أيّد الله اقتدارها مسدّدة، ولا أشرع سنانا في صدورهم إلا ونصر مورده، ولا حمل سيفا إلى هامهم إلا وتأييده مجرّدة. فما طاش له سهم، ولا ارتعش رمح، ولا فلّ نصل، وفات أعداء العتبة الشريفة، وأعاذ الله بين صريع مقتول وأسير مكبول، وطريد منهزم ومال مقتسم قد أدال الله من طاعنهم، وأمكن من نواصيهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وتأييد من المواقف الشريفة، وهمّة من المجلس الفلاني دام سعد الذي قام مقام الجيش العرمرم، وناب مناب كل حسام ولهذم (١). ففتّ في عضدهم، وقذف الرعب في قلوبهم. ولولا ما منحنا الله به من نصر أمير المؤمنين وآرائه الباقية لكنّا على شفا جرف هار، فالحمد للّه الذي وفّقنا لمرضاته، وهدانا إلى أوضح سبيله، وجعلنا ممّن يعمل بنفله وفرضه، ويرضي خليفته في أرضه.
وقوله:
وبلغني بفضل فلان، أنار الله نجم إقباله، وأسبغ عليه ثوب أفضاله وجعله قبلة للمحامد، وكعبة للصادر والوارد، وأوزعني شكر نعمائه، وألهمني نشر ثنائه، وكفاني في مودته مالا أتوقّع، وحرس لي مهجته بعينه التي لا تهجع. فلم يزدني ذلك زيادة على ما أعتقد فيه.
أدام الله نعمته من سحاجة (٢) الأخلاق، وطهارة الأعراق؛ وإنما كانت تزيد في هذه التفضلات عقيدة في كرمه وجميل مودّته، لو كنت أتوسم فيهما نقيضه. فأما إذا تيقّنت كما هما، فلا. وأما الشكر فإن شكرت فأهل له، وإن أمسكت فمودة بيننا؛ أكرم من أن يحتاج إلى روابط الشكر.
وبعد، فقد رفّت عليّ من شوارد غرره، وفرائد درره عروس غضّة المعاني، عذبة الألفاظ حلوة الدلال، فاترة اللحاظ. قد بلغت النهاية في الإبداع حتى ملكت الأبصار والأسماع. وقد عوّزها فلان بتواضعه؛ ليصرف عنها عين الكمال، ويتكررها في حلل الجمال.
стр. 2802
فأما قوله: [الكامل]
طابت منابته فطاب وداده … وزكا فيالك من أخ لك صالح
يوليك إشفاقا ومحض نصيحة … فاشدد يديك على الشفيق النّاصح
فبيتان قد بلغا النهاية في الجودة من سلاسة اللفظ وسهولة المأخذ وبيان المعنى، وانتظام العروض، والمقابلة الصحيحة والترديد الرشيق، والتمثيل الناصح، وإن كانت لا تخلو مع ما أتيت فيها من إحسان. ولكن على هذين البيتين وقع اختياري.
وبعد فإنه أتى بالواضح معرّفة بالألف واللام في قافية عروض البيت الأول، ثم أتى بها فكرة في قوله: على سهل الطريقة واضح، وكذلك قوله: الصالح، مع قوله: صالح. وهذا جائز، وليس كل جائز بحسن. فليجتنب؛ فإنه يكاد يكون أبطأ، وليس هذا بردّ؛ إنما هو مطالبة بالأحسن وللّه الحمد.
قال ابن المستوفي: وإنما أتيت هذه الرسالة لقلة رسائله وعدمها. وأردت ألا يخلو هذا الكتاب من شيء منها، فأثبتّ بها:
ولست بمعتوب إذا وضح العذر
وأنشدني لنفسه قبل وفاته: [البسيط]
إن الشّباب نذير الموت ثم إذا … جاء المشيب فذاك القبر والكفن
ومرض مرض اليأس، وهو السل. وتوفي ليلة الأحد، لثلاث خلون من ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وخمسمئة (١).
стр. 2803
ومنهم:
٣٥ - محمد بن الحسين الجفني البغدادي
من كرخ بغداد، يعرف بابن الدبّاغ (١٣). رجل يخال به الليل يتضح، ويخاف النهار ألا يفتضح. أشرق ضيا وأشرف على الصباح في بقية حيا. لم تلد مثله بغداد في زمانه بين جانبي شطّها، ولا وفت بشبهه في شرطها. كاد بنار فطنته يتآكل، وبما فطرته مبهم، حتى ماء دجلة أشكل. هذا إلى أدب غضّ المكاسر، بضّ الجثم فيما يتجرد عنه الحاسر. جمع في الصناعتين أسناهما وطلع أسماهما، وأتى بهما ذللا، ونشرهما بعد طول اللطى طللا.
ذكره ابن المستوفي، وقرأ على ابن الشجري، وأقرأ النحو والقرآن. وتوفي سلخ رجب سنة أربع وثمانين وخمسمئة. وأورد له ابن المستوفي قوله: [البسيط]
سقى ديارك غاد ملؤه نعم … كالقرم (١) يسدم (٢) فهو الهادر الواغي (٣)
وليفرع السعد فيه قادر صمد … فلست أقنع من دجن بإفراغ
ما يوم خضل الجناب زجل الرباب (٤)، أدكن الجلباب، مذهّب الإهاب، مرج الحقاب (٥)، أرج النقاب (٦)، يزجّي العاميّ عشار غمامه المثقلة، وتمرّ الظباء جفل أخلاقه المهلّة، وتراعي قروم رعوده المجلجلة. وبقضب منابضة قواضب البوارق المسلّلة. عنبري الأرجاء عبيري
стр. 2804
الأجواء. درر مزنه دارية، وحجا نظره بدريّة. وأنفاس جوده نديّة، ومعشوقة يومه سعدية، وسيوف إيماضه هبرية، وشنوف (١) مزنه تبرية (٢)، ومطوقة اليوم كدريّه، ونفحات نسيمه عبيرية. عارض مغضب على المحل لا يخطر إلا وسيفه مسلول، والسحاب مرشوف الرضاب بمياسم الرياض والعبهر (٣) مشغوف. يرنو الشقيق حدق مراض، وقيان الطير قد اصطفّت على أفنانها، وحبست مثاني عيدانها فسوّف ألحانها. مالك بأداة الطوق. ما أجمل غرامك والشوق! ضعفت فهتفت، وألقت فأشفت. ناحت فأسهرت، وبالهديل لإلفك سحرت ألّحت فأفضحت، ونحت فاسترجت، أصحرت بغرامك فسلمت، وأسمحت بزمامك فما أمّلت. [السريع]
هل لك يا ورقاء يا حمامه … ناصبة بالوجد مستهامه
أن أكون في الحب تلميذك، وأتقلّد بهمّتك، وبعوذك الذي أردت من الوجدان يعيذك، فأبدي كما أبديت، وأنتهي إلى حيث انتهيت. وأمضى في ذاك الصريمة حتى أنسى مسمّها ندماني جذيمة. وأفضّ القيمة من كل لطيمة، بأطيب من لحظات أفضيهن بإسلام المكتوب العالي الفلاني، أدام اللّه سلطانه فإني ما أزال أدافع بلثمه فاه، وشوقي إلى ذلك الجلال وبرحاه، وأسكن به غلواء الزفر واعتلاه. [الطويل]
كتمت الهوى يوم النّوى فترفّعت … به زفزات ما بهنّ جفاء
يكدن يقطّعن الحيازيم كلّما … تمطّت بهنّ الزّفرة الصعداء
وبتّ يوم بهق (٤) الأديم يقق (٥) الضريم، سدر الصريم (٦)، حذر البريم (٧)، يحمد نفس
стр. 2805
المهجور، ويخمد قبس المسجور. قد أرزمت الحرجف (١) مرزمه، وهدمت من السماك لهدمه، وخذمت (٢) من النسر قوادمه، وجذمت (٣) من الأسد معاصمه. وألقمت العواء حجر جليدها، وزبنت (٤) الزباني عن أن تبلغ جيدها، والضريب (٥) شنب (٦) في أفواه الغيران، ووضح في أديم النيران، وعذب على أعنان الرعان (٧)، والدجى لمى في شفاه القيعان، وكحل في أحداق القنان. وقد يدفع الصبر معارف صاحبه، وينير أشآب (٨) الضباب، فودى حضن وأراب، وعمّم بالعبير يلملم، وشعفات (٩) عمائه ويرمرم (١٠). كان مصطليه والوقود يحفّه بحزم في الأطراف شوك العقارب. رددت زمهرير ذلك اليوم بأخفت أنفاسي الصعدا، وأضعف زفراتي البرما، مهيف الأحشاء، وميض الأجواء، أنفاس يومه محرقة، وظلاله مطرقة، يذيب الصيخود (١١) أواره (١٢)، ويمنع الجلمود شراره يحرق الحجر، ويعرق الشجر، ويذهل الحربا عن استجلاء عروس الخربا. ويشتد لي لهبه فنشده عن الضرير جندبه فتستعر أجدال الأجزال عنده نار الحباحب (١٣)، ويتولج العفراء جليس الفقراء
стр. 2806
فيكون لها أسلم صاحب، فترى لغاب الغزالة دابيا، ومحيي اليوم ساحبا يلتهب فضاه، وينش أضاه، وتفوح رياضه، وتلوح حياضه. وقد غار في مكنس، وأخذ من اللهب الظبا والقسور.
ولم لا يطيل الشوق إلى ذلك الكرم الواسع، والجود المتتابع ليلي، وقد أساءت الأيام بتخلفي عن اعتمار ربعة العزيز من قسم السعادة كيلي. فكم ليلة بتّها نجيّ أرق، شكيّ حرق! ولي من الزفير فرق ومن الدمع شرق ومن اللّعج حرق، اطفئ بوهج الأضايع بتوكاف المدامع، وأتبرّم بالزهر الطوالع، والسهب النواصع، وأتمنى جفاهن وهن دراري دوافع، مسلّيات شوافع كأنمار بطن ناركان شروري (١) وأحضان متالع. وأقول والكمال وازع والجلد نازع: متى ينبعث ثقال الليل الكسير الطالع؟ متى يطير غرابه الواقع؟ متى يهتدي نجمه الحيران؟ متى يوسن طرفه اليقظان؟ متى يفتر غباشه الغيران؟ متى يميل النجم إلى غربه؟ متى يفل شنب ذؤاله مسنون غربه؟ متى يتوشّى أدهمه بالبلق؟ متى يغشى معلمه بالفلق؟ متى ينحر غسقه بالشفق؟ متى يسخر نسقه بالنفق؟ متى أرى زنجيّه قد أبق (٢)؟ متى يركب طبقا عن طبق؟ متى يكرع خطّاره في ذات الآصاد (٣) من الصباح؟ متى يقطع أعوجيه مرر الشياح؟ هل جار الفسق فيرشد؟ هل طل الفلق فينشد؟ ثم إلى أن أصبح يقظا جسرا من مماصعة (٤) الزفرات، ويصبو طليحا من مكافحة الحشرات وإلى الله أرغب في فك الأسير، وجبر الكسير، وتسهيل العسير في تقريب المسير إلى ذلك الجلال الأثير والمجد الخطير. فربّ عان في زيّ طليق، وربّنا بالإجابة جدير المثال العالي قد كان كنزه الاستلام والقبيل، وليس إلى نفع علّة الشوق إلا برشفة سبيل والإنعام العميم، والطول الجسيم مرجوّ في أن يشفع بمكتوب ثان أتخذه عوذة من ريب الزمان، كالسبع المثان. ولم أغلب في حساب الحول لأني كتبت ذلك المكتوب الأول في العام الماضي صبيحة ليلة النصف من شعبان والله سبحانه
стр. 2807
يقول: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ (¬١﴾. وأنا هاجرت بخدمتي في العام الأول وأتممت هجرتي، وكان مبداها صبيحة نصف شعبان. وعلى ذلك أجري الحساب على ممرّ الأحقاب. وكذا هذه الخدمة شرعت في سطرها صبيحة نصف شعبان من عامنا هذا، بعد أن ختمت عليها ختمات، أشفعهن بصالح الدعوات لمولانا أعزّ الله إبصاره وأعلى اقتداره.
كان مسلم بن قتيبة في مصاف الترك. فسأل عن محمد بن واسع، فقيل إنه في ناحية من الجيش متوكئا على سيّة قوسه، يشير بإصبعه إلى السماء. فقال: واللّه لتلك الإصبع الفاردة أحبّ إلي من عشرة آلاف ذراع، وأنا من متجندة الخدمة العالية في ليلي وإعلاني وإسراري، أرغب إلى الله سبحانه بالأدعية الصالحة لبهي دولته وسابغ نعمته إلى مضانّ الإجابة مشفوعة بصدق الإنابة. تقبّلها الله برحمته، والرأي أعلى. قال ابن المستوفي: ونقلت من خط ابن الجيمي، من شعر الجفني: [الطويل]
لهجت بليلى حبّها وودادها … وأكرم بها في قربها وبعادها
يلذّ لعيني لادّكار وصالها … وأيامنا بالجزع طول سهادها
وأخشى وعيد الطيف إن زار قائلا … أعيناك تلتذّان طيب رقادها
فدع ذا وعدّ القول في ذكر ماجد … تسنّم في العلياء أسمى نجادها
حلفت بها كالخال في جنة العلا … تباري لدى أطوادها ووهادها
رحلن نواء كالهضاب توامكا (٢) … تناضل في غيطانها وصمادها (٣)
فلم يزل الإيغال يعرق (٤) لحمها … ويجفن من نون الذؤوب وصادها
إلى أن بدت مثل الأهلّة شفّها … نحول المحول في سنين جمادها
стр. 2808
عليها الملبّون الطلاح (١) يهزّهم … إلى ركنها والخيف خوف معادها
يمينا لإبراهيم أكرم ماجد … نخته المهارى أو شجا في اعتمادها
يرود النفوس في رياضه كماله … وأخلاقه الحسنى كريم مرادها
طويل رداء الفضل والعلم والنّهى … حميد قصير الرأي مولى سدادها
تمنّته عيني أن تراه وإنّه … أعزّ وأوفى عندها من سوادها
ومنهم:
٣٦ - أبو حفص الضرير (١٣)
عمر بن أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن مهران النحوي. رجل على ضرر عينيه وإظلام الأمور عليه مبصر بالتجارب، مدّرع لبسة المحارب. هذا على حبسة لسانه، وعدم امتداد أرسانه؛ إلا أنه كان سيفا لا يثلم، وسيلا لا يظلم. يحطّ من شاهق، ويردّ كلّ زاهق. ولم يزل به الجدّ حتى تجاوز الحدّ. وجاوز المدّ. وصارت آراؤه هدى وأنواؤه جدا وآلاؤه لا يكذب من قال لي إنها أكثر عددا. وأغزر من البحر مددا. قال ابن المستوفي: تخرّج على أبي الحرم، وبرع في علم النحو، وتصدّى بعد وفاته للقراءة عليه. له ذكاء وعنده فكرة حسنة. يقال:
إنه حفظ في ليلة واحدة ثلاثمئة بيت.
قال: وقيل: إن من الذي حفظه قول أمية بن أبي عائذ الهذلي (٢): [المتقارب]
ألا يالقوم لطيف الخيال … أرّق من نازح ذي دلال
стр. 2809
وقدم إربل وأراد مناظرة ابن الأرملة فلم يجبه إلى ذلك؛ خوفا منه. وكانت في لسانه حبسة عظيمة، وعنده ثقل في كلامه لا يكاد يبين. وأنشد له شعرا، منه قوله: [مجزوء الكامل]
يا أيّها الدّهر الّذي … قد لجّ في بغضي وفركي
اغمد حسامك إننّي … مولى عماد الدّين زنكي
قوله: [الطويل]
إلام أقاسي لاعج الشّوق والحزنا … ويضني هواكم والجفا جسدي المضنى
أأحبابنا إن حلتم عن عهودنا … فإنا على تلك المواثيق ما حلنا
رعى اللّه أياما تقضّت بقربكم … فما كان أحلاها لديّ وما أهنا (١)
أحنّ إليها بالاصائل والضّحى … وما ينفع الصبّ الكئيب إذا جنّا
إذا لم يكن لي عندكم مثلما لكم … بقلبي فلا أجدى الحنين ولا أغنى
فقد كان يغشى النّوم عيني بقربكم … فمذ غبتم ما صافح النوم لي جفنا
وأحسنت ظنّي فيكم لا عدمتكم … فما بالكم أخلفتم ذلك الظنّا
فما كان أغناكم سوانا فإنّنا … على كلّ حال لم نجد عنكم مغنى
تشاغلتم عنّا بصحبة غيرنا … وأظهرتم الهجران ما هكذا كنّا
وهذا البيت تضمين، سئل أن يضمّنه فقال هذه الأبيات، وضمّنه فيها. مات في حدود الستمائة (٢).
стр. 2810
ومنهم:
٣٧ - ابن الأرملة (١٣)
وهو أبو الثناء محمود بن الحسن بن علي بن الحسن كمال الدين الضرير العراقي. مبدي سلوك، ومهدي سلوك. لم يزل بفرائده العز منمّق تاج ومفتّق رتاج، ومولي جميل، ومولى جليل. ولسان قويم وإحسان دهر. ويوم جلّ به قدر بلده، وفخر، وبذل منه ما ذخر. تضافرت طلابه بأقصى المطالب، وأطيب المطارب. ولولاه لما بلغوا المناصب. ولنفضوا منها أيديهم نفض المناكب، ولأظلم في عيونهم سنا الكواكب. ولم تقل العلياء لأحد منهم أيها الراكب. وبقي إلى أن أذنه أجله بانصرامه، وهبت العواصف لإطفاء ضرامه. فقرّب مداه، وقرّت عيون عداه.
قال ابن المستوفي: أخذ النحو عن أبي المنقّى الموصلي. وابن الدهان البغدادي. انتقل إلى إربل، وكان صدر الجامع بها يقرئ القرآن والنحو. قال: وكان فيما نقل إليّ عنه كثير العصبية على الطالبيين، شديد العصبية للأمويين. وكان يسلك في أشعاره الوحشي المتكلف، والنأي المتعسّف ومن أجوده قوله كالمجير لقول ابن المهدي وهي عليه، وقد سئل ذلك: [الكامل]
ما إن عصيتك والغواة تمدّني … أسبابها إلا بنيّة راجع
والذي قاله:
[و] مسيّر فعل المورّى أمره … متمسك أخذ النبيّ الشّارع
قسما بمجدك إنني لك طائع … ولأنت تعلم ما تحنّ أضالعي
قسما بتربة يوسف ما الغدر من … شيمي ولا شرع العقوق شرائعي
يا أيها الملك الذي ملك الورى … أين الفرار من القضاء الواقع
قال: وتوفي في سادس عشر ربيع الآخر سنة ست وستمئة.
стр. 2811
ومنهم:
٣٨ - أبو الحرم (١٣)
مكي بن ريّان بن شيبة بن صالح الماكسيني صائن الدين. لسان من ألسنة العرب، وإنسان لا يقاومه نبع ولا غرب. لا يكون البدر التمام إلا نحوه (١)، ولا يسلك الصباح المعرب إلا نحوه (٢). انتفع به الخلق، وارتقع به من كلام العرب الخرق. وكان في بلده يستسقى صيّبه (٣) ويستدنى أدبه. ولم يكن من أنباتها الطلبة، ورؤسائها أهل المرتبة إلا من ينظر حيث السهى، وترى أنه إذا بدا بالأخذ عنه انتهى.
قال ابن المستوفي: هو شيخنا جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب. واحد القصر وفريد الدهر، المجمع على دينه وعقله، والمتفّق على علمه وفضله.
ولد بماكسين من ولاية سنجار، ونزل الموصل بعد أن رحل في طلب العلم إلى بغداد، ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث. وكان واسع الرواية، شائع الدراية.
أخبرني لما رحلت إليه الرحلة الثانية بالموصل سنة سبع وثمانين وخمسمئة أنه ورد إربل، وأقام بمسجد قريب من باب القلعة الغربي بعد أن أضرّ وكان سبب عماه جدريا لحقه، وهو ابن ثمان أو تسع سنين. وكان يقول: أعرف من الألوان الأحمر. وكان على غاية الذكاء والفطنة. فكنت أقرأ عليه كتاب المجمل، لأبي الحسين أحمد بن فارس معارضا بأصل، وهي من كتابة في وسطه. فلمّا انتهت بي القراءة إلى أول تلك الورقة، قال لي: هذه الورقة بغير خطّ الأصل؛ فتأنّ في القراءة ليصلحها المعارض (٤) لك. وأحكم القراءات كلّها، الأصول
стр. 2812
منها والشواذ. وكان يقرأ عليه القرآن في كل يوم تلقينا وتحريرا جماعة تزيد على الخمسين، ونصّب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز، وجميع ضروب الأدب. فكان لا يتفرّغ إلا للصلاة المكتوبة أو لما لا بدّ منه. ويخرج عليه جماعة من أصحابه شهّروابه سوى من تردّد إليه، فلم يظفر بمطلبه.
أخذ النحو عن أبي البركات الأنباري، وأبي محمد ابن الدهّان، واتصل أبو الحرم بالملك الظاهر غازي، وأقام بحلب مدّة، وهمت عليه سحب إكرامه واتصلت به ضروب إنعامه.
وكان حيث خرج من الموصل لم يمكّنه سلطانها من السفر، حتى ضمن على نفسه بالعود إليها، وكفله أبو السعادات ابن الجزري. وكان قد جعل سبب سفره زيارة بيت المقدس، فأقام بحلب. فلمّا بلغ تأخره صاحب الموصل، قال: ما يضرّ الموصل ألا يكون فيها أبو الحرم، فأحسن المحدّث له الاعتذار عنه، ثم وصل إلى الموصل عائدا من حلب في رمضان سنة ثلاث وستمئة، وأقام بها مريضا مدّة يسيرة، ثم توفي بها ليلة السبت سادس شوال منها، وخلّف ولدا صغيرا.
قال أبو المعالي ظافر بن الوهاب الموصلي: كان ﵀ ربّما فرض في بعض الأوقات الأبيات من الشعر. ولم يكن شعره على قدر فضله؛ إذ هو فلك النكت والعيون، وأنا أورد من مختاره وجيّده، فمن ذلك قوله: [الوافر]
سئمت من الحياة فلم أردها … تسالمني وتشجيني بريقي
عدوّي لا يقصّر في أذاتي … وتفعل مثل ذلك في صديقي
وقد أضحت لي الحدباء دارا … وأهل مودتي بلوى العقيق
قال: ومن جيّد قوله: [الطويل]
على الباب عبد يسأل الإذن طالبا … به أدب لا أنّ نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخل … عليك وإلا فهو كالشرّ يذهب
وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعرّي، ويطرب إذا قرئ عليه شعره للجامع بينهما من
стр. 2813
العمى والأدب، فسلك مسلكه في أبيات تائيته، أولها: [البسيط]
هات الحديث عن الخابور لا هيتا (١) … ولا المحلّين بغداد وتكريتا
قومي وأين كقومي في الورى بشر … يأتون في كل حال شئت ما شيتا
ومنها:
فيا أخلاي هنّيتم به قطنا … وأنت أيضا بذاك السكن هنيّتا
إن فاتني فيكم عيش ألذّ به … فإنّ شوقي إليكم قطّ ما فيتا
ويا منبّئي الأنباء عن بلدي … إن كنت حيّيتهم عني تحيّيتا
هناهم بي في الآفاق طيب بنا … يفوّق العرف عرف المسك مفتوتا
وقائل قال تسلاه فقلت له … حبّ المواطن فرض كان موقوتا
وذكر بعد ذلك أسماء مواضع من بلد ماكسين ينفر عنها الطبع، ويمجها لغلظها السمع.
وقال يخاطب البرق المومض من نواحيها، ويأمره سقيا أماكن عدّدها فيها:
واذكر مغاني من أرض الحصين ومن … تحناس والمنحنى إن كنت أنسيتا
وغير ناس إذا لم تنس جلدتها … العليا وأوسعها هاميك نبيّتا
وأختهن عرايانا (٢) ومجد لها … ودامسا وصحاريها الأماريتا (٣)
فإن فعلت وإلا كنت معتمرا … أتى المقام ولم يأت المواقيتا
هم المعاشر لا مجد كمجدهم … وأبعد الناس ما بين الورى صيتا
والقوم في الأمن أملاك مسالمة … وفي الهياج يخالون العفاريتا
وفي الرّحال إذا صاحبتهم خدموا … وفي المجالس توقيرا وتثبيتا
ويتلوه منها ما أغمض معناه وأبعد مغزاه قوله:
стр. 2814
لم يمس قوت امرئ من غيرهم نشبا … إلا وأمسى لهم إعطاؤه قوتا
وطالما قلت والأشواق تلعب بي … إليهم ويريني الناس مسبوتا
لو أنهم وصلوا حبلي بحبلهم … جعلته من جميع الناس مبتوتا
قال ابن المستوفي: كتب إليّ أبو الحرم ﵀ بخط أبي الحسن علي بن أبي بكر الصفّار يتنجّز فيه إعادة كتاب الهمز، وهو قصائد مهموزة بخط أبي منصور ابن الجواليقي، قرأتها عليه واستعرتها منه ونسختها. ولم يقع له بقية بعدها على يديه، فتأخّر ردّها، أو خشي فراق فلان، بلّغه الله أنفس الأعمار وأبلغ الأمد، وقربه من أبعد الأماني بعد بعد المدد، وأنجز أمل غايته وغاية أمله، وجمل غاية أمله بفسحة أجله؛ حتى يحوز من المراتب أسناها وتقتني من المعاني والمعالي منتهاها. ويشعره أن الحاجة داعية في هذا الوقت إلى كتاب الهمز، وقد تكررت كتبي في هذا المعنى، وما عرّفني سبب تعويقه وفي ذلك أقول:
[الطويل]
متى أنا راء نسخة الهمز في يدي … وقلبي خلاء من مساورة الهمز
فإن يد الإنسان أهون عارضا … من القلب يرمي بالوساوس والوخز
أفي خيمكم أني أعرّض للأذى … وأنتم أولو الإحسان في اليأس والمزّ (١)
وقد كنت أرضى دفعكم عن حقيقتي … إذا ما سواكم رام منّي ما يجزي
لك اللّه لا تذعر خليلا بشيء … ولا تجزه إلاّ جزاه الذي يجزي
فإن لم تعجّل لي جواب رسالتي … شكوت إلى كافي الكفاة أبي العزّ
أبو العزّ، هو المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب. وكنيته اسمه، إلا أنّ بعض الناس كان يسميه المظفر. وتوفي له ابن كان سمّاه محمدا، فكتب إليه أبو عبد الله البحراني كتابا يعزيه. أوّله: [الكامل]
لا زالت الأيّام واهية القوى … تشكو مضاجعها جفاء العوّد
وتبدّلت أيامهنّ لياليا … إذ كان فيها مثل يوم محمّد
стр. 2815
فكتب إليه ﵀: [الطويل]
محمّد إن غال الحمام محمدا … فأنت لنا أخ وخلّ وناصح
فليت الليالي جدن منك بنظرة … تعادي ولو أن الحمام يراوح
ومما رواه أبو الحرم عن علي بن موسى الرضا: ثلاثة موكل بها ثلاثة تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعاداة القوام لأهل المعرفة.
ومنهم:
٣٩ - أبو عبد للّه الحلي النحوي
وهو محمد بن أبي الفوارس بن أبي الهوا عفيف الدين المؤدب. ذو نظر أحسن مارمق، وأحسب إذ رتق. فكفى العظائم، وكيّف العزائم؛ خلا أنّه لم يخل من مبغض، ولم يجل عليه غير وجه حاسد برأسه مبغض، فلم يقدر له على اهتضام، ولم يقدّر له غير إجلال وإعظام؛ إلا أنه نغّص عليه ونقص، وإن لم يصل النقص إليه على عادة الدهر في الكبر على الأفاضل، ورجوع ذنب السهم على المناضل. وكان لا يزال منكّدا، ولا يبرح حاله بعضه لبعض مؤكّدا فلم تسق له زرع ولم يزل من دهر على جزع؛ حتى أرته المنية مؤدّه، وحنت إليها مورده. قال ابن المستوفي: قرأ شيئا من النحو على أبي البقاء، ثم قرأ على أبي الحرم مكي وانتقل إلى إربل، وأقام بها مدّة معلّما، ثم ترك التعليم واتصل بخدمة بعض الأمراء، فنقل عنه أشياء قبيحة توهن العرض فعاد إلى الموصل سنة ثمان وستمئة. ووصفه بأنه متشيع لا يعمل تآليفه. قال: وكتب إليّ صدر كتاب ولم يصل إليّ. وكان ذلك أول ما بدا عليه القول بالتشيع: [الرّجز]
يا غارسا غصن الحيا … ة بجود راحته التقيّه
ومعوّدا كسب الثنا … ء بحسن أخلاق زكيّه
قد صرت مأكولا لأبنا … ء الجهالة والدنيّه
فانهض إليّ حمية … فالحرّ تنهضه الحميّه
стр. 2816
ومما ذكره من نثر قوله:
إن تأخّرت كتبي، أدام الله أيام مولاي، وجعلها موشحة بالخلود منسمة بالإقبال والسعود ما لاحت ذكاء (١)، وطلعت الجوزاء بمحمد وآله، فنشر نبأي وإخلاص دعائي يشفع إليه، ويوصلني إلى ما أعوّل عليه من جميل صفحه، وحسن تجاوزه. وكيف لا أرجو ذلك، وقد حيي غصن حياتي بحيا (٢) جوده، وترعرع في ظل سعوده، فأطال الله بقاه، وصل أو قطع، وأهان أو أكرم.
وقوله نظما ونثرا: [الكامل]
يا غارسا بيدي أكفّ ظالما … أترى به العافون وهو عميم
حاشا لمجدك أن أضام وأنت لي … عضد وجاهي بالظلال وشيم
أو تستطيع يد الحوادث بسطة … فيما يضعضعني وأنت سليم
حاش لله أن يعبث بي الزمان، وتهضمني العدوان، وأنا وسيم خدمته وغزير نعمته، لا سيّما وقد اعيرت اليّ حلقة عبيد، ألفيته مختارا لذلك، رغبة في معاليه، معترفا بأنعمه وأياديه، وقد صدر إليه تصور عبده من يد خصمه، مع تقدّم علمه بعناية فلان في إصلاح حاله وإعشاب أمحاله.
قال ابن المستوفي: وما أعلم الأبيات الميمية له أم لا، والظاهر أنّها له.
стр. 2817
ومنهم:
٤٠ - أبو المبارك ابن أبي طالب
المبارك بن الأزهر سعيد، الملقّب الوجيه المعروف بابن الدهّان (١٣) النحوي الضرير الواسطي. استفسر الفضائل فأصبحت، واستنفر الفواضل (١) فأصحّت. ودعا العربية فأطاعت، ودعا إلى الفنون الأدبية فبذلت ما استطاعت. وبرع في النحو فقوّم صعدته، وقدّم للنجار (٢) عدّته. وكان على خفاء منهاجيه وانطفاء سراجيه ذا بصيرة بالحقائق منوّرة، وللدقائق مصوّرة. ينظر فطنته حوافيها، ولا يجد فطرته الخوافيها. فلبّسه الفضل حليته، ورأسه في حلبته، وكان مرج البحرين دون قلتيه، وسرهج النيرين عوض مقلتيه. ولد ببلده ونشأ به وحفظ القرآن هناك، وقرأ القرآن. واشتغل بالعلم، وسمع بها من أبي السوادي الشاعر. ثم قدم بغداد واستوطنها. وكان يسكن بالظاهرية وجالس أبا محمد ابن الخشاب.
وصحب أبا البركات ابن الأنباري، وجلّ ما أخذ عنه.
وسمع الحديث من أبي زرعة المقدسي. وتفقّه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط الواقف أنه لا يفوّض إلا إلى الشافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاّه. وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات ابن زيد التكريتي. [الطويل]
ومن مبلغ عني الوجيه رسالة … وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تذهّبت للنّعمان بعد ابن حنبل … وذلك لمّا أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعيّ تديّنا … ولكنّما تهوي الذي منه حاصل
وعمّا قليل أنت لا شكّ صائر … إلى مالك فانظر لما أنا قائل
стр. 2818
كانت ولادته سنة اثنتين وثلاثين وخمسمئة بواسط، وتوفي ليلة الأحد، السادس والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمئة ببغداد ودفن من الغد بالوردية.
ومنهم:
٤١ - زيد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي (١٣)
أبو اليمن تاج الدين البغدادي المؤلف والمنشأ، الدمشقي الدار والوفاة، المقرئ والنحوي الأديب. وهو الذي تضرب به النحاة المثل، وتضرب عنه الملل. بلغ شأو القدما، وزاد عليهم زيادة الألف والنون في بعض الأسما. أجمل بذكره المشاهير، فانسلخ أبو الأسود من جلدته، ويئس الكسائي من حدته، وفرّ الفرّاء، وعرف أن سبب موت سيبويه ممّا ضرب زيدا عمرا.
وعذر جمر نفطويه إذا أصبح وهو جامد، والمازني إذا لم يذكروا وقبله زيد وعمرو وبكر وخالد. أعملت الركائب إليه السير، وعرف الخير منه، فسميّ زيد الخير. تقدّم في الدولة الناصرية الصلاحية من أولها، وأثرى من تموّلها، وكان له من بني أيوب ما زاد في زهوه وأكرم به لذلك ونحوه. وكان عليه طريقنا في رواية أكثر كتب الأدب وتلقيها ممن كتب.
وهي على جلالته وعلمه الذي يسم منكره بجهالته ما خلا من غمز غامز، وذكر نقص، وما هو عايز؛ إلا أنه تلي شيطان ساء قرينا، وقال ولم يرقب دينا.
قال ابن خلكان: كان أوحد عصره في فنون الآداب، وعلوّ السماع، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. أخذ عن الشريف الشجري وابن الخشّاب، وأبي منصور الجواليقي، وصحب عزّ الدين فرّخشاه (١) بن شاهنشاه ابن أيّوب، وهو أبن أخي الملك صلاح الدين.
стр. 2819
واختصّ به وسافر معه إلى مصر واقتنى من كتب خزانتها كل نفيس.
قال ابن الجيمي: كنت بالقاهرة، فكتب إليّ الشيخ أبو اليمن من دمشق أبياتا: [الخفيف]
أيها الصّاحب المحافظ قد حمّ … لتنا من وفاء عهدك دينا
نحن بالشام رهن شوق إليكم … هل لديكم بمصر شوق إلينا
قد عجزنا عن أن ترونا لديكم … وعجزتم عن أن نراكم لدينا
حفظ اللّه عهد من حفظ العه … د أوفى به كما قد وفينا
قال: فكتبت إليه من أبيات: [الخفيف]
أيّها السّاكنون بالشّام من كن … دة إنّا بعهدكم ما وفينا
لو قضينا حقّ المودّة كنّا … بحبّنا بعد بعدكم قد قضينا
وكتب إليه ابن الدهان الفرضي: [البسيط]
يا زيد زادك ربّي من مواهبه … نعمى يقصّر عن إدراكها الأمل
لا غيّر اللّه حالا قد حباك بها … ما دام بين النّحاة الحال والبدل
النّحو أنت أحقّ العالمين به … أليس باسمك فيه تضرب المثل
ومن شعر الكندي وقد طعن في السنّ: [الطويل]
أرى المرء يهوى أن تطول حياته … وفي طولها إرهان ذلّ وإرهاق
تمنّيت في عصر الشّبيبة أنّني … أعمّر والأعمار لا شكّ أرزاق
فلمّا أتاني ما تمنّيت ساءني … من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
يخيّل لي فكري إذا كنت جالسا … ركوعي على الأعناق والسّير إعناق (١)
ويذكرني منه النسيم وروضة … حفائر يعلوها من الترب أطباق
وها أنا في إحدى وتسعين حجّة … لها فيّ إرعاد مخوف وإبراق
يقولون ترياق لمثلك نافع … وما لي إلا رحمة اللّه ترياق (٢)
стр. 2820
وقوله: [الطويل]
عليك حقوق للمعالي وأنعم … وأنت بها إن لم يحدّث بها رهن
حملت يدا من جود أفضل ذي يد … هي المنّ لا يغتال رونقها المنّ
تو خّاك عزّ الدّين بالفضل باديا … وحازك من وسميّ (١) نائله مزن
فريضا إذا شتم الرواة فريضة … تمنت له لو أنّها للورى أذن
إذا شامت الهيجاء سيف انتقامه … فليس له إلا رقاب العدا جفن
عنت لك سادات الشجاعة والنّدى … ومن ذا الّذي يرنو إليك ولا يعنو
وقوله: [البسيط]
لولا ثقالة طبع فيّ أعرفها … وحدي وإن أغفلتها خبرة الناس
لزرت لا أجعل الأعياب محمدة … ولا أزال طفيليّا بإيناسي
لكن علمت نداي أنه خلق … وماله غير ترك النّاس من آسي
واعذر فشعري كطبعي لست أنكره … النّفس نفسي والأنفاس أنفاسي
وله: [الطويل]
فرخشاه عزّ الدين مكتفل العلا … وباعث روح الجود والجود دارج
لئن حالت الأقدار دون ازدياره … وسدّت بأعذار إليه المباهج
فمن ذكره عندي خيال مسامر … ومن شوقه بين الجوانح لا عج
وكم عاشق يدنو المزار وقلبه … يكابد أثقال النّوى ويعالج
وقوله: [مخلع البسيط]
ربّ مليح الدلال غرّ (٢) … داني الهوى صدره سليم
يسلبني عن ضنا فؤادي … وهو بأسبابه عليم
стр. 2821
رغبت عنه إلى وداد … على زوال الرّضا يقيم
محتضر بالوفاء باق … يرنم (١) رضوا ولا يريم (٢)
من ماجد الجود أريحيّ … نصاب آبائه كريم
معشره في الوغى أسود … وفي صميم العلا قروم
وفي الهدى والنّدى ملاذ … فهم نجوم وهم غيوم
وله: [البسيط]
بدا النّوى لكؤوس الوصل خادجة … ما راق إلا وللتفريق ترنيق (٣)
يا من تكدّر صفو العيش بعدهم … اليوم أيقنت أنّ الوصل راووق (٤)
أستودع اللّه ربعا دون ساكنه … لواحد العيش تغريب وتشريق
ولا سقى واصبا أصغو لزخرفه … فإنه غمر الأحباب فاروق
وله: [الطويل]
بملكك فخر الدين رثّت ممالك … تقضّت بأطراف الرماح العدا عنها
نهاها عن الرّشد المخالف حقبة … فكنت له بالسّيف عن غيّه أنهى
بك اليمن الكبرى تضاعف يمنها … فما يبلغ الوصل المحيط لها فيها
يمينا لقد حازت بمجدك سؤددا … على المدن أضعاف الذي حزته منها
وله: [الطويل]
ذريني وخلقي ما أهمّ فإنني … رأيت الذي اقنو الذي أنا أبدل (٥)
عجبت لمن ينتابه الموت غيلة … تروح به أو تغتدي كيف ينحل
стр. 2822
وهب أنه ممن محا الموت آمن … مسرّته بالعيش لا تتبدل
أليس ترى أنّ الذي خلق الورى … بأرزاقهم ما عمّروا يتكفّل
وله: [الخفيف]
أرعينا بكت بدمع فعيني … عوض الدّمع قد بكت بالسّواد
أعوزتني الدّواة عند كتابي … فأقامته لي مقام المداد
وله: [الخفيف]
لا مني في اختصار كتبي حبيب … فرّقت بينه الليالي وبيني
كيف لي قد أطلت لكنّ عذري … فيه أنّ المداد إنسان عيني (١)
وله: [الخفيف]
أيها الغمّ هل بذا القلب فرحه … من غضوب ما زلت أطلب صلحه
يتجنّى ظلما ويمزح بالهج … ر ومن ذا يطيق بالهجر مزحه
كلّ يوم يجني ذنوبا وعذري … واقفا يرتجي رضاه وصفحه
طال ليلي مذ غبت عنه فما (م) … أبصر إلاّ يوم التواصل صبحه
لا مني فيه ناصح غير أنّي … لست ذا سلوة فأقبل نصحه
ما ألذّ القبول لو نفحتني … بالهنا من علا فرّخشاه نفحه
منحتني خدمة علياه فكا … نت لديّ أشرف منحه
أخرستني عن مدحه بلساني … ثم أملت من حسن حالي مدحه
لم تر النّفس فرجة من سرور … في بعادي ولا رأى الجسم صحّه
بك أبصرت حسن وجه زماني … حين غيري رأى بغيرك قبحه
وله: [الطويل]
стр. 2823
أيا مالكي رقّي وليس بفرصة … لنفسي إني بعد ملكي أعتق
لقد غشيتني حيرة في فراقكم … تكاد لها نفس التحمّل تزهق
فواللّه ما أدري إذا ما ذكرتكم … وقد حال بعد بيننا وتفرّق
أأعلن بالشكوى إليكم من النّوى … وما فعلت إني إذن متملّق
أأسكت أي أنّي جليد وصابر … على فقدكم إني إذن متخلّق
سلام عليكم من مشوق لسانه … بغير حديث عنكم ليس ينطق
وله: [الطويل]
أيا مالكا يقري صوارم عزمه … إذا حلّ خطب بالكرامة نازل
أينكر إن ماجت بلادك مرّة … بزلزلة ترتجّ منها المنازل
وأنت الذي هدّ الطّغاة ببأسه … ففي كلّ قلب من سطاه زلازل
سرت رعدة الأجسام فيما اعترتهم … إلى الدّار منهم فاعترتها الأكافل (١)
وله: [الطويل]
على جوجر (٢) من شاطئ النيل منزل .............
به ملك تزهى الصوارم والقنا … به والوغى تزهى به والكتائب
عظيم فلا ترجى الطوائل عنده … ولكنّه ترجى لديه الرّغائب
جواد بكى والبحر ينضب خجلة … به وتحرّى أن تصوب السّحائب
ومن عبر أنّ الأحبّة أهله … وإنيّ عنه بالعوائق غائب
فداؤك عزّ الدين كلّ مؤمّل … لفضل وعنه من جنابك جادب
وهنّئت بالنّجل السّعيد الذي له … تزقّ من اليوم العلا والمراتب
يلوح من المهد المجلّل ذكره … كما لاح نجم في الدجنّة ثاقب
فلازلت للأحرار مولى وموئلا … تحاذر إلا في ذراك العواقب
стр. 2824
وله: [البسيط]
قدّست من مرتد بالملك مؤتزر … بالكبرياء ولكن بالورى رؤف
يشكو مطال اللّيالي كلّما وعدت … بأن تزيل وصالا من نوى قذف
بالله أحلف أيمانا مغلّظة … واللّه يعلم حسن الصّدق في حلفي
لو نلت في بعدك الدنيا بأجمعها … ما كان في حرزها بالبعد عنك يفي
وله: [الطويل]
علقت بتسحار اللّواحظ فاتن … كأنّ بعينيه بقايا خماره
يكسّر إعراضي بتكسير طرفه … إذا ظلّ طرفي حائرا في احوراره
وله: [البسيط]
لم يسأل اللّه من جلّى مواهبه … إلا وكنت له في السؤل أوّله
ولم يزر بابك الأعلى ليخدمه … إلاّ وقد رفض الأدمى وأهمله
وله: [البسيط]
بالله أحلف أيمانا مغلّظة … وبالكتاب الذي يتلى ويعتقد
لو أن ألف لسان لي أبثّ بها … شوقي إليك لما استوعبت ما أجد
وإن يكن ابطأت يوما مكاتبتي … فما على مثل ودّي ذاك ينتقد
أنا الذي ليس يحصى ما أكابده … من الصّبابة لا وصف ولا عدد
الصّحف لا تسع الشّكوى فاذكرها … ولا المطايا بأعباء الهوى تجد
لم يخل ربعك من رسلي ومن كتبي … إلا وذكرك مملوء به الخلد
ولست أنكر تقصيري على شغفي … لكن على حسن ظنّي، فيك أعتمد
وله: [الطويل]
بنفسي من أعلقت ظنّي بحبله … فأصبح لي من ذروة المجد غارب
تعمّد إيناسي إلى أن ألفته … كأني له من ضجعة المجد صاحب
стр. 2825
وأدنى سراري من سرائر قلبه … فلم يبق من دون الضّميرين حاجب
وكان عصا موسى لديّ وداده … أصلّي ولي ما عشت فيه مآرب
ولا عجب أن غيّر الدّهر صاحبا … وكل تصاريف الزّمان عجائب
وما كان ذنبي غير أني ذخرته … لدهري إلا أنّي للدهر تائب
ولست على هجرانه الدّهر ناكبا … على الودّ لكني على الوصل ناكب (١)
سأمنحه هجرا كما هو مشته … فإنّي فيما يشتهيه لراغب
وإن هو بعدي جرّب النّاس كلّهم … ليحظى بمثلي قد رمته التّجارب
وله أيضا: [الطويل]
قدمت فلم أترك لذي قدم حكما … كذلك عادى في العدا والنّدى قدما
إذا وطئ الضّرغام أرضا تطانفت … خطا وحشها عنه فوسّعها هزما (٢)
كما مرّ باز بالفضاء محلّق … رأته بغاث الطّير حتفا لها حمّا
وإن أك في صدر من العمر شاردا … فكم نفر عن همّتي لقن الهمّا
سبقت إلى غايات كلّ فضيلة … تعزّ على طلاّبها العرب والعجما
وملّكني رقّ المناقب أنّني … أحطت بآداب الورى كلّها علما
فما منصب ممن ترقّت به العلا … ترى فرقه من أخمصي فوقه وصما
أبى لي مجدي أن يراني شاعرا … يريه منانا أخذ جائزة غنما
ولكنّني أهدي الثّناء لأهله … وأكبره عن أن أملّكه قدما
فآونة نثرا يحلّ [به] الحيا … وآونة تنشا العقول بها نظما
قريضا هو السّحر الحلال بيانه … تروق معانيه ولو ضمن الشّتما
تعظّم إلا عن عظيم محلّه … يعظّم ما فيه من الحكمة العظمى
هو الفضل في الإنسان أمّا أعزّه … فنقص إذا ما سامه الذلّ والهضما
ولولا على الملك الّذي عزّ مثله … على الدهر فرّخشاه ذي الشرف الأسمى
стр. 2826
لأظمأني ثغر المراد ولم أرد … به موردا عذبا ولا مشربا جمّا
وجدت به من كنت لولا لقاؤه … يئست لعيني أن ترى مثله قرما
مليكا رأيت المجد والفهم عنده … ولم أر خلقا جمّع المجد والفهما
متى عزّ أفراد المعالي فإنهّ … لأوّل من يسمى وآخر من يسمى
إذا قوله والفعل في ملّة جرى … يبدّيه في الآراء مقتضبا حكما
رأيت العقول الباهرات بهيرة … فأفضلها ما كان بالحكم مؤتما
أرى فيه مولى كلّ مولى رأيته … مناقب إلا عن نقيبته تحمى
يحاول كتمان العطاء بجهده … ويأبى شروق الشّمس أن يألف الكتما
تصوب على ظنّ العفاة يمينه … كما أرعفت في الحرب أرماحه الصمّا
تناهى وغالى في الشّجاعة والنّدى … فأقنى الورى حربا وأعناقهم سلما
حوى من أبيه فخره بعد جدّه … ومن عمّه الفخر الذي شاع بل عمّا
وبالله ما احتاجت مفاخر نفسه … إلى نسب يبدي أبا، لا ولا عمّا
رويدك عزّ الدين لم تبق همّة … ترقّى إلى حيث التقينا ولا وهما
ملكت على الأملاك في كلّ ساعة … غدا عجزهم عنها عليهم بها وسما
وحزت العلا حتى كأنك أقسمت … سجاياك لا خلّيت منها لهم قسما
وأوتيت حكم الشّيب في رنق الصّبا … كما فقتهم رأيا ولم تبلغ الحلما
أقلني من بعد المعاني ولفظها … وخذ بيدي إن زلّ فكري أو غمّا
فقرّك لا بل ندّ خاطرك الذي … تدقّ معانيه إذا ما رمى أصمى (١)
وأنت الذي لو سمت كلّ مهذّب … يخافك في فهم لسمّيتهم ظلما
ولست بمدحي تستزيد قمامة … ولكن لي من مدحك الشرف الفخما
بقيت على الأيام في ظل نعمة … بها البؤس للطاغي وللطائع النّعما
مراضيك تستدعى وراجيك يرتجى … وعونك يستعدى وغيّك يستهما
стр. 2827
وله: [الطويل]
ومذ قيل لي تشكو سقام جفونه … تغيّض بي وجدي وجفّ غرامي
فقير غريب في المناصل حمرة … وغير عجيب في الجفون سقام
وكتب إليه ركن الدين الوهراني:
وصلت رقعة مولاي تاج الدين أطال الله بقاه بلفظ أحسن من نور يفتحه الصّبا، وخط كبيض العطايا في سواد المطالب. يشهد من رآه وسمعه أنه رجل عليّ الهمّة، ريّان من الحكمة والأدب. ولولا تفاضحه في أول لفظه فيه، وهي قوله: ما نقبا، فإنّها وإن كانت فضيحة عربية نطق بها الكتاب العزيز فإنها تقبله الحركة قليلة الاستعمال، لم يأت بعدها ما يناسبها من اللغة، كأنّها من حديث سكان نجد وتهامة، عليها روائح الشيح والقيصوم (١).
فلو أنّ الشنفرى يخاطب عمر بن برّاق بها فما فهمها إلا بعد جهد جهيد. إنّها لا ينطق بها اللسان حتى ينخلع منك الفك مع ما فيها من الندّ يصرم، والرفاعة المعجونة بالتبصرم ولأجل ذلك جاوبتها الألسن بأنواع من الضراط.
فصل منها:
وأما كلامه على بيت المتنبي فللّه درّه لقد جاءه ثابت الأصول سالم الفصول في نهاية ما يكون من الحسن والإتقان، وفرح الخادم به فرحا عظيما، كالخصيّ المفتخر بإحليل مولاه، وعرضه على طالبيه من أهل الأدب، فانتقده عليه أفضلهم وزيّف أكثر كلامه. وقال: المتنبي في واد وهذا المتكلم في واد. لعمري لقد حكم بالشهوة ومال مع الهوى: [الكامل]
كضرائر (٢) الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنه لدميم
حتى سجد له عجبا، وقام به وجدا. ورقص عليه طربا. والفضل ما شهدت به الاعداء.
стр. 2828
فالحمد للّه الذي حقّق فيه الأمل، ونصر به الخاطر، ولم يخيّب فيه الظنّ والسلام.
فصل منها:
أليس يعلم بسعادته أن الإنسان إذا تعصب لا يحسن العالم جعله أوحد الزمان، ونصر بخاطره بالحق الباطل. ولا يشتهي أن يظهر من ذلك الشخص إلا الحسن الجميل؛ فلأجل هذا عيب عليه الخادم في قوله: تحرّك الحار العزيزي وشاه ظهور ذلك ما كان يحتاج إلى تأكيد. وأظنّه، ودام الله عزّه، خاف أن يقول: الحرارة العزيزية، فيشبه كلامه كلام العامة والسّوقة، وكوادن (١) الأطبّة، وجهّال الطبيعيين، فتخطّى هذه الطبقة إلى رتبة الفارابي وابن سينا، فحمل على أفلاطون عشرة آلاف حمار. يا مولاي تاج الدين لا تجرد على المدين الأنجس.
فصل: وأما تعريضه لخادمه بالقيادة وعتبه له على زواج النساء العواهر، فسيدنا معدود في ذلك؛ لأنه لم يذق حلاوة هذه الصناعة ولا تطعّم بنعيمها. ولو أنّه، أدام الله عزّه، خرج من بيته يوما، ولم ينزل لبيته إلا ثمن الخز والخبز، ورجع بعد ساعة وجد فيها المكائب الرفخة والسنبوسك المورّد والفراخ المصوص، والدجاج المسمّن والقناني المزوّقة والفاكهة النبيلة، والرياحين الطريّة، فيربع في الصدور، وجلس على بطون الفرش. وظهور المخادّ وهشم الثرائد، وفقء عيون البيض، وقطع قلوب الخسّ وأخذ الملآن وردّ الفارغ. واقترح الأصوات، واستعاد الغناء. ولم يخرج في هذا كلّه إلا التغافل وحسن الحظ، وقلّة الفضول لعشق هذه الحالة.
ودخل فيها بجملته، وسأل الله تعالى أن يحييه قوادا ويميته قوّادا ويحشره في زمرة القوادين. ويظن الخادم فيما يتلوه عليه من الأساطير كجالب التمر إلى هجر (٢). وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. [البسيط]
стр. 2829
وابن اللّبون إذا ما كنّ في قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس (١)
ومهما فضّل من جهل النساء العواهر الحسان فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس خير من أكل الجزاء مفردا.
فصل: وأمّا اتّهامه للخادم بأنه استقرض منه البقيار (٢) للبيع أنّه استعرض به للطلب، فقد حلف على نفي التهمة، وهو لا يصدقه، فما بقي إلا الكلاب على عيال من رآه أهلا لذلك قط. ويحمل الحمير على أم الذي يعطيه إيّاه أبدا. ولا شك أن الخوف على البقيار غلب عليه، حتى لو كتب إليه الخادم لا إله إلا الله. قال: هذا تعريض بالبقيار، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ (¬٣﴾، إذا رأى غير شيء ظّنه رجلا، فكيف يجوز للوهراني أن يطلب بقيارا جديدا من رجل بغدادي الحسب، تاجر المكتسب أشعري المذهب. كندي الأصل. وهذه الخلال لا تجتمع في كريم قط. ألا ترى أن أول من اجتمعت فيه ملك كندة امرؤ القيس بن حجر، وهو القائل يوم دارة جلجل، وقد نحر ناقة تساوي ثلاثة دنانير لنساء فيهن محبوبته: [الطويل]
ويوم نحرت للعذارى مطيّتي … فواعجبا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها … وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل (٤)
فلو كانت محبوبته عاقلة شحّمت وجوه العذارى بشحمها، وأدخلت ما بقي منها في استها. وهذا أبو الأسود الدؤلي شاعر مفلق، وهو أول من تكلّم في النحو. خرج ليلة من داره فسمع حمارا له يعتلف، فقال: إني لنائم في فراشي وأنت تسرّي (٥) في مالي؟ والله لا بقيت لي في ملك. وأصبح به إلى السوق فباعه بأبخس الأثمان. وهذا أبو الطيب المتنبي،
стр. 2830
شاعر كندي، لمّا أفرغت بين يديه الجائزه المشهورة، وأمر بردّها إلى كيسها، فعلقت قطعة منها في خلال الحصير، فجعل يعالجها ويقول: [الطويل]
تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامة … بدا حاجب منها وطنّت بحاجب
ولمّا ظفر بها، وخاف العتب من الحاضرين، قال: لا تحقروها فإنّها تحضير المائدة. فكان عذره أنجس من ذنبه. ولو بيع هذا لطال، ودع عنك هذا كله لو كان الخادم ممّن يهون عليه التبذل لكدي بني شادي الذين هم فتيان الجود وبرامكة الزمان، لا سيّما المولى عزّ الدين أدام الله نعمته، الذي يمينه أندى من الغمام، وعزيمته أمضى من الحسام، ووجهه أبهى من البدر ليلة التمام. وهو على الحقيقة نهر للجود من ماء السماء ابن بحر السماح. [الكامل]
ورث المكارم من أبيه وجدّه … كالرّمح أنبوب على أنبوب (١)
وأي رجل أخسّ وأعتى من رجل يكدي الكندي الذي لقبه أبى أن يأخذ ويترك المولى عزّ الدين الذي لقبه أبو المواهب. وما هو في ذلك إلا كرجل ورد على هذا النيل فتركه ناحية، وحفر إلى جانبه في أرض صلبة سبخة كبريتية، لعلّه أن يخرج له ماء ملحا زعاقا (٢)، ويترك الماء العذب الزلال بغير كلفة ولا عناء. وأنشد: [المتقارب]
وإني وتركي ندى الأكرمين … وقدحي بكفّي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء … وملبسة بيض أخرى جناحا
كأني أدام الله عزّه إذا قرأ هذا البيت قال: أحسنت. وهذا ممّا كنّا فيه، لمّا يئس من العبد رجع إلى المولى. واللّه لا تمّ لي معي مضرب أبدا يئيس الأمن، كما ظنّ. والوهراني ما هو مجنونا يطمع فيّ فيمن يسمع قولك. ويرجع إلى رأيك، وأنت الغالب على أمر، امرأة الواهراني طالق ثلاثا البتة، لا آخذ منه درهما أبدا. وأشهد أنّ ماله عليه حرام، كالدم والميتة ولحم الخنزير.
стр. 2831
وأمّا تعريضه له بالصفع، فليته فعل حتى يستوفي ماله عليه، ويترادّ منه في الدنيا والآخرة. وهو أهون عليه من أن يستوفي ذلك منه في حظيرة الجحيم بأنامل من نار. ورأيه العالي في التقاضي والسلام.
ومولد الكندي بكرة نهار الأربعاء، لخمس بقين من شعبان سنة عشرين وخمسمئة وتوفي يوم الاثنين لخمس خلون من شوال سنة ثلاث عشرة وستمئة.
ومنهم:
٤٢ - ابن الشحنة الموصلي (١٣)
وهو أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر. جدّ في اعتنائه، ووجد في اجتنائه.
ماثل الصباح باجتلائه، وقابل القمر الليّاح في اعتلائه. كتب لأخيه، وكبّ إلحاء إلى أضيق نواحيه. فسعدت به أصدقاؤه، وصعدت إذ علا به ارتقاؤه. وجهد في مقتبل عمره، وتلف شبابه في خضره وقطع الليل مواصلا للسهر، وواصلا عاتق العشاء بذيل السحر؛ حتى دعا بالإمامة وعرف بالعلامة، وانتصب للإقراء؛ وإنما نصّب للتمييز لا للإغراء. فلم يحجب عن علياء، ولا مشى على استحياء؛ لفضله البارع وإفضاله المسارع.
ذكره ابن المستوفي، وقال: عالم بالنحو واللغة، أخذ ذلك عن رجال بغداد العلماء، مثل ابن الأنباري وأبي الحسن القصّار، وغيرهما.
وسمع كثيرا من كتبهما، وسمع عليه كتاب إصلاح المنطق. وكان ختم القرآن، وقرأ بمستعمل القراءات (١) وشواذّها. وكان بينه وبين أبي الحرم شحناء عظيمة. كان أبدا يفتري
стр. 2832
عليه ويأخذ من عرضه، وشيخنا لا يجيبه عن ذلك؛ لورعه ودينه.
وكان خبيث اللسان سيّئ العقيدة، مقيما على شرب الخمر. يتمثل إذا أخذ منه السكر:
اليوم خمر وغدا أمر. هجّاء لكل من صحبه. لم يحسن أحد إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم. رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه فأحسن صلته. ولمّا وصل إلى الموصل تنكّر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مودود. فلمّا ولي ولده أبو الحرث أرسلان بن مسعود أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه فلم يصدّق ذلك لعدم الموجب له. فاتفق أن أمر بإحضاره وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدّرة، فلما ضرب سقطت ورقة من عمامته، فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه، فأقام مدّة طويلة. وولد له بالحبس ولد وتوفي، كما ذكر المواصلة (١) محبوسا.
قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهنّد سيف بن محمد الزيلعي قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أتابك، أبو الحرث لمّا أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلا فاضلا شاعرا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: ووالله ما هجوته؛ وإنما قلت قصيدة منها: [البسيط]
أعيذ مجدك من قدم أقول له … إني زهير ولكن ليس لي هرم
فحبسني كما ترى.
ومن شعره قوله: [الكامل]
طربا أقول إذا الحمام ترنّما … عيش لنا بالأنفقين تصرّما
قصرت مسافته فكان كزائر … وافاك في سنة الرّقاد مسلّما
أشكوتنا عدة تعيّن كلّما … نهنهت فيض دموعها فاضت دما
стр. 2833
فاعص اللوائم في هواك فإنّما … رشد المتيم أن يعاصي اللوّما
واشرب على زهر الربيع مدامة … كالشمس تبدي المرح فيه أنجما
أو ما ترى نوّاره وكأنه … نشوان أصبح باكيا متبسّما
رقد النسيم بجانبيه فنبّهت … أنفاسه منه عيونا نوّما
وسرى ينمنم وشيه فحسبته … وافى بأخبار الأحبّة نعما
صقلت حواشي روضه فكأنّه … من حسنه قد همّ أن يتكلّما
وكأنما ورق الحمام فواقد … في الدوح يبكي النائح المترنّما
تشدو فتخبر مغرما عن مغرم … فيها ويفصح معرب عن أعجما
بدع كبدع في السما حديثه … كالغيث أنجد في البلاد وأتهما
أضحت أغضّ من الصبا وألذّ من … شكوى المحبّ إلى حبيب أنعما
ملك له المجد القديم وكلّما … قدمت مباني المجد أصبح محكما
متواضع وأقلّ ما يعتدّه … فيه التواضع أن يكون معظّما
إن ضاق دهر كان مسرح همّه … رحبا وإن عيش الزمان تبسّما
فإذا ارتقى من قلّة من سؤدد … هتفت به أخرى لكي يتقدّما
راض الخطوب الجامحات فاصبحت … وأعاد منأدّ (١) الزمان مقوّما
وتآلفت فيه القلوب فما ترى … منهن إلا منبيا ومعظّما
تتلو الصوارم والقنا غبّ القنا … في كفّه مفلولة ومحطّما
في كل أرض قد أقام لنصره … عرسا ومن زاد الأعادي مأتما
تلك النواحي من نصيبين غدت … غيرى وأم النشر ثكل أيّما
فالجوّ أكلف والجناب لحربه … مجل وضوء نهارها قد أظلما
جور الصوارم في البرية عادل … فإذا سفكن دما حقنّ به دما
لا يدرك الآمال من يقتاده … وسن التعلّل نحو ليت وعلّما
هذا النبي وكان أفضل مرسل … زجرت قريش منه طيرا أشأما
стр. 2834
حجدت نبوته فقام مجاهدا … وأعاد مشركها حنيفا مسلما
قطعوا له الرحم القرينة بينهم … عددا وقاطع مثلها أن يرحما
وافى ابن عمك حاسرا من كنزة … رأسا فراح من الهوان معمّما
لا قى شكائم شدّة من فارس … رجعت به مضمى وكان مضمّما (١)
لا قى الأماني عذبة حتى إذا … ما ذاقها عادت أجاجا علقما
نجّاه ما نجىّ أباه وقد رأى … طير المنايا من عباده حوّما
متدفّق لولا تمطّره به … لرأيته بسنا الأسنّة ملخما (٢)
لمّا رأى علميك ولّى معلنا … بالويل منه وبالمذلة معلما
سدما تذم له قوائم سابح … لو أنها غدرت به لتذمّما
لا يغرينّ به الملام فإنما … يلقى المتيّم أن يكون متيّما
ومنها يطلب فرسا:
جد لي بأجرد إن تعرّض خلته … سيدا تمطّر في الدّجى فتقحّما
ينمي إلى آل الوجيه ولا حق … متلاحق الأقراب ليس بأهضما
مثل الظليم إذا تهادى مدبرا … والظبي إن لاقيته متقدّما
متناصب الأذنين تحسب أنه … بهما يحاول أن يرى أو يعلما
هرج الصهيل كأنّما ترجيعه … ترجيع نشوان غدا مترنّما
ومن آخرها:
قيّدت بالإحسان نطقي أن يرى … في غير حمدك معرقا أو مشئما
وحميتني غدر اللئام فإن أعد … مرتادهم فغدوت منهم ألأما
فلقد نصبت من الثناء حباله … فاصطدت حبّك لي جوادا منعما
وعلمت أن الشكر عندك غرسه … يضحي لمن أولاه غرسا مطعما
стр. 2835
كن معدما ومن المعالي مقربا … من جدّ في العلياء أصبح معدما
واسمع أقامت في جنابك دولة … يخشى لها البؤسا ونرجو الأنعما
مدحا كنور بات يصقله الندى … ليلا وباكره النسيم مهينما (١)
غرّا كريم الأيد غير مصونها … إلا إذا ألفت أغرّ مكرّما
ما صافحت فكر الفصيح ونطقه … إلا أعادته عييّا مقحما
لو شام رونقها الوليد جفالها … أمحلّتي سلمى بكاظمة اسلما
واسلم ليسلم كلّ مجد إنّه … لن تسلم العلياء حتى تسلما
شرّفت أبكار القوافي مثلما … شرّفت دهرا كنت فيه القيّما
قال ابن المستوفي: نقلت من أوّل مجموع بخطّه ما صورته: لمّا أنفذ الله في سهام قضائه، وامتحنني في الدنيا ببلائه، ونظمني في سلك من غبر من أوليائه، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه وأجزل لهم ثوابه. فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ اَلْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَاَلصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (¬٢﴾، مدّت إليّ الأيّام باعها، وقرتني الأجداف ذراعها، وأدارت على كأس مدامها، وغرّتني بابتسامها؛ فلم أفق من نشوتها ولا فقأت خمّار خمرتها ألا وقد بدّلت بكل قريب بعيدا، وبكل وصل صدودا. وأصبح السجن لي منزلا أهلا، والأشجان لي مناهلا؛ حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي جليسا، جعل الله بوحشة السجن به آنسة الربع والمربع، ومقر متارعه عذبة المكرع.
يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه. وما محاسن شيء كلّه حسن؟
فاقترح عليّ أن أجمع تذكرة ممّا يمليه الخاطر عليّ، ونسخ به إليّ، تكون له، إن منّ الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر؛ لمذاكرة أيّام البؤس، والزمن العبوس؛ ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها، وانجلى من ركامها. فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح، وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان وإليه الشكوى من كلّ بلوى.
стр. 2836
وهو حسبي ونعم الوكيل. فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن قد قيل: إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول. به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار. وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقة: [البسيط]
السّجن أصبح مثل النار مضرمه … والحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب
يصلى بنار هموم في جوانحه … تنفي المآثم من حسد ومن لغب (١)
وبشعره أبيات ابن الجهم (٢) بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [الكامل]
قالوا حبست فقلت ليس بضائري … حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
ولمعلقه: [البسيط]
لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا … لغير جرم ولكن سجنهم شرف
فإنّ آل رسول الله كان لهم … منه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا
كالسيف والدرّة الزهراء سجنهما … خوفا وضنّا بها الأغماد والصدف
قال: وكتب: بعض الأوقات منضجعا في علوّ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء.
فقلت: لله درّ غيلان (٣) كأنه أوحى إليه قوله: [الطويل]
فإنّ انحدار الدمع يعقب راحة … من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل (٤)
فعملت أبياتا، وهي: [الكامل]
وحمائم غنيّن في رأد الضحى … طربا فقلت مقالة المحزون
стр. 2837
غنّين فالوجد الذي تبدينه … وجدي المكتّم والشجون شجوني
ما جامدات الدمع كالجاري ولا … حال الطليق كحالة المسجون
ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع.
قال: ورأيت كثيرا من المتقدّمين يحكون عن دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أين من قولي أنا: [مجزوء الكامل]
لا تعجبي يا سلم من رجل … ضحك المشيب برأسه فبكى (١)
وليس هو بأجود من غيره على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي:
تضحك الأرض من بكاء السّماء (٢)
ولي في هذه المعنى: [البسيط]
أما ترى الروض قد حيّاك مبتسما … لمّا استهلّت عليه أعين السّحب
وغنّت الورق في أعلى الغصون ضحى … حتى تمايلن أعطافا من الطرب
ولي في الورد: [البسيط]
روض أنيق يروض العين منظره … أتاك في خير وقت غير منعوت
كأنما الطلّ في أوراقه سحرا … لآلئ نثرت في صحن ياقوت
ولي في الشقائق: [البسيط]
هذا الشقائق قد أبدت محاسنه … إلى العيون عيونا كلّها دعج (٣)
كأنّه فوق ساق من زمرّدة … مداهن من عقيق حشوها سبج (٤)
стр. 2838
ولي في الثلج: [المنسرح]
أما ترى اليوم قد غدا ثملا … من مستهل الغمام مخمورا
والجوّ في حلّة ممسّكة … ينثر فوق الرياض كافورا
ومن قصيدة: [البسيط]
رقّ النسيم وراق الماء والراح … وافترّ من حلل النوّار إصباح
هذا الربيع ينادينا علانية … هبّوا فقد هبّ للأرواح أرواح
أما ترى الروض مهتز الغصون كما … يهتز من ذكر الأحباب مرتاح
فللغمائم في إقطاره زجل … وللحمائم في أعلاه إفصاح
فاتبع ضلال الهوى فالرشد مرتبع … لا ظلّ فيه ولا روح ولا راح
واشرب مشعشعة كالشمس مشرقها … على الندامى أباريق وأقداح
من كفّ معتدل لا عدل فيه ولا … لطالب النّجح من أحيته إنجاح
لي من عذار به ريح ومن فمه … خمر ومن خدّه ورد وتفاح
هذا النعيم فعاد اليوم فيه فتى … له على القصف إصرار وإلحاح
واعمد إلى من بجاتيل (١) فإن به … محاسنا لسرور النفس مفتاح
كم فيه من أشعث باد سجومته … تهفو لرتبته تلك الأكيراح (٢)
ولي في هذا الدير، والله يتجاوز عمّا عثر به اللسان، وأسأله الصفح: [الكامل]
يا من بجاتيل وإن بعد المدى … سقّيت صوب سحائب وبوارق
يا حبّذا نوّار روضك إذ غدا … يفترّ من دمع الغمام الدافق
معنى خلعت به العذار تصابيا … في غنج أحداق وزهر حدائق
أيام أجري في ميادين الصّبا … متخايلا جري الجموح السابق
أجتاب ثوب ظلالها فكأنني … ما بينها طيف الخيال الطارق
стр. 2839
ألهو بنشوان القوام بوجهه … شغل الخلي ونزهة للوامق (١)
ما زلت أسقيه ويسقيني إلى … أن شيّب الظلماء وخط السّارق
كأسا إذا الساقي اجتلاها في الدّجى … جعلت على خدّيه ثوب شقائق
طورا أنا شده النسيب وتارة … يشدو فيطربني بلحن مخارق
حتى رأيت السّكر يخفض صوته … وبدا النّعاس يحل عقد عقائق
فلثمته عند الكرى فإذا به … سلس القياد مطيّة للفاسق
فجرت هنالك في مطاوي سرّها … مرضاة إبليس وسخط الخالق
قال ابن المستوفي: ونقلت من مجموعه المذكور بخطّه ولمعلّقه: [الكامل]
يا من يدكّ على كريم في الورى … حتى أملّكه كرائم مالي
هذا الزمان إذا تيمّم (٢) آمل … أحدا يعود مخيّب الآمال
ومنه قال معلقه: كان لي في عنفوان الشبيبة وزمن اللهو صديق كنت آنس به ويأنس بي، ويطلعني على الخاص من سرّه. وكان من أولاد الكتّاب، فهوي صبيا من أولاد الجند.
فكنت إذا ذكرته عنده يضرب عن ذكره صفحا، ويقول متمثلا: [الطويل]
ودع عنك نهبا صيح في حجراته … ولكن حديثا ما حديث الرواحل
وان قلت له ها هو قد أقبل انظر إليه، يلوي وجهه عني. ومع هذا كله فكان به كلفا، وكنت أعلم ذلك منه. فقلت له يوما وقد خرجنا إلى بعض الرياض للخلوة: ما أبرد حبّك لمن لا يعلم به، ولا تعمل الحيلة في الوصول إليه، والجلوس معه؛ حتى إنك تضرب عن ذكره، وتكفّ نظرك عنه إذا قيل لك: قد أقبل.
فقال لي: يا هذا، إنّ غرامي به لأحرّ من لظى على ساكنها، ولكن أخاف الفضيحة. وإن يفطن به الناس، أو أني أنظر إليه فيستحي مني. فإن نظر إليّ قتلني لا محالة. فأريد أن
стр. 2840
تعمل في هذا المعنى شيئا. ثم قال: أزيدك شيئا إنني لأضرب عن الفكر؛ لتوهمي ربّما خطر ذلك بباله فيخجل منه.
فقلت له: يا سيدي، وإلى هذه الغاية؟ فقال: نعم. فعملت هذه الأبيات: [البسيط]
إني لأنساه خوفا أن يلمّ به … فكري فيخرج منّي الفكر خدّيه
وأمنع الطرف يوما أن يلاحظه … فإنّ سهم المنايا بين عينيه
هذا اعتذاري لخدّيه ومقلته … فما يكون اعتذاري من عذاريه
قال معلّقه: كتبت إلى بعض إخواني في يوم دجن، وكان قد وقع فيه الميلاد، واتّفق أنه يوم سبت، ولم أقدر على الخروج من منزلي من كثرة الوحول والمطر، وشدّة القرّ. حبانا الله بلقيائك، وأحيانا ببقائك يوم طلعت سعوده وغاب حسوده، وتبرقعت بدجنّه شمسه، وانهزم من طلائع إقباله نحسه، ورقّت حواشيه، أمنّا رقى واشيه. لم يقترح مثله على الدهر مقترح، ولا ظفر بشكله مغتبق (١)، ولا مصطبح. [البسيط]
سبت ودجن وكانون وميلاد … وماجن لرياض اللهو مرتاد
وقهوة من محيّا من كلفت به … أو كاعتقاد خليع فيه إلحاد
رقّت وراقت فخلنا أنها شفق … ملألئ في نواحي الكأس وقّاد
تذكو فيطفئها بالمزج آونة … عنّا ويجمح أحيانا وتنقاد
يسقيكها ذو دلال في لواحظه … برء وسقم وموعود وإبعاد
ومجلس ظل محفوفا بأربعة … تآلفت وهي في الأوصاف أضداد
فالبرق مبتسم والغيث منسجم … والورق نائحة والغصن ميّاد
فوافيا دار تشويق يحط به … موسوس همّه نسك وإرشاد
فليس يحظى بصفو العيش غير فتى … يفنى بطالبه غيّ وإفساد
ولا يصاحبك من هذا الورى أحد … إلا خليع وخمّار وقوّاد
عصابة رغبت فيما تعجّل من … هذي الحياة وفيما قيل زهّاد