أضاعف لها ثمنا، فلمّا جاءت أعلمني الخادم بذلك، فقمت مستبشرا لا فتضاضها، فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب:
[المديد]
فارس ماض بحربته … حاذق بالطّعن بالظّلم
رام أن يدمي فريسته … فاتّقته من دم بدم
قلت: وقد مرّ قبل هذا في ذكر المأمون، ويحتمل أنّ الزجاج يمثل بهما.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمئة (١).
ومنهم:
٢١ - إبراهيم بن محمد بن عرفة (١٣)
ابن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، أبو عبد اللّه الملقب نفطويه النحوي الواسطي. ذو الفضائل الحسان والآداب والفضائل التي ما تمسك فيه بالأهداب، وله قريحة أكرم من الغمام، وأندى من الزهرة في الكمام. على أنه لم يخل من حاسد، ولا جاء إلا في زمن فاسد، فما بلغ مدى الاستحقاق، ولا بكّ بغير الدمع الآماق.
ذكره ابن خلكان وقال: كان عالما بارعا، ولد سنة أربع وأربعين ومئتين، وقيل سنة خمس بواسط، وسكن بغداد، وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلثمئة، يوم الأربعاء لست خلون منه بعد طلوع الشمس بساعة. وقيل: توفي سنة أربع وعشرين. ولقّب نفطويه على
стр. 2767
مثال سيبويه؛ لأنه كان ينسب في النحو إليه، ويجري على طريقته ويدرس كتابه، وأنشد له قوله: [الكامل]
قلبي أرقّ عليك من خدّيكا … وقواي أوهى من قوى جفنيكا
لم لا ترقّ لمن يعذّب نفسه … ظلما ويعطفه هواه عليكا
وفيه قال أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتكلم المشهور: [السريع]
من سرّه ألاّ يرى فاسقا … فليجتهد ألاّ يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه … وجعل الأرض صراخا عليه (١)
وأنشد نفطويه أيضا لنفسه: [السريع]
الإلف لا يصبر عن إلفه … أكثر من يوم ويومين
وقد صبرنا عنكم جمعة … ما هكذا فعل المحبّين
ومنهم:
٢٢ - أبو بكر ابن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري (١٣)
النحوي، صاحب التصانيف المشهورة في النحو والأدب، وساحب ذيول المفاخر المجرورة لفضائل، يروي كلّ صاديه، وترد كلّ صافيه بكل بديعة جلست مع الملاح في مقاصيرها، وهبّت مع الرياح أعاصيرها. رفضت عن المدام ختاما، وفوضت عن الغمام خياما، فهطلت
стр. 2768
سكابا، وطلعت مع كل ناشبة (١) سحابا.
قال ابن خلكان: كان علاّمة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظا لها، وكان صدوقا ثقة ديّنا خيّرا من أهل السنّة، وصنّف كتبا كثيرة. وذكره الخطيب في تاريخ بغداد (٢) وأثنى عليه.
وقال: بلغني أنه كتب عنه وأبوه حيّ، وكان على ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى. وكان أبوه عالما في الأدب، موثقا في الرواية أمينا، سكن بغداد.
قال القالي: كان أبو بكر الأنباري يحفظ ثلثمئة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم. وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
وقيل: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرا للقرآن بأسانيدها.
وحكى الدارقطني أنه حضر مجلس إملائه يوم الجمعة، فصحّف اسما أورده في حديث. قال الدارقطني: فأعظمت أن يحمل عن مثله، وهممت أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي فذكرت له وهمه، وعرّفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية في مجلسه، فقال أبو بكر: عرّف الجماعة الحاضرين أنّا صحّفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنّا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال (٣).
ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي ليلة النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل سبع وعشرين وثلثمئة. وتوفي أبوه سنة أربع وثلثمئة ببغداد، وقيل في سنة خمس.
стр. 2769
ومنهم:
٢٣ - عبد الله بن جعفر بن درستويه (١٣)
ابن المرزبان، أبو محمد الفارسي الفسوي النحوي. مغامر جاز أودية الظنون، وحارب أردية المنون، وجال إذ مدّت له ميدانها السنون فشبّ عمره معه، حتى نوّر أقاح مشيبه، وأخذ شعرة من تفضيضه بعد تذهيبه، إلا أنه كبر وعمره منتهب. وبرد ولم يخمد له لهب، ولم يفقد طالب منه طول مدّته إحسانا، ولا جنى منه في غمرته إلا آسا وسوسانا (١)، وخفقت عليه راية الرواية، وحققت فكره ورايه، ودان لسانا متكلما وبنانا. لازمه الفن متسلما وعرى حين دنا حينه (٢) من برديه، ولم يعد من فوائد منكب، ولا علا بأحد معه منصب، فمذ مات تساوى الناس، وتشابهت الأعضاء بذهاب الراس.
روى عن المبرد، وعبد الله بن سلمة بن قتيبة، وقدم بغداد شابا وسكنها، وتصانيفه في غاية الجودة، منها: تفسير كتاب الجرمي، وكتاب الهجاء، هذا من أحسن كتبه، ومعاني الشعر، وشرح الفصيح، وغريب الحديث، والردّ على ثعلب في اختلاف النحويين، وتصانيف أخر ذكرها القفطي (٣).
ولد سنة ثمان وخمسين ومئتين. وكان شديد الانتصار لمذهب البصريين في المذهب والنحو واللغة، وهو من مسند المحدّثين.
стр. 2770
روى عنه جماعة من الحفاظ كالدارقطني وابن المظفر شاهين وابن مسندة وابن رزقويه، وأبي علي بن شادان، ووثّقه ابن مسندة وغيره.
وتوفي في صفر سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.
ومنهم:
٢٤ - الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي (١٣)
النحوي، المعروف بالقاضي أبو سعيد، نزيل بغداد. صنو البحر الذي هو سور سيراف، وذيل بلده الممتد الطراف. علاّمة العلما، وغمامة السما، وشمس النهار المشرقه، وسحابة الأنواء المغرقه. تجلى بالورع ولبس التقى، وادّرع فلم يكن بمشتبه، ولا رئي مثله هاجع ولا منتبه.
قال ابن خلكان: سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه، وأخذ اللغة عن ابن دريد، والنحو عن ابن السرّاج، وكان الناس يشتغلون عليه في عدّة فنون في القرآن الكريم، وفي علومه، وفي النحو واللغة والفقه والفرائض والحساب، والكلام والشعر والعروض والقوافي.
وكان نزها عفيفا جميل الأثر، حسن الأخلاق، وكان معتزليا، ولا يظهر ذلك عليه.
وكان لا يأكل إلا من كسب يمينه، ينسخ ويأكل منه. وكان أبوه مجوسيا اسمه بهزاد، فأسلم، فسمّاه ابنه عبد الله. وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه: [الكامل المرفل]
اسكن إلى سكن تسرّ به … ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملة … في الحيّ لا يدرون ما تلد
стр. 2771
وكانت بينه وبين أبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس. فقال أبو الفرج فيه: [الخفيف]
لست صدرا ولا قرأت على صد … رولا علمك البكيّ بشاف
لعن اللّه كلّ نحو وشعر … وعروض يجيء من سيراف
وتوفي يوم الاثنين، ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمئة ببغداد، وعمره أربع وثمانون سنة (١).
ومنهم:
٢٥ - الحسن بن أحمد بن عبد الغفار
ابن محمد بن سليمان بن أبان، أبو علي الفارسي (١٣) الفسوي النحوي، رجل خط بيراعه، وحطّ الصبح عن قناعه، وكفّ الدهر عن قراعه فلفّ المجد في ملائه، وخفّ الوفد إلى آلائه. وسعت إليه الزمر، وسعدت لديه بالثمر، وجاءته الوفود، وتزاحمت لديه على الورود.
وصدرت عنه الركائب وقد أودعت (٢) حقائبها طيبا وحقائقها ما كان لسقام الأفهام طبيبا.
وكان على هذا لا يسلم من لسان حاسد وثالب حاشد، وثباته على هذا عجب، وإثباته في أهل التقدم قد وجب.
قال ابن خلكان: ولد بمدينة فسا، واشتغل بمدينة بغداد، وكان إمام وقته في علم النحو.
ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة وجرت بينه وبين المتنبي مجالس،
стр. 2772
ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة بن بويه، وتقدّم عنده، وعلت منزلته؛ حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو. وصنّف له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو.
ويحكى أنه كان يوما في الميدان بشيراز، يساير عضد الدولة فقال له: لم انتصب المستثنى زيدا؟ فقال له عضد الدولة: هلاّ رفعته، وقدرت الفعل، نحو: امتنع زيد، فانقطع أبو علي (١)، وقال له: هذا الجواب ميداني، ثم إنه لمّا رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاما، وحمله إليه فاستحسنه. وذكر في الإيضاح، أنّه بالفعل المقدّم بتقوية إلاّ.
وحكى أبو القاسم أحمد الأندلسي، قال: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر، فقال: إني لأغبطكم على قول الشعر فإن خاطري لا يوافقني على قوله، مع تحقيقي العلوم التي هي مراده، فقال له رجل: فما قلت قط شيئا منه؟ قال: ما أعلم أن لي شعرا إلا قولي في الشيب: [الوافر]
خضبت الشّيب لمّا كان عيبا … وخضب الشّيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلّ … ولا عيبا خشيت ولا عتابا
قال ابن خلكان: «وقد أخذ في ذكره وبالجملة، فهو أشهر من أن يذكر فضله، ويعدّد.
وكان متهما بالاعتزال».
ومولده سنة ثمان وثمانين ومئتين، وتوفي لسبع عشرة ليلة خلت من أحد الربيعين، سنة سبع وسبعين وثلاثمئة ببغداد. وفسا من بلد فارس (٢).
стр. 2773
ومنهم:
٢٦ - أبو الحسن علي بن عيسى بن عبد الله الرمّاني (١٣)
الورّاق، المعروف بالإخشيدي رجل صفو زلاله لم يكدر، وصنو حلال عليه لم يقدر، ورد العلّ والنهل (١)، وجرى الناس وراءه وهو على مهل. وكم سبح في بحره السماكان، وما فيهما اسم كان، إلى [أن] فتل غارب الشارق، وفعل ابن ذكا (٢) في المشارق. وقبس منه الضرام وأضاء نهاره، وغيّره بخيط في الظلام. كان إماما في علم العربية، علامة في الأدب في طبقة أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي. أخذ عن ابن السرّاج وابن دريد والزجاج.
وله تصانيف في جميع العلوم، من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام على رأي المعتزلة.
وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق؛ حتى قال أبو علي الفارسي: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء. وكان يقول (٣): النحويون في زماننا ثلاثة: واحد لا يفهم كلامه وهو الرماني، وواحد يفهم بعض كلامه وهو أبو علي الفارسي، وواحد يفهم جميع كلامه بلا أستاذ وهو السيرافي.
وقال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي (٤): سمعت شيخنا الرماني يقول، وقد
стр. 2774
سئل فقيل له: لكل كتاب ترجمة، فما ترجمة كتاب الله ؟ فقال: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ، وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (١)﴾.
وقال أبو حيان التوحيدي: سمعت عليّ بن عيسى يقول لبعض أصحابه: لا تعادين أحدا وإن ظننته أنه لن ينفعك، فإنه لا تدري متى تخاف عدوّك أو تحتاج إليه، ومتى ترجو صديقك أو تستغني عنه. وإذا اعتذر عدوك فاقبل عذره، وليقلّ عتبه على لسانك. ومما تمثل به، وقد شتمه بعض سائليه عن مسائل أجاب عنها بما لا وصل إلى ذهن السائل:
[الوافر]
ولولا أن يقال هجا نميرا … ولم يسمع لشاعرها جوابا
أغبنا عن هجاء بني كلاب … وسوف يشاتم النّاس الكلابا
قال التنوخي: وممن ذهب في زماننا إلى أن عليا أفضل الناس بعد رسول اللّه ﷺ من المعتزلة أبو الحسن الرمّاني الإخشيدي، ولعلّه كان تلميذ ابن الإخشيد المتكلم، أو على مذهبه. توفي في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمئة، في خلافة القادر بالله (٢).
ومنهم:
٢٧ - محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث الفارسي (١٣)
النحوي، أبو الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي. رجل تنقل في الارض تنقّل السحاب، وتوقّل (٣) الذرى توقّل العقاب. وخاطر في اقتحام المهامه، وخاض غمرات الموت المشابه، ولم
стр. 2775
يهب جنح الدجى، ولا وقف دون مرتجى. فطوى البيد ونشرها، وساق البدر ونحرها حتى جال في القلوب، وجاب أكثر ما تحت السماوات، وسمابه الدهر حتى قرع باب السلطان، وولج سماه وابتهج نعماه، وحصل أضعاف ما تجرّه الموارث وساد فوق سؤدد آبائه وجدّه عبد الوارث. وكان أحد أفراد الدهر وأعلام الفضل. وهو الإمام في النحو بعد خاله، وعنه أخذ حتى استغرق علمه واستحق مكانه. أوفده خاله على الصاحب بن عباد، فأكرم مورده ومصدره، ونال منه أو فر حظ، ثم ورد خراسان، وأملى بنيسابور الأدب، ثم قدم على صاحب خوزستان وحظي عنده ثم رجع إلى غزنة ثم أتى نيسابور وأقام بأسفدانين ثم استقر بجرجان، وأخذ عنه أهلها فضلا كثيرا. ومن تلاميذه عبد القاهر الجرجاني. وتوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. ومن شعره قوله: [الكامل]
ومطهّم ما كنت أحسب قبله … أنّ السّروج على البوارق توضع
فكأنما الجوزاء حين تصوّبت … لبب (١) عليه والثّريا برقع (٢)
ومنهم:
٢٨ - أبو منصور عبد الملك بن أحمد بن إسماعيل الثعالبي (١٣)
جامع أدب ما ترك، وسامع طرب لا يملك معه الحرك. ألف كتاب اليتيمة، وتصرف بها في سحاب دررما لها قيمة. جمع فيها فأوعى، لكن من مسك الحقائب، واستدعى لكن غرر الغرائب. وضمن فيها ذكر من لا شبهة في فضله، وضم الشيء إلى مثله، وأبدع في تأليفه، وشرع به منهجا جاء الدوح المثمر في لفيفه، والروض المزهر في
стр. 2776
تفويفه (١)، والدرّ الثمين في ترصيفه، والشهب الرقى هنّ في تصنيفه، والقمر والهلال وهما لا يبلغان مدى مدّه، ولا تصنيفه بكلام تنكل السيوف عن حدّ مقوله، وتكل الأفهام في نسيج تأوّله، وتنكر لوامع البرق أن تقاس بتطوله، وتذكر الأيام لا بل نجوم الظلام. ولا تجاري نسبة الثعالبي ثعلب فخره ولا سرحان. أو له معجز يتحدى به على البلغاء ولا يغلب، وموجز يعطي من طرف اللسان حلاوة، ويروغ كما يروغ الثعلب وفيها يقول ابن قلاقس: [الرجز]
أبيات أشعار اليتيمه … أبكار أفكار قديمه
ماتوا وعاشت بعدهم … فلذاك سمّيت اليتيمه (٢)
وقد مرّ في تراجم من تقدّم من الشعراء من كلامه ما حلي ذوقا، وتدفق نهرا شق عن مائه الفضي طوقا مما خفّ موقعه، وشفّ حتى كاد يراه من يسمعه وطفا، فالتقط الدرّ من يجمعه. ولم يبق إلا من كتبه ولوعا يحسنه، وتهافتا وهو غزير، وابتذل وهو في موضع من الضنانة حرير. فسار وما كان أحد لا عتلاقه به أخلى منه سمعه، وصار أرخص القيمة. كأنه الياسمين ما يساوي جمعه. ومن شعره المروي، بل نثره الذي لو ظفرت به ذات غيد لما ضاعت من سواه حلية سوارها الملوي.
وقوله: [الرجز]
إنسانة تيّاهة (٣) … بدر السّما منها خجل
إذا رنا طرفي بها … بدمع عيني يغتسل
وقوله، وكتب به إلى الأمير أبي الفضل المكيالي: [الكامل]
لك في المفاخر معجزات جمّة … أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
стр. 2777
بحران بحر في البلاغة شأنه … شعر البلاغ وحسن لفظ الأصمعي
كالنّور أو كالسّحر أو كالبدر أو … كالوشي في برد عليه موسّع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى … وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا يفيق بنور شعرك ناظر … فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان الكلام ورضت أف … راس البديع وأنت أجمل مبدع
ونقشت في فصّ الزّمان بدايعا … تزري بآثار الرّبيع الممرع (١)
وقوله: [البسيط]
لما بعثت فلم توجب مطالعتي … وأمعنت نار شوقي في تلهّبها
ولم أجد حيلة تبقي على رمقي … قبّلت عينيّ رسولي إذ رآك بها (٢)
ومنهم:
٢٩ - أبو الفتح عثمان بن جني (١٣)
الموصلي النحوي، صاحب التصانيف؛ ناهيك به من أعور، عينه نضّاخة (٣)، وأرضه مما تنبت سوّاخه (٤). لم ير مثله في توجيه المعاني وشدّ بيوت القصائد الوثيقة المباني. وكان أبو الطيب المتنبي إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب حصل فيه إغراب دلّ عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور ابن جني، فسلوه فإنه يقول ما أردت، وما لم أرد. ما أبقى له نهدا وفخرا بمثله يتميز، وبفضله يتعزّز.
قال ابن خلكان: كان إماما في علم العربية، وقرأ الأدب على أبي علي الفارسي ثم قعد
стр. 2778
للإقراء بالموصل، فاجتازبه شيخه فرآه، فقال له: زببت وأنت حصرم. فترك حلقته وتبعه، ولازمه حتى تمهّر. وكان أعور. وفي ذلك يقول: [المتقارب]
صدودك عنّي ولا ذنب لي … يدلّ على نيّة فاسده
فقد وحياتك مما بكيت … خشيت على عيني الواحده
ولولا مخافة أن لا أراك … لما كان في تركها فائده
وسأل شخص المتنبي، فقال: كيف أتيت الأدب في قولك:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا (١)؟
فقال: لو كان هناك ابن جني أبو الفتح لأجابك. وولد قبل الثلاثين والثلاثمائة بالموصل.
وتوفي لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمئة (٢).
ومنهم:
٣٠ - أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن متّويه الواحدي (١٣)
صاحب التفاسير المشهورة. نجمه ما غرب، وسهمه موفّى لا من نبع ولا غرب. وشب كما شبّ الغلام؛ حتى افترّ له ثغر السؤدد وابتسم، واستهم على الفضل واقتسم؛ فما ثقل بيت عارضه إلا وقد نبت نباتا حسنا، وثبت ثباتا يجعل له الجوارح ألسنا وقنا. أقلت آثاره
стр. 2779
السهوب والسهول، وعلت به شباب تسامت للعلى وكهول.
قال ابن خلكان: كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه.
وأجمع الناس على حسنها، ومنها البسيط والوسيط، وشرح ديوان المتنبي شرحا مستوفى.
ليس في شروحه مع كثرتها ملّة. وذكر فيه أشياء غريبة منها أنه قال في شرح هذا البيت وهو: [الكامل]
وإذا المكارم والصّوارم والقنا … وبنات أعوج كلّ شيء يجمع
تكلم على هذا البيت فقال: أعوج، أنه فحل (١) كريم كان لبني هلال بن عامر، وأنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدّة عدوه؟ قال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء فسقته، وأنا أغضّ (٢) من لجامه حتى توافيا الماء دفعة واحدة وهذا أغرب شيء يكون؛ فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء اشتدّ طيرانه أكثر من غيره قصد الماء، ثم ما كفى حتى قال: كنت أغضّ من لجامه، ولولا ذلك لكان يسبق القطا وهذه مبالغة عظيمة.
وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيرا وقد جاءتهم غارة، فهربوا منها وطرحوه في خرج (٣)، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوجّ ظهره من ذلك، فقيل له أعوج. وهذا البيت من جملة القصيدة التي رثا بها فاتكا (٤) المجنون. وكان الواحدي المذكور تلميذ الثعلبي صاحب التفسير. وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة بنيسابور (٥).
стр. 2780
ومنهم:
٣١ - الشريف الشجري (١٣)
أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني. مطبل (١) غرر وسمات، ومزيل حسنات من سيئات. كان يتيما يرتع في ميدانه، ويربع على أخدانه، إذا به قد قطب، وتنكر، ورأى منه ما ينكر؛ ولكل امرئ نفسان، والخير والشر في اللسان، إلاّ أنه كان علما، وكان وجود الناس سواه عدما؛ لفواضل كأنما جعلت رزقا للنسيم أو حقّا له منه أوفر القسيم.
قال ابن خلكان: كان إماما في النحو واللغة، وأشعار العرب وأيامها وأحوالها، كامل الفضائل، متضلعا من الآداب. صنّف فيها عدّة تصانيف أكثرها وأجلّها كتاب (الأمالي)، وهو من الكتب الممتعة.
ولمّا فرغ من إملائه، حضر إليه ابن الخشاب، والتمس منه عليه فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه وردّ عليه في مواضع منه، ونسبه فيها إلى الخطأ. فوقف عليها الشريف، فردّ عليه ردة، بيّن وجوه غلطه في كتاب جمعه، وسمّاه (الانتصار). وهو على صغر حجمه مفيد جدا.
وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ فصيحا، جيّد اللسان والتفهيم. وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من المتأخرين، مثل أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصرفي وابن شهاب الكاتب، وغيرهما.
وذكره السمعاني في الذيل، وكان الشريف أبو السعادات ينوب عن والده الظاهر في النقابة بالكرخ، وله شعر حسن، ومنه قوله: [الكامل]
стр. 2781
هذي السّديرة والغدير الطافح … فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي الذي إن ظلّه ال … سّاري هداه نشره المتفاوح
هل عائد قبل الممات لمغرم … عيش تقضّى في ظلالك صالح
ما أنصف الرّشأ الضّنين بنظرة … لّماّ دعا مصغي الصّبابة طامح
شطّ المزاربه وبوّأ منزلا … بصميم قلبك فهو دان نازح
غصن يعطّفه النّسيم وفوقه … قمر يحفّ به ظلام جانح
وإذا العيون تساهمته لحاظها … لم يرو منه النّاظر المتراوح
ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا … فيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا به نبكي فكم من مضمر … وجدا أذاع هواه دمع سافح
مرت (١) الشؤون رسومها فكأنما … تلك العراص المفقدات نواضح
يا صاحبيّ تأمّلا حيّيتما … وسقى دياركما الملثّ (٢) الرايح
أدمىّ بدت لعيوننا أم ربرب … أم خرّد (٣) أكفالهن رواجح
أم هذه مقل الصوار (٤) رنت لنا … خلل البراقع أم قنا وصفائح
لم تبق جارحة وقد واجهتنا … إلا وهنّ بصيدهنّ جوارح (٥)
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى … ومن الشّقاوة أن يراض القادح
لو بلّه من ماء ضارج (٦) شربة … ما أثّرت للوجد فيه لواقح
ولد في رمضان سنة خمس (٧) وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس، السادس والعشرين من
стр. 2782
رمضان، سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة. وعندي ما ذكره ابن خلكان في مدة عمره نظر؛ فإنه قلّ أن يبلغ أحد هذا المدى من العمر في زماننا الأخير، الواقع في خطّه العمر القصير (١).
ومنهم:
٣٢ - ابن الخشّاب (١٣) عبد الله بن أحمد بن أحمد
النحوي، تنكرت المعارج حتى أزاح شهبها، وأزال سمومها، وأزار الألباب نزهها، ففتح المغلق وأقاد الصعاب وأفاد الصحاب. وكان ندى يتفجر لآلا، ولا تعرف أيامه زوالا. وشقّ البحر وراءه والتطم، وبلغ السيل آثاره وارتطم. ورجع خلفه السحاب بغيظه محنقا، والبرق بناره محرقا. فما نهنه (٢) في طلب، ولا رهزه لطرب، إلى أن فصّل عليه الكفن. ولم يشك أن ضافيه للشمس قد دفن.
قال صاحب بغية الألباء: كان غاية في الذكاء والفهم، آية في علم العربية خاصة، وفي سائر العلوم كافة. ورأيت قوما من نحاة بغداد يفضّلونه على أبي علي الفارسي. زعموا أنه كان يعرف ما عرف أبو علي، وزاد عليه في علم الأدب وغيره؛ لتفنّنه في جميع العلوم. قد سمع حديث النبي ﷺ وأكثر تفهّمه، وعرف صحيحه وسقمه، وبحث عن أحكامه وتبحّر في علومه. ورأيت بخطه كثيرا من كتب الحكمة. وكان حسن السيرة، سالكا طريقة الأوائل في هديه وسمته؛ لا يتكلف في شيء من أمر ملبوسه
стр. 2783
وهيئته. وإذا سمعت كلامه ظننته عاميّا لا يفقه شيئا.
وكان مع ما شاع من فضله مشتهرا بلعب الشطرنج. وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودّون مجالسته، ويتمنون محاضرته، فيتركهم ويمضي إلى حريف (١) له زنجي قبيح الصورة سمج الألفاظ، يعرف بشنشل، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين، ويلاعبه ويسافهه، ويهزأ به، أو يمضي إلى الرحبة أو شاطئ دجلة فيقف على الخلق وأرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم؛ فكان إذا لاموه على ذلك يقول: إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن ولا ألطف منها، وصحة قرائحهم وتصدّيهم لما هم بصدده.
وكان مع ذلك لا يخلو كمّه من الكتب وأنواع العلوم. فكان بينما هو يمشي في الطريق يخطر له قراءة شيء، فيجلس كيف اتّفق، ويخرج الدفاتر فيطالع فيها. وكان يعتم العمّة فتبقى أشهرا معتمة حتى تتسخ أطرافها من عرقه فتسودّ. وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق. فتارة عدّيتها تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه وتارة عن شماله فلا يغيّر.
فإذا قيل له في ذلك، قال: ما استوت العمّة على رأس عاقل، هذه كانت حجته. وكان الوزير ابن هبيرة (٢) يلومه على تبذله فلا يلتفت إليه، ولا يتغيّر عن سجيّته. وما حلّت عليه ودام لا يصغي للائم، ولا ينقاد لمناف ولا ملائم. ومن نوادره [أنّ] بعض من كان يحضر مجلسه، قال له يوما: القفا، يقصر، أو يمدّ؟ ومنها: أن الكمال عبد الرحمن الانباري لمّا صنّف كتاب (الميزان) في النحو، وعرض على ابن الخشاب، قال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيها عين (٣).
ومنها: أنه كان يوما في داره في وقت القيلولة، والحرّ شديد وقد نام؛ إذ طرق الباب عليه
стр. 2784
طرقا مزعجا، فانتبه وخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، فقال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كلّ منّا قصيدة. وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضيناك.
فقال: لينشد أحدكما. قال: فأنشد أحدهما وهو مصغ إليه، فلمّا فرغ منها همّ الآخر بالإنشاد. قال ابن الخشاب: على رسلك، شعرك أجود. فقال: كيف خبرت شعري ولم تسمعه؟ فقال: إنه لا يمكن أن يكون شيء أنحس من شعر هذا.
قال أبو محمد بن الخشاب: خرجت من الحلّة (١) السيفية قاصدا زيارة مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان في الصحبة رجل من سكّان المشهد يعرف بابن الشوكية، علويّ، فنزل بنا على بطن من خفاجة؛ ليستصحب معنا منهم خفيرا. فأكرموا نزلنا، وجاء منهم في الليل صبيّ، ما أظنّه بلغ سبعا، وعليه آثار مرض قد نهكه، فسلّم علينا. فقال له العلوي: ما بك يا فلان؟ وسمّى الصبي. فقال مجيبا له: في أنّ لي مدّة أجهد وأمعد، يريد بأجهد، أفعل، من قولك: رجل مجهود، من جهد الحمّى. وأمعد، أن يصيبني وجع في المعدة. فقال: معّد، فهو ممعود، كما يقال: كبد فهو مكبود، إذا أصاب كبده مرض. وكذا:
فهد فهو مفهود. وباقي الأعضاء.
وكذا يقال فيمن أصيب هذا العضو منه برمية، فقال: أميديّ أم مرجول، أي: أصيبت يده أم رجله. فتعجبت من فصاحة الصبي.
وكان في الرفقة شيء من أهل المشهد، فسمعته، وقد أعيا من السير يقول لعبد له: يا مقبل فرّكني. فقلت لبعض من معنا: ما معنى قوله فرّكني؟ فقال: يريد اغمزني ليزول تعبي. فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبي وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنّين.
وكان أبو محمد يؤدب أولاد المستنجد المستضيء، وأخاه الأمير أبو القاسم، فكان يشدّ
стр. 2785
عليهما في التعليم، فلمّا أفضى الأمر إلى المستضيء رضي ابن الخشاب أن يخلص منه رأسا برأس؛ وذلك أنه كان يظهر منه تفضيل أخيه عليه، فلم يذكره بنفسه.
قال العادل مسعود بن يحيى بن النادر: كنت يوما بين يدي المستضيء فقال لي: كلّ من نعرفه قد ذكرنا بنفسه، ووصل إليه برّنا إلا ابن الخشاب، فما خبره؟ فاعتذرت عنه بعذر، أقصاه الحال، ثم خرجت فعرّفت ابن الخشاب ذلك. فكتب إليه هذين البيتين: [الكامل]
ورد الورى سلسال جودك فارتوى … فوقفت دون الورد وقفة حاتم
ظمآن أطلب خفّة من زحمة … والورد لا يزداد غير تزاحم
قال ابن النادر: فأخذتها منه وعرضتها على المستضيء، فأمر له بمائتي دينار. فقال: لو زادنا لزدناه.
وأنشد لنفسه: [الكامل]
أفديه من متعتّب متجنّب … قد ضنّ حتّى بالخيال الطّارق
ما زال يمطلني بوعد كاذب … حتّى تكشّف عن صدود صادق
واجتمع جماعة من الحنابلة بمسجد ابن شافع، يسمعون كتاب ابن مندة في فضائل أحمد بن حنبل ومحنته في القرآن، وما جرى له مع الخلفاء من بني العباس، فذمّومهم ولعنوهم، وذمّوا فلانا وفلانا. وكان الكتاب يقرأ على ابن الخشاب، فأنكر عليهم إنسان دمشقي فقيه، وقال: هذا لا يجوز يلعنون أئمة المسلمين وفقهاء الدين. فقاموا إليه وسبّوه، وهمّوا به. ووصل الخبر إلى الخليفة، فتقدم إلى حاجب الباب يأخذهم، وأخذ ابن الخشاب وأن يركبوا بقرا ويشهروا في البلد. فقبض على جماعة منهم، وهرب ابن الخشاب، فلحق بالحلة إلى أن شفع فيه، فعاد، فقال ابن الخشاب في غيبته: [الوافر]
إذا دار السّلام نبت بمثلي … فحبّبت السّلامة والسّلاما
ولا جرت الصّبا إلا سموما … وهبّت [من] سحائبها شماما (١)
стр. 2786
ومن شعره قوله في زعيم الدين ابن جعفر، صاحب المخزن، وكان قد ورد من مكة يعتذر فيها عن تأخره عن قصده بطريق مرض عرض له في دجلة: [الطويل]
لئن قعدت بي عن تلقّيك علّة … عدوت بها جلسا لربعي من شهر
رمتني في رجلي بقيد تقاصرت … خطاي له والقيد ما زلال ذا قصر
إذا قلت قد أفرقت (١) منها تجدّدت … فأودى بها نهضي وهيض (٢) بها كسري
فما قعدت عنّي دعاء أفيضه … ولا قصرت عنّي ثناء وعن سكري
قدمت علينا مثل ما قدم الحيا … على بلد ميت فقير إلى القطر
فأصبح مغبرّ البلاد منوّرا … به زهر غضّ كأخلاقك الزّهر
وعدت وبالبيت الحرام صبابة … إليك وبالرّكن المعظّم والحجر
وقد صحب الحجّاج منك مباركا … عزيز النّدى طلقا محيّاه ذا بشر
أخا كرم إن أخلف الغيث أخلفت … يداه بمنهلّ من البيض والصّفر
فملكهم مثن عليك وشاكر … لنعماك معمور بنائلك الغمر
خصصتك بالمدح الذي أنت أهله … لجاهك من صدر امرئ ناحل الصّدر
وأيسر ما أخفيه ما أنا مظهر … فدع عنك شعري جلّ قدرك عن شعري
وقوله فيه وقد ورد كتابه من فيد: [الوافر]
فإن تك محرما من ذات عرق … فقد حرّمت غمضي بالعراق
شمائلك الشّمول فكيف تقضي … فروض الحجّ بالكأس الدّهاق
وأنت الطّيب إن صافحت كفّا … تحلّل محرما بدم مراق
ولما جاءت البشرى بكتب … وكانت كالقميص على الحداق
ضممت إلى الفؤاد كتاب فيد … فضاعف برده حرّ اشتياقي
فخبّر بالسّلام فثمّ بين … بأنّ الماء ضاق على الرّفاق
стр. 2787
وكيف يضيّق ماء عن حجيج … وسحب نداك غيث ذو انبعاق
سلمت على الأنام ولي خصوصا … وحاطك رافع السّبع الطّباق
ومنهم:
٣٣ - أبو نزار الحسن بن أبي الحسن ملك النحاة (١٣)
النحوي. وشيخ الأوشاخ (١) وصبيّ العقل وقد شاخ. طلع من القدر، وطبع من المقدر.
وأيّ منه نوع وحي حيوان. عجيب لا يدخل عقله في حدّ، ولا يحصى جهله بعد. لو عجب أحد عليه، ونادى هلمّوا إليه لأتي الناس إليه إتيان الحجيج، ولم يسمع ما حوله من الضجيج، ورأوا عجبا ما رأوا مثله، ولا جاء نظير مثله. وكان له قطّ، له معه أسمار، وأحاديث يتحاكاها السمّار. وسيأتي من خبره وخبر قطّه العجب العجاب ويعرف به غدر القطاط إذا هرّت على الكلاب، إلى غير هذا من قلّة عقله وكثرة جهله، وسوء حركاته وفعله. وما لا ينكر من حاله ولا يتعجب من محاله. فشكرا لقبر أزاح معاينه، وأراح معاتبه. فلقد جبر القبر ذلك القبر المنهاض (٢)، وغطّى التراب ذلك الذي ما رمي في المرحاض؛ لكن التراب لم يوار سوءته، ولا أذهب هفوته. فعجبا لدود أكله كيف ما قاه! ولقبر حلّ فيه كيف ما كره بقاه! فجوزيت تلك العظام النخرة، وتلك النفس المفارقة لتلك الجيفة القذرة.
وقال فيه العماد الكاتب: أحد الفضلاء المبرزين؛ بل واحدهم فضلا، وماجدهم نبلا،
стр. 2788
وكبيرهم قدرا، ورحيبهم صدرا. قد غلبت عليه سمة ملك النحاة، وشهدت بفضله ألسن خلاّنه، والعداة. سمح البديهة في المقاصد النبيهة. كثير الأبيّة (١) عن المطامع الدنيّة بالمطالب النزيهة، والمراتب الوجيهة. ولقد كانت تحاببه تحبيبة للنحاة بضاعة وافية، وبراعة براعته للكفاة كافية. يأخذ القلم فيمشق الطرس في عرضه نظما يعجز، ونثرا يعجب ونكتا ترقص ونتفا تطرب. طرق بلاد العجم، ولقي كرما [في] كرمان، ووصل إلى أصبهان. وكان مطبوعا مناسب الأحوال والأعمال. تحكم على أهل التمييز بحكم ملكه، فيقبل ولا يستثقل.
يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي، ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي (٢)، مرّ الشيمة، حلو الشتيمة. يضمّ يده من الذهب على المئة والمئتين، ويمشي منها وهو صفر اليدين. مولع باستعمال الحلاوات السكريه. وإهدائها لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخلاّنه. وقد ناهز الثمانين، ولقي العرانين (٣). وجرّب الغثّ والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية وجائزة سنيّة، فأخرج القميص الدّبيقي (٤) إلى السوق فبلغ دون عشرة دنانير.
فقال: قولوا هذا قميص ملك كبير، أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فخلّوا عليه البدر على البدار (٥)، وليحلوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحقّ به إذا جهلوا حقّه، وتنكّبوا سبل الواجب وطرقه.
قال العماد الكاتب: كتب إلي لمّا أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة
стр. 2789
بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئته وحسن توفيقه على عزم المسير إلى زيارته يوم الثلاثاء. [الخفيف]
فارتقب أيّها العماد حضوري … وانتظر أن أزور يوم الثّلاثا
وارض بالعالم الوليّ ودع … حبل المعالي يا ذا العلا أنكاثا (١)
والجانب الغربي، معتد لي بهذه، إلى أن أحضر؛ لأخدم فضله.
قال: وكتب إليّ أبياتا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها: [السريع]
قولوا لنور الدّين يا مالكا … إنعامه قام إلى النّاس
لا تنسني يا ذا العلا والنّهى … حاشاك أن توسم بالياس (٢)
أو حشني الدّهر وأنباؤه … فاختر لك الخير بإيناسي
والرقعة أولها شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن نيّته وفضله يحثانه على احترام الفضل؛ فليس لغيره، وقد أثّرت فيّ الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته، وقد قال الأول: وما بقي في المستمتع إلا لساني وكفاني لسان.
والأبيات: [السريع]
قل لعماد الدّين يا كاتبا … يفزع من أقلامه (الصابي) (٣)
وشاعرا الفاظه عذبة … إن كان لفظ الغير كالصّاب (٤)
ويا فقيها راميا خصمه … في الحفل إن جاثى بأوصاب (٥)
قد كنت قبل اليوم أشعرتني … بأن نور الدين أوصى بي
فأوصل المكتوب لي واستعض … من فرط إجداب وإخصاب
стр. 2790
وكتب إليّ: [السريع]
قل لعماد الدّين وهو الّذي … يمتّ بالفقه وبالشّعر
وإنّه يخجل إنشاؤه … الصابئي ذا المجد والفخر
لا تنس حقّ العالم الأوجد ال … ناجح بالنظم وبالنّثر
فإنني مثن على فضل … ك الباهر في سرّ وفي جهر
ألا فاسعد وابق ما رجّعت … صادحة في وضح الفجر
وكتب إليّ وقد طلب منّي السكّر فأبطأ عليه: [السريع]
قل لعماد الدين عنّي إذا … رأيته في بهرة الحفل
ضننت بالسكّر يا من له … سنّة فرض الفعل والنفل
فاستدرك الفارط (١) واسلم إذا … ما صدحت ورقاء في أثل (٢)
قال: ومكتوباته إليّ كثيرة؛ وإنّما أوردت هذه اللّمعة ليستدلّ بها على مذاهبه، ومآربه ورغائبه وغرائبه (٣). وقد ذكره ابن المستوفي، وفيما قال: إنه ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ العلوم، وسمع من الشريف أبي طالب الزيتي، وقرأ علم المذهب على الشيخ أحمد الأسنهي، وقرأ علم أصول الدين على أبي عبد الله المغربي القيرواني، وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وقرأ علم الخلاف على أسعد المهيني. وقرأ النحو على الفصيح الاسترابادي وقرأ الفصحى على عبد القاهر الجرجاني وفتح له الجامع، ودرّس فيه، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ثم دخل إلى الشام، ثم قدم دمشق وخرج منها ثم عاد إليها واستوطنها إلى أن مات بها. وذكر مصنفاته في النحو والعروض والفقه على مذهب الشافعي والأصول. وذكر أن له ديوان شعر، ومنه في المديح الشريف النبوي، زاده الله شرفا، قوله:
[البسيط]
стр. 2791
للّه أخلاق مطبوع على كرم … ومن به تشرف العلياء والكرم
أغرّ أملح يسمو عن مساجلة … إذا تذوكرت الأخلاق والشّيم
سمت علاك رسول الله فارتفعت … عن أن يشير إلى آياتها قلم
يامن رأى الملأ الأعلى فراعهم … بالعزّ وهو على الكونين يحتكم
يا من له دانت الدّنيا وزخرفت (م) … الأخرى ومن بعلاه يفخر النّسم (١)
يا من به عاد وجه الأرض متّضحا … من بعد أن ظوهرت بالباطل الظلم
ومن تواضع جبريل الأمين له … ودون حقّ نهاه هذه القسم
علوت عن كلّ مدح يستعاض فما … الجلال الذي تنحوه والعظم
على علاك سلام اللّه متّصلا … ما شئت والصّلوات العزّ تبتسم
ومنه قوله: [السريع]
أراجع لي عيشي الفارط … أم هو عنّي نازح شاحط
ألا وهل يسعفني أو به … يسمو بها نجم المنى الهابط
أرفل في فرط ارتياح وهل … يطرق سمعي هذه واسط
يا زمني عدلي فقد رعتني … حتّى عراني شيبي الواخط (٢)
لم أقطع البيداء في ليلة … يقنص ظلّي خوفها الباسط
أأرقب الراحة أم لا، وهل … يعدل يوما دهري القاسط
أيا ذوي ودّي أما اشتقتم … إلى إمام حاله رابط
وهل عهودي عند كفم غضّة … أم أنا في ظنّي إذن عابط (٣)
ليهنكم ما عشتم واسط … إني لكم يا سادتي غابط
وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنّور يألفه ويقوم به. فدأبه يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده. لا يخاف حدّ نابه
стр. 2792
وأظفاره. فبينما هو يوما يمر عليه بيده، ويريد أنسه وتودّده، وإذا به قد عضّه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل وأنسته جميع الفضائل. فربطها بمنديل عظيم وتصدّى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد. فقال فيه قيان: [المتقارب]
عتبت على قطّ ملك النّحاة … وقلت أتيت بغير الصّواب
عضضت يدا خلقت للنّدى … وبثّ العلوم وضرب الرّقاب
فأعرض عني وقال اتّئد … أليس القطاط أعادي الكلاب
فلما بلغته الأبيات غضب حتى دارت أمّ راسه، وسلّت من قحفه خيوط العلم بأمراسه؛ إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهيا وتركه لا يبصر في ليلته العميا. فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنّه العروف ويعلم فيها ما بشم من نفسه المعروف. وكتبت إليه شعرا أعتذر فيه وتبيينه على أنه قد يقدر في قول سفيه فكتبت إليه: [الخفيف]
يا خليليّ نلتما النّعماء … وتنّسمتما العلا والعلاء
ألمما بالشّغور بالمسجد المعمو … رواستمطرا به الأنواء
وامنحا صاحبي الذي فيه منّي … كلّ يوم تحية وثناء
ثمّ قولا له اعتبر بالذي فه … ت به مادحا فكان سماء
وقبلنا فيه اعتذارك عمّا … قاله الجاهلون عنك افتراء
وكان هذا الفاضل بحمقه وخروجه عن طرقه مضغة (١) لكل ماضغ، وشغلا لكل فارغ.
يجرّب فيه كلّ أحد سيفه الكهام (٢)، ويجر إليه جيش حربه اللهّام.
وفيه يقول ابن منير: [المجتث]
يا نحاة الزموا الشكك (٣) … ثم حلّوا عن التكك (٤)
стр. 2793
واكشفوا عن فقاحكم (١) … قد أتت لحية الملك
لحية سرم (٢) سيبويه … عليها قد انتهك (٣)
وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويودّ أن يطلّ دمه ويروي طلولها. وكان بها رجل اسمه زيد صديقا لعرقلة الدمشقي فولي بها الحسبة (٤) واستغرر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بروايته وحصوله على أكثر من كفايته. فداخل ملك النحاة له الحسد. وقال: لو أتيت مصر لكسد.
فقال عرقلة: [مخلع البسيط]
قد جنّ شيخي أبو نزار … يذكر مصر وأين مصر
والله لو حلّها لقالوا … فقاه (٥) يا زيد فهو عمرو
ووقف يوما عرقلة على حلقته وقد كبّر العمامة، وطوّل أكمامه ونفش سباله وفتل من شواربه الطوال حباله. وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ يماريه الاحتيال به والزهو.
فطلب عرقلة رجلا من الحلقة، فلما أتي جذبه على أنه يسرّ إليه في مقال، ثم رفع صوته وقال: [مجزوء الرّجز]
قل لابن صافي الحمل … سارق علم الجمل
صدعت بالنّحو الورى … ارحم عيال الدؤلي (٦)
توفي يوم الثلاثاء، تاسع شوّال سنة ثمان وستين وخمسمئة.
стр. 2794
ومنهم:
٣٤ - البحراني (١٣)
وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن قائد الخطيب موفق الدين. سبوق لا تردّ له سائرة (١) 'وسبوح لا تجري معه في دائرة. طلع والشهب في مطالعها، والسحب في مطامعها، والليالي ثغور وكواكبها مقبلة ووجنات الأيام بخضرة أسحارها مبقلة (٢).
فانمحت آية الليل إذ طلع واستقام الزمان، وكان به طلع وسطع نهارا في تلك الدجنات، ونهارا يفوح في أيدي الجنّات، ثم لم يزل عليه عقد الجماعة، وعقد الخواطر للجمّاعة. فلما حمّ له أن يفارق، ويودّع وداع المفارق أبقى ما كنز، ومضى لطيته (٣) وقضى بما في طويته (٤).
ذكره ابن المستوفي، قال: بحراني المولد والمنشأ، إربليّ الأصل. نسب أبيه وأهله في عداد الإربيليين الآن. وكان جدّه خطيبا. وسبب مولده بالبحرين، أنّ أباه (يوسف) كان تاجرا، وكان كثير السفر إلى البحرين لجلب اللؤلؤ، فتزوج امرأة من نساية. فحدثني أحمد بن علي بن محمد البحراني الحجازي أنها كانت تدعى الصوفية، فولدت له محمدا هذا، وأقام بالبحرين إلى أن ترعرع، وماتت أمه. وخرج من البحرين فصار إلى إربل، وهو على هيئة الحفاة من العرب.
وكان إماما في علم العربية، مقدّما، مفنّنا في أنواع الشعر معظما، واشتغل بشيء من علوم الأوائل. فحدثني القاضي أبو محمد جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله أنه حلّ
стр. 2795
كتاب أو اقليدس على المظفر بن المظفر القارئ الطوسي من رساتيق سوس في مدة ثلاثة أشهر. ورأيته حلّ كتاب الكرة والأسطوانة على نفسه من غير توقف، وأراد حلّ كتاب المجسطي، فحل منه جملة من أوله، ثم رأى أن ثمرة هذا العلم مرّ جناها، وعاقبته مذمومة أولاها وأخراها فنبذه وراء ظهره مجانبا، ونكّب عن ذكره جانبا. وكان حسن الظّنّ بالله واكب علم النحو فبلغ منه الغاية، وجاوز النهاية، وصار فيه آية، ولم يكن أخذه عن إمام قرأه عليه، ولا تناوله من عالم أسنده إليه؛ إنما كان يحل مشكله بنفسه، ويراجع في غامضه صادق حسّه؛ حتى جرى بينه وبين أبي حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصير الموصلي المعروف بابن الشحنة مناظرة في قوله: [الطويل]
وقد علم الأيقاظ أخفية الكرى … يرجّحها من حالك واكتحالها
علاه في جميعها، فلم يكن له قرار إلا أن قال: أنت صحفي.
فلحق بشيخنا أبي الحرم رحمهما الله، وأقام عنده مدة قريبة قرأ عليه أصول أبي بكر محمد بن السري السرّاج، وقرأ عليه كثيرا من الكتاب، ولم يفعل ذلك حاجة به إلى إفهام؛ وإنما أراد أن ينتمي على عادتهم في ذلك إلى إمام. وكان بينهما منافرة، فسمع عمر بن محمد بهذا، وكان شيخنا أبو الحرم كثيرا ما يراجعه في كثير من المسائل المشكلة، ويعاوده في عدّة من المواضيع المعضلة. وكان أبدا يرجع إليه في أجوبة ما يورد عليه.
قال ابن المستوفي: وأخبرني من أثق به أنه سمع عمر بن محمد يعتب عليه في هذه القصيدة أيضا قوله في الخمرة: [الكامل]
وكأنّها وجه ابن مودود إذا … ما لاح رونق بشره للمجتدي (١)
فقال: فعل الله بوجهه، وصنع لا يكنى، كيف يشبه وجه ملك بالخمرة؟ وهذا ميل منه عليه؛ وإلا فما زال الشعراء يشبهون الخمرة بالشمس والمصابيح، ويبالغون في صفة نورها،
стр. 2796
وهذا معلوم لا يحتاج إلى برهان.
وإذا كان كذلك، فأيّ عيب إذا شبّه الوجه بما يشبه الشمس، وقد شبّه كلّ واحد منهما بها؟
وأكثر الدواعي الموجبة للمعاداة بينهما كون محمد بن عمر كان الولوع بشيخنا، أبي الحرم، شديد التعصب عليه؛ حتى إنه كتب إليه بعض المرات ونقلته من خطّه: [الكامل]
ثكلتك أمّك هبك من نفر الفلا … ة أكنت تحظى مرّة بصواب
وكان أبو عبد الله محمد بن يوسف يتتبّع معايبه، ويشيع مثالبه؛ نصرة لشيخنا أبي الحرم، وذبّا عنه؛ لأن شيخنا لم يكن ممن يجيبه على قول يقوله ببنت شفة ولا يردّ عليه.
فحضرت شيخنا ﵀ بعد أن توفي أبو عبد الله وقد أجري بين يديه ذكره، وأجمع الجماعة كلهم على تفضيله، فقال: كان لي منه العضد الأشدّ والساعد الأسدّ (١)، أو كلاما هذا معناه، ثم بكى وأنشد: [البسيط]
لو كان يشكى إلى الأموات ما لقي ال … أحياء بعدهم من شدّة الكمد
إذا شكوت وأشكاني وساكنه … قبر بسنجار أو قبر على قهد
وقد أنشد من شعره جانبا، فمنه قوله: [الطويل]
كلا مدمعينا يا غمامة ساجم … ولكنّ قلبينا سليم وسالم
لئن رويت منّي جفون نواهل … لقد ظميت مني ضلوع جواثم
ومبتسم عن عقده عقد ثغره … سقاني دهاقا والوصال منادم
بكأس يزيل العقل عن مستقرّه … يطوف بها منها على الشّرب صارم
فلمّا سرت في كل عرق ومفصل … جفاني وقد يجفو الحبيب الملائم
стр. 2797
وقوله: [الطويل]
هلمّوا فهذا الجود والحسب الغمر … حموم العطايا لا بكيّ ولا نزر
تأملت مرتادا فقلت لصاحبي … أبن لي أهذا البحر أم مثله البحر
وقوله منها:
يسرّ أناسا أن يقال به أذى … فلا فرحوا أخرى الليالي ولا سرّوا
يودّون بالأهلين لو أنّ دارهم … معالمها من ذكره طلل قفر
بواق شجاياه على وعكاته … كراما يبقيها على الصدأ الأثر
يزيد القنا عمر النّفاق استقامة … ويصفو من الأكدار باللّهب النبر
ومنها:
أيوسف إن الفقر ساق مطامعي … إليك ولم يظلم بما صنع الفقر
إذا كان عسر المرء ممّا يفيده … لقاؤك فليفرح فداك هو اليسر
ثناؤك أحلى في القلوب من المنى … وأشهى من الصّهباء خالطها عطر
وما طاب حتى طاب جودك قبله … إذا ما زكا نبت الريّاض زكا البشر
أما وجلال اللّه إنك للّذي … به تدفع البلوى ويستنزل القطر
إذا ما عذارى الشّعر كان لقاحها … عطاؤك كانت من نتائجها الشّكر
إذا شئت أن أثني عليك تفرّضت … غرائب حمد لا يحيط بها الفكر
وأوضح عذري أنّ وصفك معجز … ولست بمعتوب إذا وضح العذر
وقوله: [الكامل]
قل للّذي اغبرّت فجاج بلاده … بالجدب واسودّت وجوه طلابه
إن تبغ معروف المليك مهنّأ … رغدا فشمس الدّين من أسبابه
والبحر لا يسقيك ماء فراته … حتى يرقرق في أديم سحابه
وقوله: [الطويل]
стр. 2798
ألا لكم البشرى فهذا أوانها … ودونكم النّعمى طليقا عنانها
فإن التّقاويم التي مال صفوكم … إلى حكمها ضلّ السبيل بنانها
وقالوا قرانات الكواكب تقتضي … رياحا ونارا مدلهمّا دخانها
يذيب حصاة البين حرّ شواظها … ويخمد أنوار الهدى لمعانها
أباطيل دعوى لا يقوم دليلها … وظمآن زور لا يصحّ ضمانها
وهب أنه حقّ فما بالنا نرى … نجوم الثريّا لا يضرّ اقترانها
وما بال أطراف القنا وهي أنجم … إذا اجتمعت شاد المعالي طعانها
أفي كفّة الميزان فيما علمتم … يخاف حلول الظّلم من شفآنها
أهاويل ما زالت تروّع جاهلا … بأخبارها حتى تجلّى عنانها
أخوف ورايات ابن أيّوب يوسف … يحوطك من ريب الزّمان أمانها
هي الآية الكبرى التي لا جنانها … يطيش ولا يعنى بقول لسانها
يمدّ المعالي حلمه وبلاغه … فيأنق فيها كعبها وسنانها
ويستغرب الآجال رجع حديثها … إذا خاطبتها فالدّجى ترجمانها
أيا مالكا ألقى رحالة جوده … بعلياء لا يخفى علينا مكانها
أتاك بأبكار القوافي وليّها … وما يتساوى بكرها وعوانها
يؤمّل يسرا منك لا تستفزّه … قطوب وكفّ لا يفيض سنانها
فكنت له كفؤا كريما ولم يزل … يزفّ إلى الكفء الكريم حسانها
وقوله: [الطويل]
شربنا على ذكر الأمير فلم تزل … ندامتنا من طيبه تتأرّج
هو المزن أمّا كفّه فسحابة … دفوق وأمّا وجهه فهو أبلج
وقوله في لاعب بالكرة ضرب بعض أطرافه بالصولجان فتألم لذلك: [الكامل]
إن يجن كفّك مرة فلطالما … كانت إغاثة كلّ جان محرم
وردت سبيل الدم إلا أنّها … لم تخل يوما من نوال أو دم
стр. 2799
وقوله: [الخفيف]
لم يخف أنه يفتّت قلبي … إنما خيفتي على أسراره
لا يكاد الإناء يحفظ ما اس … تودع من أن يضيع بعد انكساره
وقوله في مليح كان أمرد فالتحى ورقم بالعذار خدّه، ثم فشا سواده فانمحى، وكان يعرف بالسهم، ويفعل في القلوب ما يفعل جنباته الوهم: [مخلع البسيط]
قالوا التحى السّهم قلت حصّن … نفسك فالآن لا يطيش
لا ينفذ السهم في الرمايا … إلا إذا كان فيه ريش
وقوله: [البسيط]
تخفي المدامة سرّي أن أبوح به … وربّما كشفت أسرار أقوام
لم يبصر النّاس قبلي في محبّته … من يستعين على سرّ بتمّام
وقوله: [المنسرح]
تساهم العاشقون واقتسموا … وكنت حظّي فبئس ما اتّفقا
لا بارك اللّه في الهوى فلقد … صيّرني عبرة لمن عشقا
إذا القرينان صحّ ودّهما … وافترقا بعده فما افترقا
وقوله: [المنسرح]
وماجد ملء ثوبه كرم … مثل أبي حامد إذا انتدبا
إذا اقتعدت الرجاء تطلبه … رهوا (١) تلقّاك جوده خببا
وقوله: [البسيط]
يثني عليك بخير من بذلت له … فضلا من العيش أو فضلا من النّسب
لا تأمنن من مرجّ أنت مانعه … دوما ولو كان ذا قربى وذا نسب
стр. 2800
ما زلت أسمع لمّا كنت في حلب … أحدوثة عنك تجلو غمّة الأدب
فلم أزل بالأماني كلّ بارقة … أنوطها بك والأطماع تأخذ بي
حتى رأيتك بالحدباء فانقطعت … تلك الأماني وقرّت سورة (١) الطلب
فالحمد لله إذ لم يأت بي حلبا … فقد وقاني من الحرمان والتّعب
وقوله يمدح أتابك مسعود بن مودود، ويذكر إنجاده الملك الناصر بن أيوب على الفرنج:
[الكامل]
وأدرت كأسا للفرنج مديرة … حمدت لدائف سمّها المنقوع
عرضت لدين الله تطفئ نوره … ناهيك من أمر أتاه شنيع
نصبت عداوتها له فرددتها … محفوظة بلوائك المرفوع
كالقوس قرّت في اليدين وصدّعت … كبد الرمّي بسهمها المنزوع
ومما أورده من نثر قوله:
لمّا كانت الرسائل - أطال الله بقاء فلان - عنوان السرائر، وترجمان الضمائر ورائد المودّة إلى القلوب، ووصلة الحبل المقضوب؛ وناطقا لا يتجمّم، وبليغا لا يعجم. اكتفى بها المشتاق عن حثّ النياق، واستراحت إليها النجائب (٢) عن خوض السباسب (٣). ولقد ورد كتاب فلان مشتملا من كريم، أجابه على ثناء جزيل، وحمد جميل، وفضل عريض طويل، مشحونا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ فيما منّ به من قمع الفئة الطاغية واستئصال الشجرة الخبيثة الباغية، التي مرقت عن الدين، وجاهرت بعداوة أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأسلافه المنتجبين.
وبعد، فإنّ الخادم لم يرم سهما إلى نحورهم إلا وعزم المواقف الشريفة الإمامية الناصرية،
стр. 2801
أيّد الله اقتدارها مسدّدة، ولا أشرع سنانا في صدورهم إلا ونصر مورده، ولا حمل سيفا إلى هامهم إلا وتأييده مجرّدة. فما طاش له سهم، ولا ارتعش رمح، ولا فلّ نصل، وفات أعداء العتبة الشريفة، وأعاذ الله بين صريع مقتول وأسير مكبول، وطريد منهزم ومال مقتسم قد أدال الله من طاعنهم، وأمكن من نواصيهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وتأييد من المواقف الشريفة، وهمّة من المجلس الفلاني دام سعد الذي قام مقام الجيش العرمرم، وناب مناب كل حسام ولهذم (١). ففتّ في عضدهم، وقذف الرعب في قلوبهم. ولولا ما منحنا الله به من نصر أمير المؤمنين وآرائه الباقية لكنّا على شفا جرف هار، فالحمد للّه الذي وفّقنا لمرضاته، وهدانا إلى أوضح سبيله، وجعلنا ممّن يعمل بنفله وفرضه، ويرضي خليفته في أرضه.
وقوله:
وبلغني بفضل فلان، أنار الله نجم إقباله، وأسبغ عليه ثوب أفضاله وجعله قبلة للمحامد، وكعبة للصادر والوارد، وأوزعني شكر نعمائه، وألهمني نشر ثنائه، وكفاني في مودته مالا أتوقّع، وحرس لي مهجته بعينه التي لا تهجع. فلم يزدني ذلك زيادة على ما أعتقد فيه.
أدام الله نعمته من سحاجة (٢) الأخلاق، وطهارة الأعراق؛ وإنما كانت تزيد في هذه التفضلات عقيدة في كرمه وجميل مودّته، لو كنت أتوسم فيهما نقيضه. فأما إذا تيقّنت كما هما، فلا. وأما الشكر فإن شكرت فأهل له، وإن أمسكت فمودة بيننا؛ أكرم من أن يحتاج إلى روابط الشكر.
وبعد، فقد رفّت عليّ من شوارد غرره، وفرائد درره عروس غضّة المعاني، عذبة الألفاظ حلوة الدلال، فاترة اللحاظ. قد بلغت النهاية في الإبداع حتى ملكت الأبصار والأسماع. وقد عوّزها فلان بتواضعه؛ ليصرف عنها عين الكمال، ويتكررها في حلل الجمال.
стр. 2802
فأما قوله: [الكامل]
طابت منابته فطاب وداده … وزكا فيالك من أخ لك صالح
يوليك إشفاقا ومحض نصيحة … فاشدد يديك على الشفيق النّاصح
فبيتان قد بلغا النهاية في الجودة من سلاسة اللفظ وسهولة المأخذ وبيان المعنى، وانتظام العروض، والمقابلة الصحيحة والترديد الرشيق، والتمثيل الناصح، وإن كانت لا تخلو مع ما أتيت فيها من إحسان. ولكن على هذين البيتين وقع اختياري.
وبعد فإنه أتى بالواضح معرّفة بالألف واللام في قافية عروض البيت الأول، ثم أتى بها فكرة في قوله: على سهل الطريقة واضح، وكذلك قوله: الصالح، مع قوله: صالح. وهذا جائز، وليس كل جائز بحسن. فليجتنب؛ فإنه يكاد يكون أبطأ، وليس هذا بردّ؛ إنما هو مطالبة بالأحسن وللّه الحمد.
قال ابن المستوفي: وإنما أتيت هذه الرسالة لقلة رسائله وعدمها. وأردت ألا يخلو هذا الكتاب من شيء منها، فأثبتّ بها:
ولست بمعتوب إذا وضح العذر
وأنشدني لنفسه قبل وفاته: [البسيط]
إن الشّباب نذير الموت ثم إذا … جاء المشيب فذاك القبر والكفن
ومرض مرض اليأس، وهو السل. وتوفي ليلة الأحد، لثلاث خلون من ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وخمسمئة (١).
стр. 2803
ومنهم:
٣٥ - محمد بن الحسين الجفني البغدادي
من كرخ بغداد، يعرف بابن الدبّاغ (١٣). رجل يخال به الليل يتضح، ويخاف النهار ألا يفتضح. أشرق ضيا وأشرف على الصباح في بقية حيا. لم تلد مثله بغداد في زمانه بين جانبي شطّها، ولا وفت بشبهه في شرطها. كاد بنار فطنته يتآكل، وبما فطرته مبهم، حتى ماء دجلة أشكل. هذا إلى أدب غضّ المكاسر، بضّ الجثم فيما يتجرد عنه الحاسر. جمع في الصناعتين أسناهما وطلع أسماهما، وأتى بهما ذللا، ونشرهما بعد طول اللطى طللا.
ذكره ابن المستوفي، وقرأ على ابن الشجري، وأقرأ النحو والقرآن. وتوفي سلخ رجب سنة أربع وثمانين وخمسمئة. وأورد له ابن المستوفي قوله: [البسيط]
سقى ديارك غاد ملؤه نعم … كالقرم (١) يسدم (٢) فهو الهادر الواغي (٣)
وليفرع السعد فيه قادر صمد … فلست أقنع من دجن بإفراغ
ما يوم خضل الجناب زجل الرباب (٤)، أدكن الجلباب، مذهّب الإهاب، مرج الحقاب (٥)، أرج النقاب (٦)، يزجّي العاميّ عشار غمامه المثقلة، وتمرّ الظباء جفل أخلاقه المهلّة، وتراعي قروم رعوده المجلجلة. وبقضب منابضة قواضب البوارق المسلّلة. عنبري الأرجاء عبيري
стр. 2804
الأجواء. درر مزنه دارية، وحجا نظره بدريّة. وأنفاس جوده نديّة، ومعشوقة يومه سعدية، وسيوف إيماضه هبرية، وشنوف (١) مزنه تبرية (٢)، ومطوقة اليوم كدريّه، ونفحات نسيمه عبيرية. عارض مغضب على المحل لا يخطر إلا وسيفه مسلول، والسحاب مرشوف الرضاب بمياسم الرياض والعبهر (٣) مشغوف. يرنو الشقيق حدق مراض، وقيان الطير قد اصطفّت على أفنانها، وحبست مثاني عيدانها فسوّف ألحانها. مالك بأداة الطوق. ما أجمل غرامك والشوق! ضعفت فهتفت، وألقت فأشفت. ناحت فأسهرت، وبالهديل لإلفك سحرت ألّحت فأفضحت، ونحت فاسترجت، أصحرت بغرامك فسلمت، وأسمحت بزمامك فما أمّلت. [السريع]
هل لك يا ورقاء يا حمامه … ناصبة بالوجد مستهامه
أن أكون في الحب تلميذك، وأتقلّد بهمّتك، وبعوذك الذي أردت من الوجدان يعيذك، فأبدي كما أبديت، وأنتهي إلى حيث انتهيت. وأمضى في ذاك الصريمة حتى أنسى مسمّها ندماني جذيمة. وأفضّ القيمة من كل لطيمة، بأطيب من لحظات أفضيهن بإسلام المكتوب العالي الفلاني، أدام اللّه سلطانه فإني ما أزال أدافع بلثمه فاه، وشوقي إلى ذلك الجلال وبرحاه، وأسكن به غلواء الزفر واعتلاه. [الطويل]
كتمت الهوى يوم النّوى فترفّعت … به زفزات ما بهنّ جفاء
يكدن يقطّعن الحيازيم كلّما … تمطّت بهنّ الزّفرة الصعداء
وبتّ يوم بهق (٤) الأديم يقق (٥) الضريم، سدر الصريم (٦)، حذر البريم (٧)، يحمد نفس
стр. 2805
المهجور، ويخمد قبس المسجور. قد أرزمت الحرجف (١) مرزمه، وهدمت من السماك لهدمه، وخذمت (٢) من النسر قوادمه، وجذمت (٣) من الأسد معاصمه. وألقمت العواء حجر جليدها، وزبنت (٤) الزباني عن أن تبلغ جيدها، والضريب (٥) شنب (٦) في أفواه الغيران، ووضح في أديم النيران، وعذب على أعنان الرعان (٧)، والدجى لمى في شفاه القيعان، وكحل في أحداق القنان. وقد يدفع الصبر معارف صاحبه، وينير أشآب (٨) الضباب، فودى حضن وأراب، وعمّم بالعبير يلملم، وشعفات (٩) عمائه ويرمرم (١٠). كان مصطليه والوقود يحفّه بحزم في الأطراف شوك العقارب. رددت زمهرير ذلك اليوم بأخفت أنفاسي الصعدا، وأضعف زفراتي البرما، مهيف الأحشاء، وميض الأجواء، أنفاس يومه محرقة، وظلاله مطرقة، يذيب الصيخود (١١) أواره (١٢)، ويمنع الجلمود شراره يحرق الحجر، ويعرق الشجر، ويذهل الحربا عن استجلاء عروس الخربا. ويشتد لي لهبه فنشده عن الضرير جندبه فتستعر أجدال الأجزال عنده نار الحباحب (١٣)، ويتولج العفراء جليس الفقراء