١ - جمال الدين بن المكرّم (١٣)
فأمّا من وقع بمصر منهم وأمثالهم. ومنهم جمال الدين بن المكرّم، وهو من ولد رويفع بن رفاعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، مقيم لأثره إحسان ومقيل لعثرة لسان. حصل على شرف لا ينال، وطرف دونه النجم في المنال، ولم يتخذ سوى الليل سميرا، ولا غير طلب العلم ضميرا، فلم يذق النوم إلاّ عرارا (١) ولا عرف الليل إلاّ سرارا (٢)، وكتب على عينه السهر ومنادمة الكواكب إلى السحر فأحيا الليالي، وقد مات حنين النهار في أحشائها، وذهب لجين الصباح في ذهب غشائها. وتوقّد وقد أطفئت شعلة المريخ، ولم يحصل شفق النهار إلاّ على التلطيخ، فكتب أوقارا، وذاب ليلا ونهارا حتى كفّ بصره، وثنى عنانه مقصره على أنه كان مولعا برضاع الكؤوس ورضى الكاعب العروس. وولي التتار حين غلبتهم، وجرى معهم في حلبتهم، ثم ذهب وكان يقال: إنه يكون منظرا، ووجدوا ما عملوا محضرا، وكان أبوه جلال الدين مكرم ممن له اتصال بخدمة الملك الكامل وحضور في مجلسه الخاص كالنديم له، وكان من ذوي المروءة والعصبية كثير العناية بالناس، وقضاء حاجة ذوي الحاجات، ودام على هذا إلى الممات وفيه قيل: [مجزوء الكامل]
قالوا المكرّم قد مضى … قلت السّلام عليك مصر
ما بعد يوم مكرّم … للفضل إمّا عاش عذر
ونشأ ولده وقرأ وتأدب، وصحب شرف الدين أبا العباس التيفاشي، وأخذ عنه واستمد منه وألّف كتاب سرور النفس مما كان التيفاشي جمعه، وضنّ به فما أبرزه من خدره ولا أطلعه. هو كتاب ممتع، وفيه لأهل المحاضرة مقنع. وكتب جمال الدين بديوان الإنشاء بمصر،
стр. 2732
وترقّى حتى جلس في الدست (١) لقراءة القصص، والتوقيع عليها. ولمّا قدم السلطان محمود غازان دمشق، كان فيمن كتب له وكتب التقاليد لقبجاق وبكتمر السلحدار، والفارس البكي. وكان قادرا على كثرة الكتابة مطيقا لها مع اطلاع كثير على فنون عدّة. وألّف في اللغة كتابا جليلا أظنّه سمّاه نهاية الأدب في لغة العرب (٢)، جمع فيها مشاهير كتب اللغة الجليلة ورتّبه ترتيب الجوهري لكتاب الصحاح، وكتب عليه شيخنا أبو الثناء محمود الحلبي وأبو حيّان تقريض الكتاب وشكره، ووقفت على أجزاء منه على كل منها تقريض خاص، منه قول شيخنا أبي الثناء: وكان ابن المكرم مغرى باختصار الكتب المطولة، فممّا اختصر، تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ الحافظ أبي القسم ابن عساكر، والجامع في المفردات لابن البيطار، ورأيت أطباء ديار مصر الأجلاء كالسديد الدمياطي وفرج الله بن صغير، وغيرهما يثنون على حسن اختياره، ويقولون: إنه مع اختصاره لم يخلّ فيه مقصد من مقاصده، ولا ترك موضعا لم يأت عليه من فوائده إلى غير هذا مما كتب وآونة احتطب. وكان على هذا كله مقصّرا في صناعة الإنشاء غير محصد الرشاء على أنه كان يأتي بالأبيات من الشعر؛ وإن لم يكن ممّا يبهر حسنها، ولا يسرف فنّها.
وكلّها من باب المقبول أو ما يدانيه، ويقال: إنّه كتب بخطّه خمسمئة، وكان كلّما يكتب على طريقة واحدة بقلم دقيق كتابة مغلقة التعليق لا يكاد يبين. ولم يزل يكتب ويسهر الليل في الكتابة، حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرا لا يلمّ فيها بكرى، ولا يطعم جفونه فيها بهجعة، وكان يتخذ إلى جانبه إناء فيه ماء، فإذا غلبه السهر وكاد يصرعه الكرى، أخذ من الماء فسكب في عينيه فعمي وعدم نور بصره، وجلس في مجلس العمى في آخر عمره، وكان مع هذا رجلا مغرما بالنساء مغرى بالنكاح، لا يكاد تربط له تكّة، ولا يقبضه عنه مسكة إلى ولع كما يقال بالخمر عفا اللّه عنه لا يترك كؤوسها عن مطي
стр. 2733
راحه (١)، ولا يتعدّاها أمل اقتراحه، وكان رفقته يعيرونه بشرب الخمر، ويسمعونه فيها الملام، ويلحقون بسببه عليه الكلام، وكان يحتمل ويتذرع الصبر ويستملّ. فإذا أمضته ألسنتهم الراشقة، وطعنته أسنّتهم الماشقة قال: لو كان للزنا واللواط رائحة تشم مثل الخمر حتى نهتك كلّ مستتر، ولكن بليته بما تشمّ له رائحة، وابتلوا بما لا تشمّ له رائحة. وتزوج قريب موته بنت أقوش قتّال السبع، وكان أحد أمراء الدولة الأكابر، فكان يطير بجناحه ويقاتل رفاقه المعتدين عليه بسلاحه وكان ينتسب إلى قضم الأعراض وهتك الأحساب، والتجوز في الأذى والتقصد والضرر.
ومنهم:
٢ - محمد بن إبراهيم النجادي البجلي
لغوي سوى كلامه الذي يلقى وغير مكامن النقص الذي به يطغى، أتقن لغة العرب وضبطها، وقيّد شواردها النادّة كالإبل وربطها، لا يدانيه ابن قريب (٢)، ولا أبو عبيدة له إلاّ من عبيد الغريب، زيّن هذا بتفنّن في الأدب وتنوع في العلم مكتسب، وكان يتونس في ذرى ملك كساه العلا أثواب البقا، وعلا السماء مرتقى، وفضل أجود من الغمام، وإن لم يسأل حوى سبقا، فقات الأمم وفاء، محاماة على الذمم، وقد ذكره شيخنا أبو حيّان، وأثنى عليه بما لا تذهبه الأحيان، ومما أنشد له قوله: [مجزوء الرجز]
كم قلت إذ غادر من … كان الفؤاد منزله
أأشعريّ خدّه … أم من المعتزله
стр. 2734
وقوله: [البسيط]
قطفت باللحظ من بستان وجنته … تفاحة ضرّجتها حمرة الخفر (١)
وقلت هذا أمان من قطيعته … فالشّرع قد نصّ أن لا قطع في الثمر
стр. 2735
أهل [علم النحو]
стр. 2736
١ - أبو الأسود الدؤلي (١٣)
وأما علم النحو الذي هو رأس علوم الإسلام، وبه تتبين سبل الكلام؛ فإنما نبع من المشرق وامتدّ منه سحابه المغدق، ثم منه بقية الآفاق امتاروا، وحملت أهل المغرب أوقار (١) الركائب وساروا. وسنذكر إن شاء الله مشاهير أهله، وننبّه على فضل كل منهم ونبله، ونبدأ بأول من وضع هذا العلم، وهو أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمر بن سفين بن جندل بن يعمر ابن حلس بن بقاية بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة، أول أهل النحو. هذا الذي استنبط معينه واستنشط معينه، وانتصر للعرب وقد فسدت ألسنتها وضفيت حسنتها، وقام قياما حملته عليه العربية وحمية الغضب لهم والعصبية، ورأى العرب وقد استوطنت ريف العراق، كثر اختلاطها بفارس والروم وسائر أخلاط العجم، وانحبس من قطرها ما انسجم، وزاده استفهام ابنته عن الأحسن من نجوم السماء ما زاد باعثه وأحدث حادثه، فبات بليلة كأنما قصّت قوادم غرابها ولم ير من عدد الصباح إلاّ لوامع سرابها. فلمّا انفجر دمّل ليله، وقرّت في منبثق النهار قرارة سيله أتى مدينة العلم من بابها، وهبّ لحاجته ما أعدّ من أسبابها، فقوّم له أمير المؤمنين علي ﵁ ذلك المناد (٢)، وعاد صلاحه على ذلك الفساد، وعلّمه كلمات بها تاب الله على لسان العرب وأمسك منه ما كان قد اضطرب.
ويروى أن الذي قال له: الكلمات ثلاث لم يزده عليها، وقال بعضهم قاله: الكلمات ثلاث اسم وفعل وحرف. قال آخرون: قال له، اعلم أنّ الكلمات ثلاث لا يمكن الزيادة عليها، ولا النقص منها وهي اسم وفعل وحرف. وقد زعم كثير أنه إنما استأذن في ذلك زياد
стр. 2737
ابن أبيه، فقال له هذا الكلام، والأول أثبت لصحبته لعليّ ﵁، ولأن الحكمة منه أشبه.
قال ابن خلكان: كان من سادات التابعين، وصحب علي بن أبي طالب ﵁ وشهد معه صفّين، وهو مصري، وكان من أكمل الرجال رأيا وأشدهم عقلا وهو أول من وضع النحو. فقيل إن عليا ﵁ وضع له الكلام فقال: الكلام كلّه ثلاثة أضرب اسم وفعل وحرف، ثم دفعه إليه وتمّم على هذا. وقيل إنه كان يعلّم أولاد زياد بن أبيه وهو والي العراقين يومئذ، فجاءه يوما فقال: أصلح الله الأمير إني رأيت العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون كلامهم، قال: لا. فجاء رجل إلى زياد وقال:
أصلح الله الأمير:، توفّي أبانا وترك بنون. قال: ادعوا لي أبا الأسود، فلمّا حضر قال: ضع للناس الذي كنت نهيتك أن تضع لهم. وقيل: إنه دخل يوما بيته فقال له بعض بناته: يا أبت ما أحسن السماء، فقال: إني لم أدر أيّ شيء منها أحسن وحكى ولده أبو حرب، قال: أول باب وضع أبي باب التعجب، وسمّي النحو نحوا لأن أبا الأسود قال: استأذنت على علي بن أبي طالب أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك، وكان لأبي الأسود بالبصرة دار وله جار يتأذى منه، فقيل له: بعت دارك، فقال بعت جاري، فأرسلها مثلا.
وأنشد من شعره قوله: [الوافر]
وما طلب المعيشة بالتّمنّي … ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بملئها طورا وطورا … تجيء بحمأة وقليل ماء
وقوله: [الكامل]
صبغت أميّة بالدّماء أكفّنا … وطوت أميّة دوننا دنياها (١)
ويحكى أنه أصابه الفالج، وكان يخرج إلى السوق يجرّ رجله، وكان موسرا ذا عبيد وإماء، فقيل له: قد أغناك الله عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك فقال: لا؛
стр. 2738
ولكني أخرج وأدخل فيقول الخادم قد جاء ويقول الصبي قد جاء. ولو جلست في البيت، فبالت عليّ الشاة ما منعها أحد عني. وكان معروفا بالبخل، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا لكنّا أسوأ حالا منهم.
وقال لبنيه: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم لفعل.
ولا تجهدوا أنفسكم في التوسع فتهلكوا هزالا. وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال:
عليّ به، فعشّاه ثم ذهب ليخرج فقال: أين تريد؟ فقال: أهلي فقال: هيهات، ما عشّيتك إلاّ على أن لا تؤذي المسلمين الليلة. ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح. وتوفي بالبصرة سنة تسع وستين من الهجرة (١).
ومنهم:
٢ - عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي (١٣)
أبو بحر النحوي العلاّمة البصري، حليف عبد شمس. رجل لا ينال بالآمال، ولا يطال بالأعمال، طار وراء الظلماء وسبح في غدير السماء. سخت سماوات أمطاره، وسمحت غايات أوطاره، وكان في يده قلم التصنيف فتصادحت الحمائم على أنهاره، وصدحت حديدة ليله بفضة نهاره. طالما قاطع جفنه الكرى على أن لا يعود، ولا يطمع إنسان (٢) عينه منه بوعود، فما رفقت سنة في أجفانه، ولا تدفقت إلاّ شعبة من طوفانه.
قيل: إنّه من أوّل من صنّف، وقيل، بل هو من دوّن النحو، وقيل غير هذا. أخذ القرآن عن
стр. 2739
يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، وأثنى عليه يونس بن حبيب وبالغ في وصفه.
وقال محمد بن سلام (١): أول من بعج النحو، ومدّ القياس وشرح العلل عبد الله بن أبي إسحاق، وكان أسدّ قياسا، وكان أبو عمرو بن العلاء أوسع علما بكلام العرب وجمع بينهما بلال بن أبي بردة (٢) أيام هشام بن عبد الملك.
قال يونس: قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق يومئذ بالهمز ففطرت فيه بعد وبالغت فيه.
وقال يونس: كان أبو عمرو أشدّ تسليما للعرب. وكان ابن أبي إسحاق وعيس بن عمر يطعنان على العرب. توفي سنة سبع وعشرين ومئة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان يعيب الفرزدق في شغله، وينسبه إلى اللحن فهجاه الفرزدق بقوله: [الطويل]
فلو كان عبد الله مولى هجوته … ولكن عبد الله مولى مواليا
فقال له عبد الله: لحنت في قولك مولى مواليا، ينبغي أن تقول: مولى موال.
ومنهم:
٣ - أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي (١٣)
البصري المقرئ النحوي، ألّف أشباها وألف طريقة لا يخاف اشتباها، وقام بالعربية مقام أحراسها، وجاء يسوقها بأخلاسها (٣)، فنطق بلسانها، وسبق إليها من عدا بلبانها، ووجّه بفطنته. عمل العوامل ولم يقبل بفطرته عذل العواذل ولم يزل حتى انقادت له في إتيانها
стр. 2740
وعادت إليه بعد ليانها، فقلّدته السراة النّحور، وفدته مما بين الحضور والنّحور فزاد على المراد، وأتاه النحو نحو ما أراد.
قيل، هو مولى خالد بن الوليد، نزل في ثقيف وكان من طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل بن أحمد. ونذكر أن عيسى صنّف نيفا وسبعين مصنّفا في النحو وأن بعض الأغنياء جمعها وأتت عليها آفة فهلكت، وقيل: إن مادة كتاب سيبويه من كتاب الجامع لعيسى بن عمر. وله كتاب الإكمال، وفيه أنشد الخليل بن أحمد يخاطب سيبويه:
[الرمل]
بطل النحو جميعا كلّه … غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع … فهما للنّاس شمس وقمر
وقال محمد بن سلام الجمحي، كان عيسى بن عمر ينزع إلى النصب إذا اختلفت العرب، ويقال، إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع من النحو إلاّ باب الفاعل والمفعول فقط وإن عيسى بن عمر وضع كتابا على الأكثر بوّبه، وكان يطعن على العرب، ويخطّئ مثل النابغة، وكان صاحب تقعير (١) في كلامه، واستعمال للغريب، وكان بعض جلساء خالد بن عبد الله القسري قد أودعه شيئا فنمى ذلك إلى يوسف بن عمر، وكتب إلى واليه بالبصرة، يأمره بحمل عيسى بن عمر مقيدا، فدعا به وأمر الحداد بتقييده وقال، لا بأس؛ إنما أرادك الأمير لتأديب ولده، قال، فما بال القيد إذن، فبقيت مثلا بالبصرة.
فلما ضربه يوسف بالسياط جزع وأقرّ، فأخذت الوديعة منه، وأدركه بعد ذلك ضيق نفس، فكان يداويه بإجاص يابس وسكّر.
وقال ابن معين: عيسى بن عمر بصري ثقة، ووقع مرّة في الطريق من ضيق النّفس، فدار الناس حوله، يقولون، مصروع، فمن بين قارئ ومعوّذ، فلمّا أفاق نظر ازدحامهم، فقال، مالي
стр. 2741
أراكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة افرنقعوا عنّي، فقال رجل، إنّ جنيّه هذا يتكلم بالهندية، توفي سنة تسع وأربعين ومئة قبل أبي عمرو (١) بخمس سنين.
ومنهم:
٤ - عبد الحميد بن عبد المجيد أبو خطاب الأخفش الكبير (١٣)
مسرج حدوه ومبهج جلوه، امتدّت أفياؤه، واعتدت للمحاسن أحياؤه، وتحصّنت ربائبه في كناسها، وتحسنت في أجناسها، وضاءت في الليل البهيم، وضاعت في ربا الروض النسيم، وأتت مسرج طرف ومطمح رجاء من صرف، وكان لا يخلو مجلسه من منتدين، ويكنسه من ضلال للمهتدين، هذا وهو أحد الأئمة الذين يهدون، وأعلام الأئمة الذين يهتدون. وكان بحرا لا النوء بعض نبقه (٢) تسد ولا يجاريه إلا بغير غمام وإطناب برقه، وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته وأخذ عنه أبو عبيدة، وسيبويه والكسائي ويونس ابن حبيب، وكان ديّنا ثقة ورعا. قال المرزباني، هو أول من فسّر الشعر تحت كل بيت منه، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله؛ وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسروها.
وحدّث الأصمعي، قال وقف أبو الخطاب على أعرابي يريد الحج، فقال، أتقرأ أشياء من القرآن قال نعم. قال فاقرأ، قال: [الطويل]
فإن كنت قد أيقنت أنك ميّت … وأنك مجزيّ بما كنت تفعل
فكن وجلا من سكرة الموت خائفا … ليوم به عنك الأقارب تشغل
стр. 2742
فقال: ليس هذا من القرآن، قال: بلى. فأقرأ أنت، فقرأ: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (¬١﴾، فقال: هذه أخت التي تلوتها سواء إلاّ أنها بعد لم تنتظم لك، وكان له أشياء ينفرد بها عن العرب. والأخافش أربعة، هذا أولهم والأوسط سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه، والصغير علي بن سليمان، والرابع اسمه عبد العزيز بن أحمد المغربي الأندلسي أبو الإصبع.
ومنهم:
٥ - الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي (١٣)
الأزدي، أبو عبد الرحمن، هو من أغصان الأدب ووريقها (٢)، ورشف ألسنة العرب وريقها. وهو إمام القوم ولسان القول. رأس أهل التعليم، والخليل وحاسده الكليم، ومؤسس القواعد، وإن لم يكن الخليل إبراهيم ومستنبط العلم الذي ما سبق إليه، ولا وقع خاطر امرئ قبله. افترع منه العذراء (٣) واخترع منه ما ضبط به الشعراء. أتى منه بعلم جليل وأحسن إحسانا، أصبح فيه الناس ضيوف الخليل. استخرجه من صوت جرّة تقرعها جارية تتغنى عليها، وصنّفه بمكة وشرع فيه وهو طائف بالكعبة. وقد حكى صاحب بغية الألبّاء في ذلك عن عبد اللّه ابن المعتز أن الخليل مرّ في سكة الصفارين بالبصرة، فسمع دقّ الكوادين بأصوات مختلفة فوقف يسمع اختلافه، قال: واللّه لأضعنّ على هذا المعنى علما غامضا، فوضع العروض. وحدّث النضر بن شميل، قال: كان أصحاب الشعر يمرّون بالخليل
стр. 2743
فيتكلمون في النحو، فقال الخليل: لا بدّ لهم من أصل، فوضع العروض، وخلا في بيت ووضع بين يديه طستا، وما أشبهه، وجعل يقرعه بعود، يقول: مستفعلن فاعلن فعولن، فسمعه أخوه، فخرج إلى المسجد، فقال إن أخي قد أصابه جنون، وأدخلهم وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن مالك، أصابك شيء، أتحب أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: أخوك يزعم أنك قد خولطت، فأنشأ يقول: [الكامل]
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني … أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني … وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
ويروى أن ابنه فعل ذلك.
قال ابن خلكان: كان إماما في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض، وحصر أقسامه في خمس دوائر، يستخرج منها خمسة عشر بحرا، وزاد فيه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط بحرا سمّاه الخبب، وهو المتدارك. وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علما لم يسبقه إليه أحد ولا يؤخذ إلا عنه. فلما رجع من حجّه فتح عليه بعلم العروض وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم (١).
وقال حمزة بن الحسين الأصفهاني (٢) في حقه: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم الذي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض، الذي لا عن حكيم أخذه، ولا عن مثال تقدمه احتذاه إنما اخترعه من ممرّ له بالصفارين من وقع مطرقة على طست، ثم قال: فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لنسك فيه بعض الأمم لتصنيفه مالم يصنفه أحد منذ خلق الله الدنيا. قال ابن خلكان:
وكان الخليل رجلا صالحا عاقلا حليما وقورا ومن كلامه: لا يعلم الإنسان خطأ معلّمه حتى يجالس غيره.
стр. 2744
وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خصّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلسين وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال. ولقد سمعته يوما يقول: إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي. وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل إليه: [البسيط]
أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة … وفي غنى غير أني لست ذامال
سخّى بنفسي أنّي لا أرى أحدا … يموت هزلا ولا يبقى على حال
والرّزق في (١) قدر لا الضّعف ينقصه … ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النّفس لا في المال نعرفه … ومثل ذاك الغنى في النّفس والمال
فقطع سليمان عنه الراتب فقال الخليل: [السريع]
إن الذي شقّ فمي ضامن … للرزق حتّى يتوفّاني
حرمتني مالا قليلا فما … زادك في مالك حرماني
فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذرا إليه، فقال: [البسيط]
وزلّة يكثر الشّيطان إن ذكرت … منها التعجّب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يده … فالكوكب النّحس يسقي الأرض أحيانا
وأنشد ولم يذكر لنفسه أو لغيره: [الطويل]
يقولون لي: دار الأحبّة قد دنت … وأنت كئيب إنّ ذا لعجيب
فقلت: وما تغني الديار وقربها … إذا لم يكن بين القلوب قريب (٢)
وتوفي بالبصرة سنة ستين ومئة، وقال ابن الجوزي سنة ثلاثين ومئة، وهو غلط ولكن نقله الواقدي. وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرّب نوعا من الحساب تمضي به الجارية إلى
стр. 2745
إلى البياع ولا يمكنه ظلمها. ودخل المسجد وهو يعمل فكره في ذلك فصدمته سارية وهو غافل عنها بفكره فانقلب على ظهره فكانت سبب موته. والفراهيد بطن من الأزد كذلك يحمد.
ومنهم:
٦ - يونس بن حبيب النحوي، أبو عبد الرحمن (١٣)
قائم بقسط (١)، وعالم بما في قسط، ومدن لنازح، ومجنّ لنافح، ومغن دونه كلّ ناصح.
وضح بارقا وأضحى لا يردّ طارقا، فهبّ والناس نائمون، وذهب وأجناس الطلبة قائمون.
وحصل ما لم تنله أيديهم ولم تصله ليالي أقمارهم، ولاذ أدبهم حتى عرس في عرسه (٢) العلم، وقد أخلته أسوده لثعالبه وحلّته حماته لغالبه، فأقر فيه أسوده: وسرّه، وأكمد حسوده.
قال المرزباني في المقتبس في أخبار النحويين، مولده سنة تسعين، ومات سنة اثنتين وثمانين ومئة (٣)، وكان يقول: أذكر موت الحجاج. قال: ويقال: إنّ مولده سنة ثمانين، وعاش مئة سنة وسنتين. وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة (٤)، وسمع من العرب، وروى عن سيبويه، وسمع منه الكسائي والفرّاء. وله قياس في النحو، ومذاهب ينفرد بها. وكانت حلقته بالبصرة يرتادها الأدباء وفصحاء العرب وأهل البادية.
стр. 2746
قال أبو عبيدة: اختلفت إلى يونس أربعين سنة أملأ كلّ يوم ألواحي من حفظه.
وقال أبو زيد الأنصاري: جلست إلى يونس عشر سنين وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين سنة. وقال لي يونس: قال لي رؤبة بن العجاج: حتّام تسألني عن هذه البواطل وإن حرّفتها لك، أما ترى الشيب قد بالغ في لحيتك. وقال إسحاق الموصلي: قارب يونس تسعين سنة ولم يتزوج ولم يتسرّ، وكان يونس يقول: ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب وما بلغت كنهه. قال: يقول العرب: فرقة الأحباب سقم الألباب.
ومنهم:
٧ - عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر [سيبويه] (١٣)
أبو الحسين. جمع الأزمّة، وشرع في الأمور المهمة. عرف العلم بتفصيله، وأجمع عليه المنجد والمتهم والمعرق والمشئم، وتساوى في وصفه العجمي والعربي والمشرقي والمغربي.
تكلّم بألسنة كل القبائل وحوى حسنه كل قائل، وتدفقت شعوبه بالمسائل، وذهبت أيامه كلّها مذهب الأصائل. فمذهبه هو اليوم الجاد، والمهيع (١) والطريق المتبع، وعليه المنهج المسلوك، ولديه ما يؤخذ وما سواه متروك. وكان شيخنا أبو حيان يقول: لا يقاس في هذا العلم رجل بسيبويه. ولمّا قدم شيخ الإسلام من مصر في بعض قدماته لازمه أبو حيان ومدحه وأطنب في شكره، وذكر فضله ولم يزل على هذا حتى ذكر يوما سيبويه بنقص، فهجر ابن تيميه وقاطعه وأخذ في ذكر عيوبه وتعديدها وكان يقول: لو كان ابن تيمية عاقلا لما ذمّ سيبويه. وما برح هذا قوله فيه إلى آخر ما فارقه في شوال، سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة.
стр. 2747
قال ابن خلكان: كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه.
وذكره الجاحظ يوما فقال: لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال.
وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم، ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، فلما وصلت إليه قلت، لم أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفرّاء، فقال: والله ما أهديت لي شيئا أحبّ إليّ منه. ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب، فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك ولكنها بخط الفرّاء وقائله الكسائي وتهذيب عمرو ابن بحر الجاحظ
فقال ابن الزيات: هذه أجلّ نسخة توجد، وأعزّها فأحضرها إليه، ووقعت منه أجلّ موقع.
وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد وعيسى بن عمر ويونس بن حبيب وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبا بزائر لا يملّ.
وجرى للكسائي مع سيبويه البحث المشهور في قولك، كنت أظنّ لسعة العقرب أشدّ من لسعة الزنبور فإذا هو هي، فقال الكساني، فإذا هو إيّاها، وانتصر الخليفة للكسائي فحمل سيبويه من ذلك هّما فترك العراق ودخل إلى شيراز، وتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومئة.
وقال ابن قانع: توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومئة، وقيل سنة ثمان وثمانين. وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي توفي سنة أربع وتسعين ومئة، وعمره اثنان وثلاثون، وإنه توفي بمدينة ساوة.
стр. 2748
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن دريد أنه قال، مات سيبويه بشيراز وقبره بها، وقيل إن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة، لا وفاته.
قال أبو سعيد الطّوال: رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات وهي لسليمان بن يزيد العدوي.
[الكامل]
ذهب الأحبّة بعد طول تزاور … ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
تركوك أوحش ما تكون بقفرة … لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا
قضي القضاء وصرت صاحب حضرة … عنك الأحبّة أعرضوا وتصدّعوا
وقال معاوية بن بكر العليمي، وقد ذكر عنده سيبويه، رأيته وكان حدث السنّ وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم وكنت أسمع في ذلك العصر. وقال أبو زيد الأنصاري، وكان سيبويه غلاما يأتي مجلسي وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول، حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني. وكان سيبويه كثيرا ما ينشد هذا البيت:
[الطويل]
إذا بلّ من داء به ظنّ أنه … نجاوبه الداء الّذي هو قاتله
وسيبويه لقبه وهو لفظ فارسي، معناه بالعربية رائحة التفاح. وقيل إنما لقّب به لأنه كان جميل الصورة، وجنتاه كأنهما تفاحتان (١).
стр. 2749
ومنهم:
٨ - أبو فيد مؤرّج بن عمرو بن الحارث السّدوسي (١٣)
النحوي البصري، صدر ملئ علما وتلي فضله المفضل لما شيل منه غّما، ولم يكن فيه سبيل للنازعات ولا عبس إلا لوجوه المنازعات. اشتدت به قوادمه حيث خلق، وامتدت قوائمه فلم تلحق، بعلوم برقت لها السحب الهوامل، ونزلت إليها البدور الكوامل، ونزعت إلى نحو ظهرت فيه العوامل، فلم يكن له إلا من يعترف، ويعرف أنه لا ينصوف.
قال ابن خلكان: أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن سعيد بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما. وكان يقول: قدمت من البادية ولا معرفه لي بالقياس في العربية؛ وانما كانت معرفتي قريحة، وأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري، وله عدّة تصانيف. وممّا أورد له من شعره ابن المنجم:
[البسيط]
ورّعت بالبين حتّى ما أراع به … وبالمصائب من أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي علقا أضنّ به … إلا اصطفاه بنأي أو بهجران
قال ابن المنجم: وهذان البيتان من أملح ما يقول في معناهما. ونقل ابن النديم أو وجد بخط ابن المعتز مؤرخا، مات سنة خمس وتسعين ومئه، في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس.
قال ابن خلكان وهذا ما يستقيم إلا على أحد الأقوال في تاريخ وفاة أبي نواس (١).
стр. 2750
ومنهم:
٩ - قطرب أبو علي محمد بن المستنير (١٣)
وهو النحوي اللغوي البصري، وقيل اسمه أحمد بن محمد، وقيل الحسن بن محمد، والأول أصح. بجلي (١) غيهب، وحافظ متاع لا يذهب. هبت صباه ونعاماه، ونهبت الأفئدة أنكاده وأياماه، وفشت أعين عينه، وتفجّرت ينابيع معينه، وأصبت محاسن حسانه، وظهرت معادن إحسانه، وحلبت سوقه الطلاب، وأدنت المرام والطلاب، فأتعب المتسامي، وبصّر حاسده المتعامي وقرّح قلب عدوّه، وأجفانه الدوامي، وزاد على مدد البحار والسحب الهوامي. قال ابن خلكان (٢): أخذ العلم عن سيبويه وغيره، وكان يبكّر إلى سيبويه قبل حضور التلاميذ. فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، فبقي عليه ذلك اللقب. وله التصانيف المفيدة، وهو أول من وضع المثلث في اللغة، وكتابه وإن كان صغيرا فله فيه فضيلة السبق. وكان قطرب يعلّم أولاد أبي دلف. وروى له ابن المنجم في كتاب البارع قوله:
[البسيط]
إن كنت لست معي فالذّكر منك معي … يراك قلبي إذا عيّيت عن بصري
والعين تبصر من تهوى وتفقده … وباطن الأرض لا يخلو من النّظر
وتوفي سنة ست ومئتين.
стр. 2751
ومنهم:
١٠ - أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي الديلمي الفرّاء (١٣)
الكوفي، روى العطش وأورى الغطش (١)، وكان يبكر إلى العلم والليل ما نصل خضابه، والظل ما رشف من ثغور الأقحوان رضابه، ويواصل على هذا الاجتهاد أزمنته ويفرج بهذا الجهاد أزمّته؛ انفرج عنه صدر النهار، واندفق به سيل النضار وطال ظلّ منتابيه (٢)، وقال مادحه لا يحابيه، ثم أتاه أجله وجمع إليه مستعجله، ومات إلا إفاداته، ونسي إلا عاداته.
قال أبو العباس ثعلب: كان السبب في إملاء الفرّاء في المعاني أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل فكتب إلى الفرّاء أن الأمير الحسن بن سهل ربّما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع فيه، فقال الفرّاء لأصحابه اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفرّاء، فقال له: اقرأ فاتحة الكتاب ففسّرها، ثم مدّ في الكتاب كلّه يقرأ الرجل، ويفسّر الفرّاء، فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسبه أحدا يزيد عليه. قال ثعلب: وكان السبب في إملائه الحدود (٣) أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ففعل ذلك، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض: إن دام على هذا علم النحو الصبيان، والوجه أن يقعد عنه، فقعدوا عنه فغضب، وقال سألوني القعود، فلما قعدت تأخّروا، والله لا سهلنّ النحو ما اجتمع اثنان، فأملى ست عشرة سنة ولم ير في يده كتاب إلا مرة واحدة.
стр. 2752
قال ثعلب: وكان الفرّاء يجلس للناس بمسجد إلى جانب منزله، وكان الواقدي ينزل بإزائه. قال: وكان الفرّاء يتفلسف بالتفاته وتصنيفاته حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة. وكان أكثر مقامه ببغداد، وكان يجمع طوال دهره، فإذا كان آخر السنة خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في أهله يفرق فيهم ما جمعه ويبرّهم. قال النديم: ولم يؤثر من شعره غير هذه الأبيات، رواها أبو حنيفة الدّينوري: [الخفيف]
يا أميرا على جريب (١) من الأرض … [له] تسعة من الحجّاب
جالسا في الخراب يحجب فيها … ما سمعنا بحاجب في خراب
لن تراني لك العيون بباب … ليس مثلي يطيق ردّ الجواب
وتوفي بطريق مكة سنة سبع ومئتين.
ومنهم:
١١ - سعيد بن مسعدة المجاشعي
بالولاء، النحوي البلخي أبو الحسن الأخفش الأوسط (١٣)، أحد نحاة البصرة، محكم أواخي ومحكم تدنّ في زمن متراخي، فقام بالأعباء وقال بلا إعياء، فأخرس ألسنة لدّا، وأنطق أسنة ملدا (٢)، وقد كان في بلهنية شبابه، وزمان نفاق رتبه على أحبابه، قد أتعب نفسه حتى أراحها، وجنى من المأساة أفراحها، وكانت أيامه محلاة الأطراف لمعانيها محشاة الأصايل بما تنير عليها الشموس من معادنها. كأنما غمز الحبايب أو إيماء العشاق بالحواجب.
ولم يكن في لياليه ما تعاب به غير تقاصرها، ولا في أيامه ما تعاف له إلاّ قلّة تناصرها، مع
стр. 2753
ما جمع من صنوف شتات، وجدع من أنوف شبهات قعدت وبدا وبقي مثل السيف فردا.
قال ابن خلكان: كان من أئمة العربية، وأخذ النحو عن سيبويه، وكان أكثر منه. وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئا إلا وعرضه عليّ، وكان يرى أنه أعلم به منّي.
وحكى ثعلب عن آل سعيد بن سلمة، قالوا: دخل الفراء على سعيد المذكور فقال لنا قد جاءكم سيّد أهل اللغة، وسيّد أهل العربية، فقال الفرّاء: ما دام الأخفش بعائش فلا. قال:
وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب، وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومئتين، وقيل بل سنة إحدى وعشرين [ومئتين]، ونسبته إلى ولاء المجاشع بن دارم التميمي (١).
ومنهم:
١٢ - صالح بن إسحاق الجرمي (١٣)
النحوي أبو عمرو، صاحب المختصر في النحو. بصري سام في القدماء شططا، وسار في السماء خططا، وأينعت له ثمرته فهذّبها، وتنوعت له مسرتها فنهبها، وعزت عليه أعماله فما أذهبها، كان لا يضيع الأعمال في غير عمل يقدّمه، وميل يقوّمه، وأود يقيمه، وحدد لاحب (٢) يديمه. عاهد زمانه على عرض يقيه وعلم يبقيه وعمر في غير التقوى لا يبليه، وكرم في سوى الجميل لا يوليه، فحمدت مدّته، وحسنت على طوال الليل جدّته، وكان ذا فكر لا يحتجب عليه مخبأة في خدر، ولا محجبه من وراء ستر، فلم يباعده مدام، ولم
стр. 2754
يجالسه [إلا] الكرام.
قال ابن خلكان: كان فقيها عالما بالنحو واللغة، وهو من البصرة وقدم بغداد وأخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، وعن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم، وكان ديّنا ورعا حسن المذهب صحيح الاعتقاد، وحدّث عنه المبرّد. قال قرأت ديوان هذيل على الأصمعي، فلما فرغت منه قال، يا أبا عمر إذا فات الهذلي أن يكون شاعرا أو راميا أو ساعيا فلا خير فيه، وأنشد له قوله: [الوافر]
يكلّفني سويق الكرم جرم … وما جرم وما ذاك السويق
ولا شربته جرم وهو حلّ … وما غالت به مذ كان سوق
فلمّا نزّل التحريم فيها … إذا الجرميّ منها لا يفيق
قال: وكنّى بالسويق عن الخمر لاتّساقها الخلق، فسمّاها سويقا لذلك (١) وتوفي سنة خمس وعشرين ومئتين.
ومنهم:
١٣ - بكر بن محمد بن عثمان
وقيل عديّ بن حبيب المازني (١٣) البصري النحوي أبو عثمان. أقامت به مازن أوزانها، ولبست بمفاخره مازانها، وكان من ثعلبة في وسط وجارها (٢)، وخطته النجوم وجارها، طالما
стр. 2755
حسده من لم يحم معه على المناهل، وشغل بغيره، فقيل متى أنت عن دهليّة (١) الحي داهل، هذا مع ورع كلّه تقى لا يقيه، ومآثر سلفت لسلفه. وكانت لجدّه بقية نسب لو عرف به الليل لما وسم ينكره، أو آل إلى وائل لقدّمه بكره لم يجهل بالفضل اعتناقه ونهوضه، بما لو أنه لبكر سواه لشدّ خناقه.
قال ابن خلّكان: كان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الآداب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد، وأخذ عنه المبرّد، وبه انتفع، وكان في غاية الورع. وبذل له بعض الذمّة (٢) مئة دينار على إقراء كتاب سيبويه له فامتنع. قال المبرّد: فقلت له جعلت فداك أتردّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدّة إضاقتك. فقال: إنّ هذا يشتمل على ثلاثمئة كذا وكذا آية من كتاب اللّه ، ولست أرى أن أمكّن منها ذميّا غيرة على كتاب الله وحميّة له، قال: فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق تقول للعرجي: [الكامل المرفل]
أظلوم إنّ مصابكم رجلا … أهدى السّلام تحية ظلم (٣)
فاختلف في إعراب، رجل، فمنهم من نصبه وجعله اسم، إنّ، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرّة على أن أبا عثمان لقّنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه، قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه، قال ممّن الرجل؟ قلت. من بني مازن، قال: أيّ الموازن، أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال ما اسبك؛ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلاّ أواجهه بالكبر، قلت، بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وتعجّب، وقال: ما تقول في قول الشاعر:
أظلوم إن مصابكم رجلا
أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال ولم ذلك: فقلت؟
стр. 2756
إنّ (مصابكم) مصدر بمعنى إصابتكم فأخذ الزيدي (١) في معارضتي، فقلت، هو بمنزلة قولك إنّ ضربك زيدا، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، وقال هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما قال لك عند مسيرك. قلت أنشدت قول الأعشى:
[المتقارب]
يا أبت لا ترم عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمر تك البلاد … بها (٢) وتقطّع منّا الرّحم
فما قلت لها، قلت قول جرير: [الوافر]
ثقي بالله ليس له شريك … ومن عند الخليفة بالنّجاح
قال: على النجاح إن شاء اللّه، ثم أمر لي بألف دينار، وزودني مكرما، فلما عاد إلى البصرة، قيل لي كيف رأيت يا أبا العباس؟ [قلت]: رددنا للّه مئة، فعوضنا ألفا (٣) وتوفي سنة تسع وأربعين ومئتين، وقيل سنة ثمان وأربعين بالبصرة.
ومنهم:
١٤ - المبرد أبو العبّاس محمد بن يزيد بن مالك بن الحارث الثّمالي (١٣)
الأزدي البصري، رام العلياء فنالها، وأمّ النجوم فأدنى منالها، فصار علما يعشى إلى ضوء ناره، وقمرا يهتدى بأنواره، تميّز في إعلام زاد صيته فهمّ على الغيوث السواكب وتزينت الأرض بهم زينة السماء بالكواكب، فشاع فضله، وشاء اللّه أن يمتد ظلّه، ففضل على إياس في ذكائه، وحفظ به الفضل بعد ذهاب دمائه، ولم تذهب
стр. 2757
ساعة من أيامه إلاّ في محاضرة، ولا لفظة من كلامه إلاّ في مناظرة، إلى أن كان سهمه من الحظ موفرا، وقيل كلّ الصيد في جوف الفرا، فأخذ في كل فنّ، وشذّ وجود مثله في ظنّ، حتى كان إليه المرجع في كل مرام، والمبرّد الذي لا يخبو له ضرام. قلت. جرى مرة ذكر علم النحو وأهل العلم به، وانتصر رجل حضرنا لليزيدي وفضّله على المبرّد، وسئلت في ذلك فقلت: [الطويل]
لئن أصبحت أهل العلوم مواردا … ويصدر عنها بالرواء ويورد
فورد اليزيديّ الذي ليس مثله … لديّ عطاش والشّراب المبرّد
قال ابن خلكان: نزل بغداد، وكان إماما في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب، منها الكامل والروضة والمقتضب، أخذ عن المازني والسجستاني وأخذ عنه نفطويه وغيره، وكان المبرد وثعلب صاحب الفصيح عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأكفاء، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار منه، وكان ثعلب يكره ذلك، ويمتنع منه، وكان المبرّد كثير النوادر. حكي أن المنصور ولى رجلا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء، فدخل عليه بعض المتخلفين ومعه ولده، فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له القواعد نساء، فكيف أثبتك فيهنّ، قال:
ففي العميان، قال: أما هذا فنعم؛ لأن الله تعالى يقول لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فقال: وتثبّت ولدي في الأيتام، فقال هذا أفعله أيضا، فإنه من تكن أنت أباه فهو يتيم وقد عناه ابن المعذل فقال: [الوافر]
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ … فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم … فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرّد خلّ عنّا … فقومي معشر فيهم نذاله
وقال ابن خلكان: ويقال إنّ المبرّد قال هذه الأبيات لتحفظ [و] ليشتهر نسبه في ثمالة.
ولد المبرّد يوم عيد الأضحى سنة عشر، وقيل سنة سبع وثلاثين وتوفي في ذي الحجة سنة ست وثمانين، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومئتين ببغداد. وفي ثعلب قال أبو
стр. 2758
بكر بن العلاف: [الكامل]
ذهب المبرّد وانقضت أيّامه … وليذهبن إثر المبرّد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه … خربا وباقي بيتها فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطّنوا … للدّهر أنفسكم على ما تسلب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه … إن كانت الانفاس مما يكتب
والمبرد لقب غلب عليه، قيل إنه كان عند بعض أصحابه، وإن صاحب الشرطة طلبه للمنادمة، فكره المبرّد ذلك، وألحّ الرسول عليه، وكان هناك مزملة لتبريد الماء فارغة، فدخل المبرّد فيها واختفى في غلاف المزملة، فدخل الرسول في تلك الدار وفتش على المبرّد فلم يجده، فلما مضى الرسول جعل صاحب الدار يصفق وينادي على المزملة المبرّد المبرّد وتسامع الناس بذلك فلهجوا به وصار لقبا عليه (١).
ومنهم:
١٥ - أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار (١٣)
النحوي الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في العربية. ذو أمد لا يغلب وصيد للشوارد لا يعرف [إلا] من ثعلب، لا يحاذر الصقر المحلّق، ولا يبادر السهم المخلّق، لأفعاله طراوة، ولمقاله طلاوة، ولم يوجد مثله بالأشقرا (٢)، ولا حصل مثله عند الفرا (٣)، ولا نظن إلاّ تغلّبه، ولا نعدّ في غير السباع ثعلبه. طالما قهر به المغالب، وودّت قمم
стр. 2759
الأعداء لو أنها وجار الثعالب. فلم يزل مناظره معه يتغلب، ويعطيه حلاوة من طرف اللسان ويروغ كما يروغ الثعلب، فلم تعرف له أوقات فراغ، ولا وصف وصف ثعلب ذهب فراغ، فحمد رايته رأيه في مطلع ومغيب، وطلع عليه فقال: صباحك ثعلب ومساك ذيب.
قال ابن خلكان: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، وكان ثقة حجة صالحا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية، ورواية الشعر القديم، مقدما منذ هو حدث. وكان ابن الأعرابي إذا شكّ في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؛ ثقة بغزارة حفظه.
وكان يقول: نظرت في حدود الفرّاء وسنّي ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا وعشرين سنة، وما قرئت عليّ (١) إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ (٢)، قال لي ثعلب: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ما ذا يكون حالي في الآخرة، فانصرفت من عنده فرأيت النبي ﷺ في تلك الليلة في المنام فقال لي: أقرئ أبا العبّاس عنّي السلام، وقل له أنت صاحب العلم المستطيل. قال أبو بكر: أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يحمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه. وكان له شعر. قال أبو بكر بن القاسم الأنباري: انشدني ثعلب ولا أدري هي لغيره أم لا.
[الطويل]
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها … فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما … يبقّي لدى ديمومة البيد حوتها (٣)
стр. 2760
ولد في سنة مئتين لشهرين مضيا منها، وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، سنة إحدى وتسعين ومئتين ببغداد.، وقيل إنه قال: رأيت المأمون لمّا قدم من خراسان في سنة أربع ومئتين، وقد خرج من باب الحديد يريد الرصافة والناس صفّان فحملني أبي على يده، وقال هذا المأمون وهذه سنة أربع فحفظت ذلك عنه إلى الساعة. وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب فصدمته فرس فألقته في هوّة، فأخرج منها وهو كالمختلط (١)، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه فمات ثاني يوم، وكتب إليه ابن المعتز: [الرّجز]
ما وجد صاد في الجبال موثق … بماء مزن بارد مصفّق
بالرّيح لم يطرق ولم ترنّق … جادت به أخلاق دجن مطبق
في صخرة لم ترشمسا تبرق … فهو عليها كالزّجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق (٢) … إلا كوجدي بك لكن أتّقي
يا فاتحا لكلّ باب مغلق … وصيرفيّا ناقدا للمنطق (٣)
إن قال هذا بهرج لم ينفق … إنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق … إنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق …
فأجابه من رقعة نحن كما قال، وفيه: [الرّجز]
إني وإن [لم] ترني فإنّني … أراك بالغيب وإن لم ترني
стр. 2761
ومنهم:
١٦ - سليمان بن محمد بن أحمد النحوي البغدادي أبو موس الحامض (١٣)
عرف بين البرية بفضل نسكها، وقوة مسكها، وصلاح سيرتها وإصلاح سريرتها، أضاءت به الأسارير وأضيئت اللجج كأنها صرح ممرّد من قوارير، ففاقت سمراته، وفات ضوء النهار مقمراته وأبعد وضوحا، وأوعد الصباح فصوحا، ولم يزل يحاول الغاية في العلم وتحصيله، وإطالة غرته منه وتحجيله، حتى استملّ السنام، واستمسك به الأنام، فطفحت المجرّة دون مجراه، ولم تتنبه النجوم لمسراه.
قال ابن خلكان: كان أوحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين، أخذ عن ثعلب وهو المتقدم من أصحابه، وجلس موضعه وخلفه بعد موته، وصنّف كتبا حسانا في الأدب، وكان ديّنا صالحا، وكان أحد الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر. وكان قد أخذ عن البصريين أيضا وخلط النحوين، وكان يتعصب على البصريين، وكان حسن الوراقة في الضبط. وتوفي لتسع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثمئة ببغداد (١).
ومنهم:
١٧ - أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد اليزيدي (١٤)
النحوي. رجل يطير بجناحي المضرحي (٢)، ويسلك الفجاج سلوك الأداحي (٣). طالما
стр. 2762
بكر مجدّا والليل ما انشقّ رداؤه، والسّحر ما بلّت أعطاف الزهر أنداؤه، واستدام حتى هدم النوم، وحرّم على الجفن جفا النوم. فامتلأ ما وسعه إناؤه، وأودعه منه الدهر وآناؤه، ثم أضحى يصول صولة الشجاع، ويفرق تفاريق الشعاع.
قال ابن خلكان: كان إماما في النحو والأدب، ونقل النوادر وكلام العرب. ومما رواه أن أعرابيا هوي أعرابية، فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقا من خمر مع عبد له أسود، فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها، وأكل منها وشرب بعض الزقّ، فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية، فلمّا عزم على الانصراف سألها، هل لك من حاجة، فأرادت إعلام سيّده بما فعل العبد، فقالت: اقرأ ﵇ وقل له إن الشهر كان عندنا محاقا، وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما (٣) فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكتابة. فلمّا عاد إلى مولاه أخبره برسالتها، ففطن ما أرادته، فدعا له بالهراوة، وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربا مبرحا، فأخبره الخبر فعفا عنه. وهذه من لطايف الكنايات وأحلى الإشارات (٤).
وله تصانيف مذكورة، وطلب آخر عمره ليعلّم أولاد المقتدر. وتوفي لا ثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشر وثلثمئة.
стр. 2763
ومنهم:
١٨ - ابن السراج (١٣) أبو بكر بن محمد بن السري بن سهل
النحوي، صاحب المبرّد. نحوه (١) لا يملك، ونحوه لا تسلك، بعد مرمى، وصعد منمى، وحمد منه كل وصف يقال فيه، لمّا لاح في سماء السعد فرقدا، وفاح للعبنر الورد موقدا، وبات الأدب يشب على نار خاطره، ويثب بسقيا ماطره، وزيّن شعره بالغنا، وزيد قدره على نفع الغذا. وكان من حلفاء العشاق، وخلفاء الروض في الانتشاق. وكأن رايته لا تزال تعلق به نظرته وتعبق بأدبه حضرته فلا يملّه جليس، ولا يملّه حلّ عقدة تكة أو كيس.
قال ابن خلكان: كان أحد الأئمة المشاهير، المجتمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والآداب. أخذ عن المبرّد وغيره، وأخذ عنه السيرافي والرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في الصحاح في مواضع عديدة، وله التصانيف المشهورة في النحو. وأنشد ما ذكر أنه منسوب إليه وهو: [الكامل]
ميّزت بين جمالها وفعالها … فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا … فكأنما حلفت لها أن لا تفي
واللّه لا كلّمتها ولو أنّها … كالبدر أو كالشّمس أو كالمكتفي (٢)
стр. 2764
ومنهم:
١٩ - أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل (١٣)
الأخفش الأصغر. تعين فضله وتحتّم، وتزين بالثريا. ونصب على مدرجة الطريق خيامه، وأكثر ولعه بالفضائل وهيامه. وقد فصل عن العظام، وحلّ من قمطه القدام (١)، يكلف العلم كلف غيلان بمي، ويهيم في طلبه هيام قيس في كل حيّ، حتى صفّت له عدد الطناف (٢)، ودنت إليه ثمرة للقطاف. قال ابن خلكان: روى عن المبرّد وثعلب وغيرهما.
قال المرزباني: لم يكن بمتسع في الرواية والأخبار والعلم (٣) بالنحو، وما علمته صنّف مسألة ولا قال شعرا وكان إذا سئل عن مسائل النحو ضجر وابتهر كثيرا ممّن تواصل، كثير الطيرة.
وكان الأخفش كثير المزاح، فكان يباكر قبل كل أحد فيطرق الباب على ابن الرومي، فيقول من بالباب، فيقول الأخفش: حرب من مقاتل وما أشبه ذلك، فكان ابن الرومي كثير الهجاء للأخفش، فلمّا رأى ابن الرومي أنه لا يألم بهجائه ترك هجوه، ومدحه بعد ذلك. وكان الأخفش يواصل المقام عند أبي علي بن مقلة، ويراعيه أبو علي ويبرّه، فشكا إليه في بعض الأيام الإضاقة، وسأله أن يكلم أبو الحسن علي بن عيس، وهو يومئذ وزير في أمره، ويسأله إجراء رزق عليه أسوة بأمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك، فانتهره علي بن عيس وردّ عليه في مجلس حافل، فشقّ على ابن مقلة ما عامله به، وقام من مجلسه، وقد اسودّت الدنيا في عينيه، وصار إلى منزله لائما لنفسه على سؤال علي [بن] عيسى ما سأله، وحلف أنه يجرد في السعي عليه. ووقف الاخفش على الصورة فاغتمّ وانتهت به الحال إلى أن أكل
стр. 2765
السلجم (١) النيئ، فقيل: إنه قبض فمات فجأة، وذلك في شعبان سنة خمس عشرة، وقيل سنة عشر وثلثمئة (٢).
ومنهم:
٢٠ - إبراهيم بن السريّ بن سهل الزجّاج (١٣)
النحوي، أبو إسحاق. كان يؤخذ من أدبه، ويدرأ في نحور الأعداء بكتبه، ولا عذر لمن وجد الجوهر ألا يلتقطه، ولمن ملك الجوهر ألا يخترطه، وكان قدر هذه في الدنيا معرفته بها وقطعه عنه صلته بسببها. وكان ما يتصدّق به أحب مآليه إليه، وأعزّ ما يدّخره ما يقدّمه مما في يديه لديه. لا يخيفه سؤال، ولا يخفيه عذر عن نوال. وصحب بني وهب، وعني به الوزير فبيّض سواد أمله، وروّض سوءة ممحله. وكان الوزير ممّن خلقت يده للجود، ورفده لما لا يسع معه الجحود، فاتسعت جوانب ماله، وسعت مواهب كفه لماله.
ذكره ابن خلكان وقال: كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وأخذ الأدب عن المبرّد، وثعلب، وكان يخرط الزجاج ثم تركه واشتغل، واختص بصحبة الوزير عبيد اللّه بن سليمان بن وهب، وعلّم ولده القاسم الأدب، ولمّا استوزر أفاد بطريقته مالا جزيلا. وحكى أبو علي الفارسي، قال: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبد اللّه الوزير، فسارّه خادم له بسرّ استبشر له ثم نهض، ولم يكن أسرع مما عاود في وجهه أثرا لوجوم فسأله شيخنا عن ذلك فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لأحد الفتيان فسميتها أن تتبعني أياما فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن يهديها إليّ رجاء أن
стр. 2766
أضاعف لها ثمنا، فلمّا جاءت أعلمني الخادم بذلك، فقمت مستبشرا لا فتضاضها، فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب:
[المديد]
فارس ماض بحربته … حاذق بالطّعن بالظّلم
رام أن يدمي فريسته … فاتّقته من دم بدم
قلت: وقد مرّ قبل هذا في ذكر المأمون، ويحتمل أنّ الزجاج يمثل بهما.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمئة (١).
ومنهم:
٢١ - إبراهيم بن محمد بن عرفة (١٣)
ابن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، أبو عبد اللّه الملقب نفطويه النحوي الواسطي. ذو الفضائل الحسان والآداب والفضائل التي ما تمسك فيه بالأهداب، وله قريحة أكرم من الغمام، وأندى من الزهرة في الكمام. على أنه لم يخل من حاسد، ولا جاء إلا في زمن فاسد، فما بلغ مدى الاستحقاق، ولا بكّ بغير الدمع الآماق.
ذكره ابن خلكان وقال: كان عالما بارعا، ولد سنة أربع وأربعين ومئتين، وقيل سنة خمس بواسط، وسكن بغداد، وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلثمئة، يوم الأربعاء لست خلون منه بعد طلوع الشمس بساعة. وقيل: توفي سنة أربع وعشرين. ولقّب نفطويه على
стр. 2767
مثال سيبويه؛ لأنه كان ينسب في النحو إليه، ويجري على طريقته ويدرس كتابه، وأنشد له قوله: [الكامل]
قلبي أرقّ عليك من خدّيكا … وقواي أوهى من قوى جفنيكا
لم لا ترقّ لمن يعذّب نفسه … ظلما ويعطفه هواه عليكا
وفيه قال أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتكلم المشهور: [السريع]
من سرّه ألاّ يرى فاسقا … فليجتهد ألاّ يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه … وجعل الأرض صراخا عليه (١)
وأنشد نفطويه أيضا لنفسه: [السريع]
الإلف لا يصبر عن إلفه … أكثر من يوم ويومين
وقد صبرنا عنكم جمعة … ما هكذا فعل المحبّين
ومنهم:
٢٢ - أبو بكر ابن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري (١٣)
النحوي، صاحب التصانيف المشهورة في النحو والأدب، وساحب ذيول المفاخر المجرورة لفضائل، يروي كلّ صاديه، وترد كلّ صافيه بكل بديعة جلست مع الملاح في مقاصيرها، وهبّت مع الرياح أعاصيرها. رفضت عن المدام ختاما، وفوضت عن الغمام خياما، فهطلت
стр. 2768
سكابا، وطلعت مع كل ناشبة (١) سحابا.
قال ابن خلكان: كان علاّمة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظا لها، وكان صدوقا ثقة ديّنا خيّرا من أهل السنّة، وصنّف كتبا كثيرة. وذكره الخطيب في تاريخ بغداد (٢) وأثنى عليه.
وقال: بلغني أنه كتب عنه وأبوه حيّ، وكان على ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى. وكان أبوه عالما في الأدب، موثقا في الرواية أمينا، سكن بغداد.
قال القالي: كان أبو بكر الأنباري يحفظ ثلثمئة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم. وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
وقيل: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرا للقرآن بأسانيدها.
وحكى الدارقطني أنه حضر مجلس إملائه يوم الجمعة، فصحّف اسما أورده في حديث. قال الدارقطني: فأعظمت أن يحمل عن مثله، وهممت أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي فذكرت له وهمه، وعرّفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية في مجلسه، فقال أبو بكر: عرّف الجماعة الحاضرين أنّا صحّفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنّا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال (٣).
ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي ليلة النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل سبع وعشرين وثلثمئة. وتوفي أبوه سنة أربع وثلثمئة ببغداد، وقيل في سنة خمس.
стр. 2769
ومنهم:
٢٣ - عبد الله بن جعفر بن درستويه (١٣)
ابن المرزبان، أبو محمد الفارسي الفسوي النحوي. مغامر جاز أودية الظنون، وحارب أردية المنون، وجال إذ مدّت له ميدانها السنون فشبّ عمره معه، حتى نوّر أقاح مشيبه، وأخذ شعرة من تفضيضه بعد تذهيبه، إلا أنه كبر وعمره منتهب. وبرد ولم يخمد له لهب، ولم يفقد طالب منه طول مدّته إحسانا، ولا جنى منه في غمرته إلا آسا وسوسانا (١)، وخفقت عليه راية الرواية، وحققت فكره ورايه، ودان لسانا متكلما وبنانا. لازمه الفن متسلما وعرى حين دنا حينه (٢) من برديه، ولم يعد من فوائد منكب، ولا علا بأحد معه منصب، فمذ مات تساوى الناس، وتشابهت الأعضاء بذهاب الراس.
روى عن المبرد، وعبد الله بن سلمة بن قتيبة، وقدم بغداد شابا وسكنها، وتصانيفه في غاية الجودة، منها: تفسير كتاب الجرمي، وكتاب الهجاء، هذا من أحسن كتبه، ومعاني الشعر، وشرح الفصيح، وغريب الحديث، والردّ على ثعلب في اختلاف النحويين، وتصانيف أخر ذكرها القفطي (٣).
ولد سنة ثمان وخمسين ومئتين. وكان شديد الانتصار لمذهب البصريين في المذهب والنحو واللغة، وهو من مسند المحدّثين.
стр. 2770
روى عنه جماعة من الحفاظ كالدارقطني وابن المظفر شاهين وابن مسندة وابن رزقويه، وأبي علي بن شادان، ووثّقه ابن مسندة وغيره.
وتوفي في صفر سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.
ومنهم:
٢٤ - الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي (١٣)
النحوي، المعروف بالقاضي أبو سعيد، نزيل بغداد. صنو البحر الذي هو سور سيراف، وذيل بلده الممتد الطراف. علاّمة العلما، وغمامة السما، وشمس النهار المشرقه، وسحابة الأنواء المغرقه. تجلى بالورع ولبس التقى، وادّرع فلم يكن بمشتبه، ولا رئي مثله هاجع ولا منتبه.
قال ابن خلكان: سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه، وأخذ اللغة عن ابن دريد، والنحو عن ابن السرّاج، وكان الناس يشتغلون عليه في عدّة فنون في القرآن الكريم، وفي علومه، وفي النحو واللغة والفقه والفرائض والحساب، والكلام والشعر والعروض والقوافي.
وكان نزها عفيفا جميل الأثر، حسن الأخلاق، وكان معتزليا، ولا يظهر ذلك عليه.
وكان لا يأكل إلا من كسب يمينه، ينسخ ويأكل منه. وكان أبوه مجوسيا اسمه بهزاد، فأسلم، فسمّاه ابنه عبد الله. وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه: [الكامل المرفل]
اسكن إلى سكن تسرّ به … ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملة … في الحيّ لا يدرون ما تلد