← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ومنهم: ١٠ - أبو الفضل العباس الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري (١٣) ذو حّد. ترك السيف مسلولا، وردّ الجيش مفلولا، كان يرجع إلى أكرومة وحسب وأرومة (١) وحبّ بكرم على الوجود مطلولا، والجود مملولا، ولم يزل منذ كان خيط عهاده محلولا، ومنهل ورّاده معلولا. عانى الطلب ففتح عليه، ومنح ما لم يصل فسعى إليه. ولم يبق تخوما (٢) قصده، ولا عدوا ما حصده، ولا نجم عليا ما رصده، فما وفى بحق شكره لسان ولا سطع مثله محمر ورد عليه كافور سوسان. قال ابن خلكان: كان راوية ثقة عالما بأيام العرب كثير الاطلاع. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة، وروى عنه الحربي وابن أبي الدنيا. ومما روى عن الأصمعي قال: مرّ بنا أعرابي ينشد ابنا له، فقلنا: صفه لنا، فقال، كأنه دنينير، فقلنا له: لم نره، فلم نلبث أن جاء بصغير أسود كأنه جعل (٣)، قد حمله على عنقه، فقلنا له، لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، فإنه ما زال اليوم بين أيدينا، ثم أنشد الأصمعي: [المنسرح] نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي … ل سحيرا وقرقف الصّرد زيّنها الله في الفؤاد كما … زيّن في عين والد ولد قتل بالبصرة بأيدي الزنج في شوال سنة سبع وخمسين ومئتين وسئل في عقب ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومئتين، كم تعد سنة قال: أظن سبعا وسبعين (٤).

стр. 2697

ومنهم: ١١ - أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري (١٣) وقيل المروزي النحوي اللغوي، بلغ من الغاية مبلغها، وملك من مطالع الشموس مبزغها، رغب في العلم فحصر الخلطا وحنى البطا (١)، وقرب الأمد، وقصّر المدد، وكان يرجع إلى ورع، يكفّ الخطرات وينم عرفه عن برودة العطرات، فسقت عهده السماء بريعها، وحفظت دهمه في مراعيها وأخذ عنه الثقات، والتقت عليه الطرقات، ثم كان في الفضائل بدر أفقها وبحر تدفّقها، وسحاب علمها الممتدّ الطراف، ومعلم علمها المذهّب الأطراف. قال ابن خلكان: كان فاضلا ثقة ديّنا، سكن بغداد، وحدّث بها عن ابن راهويه، وأبي إسحاق الزيادي، وأبي حاتم السجستاني، وروى عنه أحمد وابن درستويه، وتصانيفه كلّها مفيدة وله: المعارف، وأدب الكاتب (٢)، والإقواء (٣) وغير ذلك. ولد سنة ثلاث عشرة ومئتين، وتوفي فجأة في ذي القعدة سنة ست وسبعين على أصح الأقوال. وذكر محمد بن اسحاق النديم أن ابن قتيبة كوفي، ولي قضاء الدينور. وقال غيره إنه أكل هريسة حارّة فصاح منها ثم هذى، فمازال يتشهد إلى السحر ومات.

стр. 2698

ومنهم: ١٢ - أبو بكر بن دريد (١٣) وهو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم الأزدي اللغوي البصري. رجل كلامه يداوي المغيظ، وكرمه يفرج اللظيظ (١)، وعلمه يعلّم الجهول، ويفهّم الذهول، ويعرّف بلسان العرب من جهله، ويرد بإحسان الطلب منهله، بفطن أذابت ما جمد من الألباب، وأذكت ما خمد من الالتهاب، ففتّقت كمام الأفهام، ودفقت جمام الإبهام، فأبدت دقائق العلم وبينت فيه شرفه المخول المعم، فمدّت إليه وهو أخفى من مدارج النمال، وأسرع تغيرا من مناهج الرمال، فأضرب كل ضريب عن مداناته، ولم يحمل فهمه السقيم قدر مداواته. قال المسعودي: كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر وانتهى في اللغة، فقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب إلى الشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره، ومن جيّد شعره مقصورته الفائقة. قال: وقد عارضه فيها جماعة من الشعراء، منهم أبو القاسم بن أبي الفهم الأنطاكي. ومن ملح شعره: [الكامل] غرّاء لو جلت الخدور شعاعها … للشمس عند طلوعها لم تشرق غصن على دعص تأوّه فوقه … قمر تألّق تحت ليل مطبق لو قيل للحسن احتكم من بعدها … أو قيل خاطب غيرها لم ينطق وكأننا من فرقها في مغرب … وكأننا من وجهها في مشرق تبدو فيهتف في العيون ضياؤها … الويل حلّ بمقلة لم تطبق (٢)

стр. 2699

ولد بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومئتين، ونشأ بها وأخذ عن السجستاني والرياشي وغيرهما، ثم انتقل إلى عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس بصحبة ابني ميكال، وعمل لهما كتاب الجمهرة، وقلّداه ديوان فارس، وكانت الكتب تصدر عن رأيه، ولا ينفذ إلا بعد توفيقه، فأفاد أموالا عظيمة، وكان لا يمسك درهما سخاء وكرما، ثم أتى بغداد سنة ثمان وثلثمئة بعد انتقال بني ميكال إلى خراسان. وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارا في كل شهر، ولم تزل عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه، تقرأ عليه دواوين العرب، ويسابق إلى إتمامها حفظه. وسئل الدارقطني أثقة هو أم لا، فقال: تكلموا فيه. وقال الأزهري: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه. وقال ابن شاهين: كنا ندخل فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفّى. وذكر أن سائلا سأله أشياء فلم يكن عنده غير دنّ من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه بعض غلمانه، وقال: تتصدّق بالنبيذ، فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا عشرة. وعرض له رأس السبعين من عمره فالج ثم سقي الترياق فبري وصحّ، ورجع الى أحسن أحواله، ثم عاوده الفالج بعد سنة لغذاء كان يتناوله فظل ثم كان يقول: [الطويل] فواحزني أن لا حياة لذيذة … ولا عمل يرضى به اللّه صالح وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقين من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمئة، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية، وهو اليوم الذي مات فيه الجبائي المتكلم. فقال الناس اليوم مات علم اللغة والكلام.

стр. 2700

ومنهم: ١٣ - إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان القالي (١٣) اللغوي مؤلف غرائب سهل مساغها وحجل أرساغها، فردّ منها ما ندّ، وأقبل ما صدّ. ربى في ظلّ دوحة فرعاء، وأهل أمانة واستدعاء، فحلّق قشعما، وقشع من عمى، فكفى النوازغ، وكفل الأهلة البوازغ، ودجت الشبهة فكشط جلدتها، وحفظ المعاني وجدّتها، فسالت العلوم بالمذانب، وسارت بالمقالب، وجلس جلوس الشيوخ في ثبات (١) المراتب، وجرى جريا قصرت دونه خطا الأرانب، وطار من مشرق الشمس إلى مغربها، وأتى ملوك تلك البلاد بأدبها، وكان بأماليه للجحور مالئا وللثغور كالئا (٢)، إلا أنه هجر أوطانه ساليا، وترك بلاده، فلا عجب إن قيل قاليا. هذا إلى سعة معارف، وسمعة عوارف. جازبها البلاد برّا وبحرا وأفنى من بطون الجواري وظهور الخيل بطنا وظهرا. [قال] ابن خلكان: كان أحفظ أهل زمانه في اللغة والشعر ونحو البصريين، أخذ الأدب عن ابن دريد وابن الانباري ونفطويه وغيرهم، وطاف البلاد. سافر إلى بغداد ثم خرج إلى الأندلس، ودخل قرطبة واستوطنها، ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين ومئتين، وتوفي في ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمئة ليلة السبت لست خلون منه (٣).

стр. 2701

ومنهم: ١٤ - أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر (١٣) الأزهري الهروي اللغوي الإمام المشهور في اللغة. حاز صنوف الفضائل وجمعها، وشذّب أنوف القبائل وجدعها، علا محلاّ وفضل كل مجلّى … ، وترقى غاية تتشكى دونها الرياح الكلال، ويتوقى الليل منجنون (١) الهلال، فجمع مالم يجمع، وسمع ما لم يسمع، فقصّر فيه الإطناب، ومدّ على السماء الأطناب، وملأ عجبا بما نشر، وبلغ طلبا ما كان ليظنّ لبشر، فتقدم ذكرا، وكفل أيامى الكلم وكأنما كفل كلاّ منهن بكرا. قال ابن خلكان: كان فقيها شافعي المذهب، غلبت عليه اللغة فاشتهر بها متفق على فضله وثقته ودرايته وورعه. روى عن المنذري اللغوي وعن ثعلب وغيره، ودخل بغداد وأدرك بها ابن دريد، ولم يرو عنه، وأخذ عن نفطويه، وابن السراج، وقيل إنه لم يأخذ عنه. وطاف في أرض العرب في طلب اللغة، وروى بخطه قال: امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاج بالهبير، كان القوم الذين وقعت سهمهم عربا نشأوا في البادية، يتبعون مساقط الغيث أيام النجع (٢)، ويرجعون إلى إعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم، ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرا طويلا. وكنّا نشتي بالدهناء ونربع بالصّمّان ونقيظ بالسّتارين (٣). واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم

стр. 2702

بعضا ألفاظا جمّة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في كتابي، يعني التهذيب (١). وذكر في تضاعيف كتابه أنه أقام بالصمّان شتوتين. وكان أبو منصور المذكور جامعا لشتات اللغات مطلعا على أسرارها ودقائقها. وصنّف في اللغة كتاب التهذيب، وهو أكثر من عشرة مجلّدات، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي يستعملها الفقهاء في مجلّد واحد. وهو عمدة الفقهاء في تفسير ما يشكل عليهم من اللغة المنغلقة بالفقه وكتاب التفسير، وكتب ولادته سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وتوفي سنة سبعين وثلثمئة في أواخرها، وقيل سنة إحدى (٢) بمدينة هراة رحمه الله تعالى. ومنهم: ١٥ - أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي (١٣) المعروف بالمطرّز غلام ثعلب. بحر لا يقاس، وجواد لا يخوّف بلزز (٣)، ملك ألسنة العرب بأطرافها، وقاد وشزب (٤) اللغات بأعرافها، ولم ينس ما حفظ، ولا غاب عنه ما لحظ، فكان لا يذهب محفوظ من ذاكرته ولا يرهب عند محاضرته. وقد جدّ به أهل النقد فلم يروا له زيفا، وجهدوا ولم يروعوا له طيفا، فخجل مبكوه، ووجل قوم ظنّوا أن يسكتوه، وعلم أنّه الحافظ الذي قلّ أن ينسى، والمحافظ الذي به يتأسى، فلم يبق إلاّ من علم أنه المبرّز؛ وأنّ علم ردائه لا يرقم مثله إلاّ المطرّز.

стр. 2703

قال الخطيب: سمعت غير واحد يحكي عن أبي عمران: الأشراف والكتّاب كانوا يحضرون عنده؛ ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها، وكان له جزء قد جمع فيه فضائل معاوية، فكان لا يترك واحدا منهم يقرأ عليه شيئا حتى يبتدئ بقراءة ذلك، وكان جماعة لا يوثّقون أبا عمر في علم اللغة حتى قال لي عبيد الله بن أبي الفتح فقال: إن أبا عمر لو طار طائر لقال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئا. فأما الحديث فرأيت جميع شيوخنا يوثّقونه فيه. وحدثنا ابن أبي علي عن أبيه قال: ومن الرواة الذين لم نر أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة فيما بلغني، وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف ولسعة حفظه اتّهم، وكان يسأل عن الشيء الذي يقدّر السائل أن واضعه مجيب عنه، ثم يسأل غيره بعد سنة فيجيب بجوابه؛ أخبرت أنه سئل عن قنطرة صحفت، فقيل له: ما القنطرة؟، فقال: هي كذا. قال: فتضاحكنا. ولمّا كان بعد شهور هيّأنا من سأله عنها، فقال: أليس قد سئلت عن هذه منذ شهور وأجبت. قال الخطيب: حكى لي رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن (١) عمّن حدّثه أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى يوما على الغلام ثلاثين مسألة لغة، وختمها ببيتين. وحضر ابن دريد وابن الأنباري، وأبو بكر بن مقسم عند القاضي، فعرض عليهم المسائل، فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن، وقال ابن مقسم: أنا مشغول بالقراءات، وقال ابن دريد هي من وضع أبي عمر: فبلغ أبا عمر ذلك، فسأل القاضي إحضار دواوين جماعة عيّنهم له، ففتح خزانته، وأخرج تلك الدواوين. فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة، ويخرج له شاهدا ويعرضه على القاضي حتى تمّمها. (٢) ثم قال: والبيتان أنشدناهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبها القاضي على ظهر الكتاب

стр. 2704

الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب فوجدهما، وانتهى الخبر إلى ابن دريد، فما ذكر أبا عمر بلفظة حتى مات. ثم قال رئيس الرؤساء: وقد رأيت أشياء كثيرة ممّا استنكر على أبي عمر ونسب إلى الكذب فيها مدوّنة في كتب أئمة العلم وخاصة في غريب (١) المصنف لأبي عبيد، أو كما قال. قال عبد الواحد بن برهان: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، وله غريب الحديث ألّفه على مسند أحمد. وقال أبو الحسن بن المرزبان: كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر غلام ثعلب وقتا بعد وقت كفايته ما ينفق على نفسه، فقطع مدة لعذر، ثم أنفذ إليه جملة ما كان في رسمه وكتب إليه يعتذر فردّه، وأمر من كتب على ظهر رقعته، ألزمتنا فملكتنا ثم أعرضت عنّا فأرحتنا. قال الخطيب: وابن ماسي لا أشكّ أنه إبراهيم بن أيوب والد أبي محمد.، وأخبرني عباس بن عمر. قال: سمعت أبا عمر الزاهد يقول: ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة، وفي قضاء حقوقهم رفعة. توفي أبو عمر سنة خمس وأربعين وثلثمئة. واعتلّ أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي، فتأخر عن مجلس أبي عمر، فسأل عنه فقيل إنه كان عليلا، فجاءه من الغد، فاتفق أن كان في الحمام، فكتب بخطّه على بابه. [المتقارب] وأعجب شيء سمعنا به … عليل يعاد فلا يوجد

стр. 2705

ومنهم: ١٦ - أبو علي الحسين بن محمد بن خالويه (١٣) النحوي اللغوي. أتته الغرائب فداوى دويّها ودارى سويّها، فأكفى موادّها وألفت صوادها، وقرّبها للمتناول وقرّبها في يد المتطاول، فقصّر طيلها (١)، وغلب حيلها، ويسّرها للطالب فدنت لمرامه، وذكت في ضرامه، وحسرت له عن لثامها، وحذرت إلاّ من لمامها، ثم لم يبرح في كسر بيته، ومعادا له أكثر قوته، حتى عوجل بموته، ومدّ حجاب الصريح دون صوته، إلا أنه لم يخل مثله في سالف العصور، ولا نهض مثل نهضه الليث الهصور. قال ابن خلّكان: أصله من همذان، دخل بغداد، وأدرك جلّة العلماء، وبها أبو بكر الأنباري، وابن مجاهد المقرئ (٢)، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد وأخذ عنهم، وقرأ على السيرافي، وانتقل إلى الشام واستوطن حلب، وصاربها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه. وقال: دخلت يوما على سيف الدولة بن حمدان، فلّما مثلت بين يديه، قال لي: اقعد ولم يقل اجلس، فتبينت اعتلاقه بأهداب الأدب أن يقال للقائم اقعد، وللنائم أو الساجد اجلس. ولا بن خالويه مع المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة، وله شعر. وأنشد الثعالبي في كتاب اليتيمة قوله: [الطويل] إذا لم يكن صدر المجالس سيد … فلا خير فيمن صدرّته المجالس وكم قائل مالي رأيتك راجلا … فقلت له: من أجل أنّك فارس

стр. 2706

وتوفي بحلب سنة سبعين وثلثمئة للهجرة (١). ومنهم: ١٧ - أبو محمد يوسف بن أبي سعيد بن الحسين بن عبد الله بن المرزبان السيرافي (١٣) النحوي اللغوي الأخباري الفاضل ابن الفاضل أبو المناضل ابن الناضل (٢)؛ بزّ السلف الخالي، وبرز في الخلف التالي. لم يعقه السؤدد عن تأدية المفترض، ولا أوقف سهمه ذو الغرض، شرّف قدره العلم وأحلّه، وعلّمه حتى قهر حاسده، وأذلّه وحيّره على علم وأضلّه. وكان يهب الدهر ذنوبه ويستر على التقصير عيوبه، ويباري البحر العذب ويستل الغطا، فلا يكشفه الجدب لفضائل لم تملك غيره فهاما ملك، ولا سلك منها فوق سبيل الجرّة ما سلك. قال ابن خلكان: كان عالما بالنحو، وتصدّر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان عليه، وكان يفيد الطلبة في حياة أبيه، وأكمل كتابه المسمى بالإقناع، وهو كتاب جليل، ثم صنّف كتبا عدة جلائل، وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية ومرة دراية، ولد سنة ثلاثين وثلثمئة، وتوفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلثمئة للهجرة، وعمره خمس وخمسون سنة وشهور، ودفن من الغد (٣).

стр. 2707

ومنهم: ١٨ - أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي، أبو الحسين، نزيل همذان (١٣) لا يدركه سعي مجد ولا يفركه سعد مستجد، اغتنى به مجده، واعتلى برتبه جدّه حتى تدفقت المجرّة نهرا في حديقته، ودلّت تباشير الصبح على حقيقته، وقامت وراءه الثريا تقتفي آثار خطاه والجوزاء تحدب ممتطاه، حتى لم ير الشمس دون قلله إلا زائلة. قال ابن خلكان (١): إمام في علوم شتى، وخصوصا في اللغة، فإنه أتقنها وألف كتابه (المجمل في اللغة)، وهو على اختصاره، جمع شيئا كثيرا، وكان مقيما بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان، وأنشد له قوله: [السريع] مرّت بنا هيفاء مجدولة … تركية تنمي لتركيّ ترنو بطرف فاتر فاتن … أضعف من حجّة نحويّ [وقوله] (٢): [مجزوء الكامل] اسمع نصيحة ناصح … جمع النّصيحة والمقه (٣) إياك واحذر إن بلي … ت من الثّقات على ثقه وقوله: [المتقارب] إذا كنت في حاجة مرسلا … وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه … وذاك الحكيم هو الدرهم

стр. 2708

وتوفي بالريّ سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، وقيل سنة سبعين، وقال ياقوت سنة تسع وتسعين. ومنهم: ١٩ - أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (١٣) أنس بالقفار واجتنى كلّ خلوة، قرّب لغة العرب وآنس منها ما اغترب، وكفى شرّ ألاّ يجاحّ (١)، وجاء بما لا ينكر للجوهري من الصحاح. هو الذي فاق سعادة جدّه، وأمات ذكره كل كتاب في جلده. لم يسبق إلى وضعه، وما أتى فيه من صنعه لما أتى به فيه من حسن الترتيب وقرب المأخذ في التبويب، فجمع في الأمور ملاكها، ومن لغة الجمهور أسلاكها، وهو اليوم مرادّ الأمل ومراد العمل، وشهرته وافية بذكره، كافية في شكره. يعتّق منه الألوة (٢)، ويشرق المحاسن المجلوة، ولا تتميز قيم الفرائد ما لم تكن منسوبة إلى صحاحه، ومحسوبة فيما وسم بصلاحه فلو دعا الأصمعي لعذر مثله في السرد، أو انتظمت أقوال النظّام لأنبت به الجوهر الفرد. وهو من أعاجيب الدنيا ذكاء وفطنة وعلما. وأصله من الفاراب من بلاد الترك. وكان يضرب به المثل في اللغة وفي حسن الكتابة، ويذكر خطّه مع خط ابن مقلة ومهلهل واليزيدي. وكان يؤثر الغربة على الوطن، ودخل بلاد ربيعة ومضر في طلب الأدب، وحين قضى وطره من قطع الآفاق، والأخذ من علماء الشام والعراق عاود خراسان، فأنزله أبو علي الحسن بن علي الكاتب عنده، وبالغ في إكرامه ثم سكن نيسابور يدرّس ويؤلف ويعلّم

стр. 2709

الكتابة ويكتب الختم. ومن العجب أن أهل مصر يروون صحاحه عن ابن القطّاع، ولا يرويه أحد بخراسان، وقد قيل: إن ابن القطّاع رتب له طريقا لمّا رأى رغبة المصريين فيه فرواه لهم في كتابه أشياء لا شك أنها نقلت من صحف فصحفت على الجوهري فانتدب لها علماء مصر وأصلحوا أوهامها. وقيل إنّه اختلط في آخر عمره ومات مترديا من سطح داره بنيسابور في شهور ثلاث وتسعين وثلاثمئة وقيل في حدود الأربعمائة. قال ياقوت الحموي: جاريت أبا الحسن علي بن يوسف القفطي أمر الجوهري. وما وقع له من حسن التصنيف، ثم قلت: ومن العجب أني بحثت عن مولده ووفاته بحثا شافيا، وسألت عنها الواردين من نيسابور فلم أجد مخبرا عن ذلك. فقال لي: لقد بحثت قبلك عن ذلك فلم أر مخبرا عنه. فلمّا كان من غد ذلك اليوم جئته فقال لي: ألا أخبرك بطريقة أني رأيت في بارحتنا في النوم قائلا يقول لي: مات إسماعيل بن حماد الجوهري سنة ست وثمانين وثلاثمئة. ولعمري، وإن كان المنام ما لا يقطع به، ولا عمل عليه فهذا بلا شك زمانه وفيه كان أوانه. وكان يجيد الشعر. فمنه قوله: [السريع] لو كان لي بدّ من النّاس … قطعت حبل الناس بالياس العزّ في العزلة لكنّه … لا بدّ للنّاس من النّاس وقوله: [الوافر] فها أنا يونس في بطن حوت … بنيسابور في ظلم الغمام فقلبي والفؤاد ويوم دجن … ظلام في ظلام في ظلام قوله: [السريع] يا صاحب الدّعوة لا تجزعن … فكلّنا أزهد من كرز

стр. 2710

والماء كالعنبر في قومس (١) … من عزّه يجعل في الحرز فأسقنا ماء بلا منّة … وأنت في حلّ من الخبز وقوله (١٣): [المتقارب] رأيت فتى أزرقا أشقرا … قليل الدّماغ كثير الفضول يفضّل من حمقه دانيا … يزيد بن هند على ابن البتول وقوله: [مخلع البسيط] يا ضائع العمر بالأماني … أما ترى رونق الزّمان فقم بنا يا أخا الملاهي … نخرج إلى نهر بستغان لعلّنا نجتني سرورا … حيث جنى الجنّتين كأننا والقصور فيها … بحافتي كوثر الجنان والطير فوق الغصون تجلي … بحسن أصواتها الأغاني وراسل الورق عندليب … كالزّبر والتمّ والثّاني وبركة حولها أباحت … عشر من الدّلب وابنتان (٢) فرصتك اليوم فاغتنمها … فكلّ وقت سواه فاني قال ابن خلكان: كان أحد الأعلام المشاهير المطبقين المكثرين. أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد، وروى عنه جماعة من النبلاء بينهم أبو القاسم التنوخي، وهو صاحب الواقعة مع أبي الطيب المتنبي، وله الرسالة التي ذكّرها موافقة المتنبي قدماء الحكماء في كثير من حيل المعاني. ولمّا قدم المتنبّي بغداد، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذهابا بنفسه عن مدح غير الملوك شقّ ذلك على المهلبي، وأغرى به شعراء بغداد (٣)، وفيهم ابن الحجاج وابن شكر

стр. 2711

الهاشمي والحاتمي وأسمعوه ما يكره وتماجنوا وتنادروا عليه، فلم يجبهم ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك: أني قد عزفت من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعراء منهم. [الوافر] أرى المتشاعرين غروا بذمّي … ومن ذا يحمد الداء العضالا ومن يك ذا فم مرّ مريض … يجد مرّا به الماء الزّلالا (١) ومنهم: ٢٠ - أبو علي الحاتمي (١٣) واسمه محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي البغدادي، عقد شوارد اللغة وقد نفرت إبلها، وأقفرت سبلها، وراضت فدلّت صنعته أيّ إدلال، واهتدت بعد أي إضلال، وأضحت لا تفارق أوطانها، ولا تألف إلاّ أعطانها (٢)، فاستفاد القصي واستعاد العصيّ، وجرت على ألسنه الكلم الفصاح وانتظمت في سلكه الجواهر الصحاح، وقد كان قصد أبا الطيب المتنبي في أبهة ورواء وهيبة، لا تخفى على ذوي الآراء، فما رفع إليه رأسا ولا صنع به إيناسا، فواجهه بما فيه. إعضاض القدر وإغضاض الصدر؛ هذا وأبو الطيب قد ترفع عن رتبة السّوقة وقعد في غلمان روقة، ثم قطع بينهما الخصام، ومرمر برهما وأشرف على الانفصام إلاّ أن الصلح كان أقرب للتقوى وأغلب عندهما على ما يقوى إلى أهل العلم فهجاه ابن الحجاج وغيره بأهاج مرّة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمئة. ومن شعره قوله في قصر الليل: [البسيط]

стр. 2712

يا ربّ ليل سرور خلته قصرا … كعارض البرق في أفق الدّجى برقا قد كان يعثر أولاه بآخره … وكان يسبق منه فجره الشفقا كأنّما طرفاه طرن إذ نفر ال … حصان منه على الأطراف وافترقا وقوله في وصف الثريا: [الطويل] وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا … إلى أن بدا للصّبح في اللّيل عسكر ونجم الثّريّا في السّماء كأنّه … على حلّة زرقا حبيب مدثّر ومنهم: ٢١ - جنادة بن محمد اللغوي الأزدي الهروي (١٣) أبو أسامة، إمام كلم سبّاق جناتها، وواصل وثباتها فأوثق سببها وحقق نسبها، فجوهر تلك الألفاظ وعنبر أنفاسها ما يفوق مسك الألحاظ، فأترعت جلابها (١) الدوافق، وجابت أجلابها إلى سوقه النافق، فقيّد تلك النوافر، وقلّد ذهب الشفق صبحها السوافر. وأوسعت له المواهب فضل عطاياها، وأسرعت إليه قصد مطاياها، حتى أصبح يفدى بالنجايا (٢)، ويتقرّى له سواد الليل عن كل السؤدد لا بقايا. قال ابن خلكان: كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها، عارفا بحوشيّها ومستعملها لم يكن في زمانه مثله في فنّه. وكانت بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأبي الحسن علي بن سليمان المقرئ النحوي الأنطاكي مؤانسة واتحاد كثير، وكانوا يجتمعون في دار العلم، وتجري بينهم مذاكرات ومفاوضات في الآداب. ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم

стр. 2713

صاحب مصر أبا أسامة هذا وأبا الحسن الأنطاكي في يوم واحد من ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلاثمئة، واستتر الحافظ عبد الغني خوفا منه (١). ومنهم: ٢٢ - أحمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي الهروي الفاشاني (١٣) (٢) المؤدب، أبو عبيد صاحب كتاب الغريبين .. مقدم لا يلحق في عمل، ولا يلحى في أمل، ولا يلحظ مثله إلاّ القمر في السماء مع أنه ما كمل. وفي تصنيفه ما يدل على حسن تصريفه. قال ابن خلكان: وكتب على ظهر كتابه في الغريبين، إنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله أعلم. وقال: كان من العلماء الأكابر، وكان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وعليه اشتغل، وبه انتفع، وكتابه المذكور. وجمع فيه من غريب القرآن الكريم والحديث النبوي، وسار في الآفاق، وهو من الكتب الشافعية. وقيل إنه كان يحب البذلة (٣) ويتناول في الخلوة (٣). ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللهو والطرب. وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة.

стр. 2714

ومنهم: ٢٣ - أبو القاسمي عبد الله، وقيل عبد الكافي بن محمد بن ناقيا (١٣) اللغوي الشاعر (١٤). رجل مشهور، وعالم يومه بشهور. لم يكن وقته مضيّعا، ولا يومه بغير الطلب مشبعا حتى ملأ صدر زمانه، وأعلى قدر جمانه (١). ولم يمض طفل (٢) يوم من الأيام ولا تجلت سحابة ليله مطبقة الظلام إلاّ عن علم ازداد وعمل ضاعف فيه إمداد. ولم يقف عند طلب ولا قصّر حتى ولا في الطرب، وكان إماما لا يعنيه تقدم صفّ، ولا انقباض في ظرف، حتى مضى على هذا عمره، وذهب وما أبدى عذره. قال ابن خلكان: كان فاضلا بارعا، له مصنفات كثيرة حسنة مفيدة. ومن شعره ما كتب به إلى بعض الرؤساء وقد اقتصد (٣): [الخفيف] جعل اللّه ذا المواهب عقب … اك من الفضل (٤) صحة وسلامه قل ليمناك كيف شئت استهلّي … لا عدمت النّدى فأنت غمامه ولد منتصف ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة، وتوفي ليلة الأحد رابع المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودفن بباب الشام.

стр. 2715

ومنهم: ٢٤ - أبو زكرياء يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني الخطيب (١٣) فرد لا تسلك له مناهج ولا تملك مباهج، أظل على الجوزاء من فوقها، وأمسك جيد العذراء بطوقها، أناف رتبة على العلماء وزينة للسماء، وفخرت به شبيبة شيبان وشيبها، وبعيد أنسابها وقريبها. هذا على هنات قلّت وعثرات ما أقلّت، وأخذ في الارتحال، والتنقل من حال إلى حال، حتى أسفرت له حنادس الظلماء، وسما سموّ حباب الماء. قال ابن خلّكان: أحد أئمة اللغة. له معرفة تامة بالأدب والنحو واللغة قرأ على المعري وأبي القاسم الرقي وأبي محمد الدهان وغيرهم، وسمع الحديث وروى عنه أبو بكر خطيب بغداد وغيره، وتخرّج عليه خلق كثير. وأثنى عليه السمعاني وعدّد فضائله، ثم قال: ما كان بمرضي الطريقة وذكر عنه أشياء، ثم قال: لكنه كان ثقة في اللغة، وما كان ينقله. وله المصنفات المشهورة المفيدة. وكان قد دخل مصر في عنفوان شبابه، وقرأ على ابن بابشاذ ثم عاد إلى بغداد، واستوطنها حتى مات. وله شعر، منه قوله: [الوافر] فمن يسأم من الأسفار يوما … فإني قد سئمت من المقام أقمنا بالعراق على رجال … لئام ينتمون إلى لئام (١) وروى عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن تحرير البغدادي قوله: [الطويل] خليليّ ما أحلى صبوحي بدجلة … وأطيب منه بالصّراة غبوقي

стр. 2716

شربت على المائين من ماء كرمة … وكانا كدرّ ذائب وعقيق على قمري أفق وأرض تقابلا … فمن شائق خلو الهوى ومشوق فمازلت أسقيه وأشرب ريقه … وما زال يسقيني ويشرب ريقي وقلت لبدر التمّ تعرف ذا الفتى … فقال نعم هذا أخي وشقيقي وروي عنه أيضا قوله: [المديد] يا نساء الحيّ من مضر … إنّ سلمى ضرّة القمر وبياض الثّغر أسكنها … في سواد القلب والبصر ولد الخطيب التبريزي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمئة ببغداد. ومنهم: ٢٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري (١٣) أبو الفضل، سابق لا يلحق في ميدان، ولا يدانيه عبد المدان، تهدّلت أفنانه فنونا، وسلبت حسانه فتونا، وضربت به الأمثال أمثال ما جمع وأضعاف ما ليس لأحد معه طمع، وله من كل فن أحسنه وأحسبه إذن عرف حسنه، وتضاعيفه تمتع العين وتوسع الطروس بمثل الذهب العين (١). قال ابن خلكان: كان أديبا فاضلا عارفا باللغة، اختص بصحبة الواحدي صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن من العربية، خصوصا اللغة وأمثال العرب. وله كتاب الأمثال، ولم يعمل مثله في بابه، قال: وكان ينشد بيتين وأظنهما له: [الطويل]

стр. 2717

تنفّس صبح الشّيب في ليل عارضي … فقلت عساه يكتفي بعذاري فلمّا فشا عاتبته فأجابني … ألا هل ترى صبحا بغير نهار (١) وله أيضا: [السريع] يا كاذبا أصبح في كذبه … [أعجوبة] (٢) أية أعجوبه وناطقا ينطق في لفظة … واحدة سبعين أكذوبه شبّهك الناس بعرقوبهم (٣) … لما رأوا أخذك أسلوبه فقلت كلاّ إنّه كاذب … عرقوب لا يبلغ عرقوبه ولما صنّف كتاب الأمثال وقف عليه الزمخشري فحسده وأخذ القلم وزاد في لفظة الميداني سنّة (٤) فصار النميداني، ومعناه بالفارسية الذي لا يعرف شيئا. فلما وقف الميداني على ذلك أخذ بعض تصانيف الزمخشري وزاد في نسبته سنة وعمل الميم نونا ومعناه بالفارسية تابع زوجته. وكان جماعة من كبار أصحابه يقولون: لو كان لنا للذكاء والشهامة والفضل صورة لكان الميداني تلك الصورة. توفي يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمئة بنيسابور.

стр. 2718

ومنهم: ٢٦ - أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن الخضر الجواليقي (١٣) البغدادي، رجل لم يخف ضلالا، ولم يخش ملالا، تزينت به بغداد فأصبح من شموسها المشرقة وعروسها المونقة، ولم يزل بها في جدّ شمّر له ساعده، وهجر به منامه وباعده وقاطع به اللذات، ومانع به الملذات حتى أصبح كامل الذات، فاضل النفس التي لا تتبع بالأذى، ثم كان ابن بجدتها (١) وأخاها الملتف في شملتها، واتصل بالخلافة حتى كان طوقا لمجلسها وغلا لمبلسها، مجليا لديا جيرها، وركنا لمستجيرها، ثم أتته المنايا سرعا وبدأته وما دعا. قال ابن خلكان: هو من مفاخر بغداد، قرأ الأدب على الخطيب التبريزي، ولازمه حتى برع في فنّه، وهو ثقة عزيز الفضل، وافر العقل مليح الحظ كثير القسط، حسن التصانيف المفيدة، وانتشرت عنه، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب عربية وكان في اللغة أمثل منه في النحو، وكان إماما للإمام المقتفي (٢) يصلي به الفرائض وألّف له كتابا لطيفا في العروض، ودخل عليه أول دخلة فما زاد أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، فقال له ابن التلميذ الطبيب (٣)، وكان قائما بين يدي المقتفي وله إدلال الخدمة والصحبة، ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين، فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى له خبرا في صورة السلام ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن يهوديا أو نصرانيا لم يصل إلى علمه نوع من أنواع العلم

стр. 2719

لما لزمه كفارة الحنث؛ لأن اللّه تعالى ختم على قلوبهم، ولن يفكّ ختم الله إلا الإيمان، فقال له: صدقت وأحسنت فيما نقلت، وكأنما ألجم ابن التلميذ مع فضله وغزارة أدبه (١). وسمع ابن الجواليقي من مشايخ زمانه وأكثر، وأخذ الناس عنه علما جمّا ونوادر كثيرة. ولد سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي يوم الأحد منتصف المحرّم سنة تسع وثلاثين وخمسمئة. ومنهم: ٢٧ - سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري أبو محمد المعروف بابن الدهان (١٣) البغدادي صاحب لغة رقّى صفيحها (٢) وأبقى صحيحها، روى عن أعرابها وتروّى في إعرابها، وما زال يدعو إليها حتى أغرى بها، وأزال إغرابها فأقام من أمتها (٣)، وجمع بين الكلمة وأختها فاستقامت من عوجها واستقلت من عرجها، وأصبحت به أوانس خدور، وكوانس نجوم وبدور. لا يخاف من نفار ولا يخفى في أسفار، ولا تزال بها الكتب مفتحة للأبواب مصفحة الفواتح بالذهب والخواتم بالصواب. قال ابن خلكان فيه: وكان في زمن أبي محمد ببغداد من النحاة ابن الجواليقي وابن الخشاب، وابن الشجري، وكان الناس يرجحون أبا محمد عليهم مع أن كل واحد منهم إمام ثم إن أبا محمد رحل عن بغداد إلى الموصل قاصدا جناب الوزير الجواد جمال الدين

стр. 2720

الأصفهاني فتلقاه بالإقبال وأحسن إليه وأقام مدة في كنفه، وعمي لكثرة ما كان يحرر كتبه التي علقت بالأذن. ومولده عشية الخميس لخمس بقين من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة وتوفي يوم الأحد من شوال سنة تسع وستين وخمسمئة. وله شعر أنشد له، قوله: [البسيط] لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة … والجدّ تعلو به بين الورى القيم فلا يغرّنك من ملك تبسّمه … ما تصخب السّحب إلا حين تبتسم وقوله: [المجتث] لا تحسبن أنّ بالشّع … ر مثلنا ستصير فللدجاجة ريش … لكنّها لا تطير وقوله: [مجزوء الكامل] لا غرو أن أخشى فرا … قكم وتخشاني اللّيوث أو ما ترى الثّوب الجدي … د من التفرّق يستغيث وكان له ولد وهو أبو زكريا يحيى، وكان أديبا شاعرا. ومن شعره: [الخفيف] إن مدحت الخمول نبّهت أقوا … ما نياما فسابقوني إليه هو قد دلّني على لذّة العي … ش، فما لي أدلّ غيري عليه وقوله: [الوافر] وعهدي بالصّبا زمنا وقدري … حكى ألف ابن مقلة في الكتاب فصرت الآن منحنيا كأني … أفتّش في التّراب على شبابي (١) وقوله مما يعزى إليه وإنما هي لأبيه: [البسيط]

стр. 2721

بادر إلى العيش والأيّام راقدة … ولا تكن لصروف الدّهر تنتظر فالعمر كالكأس يبدو في أوائله … صفو وآخره في قعره الكدر وقال ابن عساكر: سمعت سعيد ابن الدهان يقول، رأيت في النوم منشدا ينشد محبوبه: [مجزوء الرمل] أيّها الماطل ديني … أسليّ وتماطل علّل القلب فإني … قانع منك بباطل وهذا آخر ما ذكرناه من أهل اللغة بالجانب الشرقي إلى حين انقطع بهم الزمان ولم يوجد من نصلهم به إلى الآن.

стр. 2722

[أهل اللغة من الجانب الغربي]

стр. 2723

١ - أبو بكر اللؤلؤي القيرواني (١٣) فأمّا من الجانب الغربي من أهل هذا الشأن فإنما طّنت لغة العرب في آذانهم وتعلّموا النطق بلسانهم بعد أن أتى عليهم حين من الدهر، وأمسكت مخانقهم بيد القهر، فمنهم أحمد ابن إبراهيم بن أبي عاصم، أبو بكر اللؤلؤي النحوي القيرواني صاحب لغة، حقق علومها وحرّر عمومها، وحطّم أنوفها، وعلم صنوفها واقتادها ذللا ونشرها حللا، وجمع شتاتها واستدرك فوائتها ولم يقنع من الدنيا بدونها، ولا ترك بأرض هدونها (١)، يخيم بشرف على الهضاب، وحتم ألاّ يرشف إلاّ الرضاب، وكان لا يسرح إلاّ في أنية مرهومة (٢)، ولا يرى لديه إلاّ أردية مرقومة، والعزوم قدّامه جاثية، والأيدي ممّا لديه حاثية (٣). وكان من النقّاد العلماء في الغريب والنحو وشعر العرب، وله الشعر الفائق، ثم تركه في الآخر وأقبل على طلب الحديث والفقه. توفي سنة ثمان عشرة وثلاثمئة وله ست وأربعون سنة.

стр. 2724

ومنهم: ٢ - أحمد بن أبان بن سيّد اللغوي (١٣) صاحب شرطة قرطبة، دافع الصفوف ودارى الصروف، وتفرّغ للعلم، والموانع شاغلة، والمواضع فتنها شاملة، والأوقات أضيق من حلقة الخاتم، وأتعب من قعدة الجاثم. لا يقلّب المحدّق بصرا، ولا ينطق المنطق حصرا. وكان إذا سئل ورد الجياد ساحته، ولم يخرج النطق منه إلا حاجته؛ هذا لأنه لم يتكلم بمجان، ولا يزال كأنه يتكمم ولسانه يهتز كأنه جانّ، وكان ظنّه يصدق ولا يتوهم، وفنّه وما راق من برد الليل المسهم. وكان مقدما في معرفة اللغات ذا قلم جار، صنّف كتاب العالم في اللغة مئة مجلد على الأجناس. وتوفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمئة. ومنهم: ٣ - تمام بن غالب بن عمر اللغوي (١٤) المرسي، أبو غالب التيّاني من أهل قرطبة سكن مرسيّة (١)، بلغ فضله حدّ الاستفاضة، وصعب جامح العلم فراضه، وقضت له الرتبة أن يكون صدر مجالسها وأنس مجالسها فأضاء في غسقها، وأضاف فرائده إلى نسقها، ولم يزل يحوط أوانسها، ويجمع كوانسها، فقرّر القواعد وأنجز المواعد وأسعفه الزمان المساعد، وعني بالغرائب حتى ردّها إلى الرياض،

стр. 2725

وأوردها على الحياض، فوصل الأسباب، وسمعت منه كل طنانة لغيره منها هرج الذباب. كان مقدما في علم اللسان، أجمعه مسألة له اللغة. طلب إليه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري لما غلب على مرسيّة أن يزيد في كتابه في اللغة مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد ووجه إليه بألف دينار فامتنع وقال لا استجير الدنيا بالكذب؛ فإنما صنفته للناس عامة، توفي بالمرسيّة سنة ست وثلاثين وأربعمائة. ومنهم: ٤ - علي بن أحمد وقيل ابن إسماعيل أبو الحسن ابن سيدة (١٣) الأندلسي الضرير رجل مشهور، كان الداعي باسمه صرّح، وكان الدهر بعلمه لمّا تقدّم فسح، لم يقاومه بصير، ولا لازمه إلا من حسن له المصير، أحاط باللغة علما، وكشف منها كلّ معمّى، وبصر بطرقها وهو أعمى، وجمع ما ضرب عليه نطاقها، وجذبت إليه بناقها (١)، وصعد لارتقائه الكتب، وحط عن نقابه في المكتب ثم عمل له صوانا، وجعل له ديوانا، ومنه يكشف كلّ مبهم ويكفّ من لم يفهم، فمنه غاية الكشف وبه نهاية الكف. قال ابن خلكان: كان إماما في اللغة والعربية، استولى في آخر عمره على صاعد البغدادي (٢) وعلى أبي عمر الطلمنكي (٣)، وألّف المحكم في اللغة نحو عشرين مجلدا، لا يعرف قدره إلاّ من وقف عليه. فلو حلف أنه لم يصنّف مثله لم يحنث، وكان نادرة وقته،

стр. 2726

وله شعر جيّد، وكان منقطعا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد بن عبد الله العامري، وكان أعمى ابن أعمى، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وكانت وفاته بدانيه لأربع بقين من ربيع الآخر (١). ومنهم: ٥ - علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلّي اللغوي الكاتب المعروف بابن القطّاع (١٣) بطل لا يناجز وجبل لا يناهز، أعجز بحره من عام به، ورد بحره كل كميّ هز عامله، قعد للإفادة كل أيامه. متح غدر طرفيها ورادا، ويلزّ بنقعها سعدا وورّادا حتى أفاق آنية أفهامهم فأترعها، وأخصب أندية أيامهم فأمرعها (٢)، ونقلت الألسنة [ما] سمعتها فملأت بها الآذان، ونقلتها إلى حيث تسمع الأذان، تجاوز محدودا ولم يكن مثله في القوم على كثرتهم معدودا، فلهذا عرف معماه، وبقي اسمه وقد ذهب مسمّاه. ولد بصقلية سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وقرأ على ابن البرّ اللغوي وله التصانيف المفيدة، ورحل عن صقلّية لما أشرف الفرنج على تملّكها، وقدم مصر في حدود الخمسمائة، وأكرم في الدولة المصرية، وقد كان نقدة المصريين ينسبونه الى التساهل في الرواية. فمن ذلك لما قدم، سألوه عن كتاب الصحاح للجوهري فذكر أنه لم يصل إليهم، ثم لما رأى اشتغالهم به ركب له طريقا، وأخذ الناس عنه مقلدين له. وكان ذكيا شاعرا. توفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمئة.

стр. 2727

ومنهم: ٦ - أبو عبد الله محمد بن الصايغ القرشي (١٣) الأموي، أغزر من أغرف أدبا، وألّف في تحصيله دأبا، وأنقد من رأيت لمعنى، وأوقد من رضيت ذهنا. هو في اللغة إمام مبرّز بجميع كلام العرب، محرز مع نحو ما ترك منه شعبا، ولا خلّى من العربية ذلولا ولا صعبا. ملك نوافر الكلم حتى اقتاد جوامحها، وارتاد مسارحها، وسدّ في العروض خلل الخليل (١)، وبرز على التبريزي في مصنّفه الخليل، وطرق قدامة بن الحاجب حاجبا، وانقطع ابن القطّاع وما أدّى واجبا، وركب بحوره ولم يخش الغرق، وأتى بقوافيه وما أزعجها في أماكنها القلق. وله في الصناعتين ما فاق الدرر، مفرطة وسلكا، ولم يخط خطوة منهما مخلوجة. وسلكيّ أدب ولذي وثب. فرائده لديّ طالما اجتنيت منه ثمرا واجتلبت منه بالمذاكرة سمرا. وهو ممن يأوي بالمرتبة إلى بيت عريق، وأصل مرواني أينع له غصن وريق، ذكر أنه من ولد هشام بن عبد الملك، وأنه من النسب الأموي في السنام لا في الورك، نسبة تداولتها ولاة بيته، ورواة بلده عن حيّه وميته. وها هو الآن بالقاهرة أحد أعلامها المطبب لسقام آلامها والمطنب في محاسن كلامها. وما النيل من خلائقه الحسنى بأعذب، ولا المغناطيس من إبداعه بأجذب. ومن نثره قوله: وقف الحجاح ووقفنا دون ما عهد إلينا وسعوا وسعينا فما تعود لائمته علينا قوله: نفروا وانقلبنا بالوزر عن الارتكاض وأفاضوا وأفضنا بقداح القدح في الأعراض

стр. 2728

قوله: ران الهوى على القلب ففسد وسرى الحسد فينا سريا في الجسد قوله: وحضرت مجالس الذكر وكان ليس بالمحاضر قست القلوب فما تتأثر لزجر زاجر قوله: حاضر استيقظوا فقد لاح نور الصباح وأجيبوا فقد حيعل داعي الفلاح وأصلحوا أحوالكم فقد فاز بالجنّة أهل الفلاح قوله: واضرعوا إلى الله فيما ينجّيكم وتوسّلوا إليه يطعمكم فيما لديه ويرجّيكم ومن شعره قوله: [الكامل] برق الثنيّة أم ثناياك التي … خطف الفؤاد ببرقها الخطّاف مراك بستاني وذكرك مطربي … وهواك سكري لا كؤوس سلاف سلسال ورد لو يباح لظامئ … ورياض ورد لو دنت لطّاف غارت فغارت منه أقمار الدّجى … لمّا انجلى في فرع ليل صافي تقسو عليّ وما بها لو أنّها … رقّت لرقّة قلبي التّرجاف سائل رياض الحسن من وجناتها … ما أنبت الأغصان في الأحقاف

стр. 2729

وقوله: [الكامل] بعد المزار ولوعة المشتاق … حكما بفيض مدامع الآماق أمعلّلي إنّ التواصل في غد … من ذا الذي لغد فديتك باق عج بالمطيّ على الحمى تسقي الحمى … صوبا كصيّب دمعي الرّقراق منه لدى القلب السليم وداده … قلب سليم ماله من راق قلب عداه فراقكم فارقته … لا كان في الأيّام يوم فراق وهذا آخر ما ذكرناه من أهل اللغة بالجانب الغربي.

стр. 2730

[أهل اللغة في مصر]

стр. 2731

١ - جمال الدين بن المكرّم (١٣) فأمّا من وقع بمصر منهم وأمثالهم. ومنهم جمال الدين بن المكرّم، وهو من ولد رويفع بن رفاعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، مقيم لأثره إحسان ومقيل لعثرة لسان. حصل على شرف لا ينال، وطرف دونه النجم في المنال، ولم يتخذ سوى الليل سميرا، ولا غير طلب العلم ضميرا، فلم يذق النوم إلاّ عرارا (١) ولا عرف الليل إلاّ سرارا (٢)، وكتب على عينه السهر ومنادمة الكواكب إلى السحر فأحيا الليالي، وقد مات حنين النهار في أحشائها، وذهب لجين الصباح في ذهب غشائها. وتوقّد وقد أطفئت شعلة المريخ، ولم يحصل شفق النهار إلاّ على التلطيخ، فكتب أوقارا، وذاب ليلا ونهارا حتى كفّ بصره، وثنى عنانه مقصره على أنه كان مولعا برضاع الكؤوس ورضى الكاعب العروس. وولي التتار حين غلبتهم، وجرى معهم في حلبتهم، ثم ذهب وكان يقال: إنه يكون منظرا، ووجدوا ما عملوا محضرا، وكان أبوه جلال الدين مكرم ممن له اتصال بخدمة الملك الكامل وحضور في مجلسه الخاص كالنديم له، وكان من ذوي المروءة والعصبية كثير العناية بالناس، وقضاء حاجة ذوي الحاجات، ودام على هذا إلى الممات وفيه قيل: [مجزوء الكامل] قالوا المكرّم قد مضى … قلت السّلام عليك مصر ما بعد يوم مكرّم … للفضل إمّا عاش عذر ونشأ ولده وقرأ وتأدب، وصحب شرف الدين أبا العباس التيفاشي، وأخذ عنه واستمد منه وألّف كتاب سرور النفس مما كان التيفاشي جمعه، وضنّ به فما أبرزه من خدره ولا أطلعه. هو كتاب ممتع، وفيه لأهل المحاضرة مقنع. وكتب جمال الدين بديوان الإنشاء بمصر،

стр. 2732

وترقّى حتى جلس في الدست (١) لقراءة القصص، والتوقيع عليها. ولمّا قدم السلطان محمود غازان دمشق، كان فيمن كتب له وكتب التقاليد لقبجاق وبكتمر السلحدار، والفارس البكي. وكان قادرا على كثرة الكتابة مطيقا لها مع اطلاع كثير على فنون عدّة. وألّف في اللغة كتابا جليلا أظنّه سمّاه نهاية الأدب في لغة العرب (٢)، جمع فيها مشاهير كتب اللغة الجليلة ورتّبه ترتيب الجوهري لكتاب الصحاح، وكتب عليه شيخنا أبو الثناء محمود الحلبي وأبو حيّان تقريض الكتاب وشكره، ووقفت على أجزاء منه على كل منها تقريض خاص، منه قول شيخنا أبي الثناء: وكان ابن المكرم مغرى باختصار الكتب المطولة، فممّا اختصر، تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ الحافظ أبي القسم ابن عساكر، والجامع في المفردات لابن البيطار، ورأيت أطباء ديار مصر الأجلاء كالسديد الدمياطي وفرج الله بن صغير، وغيرهما يثنون على حسن اختياره، ويقولون: إنه مع اختصاره لم يخلّ فيه مقصد من مقاصده، ولا ترك موضعا لم يأت عليه من فوائده إلى غير هذا مما كتب وآونة احتطب. وكان على هذا كله مقصّرا في صناعة الإنشاء غير محصد الرشاء على أنه كان يأتي بالأبيات من الشعر؛ وإن لم يكن ممّا يبهر حسنها، ولا يسرف فنّها. وكلّها من باب المقبول أو ما يدانيه، ويقال: إنّه كتب بخطّه خمسمئة، وكان كلّما يكتب على طريقة واحدة بقلم دقيق كتابة مغلقة التعليق لا يكاد يبين. ولم يزل يكتب ويسهر الليل في الكتابة، حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرا لا يلمّ فيها بكرى، ولا يطعم جفونه فيها بهجعة، وكان يتخذ إلى جانبه إناء فيه ماء، فإذا غلبه السهر وكاد يصرعه الكرى، أخذ من الماء فسكب في عينيه فعمي وعدم نور بصره، وجلس في مجلس العمى في آخر عمره، وكان مع هذا رجلا مغرما بالنساء مغرى بالنكاح، لا يكاد تربط له تكّة، ولا يقبضه عنه مسكة إلى ولع كما يقال بالخمر عفا اللّه عنه لا يترك كؤوسها عن مطي

стр. 2733

راحه (١)، ولا يتعدّاها أمل اقتراحه، وكان رفقته يعيرونه بشرب الخمر، ويسمعونه فيها الملام، ويلحقون بسببه عليه الكلام، وكان يحتمل ويتذرع الصبر ويستملّ. فإذا أمضته ألسنتهم الراشقة، وطعنته أسنّتهم الماشقة قال: لو كان للزنا واللواط رائحة تشم مثل الخمر حتى نهتك كلّ مستتر، ولكن بليته بما تشمّ له رائحة، وابتلوا بما لا تشمّ له رائحة. وتزوج قريب موته بنت أقوش قتّال السبع، وكان أحد أمراء الدولة الأكابر، فكان يطير بجناحه ويقاتل رفاقه المعتدين عليه بسلاحه وكان ينتسب إلى قضم الأعراض وهتك الأحساب، والتجوز في الأذى والتقصد والضرر. ومنهم: ٢ - محمد بن إبراهيم النجادي البجلي لغوي سوى كلامه الذي يلقى وغير مكامن النقص الذي به يطغى، أتقن لغة العرب وضبطها، وقيّد شواردها النادّة كالإبل وربطها، لا يدانيه ابن قريب (٢)، ولا أبو عبيدة له إلاّ من عبيد الغريب، زيّن هذا بتفنّن في الأدب وتنوع في العلم مكتسب، وكان يتونس في ذرى ملك كساه العلا أثواب البقا، وعلا السماء مرتقى، وفضل أجود من الغمام، وإن لم يسأل حوى سبقا، فقات الأمم وفاء، محاماة على الذمم، وقد ذكره شيخنا أبو حيّان، وأثنى عليه بما لا تذهبه الأحيان، ومما أنشد له قوله: [مجزوء الرجز] كم قلت إذ غادر من … كان الفؤاد منزله أأشعريّ خدّه … أم من المعتزله

стр. 2734

وقوله: [البسيط] قطفت باللحظ من بستان وجنته … تفاحة ضرّجتها حمرة الخفر (١) وقلت هذا أمان من قطيعته … فالشّرع قد نصّ أن لا قطع في الثمر

стр. 2735

أهل [علم النحو]
следующие страницы →