواشون عنّي سلوة … مغالطة، هيهات ذاك بعيد وكيف سلوّي عن هواك وإنّه … ليبلى فؤادي وهو فيك جديد إذا ما ثناه الناس عنك لوت به … علائق حبّ فيك ليس تبيد بلى إن عرتني فترة الصبر هزّني … تذكّر أيامي بكم فأعود [وقال - وهي من حسنات شعره، وآيات ذكره -]: (٤) وكم ليلة ألطفت بالمنى … فقمت أبادر إلطافها

стр. 2668

بشمس إذا ما تأمّلتها … رددت على الشمس أوصافها بفترة لحظ كأنّ الكرى … أعان عليها وإن خافها وإنّي وإن عفتها معلنا … لأعذل في السرّ من عافها وهبّت علينا صبا رطبة … وقد عابث الطلّ أعطافها وقد بثّها الروض هجر الحيا … فجرّت على النور أطرافها وخيل الظلام أمام الصباح … والركض قد ضمّ أجوافها وقد فضّض الفجر أذيالها … وزاد، فذهّب أعرافها وكاثرت البدر شمس بدت … فمدّت على الأرض أكنافها وغاضبت السّحب فيه الرياح … فصرّت من الغيظ أخلافها وذكّرني بادرات الحمام … حمائم تندب ألّافها وقوله (١): كم قلت فيك معرّضا ومصرّحا … أكذا علقت ضلالة بفلان ومنيت من خلطائه بعصابة … خلطت بها شبها من البهتان هيهات لولا غنج لحظ محمد … ما كنت نهزة (٢) أعين الغزلان ولقد بعثت على السلوّ لو ان لي … قلبا يطاوعني على السلوان فجعلت ثوب الصبر فيه بصيرة … وثنيت عن علم إليه عناني ونبذت حلمي والتفت إلى الصبا … ويد العفاف تضمّ من أرداني لله أيام على وادي القرى … سلفت لنا والدهر ذو ألوان إذ نجتني في ظله ثمر المنى … والطير ساجعة على الأغصان والشمس ترمق من محاجر أرمد … والظلّ يركض في النسيم الواني

стр. 2669

والراح تأخذ من معاطف أغيد … أخذ الصّبا من عطف غصن البان حتى إذا ضرب الظلام رواقه … وخشيت فيه طوارق الحدثان ملنا نؤمّل غير ذلك منزلا … والراح تقصر خطوه فيداني ويروم قول أبي الوليد وربّما … كتبت مكانة لامه الواوان ثم احتللنا والوشاة بمعزل … وقد التقت في جفنه سنتان والبدر يرميني بمقلة حاسد … لو يستطيع لكان حيث يراني حتى إذا نشر السرور بساطه … وطوى بساط شكّيتي لأوان أهوى يقبّل راحتيّ تودّدا … ويشد عقد بنانه ببناني ويقول إشفاقا عليّ ورحمة … متلجلج الألفاظ بعد بيان: هاك اغتنمها من زمانك خلسة … تشفي فؤاد غليلك الهيمان فلثمت فاه والتزمت عناقه … ويد الوصال على قفا الهجران ومرقت من ظنّ الأعادي عفة … والليل مشتمل على الكتمان وقوله (١): وكم ليلة ظافرت في ظلها المنى … وقد طرفت من أعين الرقباء وفي ساعدي حلو الشمائل مترف … لعوب بيأسي تارة ورجائي أطارحه حلو العتاب وربما … تغاضب فاسترضيته ببكائي وفي لفظه من سورة الكأس فترة … تمتّ إلى ألحاظه بولاء وقد عابثته الراح حتى رمت به … لقى بين ثنيي بردتي وردائي على حاجة في النفس لو شئت نلتها … ولكن حمتني عفتي وحيائي

стр. 2670

قال ابن بسام (١): "قوله: (وفي لفظه من سورة الكأس) … البيت، مما فتن به أبو الوليد فتنة [لا يحسنها] (٢) السامري، بل سحر سحرا لا تتعاطاه الحبال ولا العصي. وقوله (٣): ومن عجب أني إذا رمت سلوة … وجدت هواه آخذا بعناني أبا قاسم: خذها شكاية واجد … كما وجد المقصوص للطيران وقوله (٤): وكم أمّلوا - لا بلّغوا فيك خطة … وحاشاك منها والحديث يطول فصكّت لساني - يعلم الله - سكتة … لها في جناني زفرة وعويل وسدّ طريق اللحظ دمع كأنّما … تشحّط من جفنيّ فيه قتيل وقوله (٥): وباحث عن غرامي فيك قلت له: … عنّي إليك، فلا عين ولا أثر ويلي عليه، وويحي من تبذّله … وطالما صنته لو ساعد القدر وقوله (٦): ولقد قنعت فلا قنعت بزورة … ولقد نجوت فما نجوت مسلّما فأبحت سرح اللهو مرتاد الهوى … ومنعت طير الوجد أن يترنّما

стр. 2671

فصل: وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم الاعتداد بأهل الظاهر في الإجماع والاختلاف، وهو قول ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكر الرازي، وابن أبي هريرة، والجويني، وغيرهم. وقال أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: " الاعتداد بداود في الإجماع وفاقا وخلافا، مما وقع فيه الاختلاف، منا ومن غيرنا، فذكر الأستاذ أبو إسحاق أن أهل الحق اختلفوا، فذهب الجمهور منهم إلى أن نفاة القياس لا يبلغون منزلة الاجتهاد، ولا يجوز توليتهم القضاء، وكذلك نقل نحوه عن ابن أبي هريرة. وقال الجويني: ما ذهب إليه ذوو التحقيق أنّا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة، فإنهم أولا مباهتون على عنادهم، فيما ثبت استفاضة وتواترا، وأيّا فإنّ معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من أعشار الشريعة، فهؤلاء ملتحقون بالعوام، وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم؟. وقال أبو بكر الرازي: لو تكلّم داود في مسألة حادثة في عصره وخالف فيها بعض أهل زمانه لم يكن خلافا عليهم. ثم قال: ولأجل ذلك لا يعد خلافه أحد من الفقهاء، ولم يذكروه في كتبهم، فقد انعقد الإجماع على اطراحه، وترك بالاعتداد به، والجمهور من العلماء على الاعتداد بقول أهل الظاهر في الإجماع والاختلاف. وقال أبو العباس بن تيمية: جمهور الفقهاء يذكرون داود وأصحابه في جملة الفقهاء الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع، كما ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، وهذا هو المعروف عند أصناف أهل العلم، والمصنفين فيه من أهل الأصول والفقه، والحديث من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،

стр. 2672

وأحمد. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: وحكي عن قوم أنهم قالوا: لا يعتدّ في الإجماع بخبر الواحد، والقياس، وهذا ليس بصحيح. وقال أبو العباس القرطبي: وحكي عن قوم أنه لا يعتدّ بخلاف من أنكر القياس، فذكر كلام القاضي عبد الوهاب، والله أعلم. وبهذا الفصل تم ذكر الفقهاء من المذاهب الأربعة، وأهل القول بالظاهر، بالجانبين الشرقي والغربي، إلى آخر حين. وبه تمّ هذا السفر من كتاب: "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر السابع: "وأما من حفظ ألسنة العرب، وسعى في تحصيل لغاتها واضطرب … ". وبالله التوفيق، ومنه نستمد إعانة على التحقيق. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد، وآله وصحبه الطيبين، الطاهرين. وحسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 2673

السفر السابع: أهل اللغة والنحو والبيان المحقق: عبد العباس عبد الجاسم

стр. 2674

مقدمة لا يغمض لأرباب الأقلام جفن، ولا يهدأ لهم بال، ولا يسلك لهم بصر ما لم يروا أن نتاجهم قد اصفرّ سنبله، وآتى أكله، وردّدت الأروقة رجع صدى نتاجه من طالب العلم فيما كتبه. ولعمري إنّ هذا الطموح لهو أحقّ بما هو مخطوط من تراث الأمم من غيره؛ لأنّ جهد العلوم لا ينمو غرسه إلاّ فيما هو موروث من مداد أولئك الأئمة الأعلام الذين ذابت أفئدتهم، وتقرّحت أجفانهم بين المحابر والمنابر، ولم تثن عزيمتهم عوادي الزمن، أو غضب الأيام؛ وإنّما كسروا قيود المحال، وشمّروا عن سواعد الجدّ، فجادت نفوسهم بزاد المعاد الذي ما فتئت الأمم تتبارى متفاخرة به في ميدان سباق العلوم والآداب. لقد حقّ ل (شهاب الدين أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلّي القرشي العمري الشافعي القاضي الكبير، الإمام الأديب البارع) (٧٠٠ - ٧٤٩ هـ) أن تبصر جهوده النور، كما كان يطمح إليها، وعلى وفق مراده، لكنّما ذلك لم يكن بالأمر اليسير، فالنسخة التي قام عليها التحقيق تناءت عن زمنة، لما خالطها من جهالة لا يمكن أن تكون إلا من فعل النسّاخ المتكسبين في تحرير المخطوطات، ممّا وقعوا فيه من هنات، لا يقوى أحد على أن ينسبها إلى مؤلفها الذي يشهد له ببراعة الخط، وجودة الأسلوب، والتصرّف الرفيع في صياغة العبارة (المسجوعة) الموشّاة بأبهى الصور البلاغية التي عهدت في قلم ابن فضل اللّه؛ لأنه كان وزيرا للإنشاء، خلفا لأبيه، وزير الإنشاء عند حكام مصر آنذاك؛ لذا عجّت المخطوطة بالكثير من اللحن والخطأ الإملائي، وإهمال النقاط، وإضافة الهمزة إلى كلمة (ابن) الواقعة بين اسم الابن وأبيه، والاستعاضة بالمدّة الخنجرية عن الألف في مفردات، وعدم استعمالها في مفردات أخر، ممّا يدلّ على أن أقلاما عديدة تعاورت على نسخ المخطوطة؛ إذ وردت بعض الحروف معجمة تارة، وغير معجمة تارة أخرى، كالباء والياء والنون والغين؛ وإن كانوا قد توحّدوا في قلب الهمزة ياء، في مثل: فوايد، ومسائل والسايل.

стр. 2675

إن استخلاص المفردات وتحقيقها من قلم ناسخ التوت حروفه، وتعثّرت نقطه بعد أن عفت الأيام رسومها، وحارت أنامله بعد أن زاغت عيناه في فكّ طلاسم نسخة اعتمدها لأمر بالغ الصعوبة، بل هو أصعب من خلع ضرس غير مرّة وإنما هو عند كل مفردة وفي صفحات عديدة؛ لأنّ الناسخ - كما هو ماثل في المخطوطة - كان ينقل كثيرا من المفردات رسما من نسخته المعتمدة، ولهذا جاءت كثرة من الأبيات الشعرية، فيما استشهد له ابن فضل اللّه غير موزونة أحيانا ومبتورة، أو مسطورة من غير تشطير؛ فضلا عن أنّ النتف والمقطوعات الشعرية الواردة في ثنايا المخطوطة لم ينسب الكثير منها إلى قائليها، ممّا جعلني أجهد في ردّها إلى أصحابها، ممّن عرفوا بالشهرة وذيوع الصيت. أما الآيات القرآنية الكريمة فجاءت مبثوثة في ثنايا السطور من دون إسنادها إلى سورها، الأمر الذي حدابي إلى وضعها بين قوسين صغيرين، مع بيان رقم السورة والآية، وبالنسبة إلى المفردات التي توجّب إضافتها في التحقيق عضدناها بين عضادتين، فضلا عن الاهتمام بالشكل والترقيم، مع ضبط القصائد وزنا وشكلا وإسنادها إلى بحورها. اختص السفر السابع من «مسالك الأبصار» الذي وقفت على تحقيق نسخته بتراجم أهل النحو وأرباب المعاني والبيان من الجانب الشرقي (العراق)، والجانب الغربي (الأندلس)، ثم مصر، حيث بدأها ابن فضل اللّه ب (النّضر بن شميل) (- ٢٠٤ هـ)، وختمها ب (ابن أبي الإصبع) (- ٦٢٤ هـ)، وإن كان قد أفاض في ترجمة بعض أعلامها، وأوجز (مقلاّ) عند بعضهم، كما هو الحال فيما ذكره عن السكّاكي (- ٦٢٦ هـ)، حيث لم يتجاوز فيه خمسة الأسطر من دون أن يذكر له مؤلّفا، أو إبداعا واحدا. لقد أفاض ابن فضل اللّه في ترجمة (أبو حيان الأندلسي) (- ٧٤٥ هـ)، وأطنب كثيرا في تدوين قصائده التي كان أغلبها مناجاة ومساجلات بينهما؛ ناهيك عن الإطراء والمديح الذي أثنى فيه عليه؛ بوصفه شيخا من شيوخه الذين درس عليهم، وأتقن صنعة الكتابة بهم. كما أفاض كثيرا في ترجمة ابن المعتز (- ٢٤٧ هـ) سالكا درب المؤرخين فيه، ومعرّجا على ريادته لفنّ البديع، واصفا إياه - بحقّ - رائدا لهذا اللون من فنون البلاغة، مع عدم

стр. 2676

تقصيره فيما دوّن له من قصائد شعرية عصماء، جادت بأبهى الصور البديعية، ذاكرا له بعض القصائد والمقطوعات الشعرية التي لم يحفل بها محقق ديوانه، الدكتور يونس أحمد السامرائي. ولعلّ إفاضته في حياة ابن المعتز وشعره له ما ينصفه ويثني عليه؛ وذلك لأنه (ابن المعتز) علم البديع، ومصنّف أبوابه وأشكاله، وصاحب أفضل القرائح نظما واتّساق أسلوب، وأمهر الشعراء في خلق الصورة البديعية، الأمر الذي دفع ابن فضل اللّه إلى أن يفتي بنزاهة ابن المعتز، وإبعاد كلّ ما لا يليق بشخصه، على الرغم ممّا ورد في قصائده التي تعبّر عن حاله وحياته التي تعجّ بما يناقض ذلك. لقد اعتمد ابن فضل اللّه في تراجمه على مصادر جعلها موردا ينهل منه تاريخ مولدهم ووفاتهم، وما يؤثر عنهم بعد أن يفيض بسجعه عليهم؛ فكان (وفيات الأعيان وأنباء أنباء الزمان) لابن خلكان (- ٦٨١ هـ) المصدر الأول له، واعتمد أيضا على (تاريخ إربل) لابن المستوفي (- ٦٣٧ هـ)، لكنّ إشارات ابن فضل الله لهذا الكتاب فيما حققه الدكتور سامي الصقّار غير واردة، وربّما يكون لما ورد ذكره من مدوّنات ابن المستوفي التي ولمّا تزل تئنّ من وطأة تراكم غبار السنين ترقب أكفّ المحققين في إنقاذها. وهو الحال نفسه مع كتاب (بغية الألبّاء) الذي ورد ذكره كثيرا، وكان من المكانة في الاعتماد عليه، ممّا يجعله بعد كتاب وفيات الأعيان، إلاّ أن هذا الكتاب مفقود هو الآخر. كذلك اعتمد ابن فضل الله على كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) لعماد الدين الأصبهاني (- ٥٩٧ هـ)، الذي حقّقه الأستاذ محمد بهجت الأثري. جاءت المخطوطة التي عني بإحياء إصدارها الأستاذ فؤاد سزكين، من معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية -، وقد بدأت بعبارة: (وأمّا من حفظ ألسنة العرب، وسعى في تحصيل لغاتها، وانتهت بعجز بيت مقطوعة شعرية: (ولكنّه من مقتلي سرق المعنى) لابن أبي الإصبع، ولم يرد فيها من البياض إلا القليل، ولم يكن فيها من (خرم) الصفحات، وكان تعداد صفحاتها ثلاثمئة وأربعا وخمسين صفحة. في كل صفحة عشرون سطرا، وفي كل سطر عشر كلمات، قياس كل صفحة ثمانية عشر سنتمترا

стр. 2677

طولا، وأحد عشر سنتمترا عرضا، ربط فيها ابن فضل اللّه بين تراجمه بكلمة (ومنهم)، مع الإشارة إلى ما نقله كثيرا بكلمة: قال ابن خلكان، وقال ابن المستوفي، وجاء في بغية الألبّاء. لقد حرصت كثيرا على إنعام النظر وإمعانه في كل مفردة، عصيّة كانت أم يسيرة في أثناء التحقيق لهذه المخطوطة؛ لكنّما لا أبرئ نفسي من الوقوف عند فهم بعضها، ممّا كان لا يقصده ابن فضل الله، وهذا أمر غير غريب على المحققين كافة، ولا سيّما في كلامه المسجوع الذي بدأ به ترجماته إلاّ أنّ ذلك لا يضاهي النهوض بالكشف عنه وتحريره، مما يدعو الباحث والقارئ على حدّ سواء إلى إسداء الشكر والعرفان للجهود القيّمة التي عني بها المجمع الثقافي في أبو ظبي، لحرصه واهتمامه بإحياء التراث العربي والسعي الحثيث لدى القائمين عليه في البحث عن مكنونات كنوز التراث العربي الإسلامي لتبصر النور ثانية، ولتأخذ دورها في تبصرة الجيل القادم بما له من أهمية في إنهاض أسباب المعرفة. ولا يفوتني أن أثني على جهود ذلكم الفريق الذي ظل يؤازر أقلام التحقيق، ويمدها بالعون على الوصول إلى أمهات الكتب ومصادرها من أجل التثبت والتوثيق. واللّه أسأل التوفيق والسّداد، إنّه نعم المولى، ونعم النصير. عبد العباس عبد الجاسم أبو ظبي ١٢/ آب/ ٢٠٠١

стр. 2678

[أهل اللغة بالجانب الشرقي]

стр. 2679

١ - النضر بن شميل (١٣) وأمّا من حفظ ألسنة العرب. وسعى في تحصيل لغاتها واضطرب فأعلام لا تخفى، وسرج لا تطفى. فأمّا من كان منهم بالجانب الشرقي، ممّن غبر منهم وبقي، فمنهم أبو الحسن النضر ابن شميل التميمي المازني النحوي البصري، عالم قلّما بقوته، وعادم نضير لا يسع مناظره إلا خفوته، سلك لغة العرب فذلّل مطاياها، وقلّل بالنسبة إليه عطاياها. ترع الثنايا، وطلع شعاب الأماني قبل المنايا، فأصاب الرمية، وصال في لسان الأمّة، فجمع الغرائب، وجرع في مناهل الرغائب، حتى توفّر قيسمه، وظفر فوق الأسماء اسمه، وأصبح باللغة قيّما، وأبكار الكلم يعرض عليه بكرا وأيّما (١). قال ابن خلّكان (٢): كان عالما بفنون من العلم صدوقا ثقة، صاحب غريب وفقه ومعرفة بأيام العرب، ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد وذكره أبو عبيدة (٣)، وقال: ضاقت عليه المعيشة بالبصرة فخرج يريد خراسان، يشيّعه من البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلاّ محدّث أو نحوي، أو لغوي أو عروضي أو أخباري. فلمّا صار بالمربد جلس، فقال: يا أهل البصرة يعزّ عليّ فراقكم، ووالله لو وجدت كل يوم كيلجة (٤) باقلاّء ما فارقتكم، فسلّم فيهم أحدا يتكلّف له ذلك، وسار حتى وصل خراسان فأفاد بها مالا

стр. 2680

عظيما، وأقام بمرو، وصحب المأمون (١)، وحظي عنده فقال المأمون له يوما: حدّثنا هشيم (٢) عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز (بفتح سين سداد). فأعاد النضر الحديث بكسر السين، فاستوى المأمون جالسا وقال: يا نضر أتلحنني؟ فقال: إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه. فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: السداد بالفتح في الدّين والسبيل والسّداد بالكسر، البلغة (٣)، وكلّما سدد به شيئا فهو سداد (بالكسرة). وأنشد من عمرو العرجي (٤): [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر فأمر له المأمون بخمسين ألف درهم. سمع الحديث، وسمع من هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل، وعبيد اللّه بن عوف، وهشام بن حسان وغيرهم من التابعين. وروى عنه يحيى بن معين، وعلي ابن الديني، وكل من أدركه من أئمة عصره. ودخل نيسابور غير مرّة، وأقام بها زمانا، وسمع منه أهلها. وله تصانيف كثيرة مفيدة، وتوفي سلخ ذي الحجة سنة أربع ومئتين بمرو، من خراسان وبها ولد، وإنما نشأ بالبصرة فكذلك نسب إليها.

стр. 2681

ومنهم: ٢ - أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (١٣) بالولاء، تيم قيس، البصري النحوي العلاّمة، وافته كرائم العرب فجدّد إحسانها، وأكدّ أحصانها. هذا ولم ينزل بهدونها (١) ولا قنع بهونها، وإنّما اقتطفها قطف الثمار، وكشفها كشف الخمار. وكان أوسع القوم رواية وأرفعهم راية. وقف مع النقل، وقام فيه بالفرض والنّفل، فأخذ باللغة وترائبها (٢)، وبلغ قصارى مراتبها ثم دوّن غريبها، ودوّر على السنة قريبها. قال الجاحظ في حقه: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه. وقال ابن قتيبة: كان الغريب أغلب عليه وأخبار العرب وأيامها، وكان مع معرفته ربّما لم يقم البيت إذا أنشده حتّى يكسره، وكان يخطئ إذا قرأ القرآن، وكان يبعض العرب، وألّف في مثالبها كتبا، وكان يقوّي رأي الخوارج. وقال غيره: أقدمه الرشيد من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومئة وقرأ عليه وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره، وروى عنه ابن المغيرة الأثرم، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، والمازني والسجستاني، وعمرو بن شيبة النميري وغيرهم. وقال أبو عبيدة: أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تجبّره، فأذن لي فدخلت عليه، وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية، لا يرقى عليها إلاّ بكرسيّ، وهو قاعد على الفرش، فسلمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ واستدناني حتى جلست مع فرشه، ثم سألني

стр. 2682

وبسطني، وتلطّف بي، وقال أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها، جاهلية. فقال: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر، فأنشدته فضحك وطرب وزاد بساطا. ثم دخل رجل في زيّ الكاتب، وله هيئة خشنة، فأجلسه إلى جانبي. وقال له: تعرف هذا؟ فقال: لا، فقال: هو أبو عبيدة، علاّمة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل، ثم التفت إليّ، وقال لي: كنت إليك مشتاقا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرّفك إياها، فقلت: هات، فقال (١): قال اللّه تعالى: ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّياطِينِ (¬٢﴾، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف. قال: فقلت: إنّما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت كلام امرئ القيس: [الطويل] أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي … ومسنونة زرق كأنياب أغوال (٣) وهم لم يروا الغول قطّ؛ ولكنّه لمّا كان الغول يهولهم أرعدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل. وأزمعت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه، ولما يحتاج إليه من علمه. فلمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته (المجاز)، وسألت عن الرجل فقيل لي هو من كتّاب الوزير وجلسائه. وقال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: أدخلت على الرشيد فقال لي يا معمر بلغني أنّ عندك كتابا في صفة الخيل، أحبّ أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما نصنع بالكتب؟ يحضر فرس، ونضع أيدينا على عضو عضو منه، ونسميه ويذكر ما فيه. فقال الرشيد: يا غلام. فرس. فقام الأصمعي، فجعل يده على عضو عضو منه، ويقول هذا كذا، قال فيه الشاعر كذا، قال فيه الشاعر كذا حتى انقضى قوله. فقال لي الرشيد ما تقول فيما قال؟ قلت: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه متى تعلّمه، والذي أخطأ فيه ما

стр. 2683

أدري من أين أتى؟ وزعم الباهلي (١) أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدّر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدرّ في سوق البعر؛ لأنّ الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة، رديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وإن الفائدة عند ذلك قليلة. وانّ أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمّة، ولم يكن أبو عبيدة يفسّر الشعر. قال المبرد: كان أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وهما بعده يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم، وكان ابن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة، ويصحّح روايته، ولا يحكي عن العرب الشيء الصحيح، وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد للمجالسة، فاختار الأصمعي؛ لأنه كان أصلح للمنادمة وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة، وينصفه وينسى الأصمعي ويهجره، فقيل له: ما تقول في الأصمعي؟ فقال: بلبل في قفص. قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ فقال: جمع علوم الناس وفهمها. قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ فقال: ذاك أديم طوي على علم، قال عن تصانيفه تقارب مئتي تصنيف. وقال أبو عبيدة: لمّا قدمت على الفضل بن الربيع، قال لي: من أشعر الناس؟ قلت: الراعي (٢). فقال: كيف فضلته على غيره؟ فقلت: لأنه ورد على سعيد بن عبد الرحمن الأموي، فوصل في يومه الذي لقيته فيه، فقال يصف حاله معه؟ [الوافر] وأنضاء (٣) تحنّ إلى سعيد … طروقا (٤) ثمّ عجّلن ابتكارا حمدن مناخة وأصبن منه … عطاء لم يكن غده ضمارا

стр. 2684

فقال له الفضل: ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة، ثمّ غدا إلى الرشيد فأخرج له صلة، وأمر لي بشيء من ماله وصرفني. وكان أبو عبيدة لا تقبل شهادته؛ لأنه كان يتّهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي دخلت أنا وأبو عبيدة يوما المسجد، فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة: [البسيط] صلّى الإله على لوط وشيعته … أبا عبيدة قل بالله آمينا فقال: يا أصمعي أمح هذا، فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته إلى أن قال: أثقلتني، وقطعت ظهري، فقلت له بقيت الطاء، فقال ويحك هي شرّ. حروف هذا البيت، كتبه أبو نواس. ولد في رجب سنة عشر ومئة، وقيل غير ذلك، والأول أصح لأنه سئل متى ولدت " فقال: قد سبقني إلى الجواب عن مثل هذا عمر بن أبي ربيعة، وقد قيل له متى ولدت؟ فقال: في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب، فأي خير رفع، وأي شرّ وضع؟ واني ولدت في الليلة التي مات فيها الحسن البصيري، فجوابي جواب عمر بن أبي ربيعة. وتوفي سنة تسع ومئتين، وقيل غير ذلك بالبصرة، وكان سبب موته أن محمد بن القسم بن سهل البوسجاني أطعمه موزا فمات منه، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزا فقال له: ما هذا يا أبا جعفر؟ قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به، استحليت قتل العلماء. ومنهم: ٣ - إسحاق بن مرّار الشيباني (١٣) مولاهم أبو عمرو النحوي اللغوي صاحب العربية كوفي، نزل بغداد. عرف القبائل بتفضيلها، ركب قفار الفقار (١) وقرأ أسفار الأسفار، وولج البوادي ولجّ حتى جفّت في فم

стр. 2685

السحاب ريقه الغوادي ونزل على كل خباء، وفصّل عنه بأنباء، ولم يسلم على حفاظه ومحاسنه على ألفاظه؛ بل قبل فيه، وأظهر ما يخفيه، على أنه ما أضاع وتوقى أفاويق (١) الرضاع. قال ابن خلكان (٢)، هو من رمادة الكوفة، ونزل إلى بغذاد، وحاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه، وهي اللغة والشعر والذي قصّر به عند العامة أنه كان مشتهرا بشرب النبيذ، وأخذ عنه جماعة كبار، كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم بن سلاّم، ويعقوب بين السكيت. وقال في حقه: عاش مئة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضل (٣)، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب، وأراجيز العرب. قال ولده عمر: ولما جمع أبي أشعار العرب ودوّنها كانت نيّفا وثمانين قبيلة، وكان كلّما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا، وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطّه. ومنهم: ٤ - سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن نوليّة بن كعب ابن الخزرج (١٣) الأنصاري اللغوي البصري أبو زيد، حسبه محض، ولبنه لا يحتاج إلى

стр. 2686

مخض (١)، باقي طراز الحسب المذهّب، والنسب الذي يرغب إليه ويرهب. لم تنس أيامه الأول ولا إقدامه أمام الدول، هذا القديم عليا، وعميم سابقه لا يدرك بالأعيا. نشرت أيامها أجنحة نورها، وحدّقت على الليالي وراء سورها، وبرّزت عقايل شموسها تتبرج في لجبها، وتوشّع (٢) حلل النهار بذهبها، والزمان كلّه نوائب ويشرق، والضحى لجنبه جامد وذوائب، فبلغ من المجد قصاراه، ونال جلّ ما سمعه ورواه. قال ابن خلكان: كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغريب وكان يقوّي رأي القدر، وكان ثقة في روايته. قال المازني: رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد فقبّل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت سيّدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة. وقال أبو زيد: حدّثني خلف الأحمر، قال: أتيت الكوفة، لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا عليّ به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم أنا تائب إلى الله هذا الشعر لي، فلم يقبلوا منّي، فبقي منسوبا إلى العرب. وحكى بعضهم أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس فقال: يا أبا زيد: [البسيط] استعجمت دارميّ ما تكلّمنا … والدار لو كلّمتنا ذات أخبار إليّ يا أبا زيد، فجاءه فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا سطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول اللّه ﷺ ، فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فغضب شعبة غضبا شديدا، ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لي، أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك، وقارب المئة، ومات بالبصرة سنة خمس عشرة، وقيل أربع عشرة، وقيل ست عشرة ومئتين (٣).

стр. 2687

ومنهم: ٥ - عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مطهّر بن رباح بن عمرو بن عبد شمس الباهلي أبو سعيد الأصمعي البصري (١٣) إزاره كميش (١) وإيناره يحيي من يسمع، تتبع ألسنة العرب وجال في آفاقها، وركب واضطرب فيها الصعب والذلول. وصحب المحافظ والملول، ولم يخف هجيرا تلفّح سمومه، ولا برّا بقدح ديمومه؛ بل شقّ الرمال شقّ الأراقم، وشدّ الرحال على الخطب المتفاقم، وسرى وسرّ الليل مبهم والفجر وهم لمن يتوهّم، وقذف في النهار سفن عيشه، وألقى عن الوجناء منن تعريشه (٢)، حتى ولج الأحيا، وتجنب في سؤاله الحيا، فعاد بأمنيّته، وبلغ سؤله قبل منيّته، وهو أحد أئمة اللغة والنحو والغريب والأخبار والملح والنوادر قال يحيى بن معين (٣): كان أعلم الناس بفنه. قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عبّر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال الشافعي: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال عمر بن شبه (٤)، سمعت الأصمعي يقول، أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وقال أبو داود السخي، سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٥)» لأنه ﵇ لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت عليه.

стр. 2688

وقال أيضا: من لم يحتمل ذلّ التعليم ساعة، بقي في ذلّ الجهل أبدا. وقال الأصمعي: رآني أعرابي وأنا أطلب العلم، فقال: يا أخا العرب عليك بلزوم ما أنت عليه؛ فإن العلم زين في المجلس. وصلة من الأحزان وصاحب في الغربة، ودليل على المروءة، ثم أنشأ يقول: [الطويل] تعلّم فليس المرء يخلق عالما … وليس أخو علم كمن هو جاهل وإنّ كبير القوم لا علم عنده … صغير إذا التفّت عليه المحافل وتوفي الأصمعي سنة ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة، وقيل سبع عشرة ومئتين. ومنهم: ٦ - [أبو] عبيد القاسم بن سلام الأنصاري (١٣) مولاهم البغدادي القاضي، ذكر استحقاقا لا حظّا، واسترقاقا للفضل معنى ولفظا، تقدم في أول السلف وتناسب فعله فما اختلف، زاحم الشماريخ (١) الشمّ وأسمع الآذان الصمّ وهم السادة الجحاجح، وأهل السيادة الرواجح، فأعجز الأنظار وأعجب النظّار، وفاق الأمثال وفات المثال، فجرى ذكره نورا في الأمصار، وحلي لمى في كل ذوق ونقع صدى لكل شوق ثم غيّبه الضريح، ومات فلم يرف دمعه الجفن القريح. أحد أئمة الإسلام فقها ولغة وأدبا، صاحب التصانيف المشهورة، والعلوم المذكورة. قال محمد بن سعد: كان مؤدبا صاحب نحو وعربية، طلب الفقه والحديث، وولي قضاء ترسوس أيام ثابت بن نصر بن ملك، ولم تزل معه ومع ولده، وقدم بغداد، فسّر بها غريب

стр. 2689

الحديث وصنّف كتبا، وسمع الناس منه، وحجّ. توفي في مكة سنة أربع وعشرين ومئتين، وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألت أبا قدامة عن الشافعي وابن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم فالشافعي، وأما أورعهم فأحمد بن حنبل، وأما أحفظهم فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد، وقال إسحاق بن راهويه: (١) للّه أبو عبيد الله، أفقه مني وأعلم مني، أبو عبيد أوسعنا علما، وأكثرنا أدبا، وأجمعنا جمعا. إنّا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال الإمام أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم عندنا خيرا. وقال أيضا: أبو عبيد أستاذ. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال، وقد سئل عن أبي عبيد: أبو عبيد يسأل عن الناس. وقال أبو داود: ثقة مأمون. وقال الدارقطني: إمام ثقة جلّ وسلاّم والده رومي. وقال الإمام: هو الإمام المقبول عند الكل. وقال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن ترى مثلهم أبدا، تعجز النساء أن تلد مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلاّم، ما سألته إلاّ كأنه جبل نفخ فيه روح ورأيت بشر بن الحارث (٢) فما شبّهته إلا برجل ملئ من فرقه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد ابن حنبل فرأيت كأنّ الله جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يشاء ويمسك ما شاء وقال أحمد بن حنبل بن خلف القاضي: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وعلمه، ربانيا مفتيا في أصناف من علوم الإسلام من القرآن والفقه والأخبار والعربية، حسن الرواية صحيح النقل، لا أعلم أحدا من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه. وقال عبد الله بن أحمد: عرضت كتاب الغريب لأبي عبيد على أبي فاستحسنه، وقال جزاه الله خيرا. قال وكتبه أبي. قال الحارث بن أبي أسامة: حمل غريب الحديث لأبي عبيد إلى عبد الله بن طاهر، قال: فلما نظر فيه قال: هذا رجل عاقل دقيق النظر، فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يجري عليه في كل شهر خمسمئة درهم وقال هلال بن العلا الرقّي:

стр. 2690

منّ الله على هذه الأمة بأربعتهم في زمانهم بالشافعي يفقه بحديث رسول اللّه ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولاه كفر الناس. ويحيى بن معين (١) نفى الكذب عن رسول اللّه ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسّر الغريب من حديث رسول ﷺ ، ولولا ذلك لا قتحم في الخطأ. وكان أبو عبيد قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلثا ينام وثلثا يصلّي وثلثا يطالع الكتب، وصنّف كتبا كثيرة في القرآن والفقه وغريب الحديث وغريب المصنّف والأمثال ومعاني الشعر، وغير ذلك نحو بضعة وعشرين كتابا. وقال الفسطاطي: كان أبو عبيد مع عبد الله بن طاهر فوجّه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد منه شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين، فلمّا أراد الانصراف وصله أبو دلف ثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنّة ما تحوجني إلى صلة غيره، ولا أجد ما فيه على نقص، فلمّا عاد إلى ابن ظاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها منك، ولكن قد أعييتني بمعروفك وبرّك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحا وخيلا، وأوجّه إلى الثغر؛ ليكون الثواب متوفرا على الأمير ففعل. قال البخاري: مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومئتين، وقال غيره سنة ثلاث وعشرين بمكة، وقيل سنة ثلاثين في خلافة المعتصم.

стр. 2691

ومنهم: - ٧ - أبو عبد الله محمد بن زياد (١٣) المعروف بابن الأعرابي الكوفي اللغوي، مولى آل العباس ابن محمد الهاشمي، حذّ ركابه أغذاذا (١) وقطّع اغترابه كبد الفلاة أفلاذا وعلا اهتماما. ورشا شماما (٢)، وأفاد جلّ الفوائد، وولّد الكلم مع ألف وائد (٣)، وكان سريع الاستحضار، سري الحصار تحضره الأماثل، وتنتابه وتقدمه على المماثل، وتهابه كشقق من أكنار (٤)، ويعطي عطاء الإينار، أشرقت ليلة مولده بنجمه الطالع، وقد أودعت الثرى قمرها، وظن الموت أنه قد قبرها، فما أبعدت إلاّ كارتداد الطرف، ووفت بقيمه الدنيا الذي قبضه الصّرف. قال ثعلب: لزمت ابن الأعرابي تسع عشرة سنة، وكان يحضر مجلسه زهاء مئة إنسان، ما رأيت بيده كتابا قطّ. وسمعته يقول: ولدت في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة سنة خمسين ومئة (٥)، وذكره أبو منصور الأزهري الهروي (٦) في كتابه. فقال، كوفي الأصل، صالح زاهد، ورع صدوق، حفظ من الغريب والنوادر ما لم يحفظه غيره، وسمع من الأعراب

стр. 2692

الذين ينزلون بظاهر الكوفة، بني أسد، وبني عقيل، فاستكنّ. وأخذ عن الكسائي النحوي، وكان أبوه سنديا، أكثر السماع من المفضّل الضبّي، وهو زوج أمه، وله عدّة تصانيف، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ولم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه. يزعم أنّ الأصمعي وأبا عبيد لا يعرفان شيئا. ومنهم: ٨ - أبو يوسف يعقوب بن السكّيت (١٣) رجل قصده معروف، ورفده في سبيل الخير مصروف حاط العلم فلم يخرج عن دائرته، ولم يلج جحر غيره لمعايرته، علق بالخليفة، ووضحت إليه سبله، وسفحت سحابه ووبله، فاستوثق بسبب هاشمي لا ينقطع، وشدّ منه بوتد لا ينقلع فمدّ عليه الظل كهفه، وامتدّت إليه بالفضل كفّه، وكان ممن يسرف بالحضور لديه ويوالي السرور بالإقبال عليه، وكان خليقا يقرب إمامه وورث صنيعه واهتمامه، لم يوله الدهر إلا ما استحق، ولا قضى له إلاّ بحق. ذكره الحافظ ابن عساكر فقال: حكى عن أبي عمرو وإسحاق بن مراد ومحمد بن مهنى وابن السماك الواعظ، وحكى عنه أحمد بن الفرج المقري (١)، ومحمد بن عجلان، وأبو عكرمة الضبّي وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب، وكان يؤدب أولاد المتوكل. وروي عن ابن السماك أنه قال: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم ورأس المداراة ترك المماراة. وروى أيضا عن الأصمعي، وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وهو مؤلف كتاب إصلاح المنطق، وغيره، ولم يكن له نفاذ في علم النحو، وكان يميل إلى مذهب من

стр. 2693

يرى تقديم علي بن أبي طالب ﵁ (١). قال أحمد بن عبيد (٢): وشاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته فحمل قولي على الحسد. ونادمه، فبينا هو مع المتوكل إذ أقبل ابناه المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا ابن السكيت، أيّما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فغضب ابن السكيت من ابنيه، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات. وقيل إنه قال: والله إنّ قنبر خادم عليّ ﵁ خير منك ومن ابنيك. فقال: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك، فمات، وذلك لخمس خلون من شهر رجب سنة أربع وأربعين ومئتين، وقيل سنة ست وأربعين. وبلغ عمره اثنتين وخمسين سنة. وقال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب ابن السكيت في المنطق (٣). وقال: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت. قال ابن أبي شدّاد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة، فقال: هل قلت شيئا؟ قلت: لا. قال: فأقول أنا، ثم أنشدني: [البسيط] نفسي تروم أمورا لست مدركها … ما دمت آخذ ما يأتي به القدر ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرا … لكن مقامك في ضرّ هو السفر وقال: كتب رجل إلى صديق له قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت فألفاني فيها حظي والباقي حظك. وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك والسلام. ولمّا جاءه المعتز ليؤدبه، فقال له: بأي شيء تبدأ؟ أتريد من العلم؟، فقال المعتز بالانصراف. قال له ابن السكّيت، فأقوم، فقال له المعتز: فأنا أخفّ نهوضا منك، فقام، فاستعجل، فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى ابن السكّيت خجلا، وقد احمرّ وجهه،

стр. 2694

فأنشد ابن السكيت: [الطويل] يصاب الفتى من عثرة بلسانه … وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل فعثرته في القول تذهب رأسه … وعثرته بالرّجل تبرى على مهل فلما كان من الغد دخل ابن السكيت على المتوكل، فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له، قد بلغني البيتان. وقال ابن خلكان: وكان لا بن السكّيت شعر، وهو ممّا تثق النفس به، فمن ذلك قوله: [الوافر] إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصّدر الرّحيب وأوطنت المكاره واستقرّت … وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لا نكشاف الضرّ وجها … ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث … تمنّ به اللطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت … فموصول بها فرج قريب (١) ومنهم: ٩ - سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي السجستاني (١٣) اللغوي المقري أبو حاتم، نزيل البصرة وعالمها وسابح لججها الغزار، وعائمها. سبق في الأدب إحسانا، ونطق للعرب لسانا، وكان لا يفلّ غربه (٢)، ولا يستنفذ عضبه (٣)، ولم يكن مثله من جشم ولا مثله مهابا في غير حشم، لم يزل تؤم منه سهلا، ويؤمل منه ما كان

стр. 2695

له أهلا، تتوسّمه فلا ترى محيّاه إلا طلقا، ولا ترد ماءه إلاّ طرقا (١). ولم يكن شبهة في حساب، ولا في خلائق بغير اكتئاب. قال ابن خلكان (٢): كان إماما في علوم الآداب، وأخذ عنه علماء عصره، كابن دريد والمبرّد وغيرهما، وكان حسن العلم بالعروض، وإخراج المعمّى، وكان صالحا عفيفا، يتصدّق كل يوم بدينار، ويختم القرآن في كل أسبوع. وكان إذا اجتمع مع المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي يشاغل حلقته، وكان غلاما وسيما، فقال فيه أبو حاتم: [مجزوء الكامل] ما ذا لقيت اليوم من … متمجّن خنث الكلام حركاته وسكونه … تجنى بها ثمر الأنام وإذا خلوت بمثله … وعزمت فيه على اعتزام لم أعد أفعال العفا … ف وذاك أوكد للغرام نفسي فداؤك يا أبا ال … عبّاس جلّ بك اعتصامي فارحم أخاك فإنّه … نزر الكرى بادي السّقام وأنله ما دون الحرا … م فليس يرغب في الحرام ومن شعره قوله، وأظنه في المبرّد أيضا: [مجزوء الخفيف] أبرزوا وجهه الجمي … ل ولاموا من افتتن لو أرادوا عفافنا … ستروا وجهه الحسن وكانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب سنة ثمان وأربعين ومئتين بالبصرة.

стр. 2696

ومنهم: ١٠ - أبو الفضل العباس الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري (١٣) ذو حّد. ترك السيف مسلولا، وردّ الجيش مفلولا، كان يرجع إلى أكرومة وحسب وأرومة (١) وحبّ بكرم على الوجود مطلولا، والجود مملولا، ولم يزل منذ كان خيط عهاده محلولا، ومنهل ورّاده معلولا. عانى الطلب ففتح عليه، ومنح ما لم يصل فسعى إليه. ولم يبق تخوما (٢) قصده، ولا عدوا ما حصده، ولا نجم عليا ما رصده، فما وفى بحق شكره لسان ولا سطع مثله محمر ورد عليه كافور سوسان. قال ابن خلكان: كان راوية ثقة عالما بأيام العرب كثير الاطلاع. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة، وروى عنه الحربي وابن أبي الدنيا. ومما روى عن الأصمعي قال: مرّ بنا أعرابي ينشد ابنا له، فقلنا: صفه لنا، فقال، كأنه دنينير، فقلنا له: لم نره، فلم نلبث أن جاء بصغير أسود كأنه جعل (٣)، قد حمله على عنقه، فقلنا له، لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، فإنه ما زال اليوم بين أيدينا، ثم أنشد الأصمعي: [المنسرح] نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي … ل سحيرا وقرقف الصّرد زيّنها الله في الفؤاد كما … زيّن في عين والد ولد قتل بالبصرة بأيدي الزنج في شوال سنة سبع وخمسين ومئتين وسئل في عقب ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومئتين، كم تعد سنة قال: أظن سبعا وسبعين (٤).

стр. 2697

ومنهم: ١١ - أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري (١٣) وقيل المروزي النحوي اللغوي، بلغ من الغاية مبلغها، وملك من مطالع الشموس مبزغها، رغب في العلم فحصر الخلطا وحنى البطا (١)، وقرب الأمد، وقصّر المدد، وكان يرجع إلى ورع، يكفّ الخطرات وينم عرفه عن برودة العطرات، فسقت عهده السماء بريعها، وحفظت دهمه في مراعيها وأخذ عنه الثقات، والتقت عليه الطرقات، ثم كان في الفضائل بدر أفقها وبحر تدفّقها، وسحاب علمها الممتدّ الطراف، ومعلم علمها المذهّب الأطراف. قال ابن خلكان: كان فاضلا ثقة ديّنا، سكن بغداد، وحدّث بها عن ابن راهويه، وأبي إسحاق الزيادي، وأبي حاتم السجستاني، وروى عنه أحمد وابن درستويه، وتصانيفه كلّها مفيدة وله: المعارف، وأدب الكاتب (٢)، والإقواء (٣) وغير ذلك. ولد سنة ثلاث عشرة ومئتين، وتوفي فجأة في ذي القعدة سنة ست وسبعين على أصح الأقوال. وذكر محمد بن اسحاق النديم أن ابن قتيبة كوفي، ولي قضاء الدينور. وقال غيره إنه أكل هريسة حارّة فصاح منها ثم هذى، فمازال يتشهد إلى السحر ومات.

стр. 2698

ومنهم: ١٢ - أبو بكر بن دريد (١٣) وهو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم الأزدي اللغوي البصري. رجل كلامه يداوي المغيظ، وكرمه يفرج اللظيظ (١)، وعلمه يعلّم الجهول، ويفهّم الذهول، ويعرّف بلسان العرب من جهله، ويرد بإحسان الطلب منهله، بفطن أذابت ما جمد من الألباب، وأذكت ما خمد من الالتهاب، ففتّقت كمام الأفهام، ودفقت جمام الإبهام، فأبدت دقائق العلم وبينت فيه شرفه المخول المعم، فمدّت إليه وهو أخفى من مدارج النمال، وأسرع تغيرا من مناهج الرمال، فأضرب كل ضريب عن مداناته، ولم يحمل فهمه السقيم قدر مداواته. قال المسعودي: كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر وانتهى في اللغة، فقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب إلى الشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره، ومن جيّد شعره مقصورته الفائقة. قال: وقد عارضه فيها جماعة من الشعراء، منهم أبو القاسم بن أبي الفهم الأنطاكي. ومن ملح شعره: [الكامل] غرّاء لو جلت الخدور شعاعها … للشمس عند طلوعها لم تشرق غصن على دعص تأوّه فوقه … قمر تألّق تحت ليل مطبق لو قيل للحسن احتكم من بعدها … أو قيل خاطب غيرها لم ينطق وكأننا من فرقها في مغرب … وكأننا من وجهها في مشرق تبدو فيهتف في العيون ضياؤها … الويل حلّ بمقلة لم تطبق (٢)

стр. 2699

ولد بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومئتين، ونشأ بها وأخذ عن السجستاني والرياشي وغيرهما، ثم انتقل إلى عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس بصحبة ابني ميكال، وعمل لهما كتاب الجمهرة، وقلّداه ديوان فارس، وكانت الكتب تصدر عن رأيه، ولا ينفذ إلا بعد توفيقه، فأفاد أموالا عظيمة، وكان لا يمسك درهما سخاء وكرما، ثم أتى بغداد سنة ثمان وثلثمئة بعد انتقال بني ميكال إلى خراسان. وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارا في كل شهر، ولم تزل عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه، تقرأ عليه دواوين العرب، ويسابق إلى إتمامها حفظه. وسئل الدارقطني أثقة هو أم لا، فقال: تكلموا فيه. وقال الأزهري: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه. وقال ابن شاهين: كنا ندخل فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفّى. وذكر أن سائلا سأله أشياء فلم يكن عنده غير دنّ من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه بعض غلمانه، وقال: تتصدّق بالنبيذ، فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا عشرة. وعرض له رأس السبعين من عمره فالج ثم سقي الترياق فبري وصحّ، ورجع الى أحسن أحواله، ثم عاوده الفالج بعد سنة لغذاء كان يتناوله فظل ثم كان يقول: [الطويل] فواحزني أن لا حياة لذيذة … ولا عمل يرضى به اللّه صالح وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقين من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمئة، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية، وهو اليوم الذي مات فيه الجبائي المتكلم. فقال الناس اليوم مات علم اللغة والكلام.

стр. 2700

ومنهم: ١٣ - إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان القالي (١٣) اللغوي مؤلف غرائب سهل مساغها وحجل أرساغها، فردّ منها ما ندّ، وأقبل ما صدّ. ربى في ظلّ دوحة فرعاء، وأهل أمانة واستدعاء، فحلّق قشعما، وقشع من عمى، فكفى النوازغ، وكفل الأهلة البوازغ، ودجت الشبهة فكشط جلدتها، وحفظ المعاني وجدّتها، فسالت العلوم بالمذانب، وسارت بالمقالب، وجلس جلوس الشيوخ في ثبات (١) المراتب، وجرى جريا قصرت دونه خطا الأرانب، وطار من مشرق الشمس إلى مغربها، وأتى ملوك تلك البلاد بأدبها، وكان بأماليه للجحور مالئا وللثغور كالئا (٢)، إلا أنه هجر أوطانه ساليا، وترك بلاده، فلا عجب إن قيل قاليا. هذا إلى سعة معارف، وسمعة عوارف. جازبها البلاد برّا وبحرا وأفنى من بطون الجواري وظهور الخيل بطنا وظهرا. [قال] ابن خلكان: كان أحفظ أهل زمانه في اللغة والشعر ونحو البصريين، أخذ الأدب عن ابن دريد وابن الانباري ونفطويه وغيرهم، وطاف البلاد. سافر إلى بغداد ثم خرج إلى الأندلس، ودخل قرطبة واستوطنها، ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين ومئتين، وتوفي في ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمئة ليلة السبت لست خلون منه (٣).
следующие страницы →