← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وهو حسبي ونعم الوكيل. فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن قد قيل: إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول. به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار. وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقة: [البسيط] السّجن أصبح مثل النار مضرمه … والحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب يصلى بنار هموم في جوانحه … تنفي المآثم من حسد ومن لغب (١) وبشعره أبيات ابن الجهم (٢) بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [الكامل] قالوا حبست فقلت ليس بضائري … حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد ولمعلقه: [البسيط] لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا … لغير جرم ولكن سجنهم شرف فإنّ آل رسول الله كان لهم … منه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا كالسيف والدرّة الزهراء سجنهما … خوفا وضنّا بها الأغماد والصدف قال: وكتب: بعض الأوقات منضجعا في علوّ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء. فقلت: لله درّ غيلان (٣) كأنه أوحى إليه قوله: [الطويل] فإنّ انحدار الدمع يعقب راحة … من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل (٤) فعملت أبياتا، وهي: [الكامل] وحمائم غنيّن في رأد الضحى … طربا فقلت مقالة المحزون

стр. 2837

غنّين فالوجد الذي تبدينه … وجدي المكتّم والشجون شجوني ما جامدات الدمع كالجاري ولا … حال الطليق كحالة المسجون ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع. قال: ورأيت كثيرا من المتقدّمين يحكون عن دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أين من قولي أنا: [مجزوء الكامل] لا تعجبي يا سلم من رجل … ضحك المشيب برأسه فبكى (١) وليس هو بأجود من غيره على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي: تضحك الأرض من بكاء السّماء (٢) ولي في هذه المعنى: [البسيط] أما ترى الروض قد حيّاك مبتسما … لمّا استهلّت عليه أعين السّحب وغنّت الورق في أعلى الغصون ضحى … حتى تمايلن أعطافا من الطرب ولي في الورد: [البسيط] روض أنيق يروض العين منظره … أتاك في خير وقت غير منعوت كأنما الطلّ في أوراقه سحرا … لآلئ نثرت في صحن ياقوت ولي في الشقائق: [البسيط] هذا الشقائق قد أبدت محاسنه … إلى العيون عيونا كلّها دعج (٣) كأنّه فوق ساق من زمرّدة … مداهن من عقيق حشوها سبج (٤)

стр. 2838

ولي في الثلج: [المنسرح] أما ترى اليوم قد غدا ثملا … من مستهل الغمام مخمورا والجوّ في حلّة ممسّكة … ينثر فوق الرياض كافورا ومن قصيدة: [البسيط] رقّ النسيم وراق الماء والراح … وافترّ من حلل النوّار إصباح هذا الربيع ينادينا علانية … هبّوا فقد هبّ للأرواح أرواح أما ترى الروض مهتز الغصون كما … يهتز من ذكر الأحباب مرتاح فللغمائم في إقطاره زجل … وللحمائم في أعلاه إفصاح فاتبع ضلال الهوى فالرشد مرتبع … لا ظلّ فيه ولا روح ولا راح واشرب مشعشعة كالشمس مشرقها … على الندامى أباريق وأقداح من كفّ معتدل لا عدل فيه ولا … لطالب النّجح من أحيته إنجاح لي من عذار به ريح ومن فمه … خمر ومن خدّه ورد وتفاح هذا النعيم فعاد اليوم فيه فتى … له على القصف إصرار وإلحاح واعمد إلى من بجاتيل (١) فإن به … محاسنا لسرور النفس مفتاح كم فيه من أشعث باد سجومته … تهفو لرتبته تلك الأكيراح (٢) ولي في هذا الدير، والله يتجاوز عمّا عثر به اللسان، وأسأله الصفح: [الكامل] يا من بجاتيل وإن بعد المدى … سقّيت صوب سحائب وبوارق يا حبّذا نوّار روضك إذ غدا … يفترّ من دمع الغمام الدافق معنى خلعت به العذار تصابيا … في غنج أحداق وزهر حدائق أيام أجري في ميادين الصّبا … متخايلا جري الجموح السابق أجتاب ثوب ظلالها فكأنني … ما بينها طيف الخيال الطارق

стр. 2839

ألهو بنشوان القوام بوجهه … شغل الخلي ونزهة للوامق (١) ما زلت أسقيه ويسقيني إلى … أن شيّب الظلماء وخط السّارق كأسا إذا الساقي اجتلاها في الدّجى … جعلت على خدّيه ثوب شقائق طورا أنا شده النسيب وتارة … يشدو فيطربني بلحن مخارق حتى رأيت السّكر يخفض صوته … وبدا النّعاس يحل عقد عقائق فلثمته عند الكرى فإذا به … سلس القياد مطيّة للفاسق فجرت هنالك في مطاوي سرّها … مرضاة إبليس وسخط الخالق قال ابن المستوفي: ونقلت من مجموعه المذكور بخطّه ولمعلّقه: [الكامل] يا من يدكّ على كريم في الورى … حتى أملّكه كرائم مالي هذا الزمان إذا تيمّم (٢) آمل … أحدا يعود مخيّب الآمال ومنه قال معلقه: كان لي في عنفوان الشبيبة وزمن اللهو صديق كنت آنس به ويأنس بي، ويطلعني على الخاص من سرّه. وكان من أولاد الكتّاب، فهوي صبيا من أولاد الجند. فكنت إذا ذكرته عنده يضرب عن ذكره صفحا، ويقول متمثلا: [الطويل] ودع عنك نهبا صيح في حجراته … ولكن حديثا ما حديث الرواحل وان قلت له ها هو قد أقبل انظر إليه، يلوي وجهه عني. ومع هذا كله فكان به كلفا، وكنت أعلم ذلك منه. فقلت له يوما وقد خرجنا إلى بعض الرياض للخلوة: ما أبرد حبّك لمن لا يعلم به، ولا تعمل الحيلة في الوصول إليه، والجلوس معه؛ حتى إنك تضرب عن ذكره، وتكفّ نظرك عنه إذا قيل لك: قد أقبل. فقال لي: يا هذا، إنّ غرامي به لأحرّ من لظى على ساكنها، ولكن أخاف الفضيحة. وإن يفطن به الناس، أو أني أنظر إليه فيستحي مني. فإن نظر إليّ قتلني لا محالة. فأريد أن

стр. 2840

تعمل في هذا المعنى شيئا. ثم قال: أزيدك شيئا إنني لأضرب عن الفكر؛ لتوهمي ربّما خطر ذلك بباله فيخجل منه. فقلت له: يا سيدي، وإلى هذه الغاية؟ فقال: نعم. فعملت هذه الأبيات: [البسيط] إني لأنساه خوفا أن يلمّ به … فكري فيخرج منّي الفكر خدّيه وأمنع الطرف يوما أن يلاحظه … فإنّ سهم المنايا بين عينيه هذا اعتذاري لخدّيه ومقلته … فما يكون اعتذاري من عذاريه قال معلّقه: كتبت إلى بعض إخواني في يوم دجن، وكان قد وقع فيه الميلاد، واتّفق أنه يوم سبت، ولم أقدر على الخروج من منزلي من كثرة الوحول والمطر، وشدّة القرّ. حبانا الله بلقيائك، وأحيانا ببقائك يوم طلعت سعوده وغاب حسوده، وتبرقعت بدجنّه شمسه، وانهزم من طلائع إقباله نحسه، ورقّت حواشيه، أمنّا رقى واشيه. لم يقترح مثله على الدهر مقترح، ولا ظفر بشكله مغتبق (١)، ولا مصطبح. [البسيط] سبت ودجن وكانون وميلاد … وماجن لرياض اللهو مرتاد وقهوة من محيّا من كلفت به … أو كاعتقاد خليع فيه إلحاد رقّت وراقت فخلنا أنها شفق … ملألئ في نواحي الكأس وقّاد تذكو فيطفئها بالمزج آونة … عنّا ويجمح أحيانا وتنقاد يسقيكها ذو دلال في لواحظه … برء وسقم وموعود وإبعاد ومجلس ظل محفوفا بأربعة … تآلفت وهي في الأوصاف أضداد فالبرق مبتسم والغيث منسجم … والورق نائحة والغصن ميّاد فوافيا دار تشويق يحط به … موسوس همّه نسك وإرشاد فليس يحظى بصفو العيش غير فتى … يفنى بطالبه غيّ وإفساد ولا يصاحبك من هذا الورى أحد … إلا خليع وخمّار وقوّاد عصابة رغبت فيما تعجّل من … هذي الحياة وفيما قيل زهّاد

стр. 2841

وقال معلّقه: [الطويل] سلوتك إن حدثّت نفسي بسلوة … لحبّك مذ حدّثت أني هائم وأصغيت نحو اللؤم إن كان مسمعي … تغلغل فيه ما تقول اللوائم أتيتك وجدا إن تلجلج منطقي … به أفصحت عنه الدموع السواجم فإن هيج ذا الشوق الحمائم في الضحى … فمنّي استعارت شجوهنّ الحمائم وفي آخره عند خاتمته هذه نفسه مصدور، وضجره مأسور، علقتها ولم أعد فيها نظري، ولا عددتها من مهام وطري؛ لأنني مثمود القريحة، دامي الجريحة، مأسور الخاطر والبدن، مشغول بصروف الزمن، وعلى الله، وهو المستعان. وقد أورد ابن المستوفي من شعره قوله يمدح السلطان صلاح الدين ﵀: [الطويل] سلام مشوق قد براه التشوّق … على الحي من وادي الغضا إذ تفرّقوا أأحبابنا كيف التداني وركبكم … غدا مشئما حقا وركني معرق فلمّا بلغ من مديحها قوله: وقالت لي الآمال إن كنت لا حقا … بأبناء أيّوب فأنت الموفّق قال له السلطان ﵀: لقد وفّقت، وأجازه جائزة سنيّة. فكان هذا ممّا نقمه عليه أتابك، وأثّر في حاله عنده. وقال ابن المستوفي: أنشدني ابن بكاجك، قال: أنشدني ابن الشحنة لنفسه، وأتمّها على أبيات الصوري التي أوّلها: [السريع] يا جار إنّ الركب قد جاروا … فاذهب تحسّس لمن النار تبدو وتخبو إن بدت عرّسوا (١) … وإن أضاءت لهم ساروا كأنها برق بذات الغضا … تبدو ودون البرق أستار

стр. 2842

عمرك إن آنست من أهلها … فالمم بنا نحوك يا جار لعلّها النار التي أضرمت … في كبدي من أجلها النار يطربني الشوق إليها جوى … بطرب نحو النّوى ظار ويطّبيني لادّكار الحمى … شيئان أوطان وأوطار قال: وأنشدني بعض المواصلة لابن الشحنة: [الكامل] صلى الإله على أمية إنه … بصلاتهم تتمحّض الآثام قوم هم القوم الألى أيامهم … عن ثغرها تتبسّم الأيام لا مثل أقوام غدوا من هاشم … ما سلّ فيهم للفخار حسام أما النهار فسامدون (١) ودأبهم … تحت الدياجي الفسق والأزلام الفضل نزر والمثالب جمة … والذمّ حلّ والثناء حرام إن كان قائمهم يضاهيهم فلا … نشرت له بين الورى أعلام قال ابن المستوفي: وزاد فيها من أنشدني: لا تفخروا بموالد فببعض ما … تاقوا به تتقطع الأرحام قال ابن المستوفي: أخبرت أنه توفي بالحبس في قلعة الجديدة سنة ست وستّ مئة. ومنهم: ٤٣ - أبو زكريا يحيى بن سعيد بن المبارك (١٣) ابن علي بن عبد الله، من ولد أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري. همّه بقية الأولى، ورمية العلا. معدود في أبناء الصحابة، وممدود له في الإصابة. قلّ قرينا، وقرّ؛ إذ كان بيته عرينا. لم يستطع دفاع سيله، ولا رفع شراع ليله.

стр. 2843

رمت به أرومته (١) على السما، وسقت جرثومته (٢) طيب الما. ولم يحل معه قداحا، ولا عنت سواه امتداحا. وساق ابن المستوفي نسبه، وقال: يخرج على أبي الحرم. وكان نحويا جيدا فيه ذكاء. ورد إربل ثم عاد إلى الموصل. بشّر به أبوه وقد أسنّ. فقال: [مجزوء الرمل] قيل لي جاءك نسل … ولد شهم وسيم قلت عزّوه بفقدي … ولد الشيخ يتيم ثم توفي أبوه وهو صغير، فلمّا كبر انقطع إلى أبي الحرم، فأخذ عنه النحو، وصرف إليه عنايته مراعاة لحقّ والده. وأنشد ابن المستوفي أشعارا منها، قوله: [البسيط] ما البدر حسنا يضاهي من خلقت (٣) به … ولا القضيب اعتدالا حين يعتدل كم يعذلون (٤) عليه لا أبا لهم … وكم يلومون لا لاموا ولا عذلوا قال: وبلغتني وفاته في ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمئة. ومنهم: ٤٤ - أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش (١٣) ابن أبي السرايا الموصلي الأصل، الحلبي المولد والمنشأ، موفق الدين المعروف بابن الصانع. رجل يورد منه النيل والفرات ودجلة والصرات، ويقابل منه الأسد الضرغام، والذهب إلا أنه

стр. 2844

الذي لا يسكن الرغام (١). هذا وغصنه في ورق شبابه، وطيبه يعبق في جلبابه. وازداد حين نوّر أقاحه، ودرّ درّه ولفاحه. واشتعل رأسه بالمشيب وراع العيون لباسه القشيب. وساوى النجوم ولم يبلغ حدّ الارتقاء. ومات وهو يذكر، أبو البقا. قال ابن خلكان: قرأ على أبي السخاء الحلبي والنيروزي، وسمع الحديث على أبي الفضل الخطيب الطوسي، وابن سويدة التكريتي والثقفي والطرسوسي، وخالد ابن القلسواني وأبي اليمن الكندي وغيرهم. وحدّث بحلب. وكان ماهرا في النحو والتصريف. رحل إلى بغداد؛ ليدرك أيام [أبي] البركات ابن الأنباري بالعراق، فأتاه في الموصل خبر وفاته. فأقام بالموصل مديدة، ثم عاد إلى حلب وتصدّر للإقراء. وكان حسن التفهيم لطيف الكلام طويل الروح على المبتدئ والمنتهي، خفيف الروح ظريف الشمائل، كثير المجون مع سكينة ووقار. حكى ابن خلكان، قال: حضرت يوما حلقته وبعض الفقهاء يقرأ عليه اللّمع لابن جني، فقرأ بيت ذي الرمّة في باب النداء: [الطويل] أيا ظبية الوعساء (٢) بين جلاخل … وبين النقا آ أنت أم أمّ سالم (٣) فشرع الشيخ يبينه، ويقول: إن هذا الشاعر لعظم وجده بهذه المحبوبة وكثرة مشابهتها للغزال شبها غلبه الحال، هل هي امرأة أم ظبية؟ وبقي يعيد هذا القول ويكرّره؛ ليفهمه الفقيه، وهو منصب، فقبل على كلام الشيخ بكليته؛ حتى توهّم الحاضرون أنه قد فهم. فلما فرغ الشيخ قال له ذلك الفقيه: يا مولانا، أيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية؟ فقال الشيخ: قرونها وذنبها. فضحك الحاضرون وخجل الفقيه، ثم ما عدت رأيته حضر مجلسه.

стр. 2845

ولد لثلاث خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة بحلب، وتوفي بها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمئة. ودفن بتربته بالمقام (١). ومنهم: ٤٥ - أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدّولي (٢) ثم المصري، الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب (١٣)، جمال الدين. فاضل أحسن في كل فنونه، وأحسب من داء الدهر وجنونه. شدّ جلابيبه للطلب واتّزر وقدّر، ولا عجب إن مدّ البحر وجزر، ولم يزل في جدّ يتزيّد، يزيد الأهلّة، ويتعهّد تعهّد السحب المستهلّة؛ إلى أن فّوض الدجى وأعجب، ورمّض الثرى فأعسب (٣)، فذلّل أعناق الكلام، وفتّق أخبية الكمام. وكان قديرا على الاختصار، مدبّرا للعلم على ما يريد من الاختيار فكلف بتصانيفه حذّاق المتكلمين، وجاء وفاق المتعلمين. قال ابن خلكان: كان والده حاجبا للأمير عزّ الدين موسك الصلاحي، وكان كرديا، واشتغل ولده بالقاهره في صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب مالك، ثم بالعربية

стр. 2846

والقرآن وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية. وأكبّ الخلق على الاشتغال [عليه] (١) والتزم لهم الدروس، وتبحّر في الفنون. وكان الأغلب عليه علم العربية. وصنّف مختصرا في مذهبه، ومقدّمة وجيزة في النحو، وأخرى مثلها في التصريف، وشرح المقدمتين، وصنّف في أصول الفقه وكلّ تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة. وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعّد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهنا. ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها، والناس ملازموه للاشتغال عليه. وانتقل في آخر عمره إلى الإسكندرية للألفة بها، فلم تطل هناك. وتوفي بها يوم الخميس، سادس عشر شوّال سنة ست وأربعين وستمئة (٢). ومولده بأسنا في أواخر سنة سبعين وخمسمئه. ومن شعره قوله: [البسيط] إن عبتم صورة عن ناظريّ فما … زلتم حضورا على التحقيق في خلدي مثل الحقائق في الأذهان حاضرة … وان يرد صورة من خارج يجد وقوله في المعنى: [الخفيف] إن تغيبوا عن العيون فأنتم … في قلوب حضوركم مستمرّ مثل ما قامت الحقائق في الذ … هن وفي خارج لها مستقرّ

стр. 2847

ومنهم: ٤٦ - ابن عدلان (١٣) ابن حماد بن علي الموصلي عفيف الدين. شدّ للطلب فما تراخى، وامتدّ في أنفاق عمر وتساخى (١). فحمد عار إنفاقه، وكسد كلّ سوق بنفاقه فأنس الحلم بعد نفاره، وارتوى من العلم حتى خرج من أظفاره. ولم يزل لتلك الأفاويق (٢) مرتضعا، ولتلك التفاريق مجمعا. لا يدع فيها موضعا؛ حتى رأس وساد، وثني له الوساد. فأمات حسادا، وبات وما أبقى فسادا. قال ابن المستوفي: ورد إربل غير مرّة، وآخر ما وردها في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وستمئة من بغداد. وكان رحل إليها للاشتغال على أبي البقاء عبد الله بن الحسين وغيره، فأخذ عنه النحو. وكان قبل، فيما أظنّ قرأ على أبي حفص عمر بن رافع الضرير. وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء القيبظي العمري منافرة. وأورد له شعرا ليس بطائل. وأنشد عنه لرجل من أهل الحلّة: [الكامل] وكأن نمنمة العذار (٣) بخدّه … خطّ من الظلماء فوق صباح وكأن نملا قيّدت خطواته … في عارضيه فدبّ في الأرواح قال: ووجدت هذين البيتين في كتاب الخريدة، في ترجمة أبي الجوائز مقدار بن بختيار المطاميري (٤). ومن شعره فيه:

стр. 2848

وكأن خيط عذاره لمّا بدا … خيط من الظلماء فوق صباح قال: وأنشدنا لعلي بن محمد بن حسباني الكوفي، وكان عنده مع جماعة من الشعراء يداعبه: [البسيط] داعبت وهنا فتى عدلان معتمدا … إيقاد سمعته لما دجا الغسق فاصفرّ ثم انثنى بالغيظ مشتغلا … وأقبل الدمع من عينيه يستبق فخلته شمعة أخرى وأقسم لو … لم أطفها كنت بالأنفاس أحترق فقال ابن بطريق: موفق الدين يا من في فكاهته … وفيه يحلو لعين الساهر الأرق إنّ ابن عدلان في إيقاد شمعته … ما شأنه الغيظ من نحل ولا الحنق لكن رأى الليل أولى أن يقضّيه … في نيّرات معان منك تأتلق لا شيء أحسن منها إذ بدت شغلا … شيء ينظم فيها لؤلؤ نسق قال: ومرّ الكوفي برأس عين بعد مدة طويلة، فأنشد لنفسه في المعنى: [الطويل] متى ما يصف ربع ابن عدلان متصل … بأبيض مطروق العشيات مفضل دعاني ملحّا فاستحيت ومن يكن … أخا سعة في النّفس يدع ويفضل فإذ كنت من سود النواحل سمعة … إلى الدهر أبقى من شماريخ يذبل توارثها آباؤه عن جدوده … وكانت قديما عندهم للتجّمل أضاءت لنا وهنا فأظلم وجهه … وقال أتذكى شمعة عند مشعل وذكره اليونيني في الذيل، وقال: كان عالما فاضلا أديبا مفنّنا شاعرا، ومولده بالموصل في الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وتوفي تاسع شوال سنة ست وستين وستمئة. (١)

стр. 2849

ومنهم: ٤٧ - أبو بكر ابن محمد بن إبراهيم عزّ الدين الإربلي النحوي رجل سلك كلّ سويّ، وملك كلّ رويّ. ولّف بيوت الشعر فصارت مدنا، ومدّت سجفها (١) على بيوت الشعر ردنا. وأتمّ مقاصد القصائد، وكثّر قلائل القلائد. جاء بالأسنى، وحاز كالطيف إلى المقلة الوسنى، وهاجر من بلده حين اشتدّ بها عظائم البلاء، وسلّت يد الآلاء ونجا بنفسه؛ خوفا أن يغشاه اللّيل، وتخشاه في أحشائه اللّيل، فسلم من لفحتها وفرّ وقد أفرجت له السيوف عن صفحتها. ففرّ إلى دمشق وقرّبها. فلم يشق. ذكره ابن اليونيني (٢)، وقال: كان ديّنا خيرّا صالحا حسن العقيدة، كثير الذكر والتلاوة عارفا بالنحو والعربية. عنده فضائل تامة بحلّ المترجم، وله اقتدار على نظم الشعر. وتوفي بدمشق في ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وستين وستمئة. وممّا أنشد له من شعره قوله: [الطويل] وما زال يرميني بكل بليّة … ويتحفني من هجره بالعظائم إلى أن رماه الله بالحبّ بغتة … وأصغر ممشاه إلى غير راحم وقفت له كالمشتفي في طريقه … وأنشدته بيتا كضرب الصوارم بليت بما قد كنت تبلى بمثله … ولا ظالم إلا سيبلى بظالم وقوله: [الوافر] رفضت هواهم وسلوت عنهم … بلا جزع كذا فعل الكرام

стр. 2850

وها أنا قد هجرت النوم كيلا … أرى منهم خيالا في المنام وقوله: [الكامل] ومورّد الوجنات معسول اللّمى … يزهو كغصن التائه الميّاس لما رأى ورد الملاحة يجتنى … باللحظ سيّج خدّه بالآس عجبا له حمل الثياب وجسمه … كالماء كيف يضم قلبا قاسي [وقوله] (١): [الطويل] يريك سواد العين في صحن خدّه … فيحسبه خالا وليس بخال وأعجب من ذا أنّ من رقّة به … يؤثر فيه اللحظ كيف خيالي ومنهم: ٤٨ - ابن مالك (١٣) وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني النحوي جمال الدين. مقيم أود (٢)، وقاطع لدد (٣)، ومزين سماء. موّهت الأصيل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها. وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما فيها شابية من الكبر. قد حلقها العشاء بردعه، وخلقها الصباح بريعه. فطالت النهار غررا، وأمدّت الأنهار غدرا. فكأن كل مستعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده. هذا وزمر الطلاب وطلبة الأجلاب لا

стр. 2851

تزال تزجي إليه القلاص، ويكثر من سربه الاقتناص وكلها تفنن عيونا، وتحسن أبكارا وعونا. قال أبو الفتح ابن اليونيني: كان أوحد عصره في علم النحو واللغة العربية مع كثرة الديانة والصلاح والتعبّد والاجتهاد. وسمع وحدّث. وكان مشهورا بسعة العلم والإتقان والفضل، موثوقا بنقله، حجّة في ذلك. وله عدّة تصانيف حسنة مفيدة، وإليه انتهى علم العربية. ولم يكن في زمنه من يجري مجراه، وفي غزارة علمه ووفور عمله. وكانت وفاته بدمشق في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمئة. ودفن بسفح قاسيون، وهو في عمر الثمانين. ورثاره ابن الظهير بقصيدة منها: [الخفيف] أدرى الخطب من أصابت سهامه … واستخفّ الحلوم حزنا حمامه أم درى زائر المنيّة إذا قدّ … م ما ذا أذاقنا إقدامه بالإمام ابن مالك فجع الدي … ن فغشّى ضوء النهار ظلامه بإمام أفنى اللّيالي والأيا … م في البرّ والكتاب أمامه خلّدت ذكره الجميل علوم … خلّدتها من بعده أقلامه كم سقيم من الكلام شفاه … بعد ما أيأس الأساة سقامه ومفهّم من الدقائق ما أم … كن منها الفهوم إلا اهتمامه خلّف الفاضل الفريد أبا بش … روآنست أيّامه أيّامه لو حواه ومن تقدّم عصر … لأقرّت بفضله أعلامه من لأهل الآداب من بعده ها … د إلى منهج الصواب كلامه فقروا راغمين منه أبا برّ … ا عطوفا فكلّهم أيتامه أولع النقص بالكمال فما … أوجب هذا السرار إلا تمامه

стр. 2852

ومنهم: ٤٩ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح ابن الفضل البعلي (١٣) الحنبلي. متدارك للدما، سالك سبيل القدما. نهج إليهم سبيلا، واتّخذ لديهم قبيلا، ولم يرض من غيرهم قيلا، ولا في أكناف سواهم مقيلا. فما ترك من منهج، ولا أدرك إلا من أبهج. قيل إنّه طالما بادر السهر والنهار ما ارتحل، والليل طرفه بالظلماء أول ما اكتحل. وقام ليلته وشهبها قعود وفجرها لا ينتظر منه غير وعود. وكان على مثل هذا غمر نهاره الذاهب، وطول يومه إلى أن يلبس حلّة الراهب. عائما في نهره الطافح، ومحلقا تحت جانحه الطائح، إلى أن تقدّم إماما، وحاز الفضائل تماما. وحدث ابن أبي الفتح، قال: حدثني صاحبنا الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن عبد المولى بن خولان الحنبلي، قال: لمّا كنت ببعلبك، كنت بمقبرة باب سطيحة من مقابر بعلبك في جماعة من الناس، منهم رجل صالح اسمه إسماعيل بن يعقوب الإسكافي، فقرأ القرّاء سورة تبارك، وإسماعيل المذكور تجاهي واقف، ولم يكن به مرض، بل كان سويّا. فلمّا سمع القراءة تغيّر وجهه، إلى أن وصلوا إلى قوله تعالى: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (¬١﴾، رفع يديه كالمصلّي، وخرّ على وجهه وأنا أنظر إليه، فابتدره رجل فرفعه، فإذا هو ميّت، ثم كان بعد سبت خرجت إلى المقبرة القبلية في جنازة، فلما وضع الميّت في القبر شرع القرّاء في سورة تبارك، وكان القمر ابن عزائم واقفا تجاهي، فلمّا سمع القرّاء تغيّر لونه، فلما وصلوا إلى الآية المذكورة سقط على جنبه الأيمن، ولم يكن به مرض فابتدره رجل فرفعه مسرعا فإذا هو ميّت. قال: فهاذان رجلان قتلتهما آية واحدة من كتاب الله. وأنا أنظر لمن يخبرني بذلك مخبر.

стр. 2853

ومنهم: ٥٠ - أحمد بن سباع بن ضياء الفزاري (١٣) الشافعي الخطيب، شرف الدين أبو العباس. رجل وجد له إلى الخير ابتعاثا، وجدّ حتى علق الثريا رعاثا (١). أعرف في فزارة، وأعتق إلى العلم قراره. وسكت فطنا، وسكن العلياء وطنا. ورقي المنابر فكان المنى بروائه، والريّ بأنوائه. فنوّر البصائر، وصوّر ما إليه المرء صائر. هذا كله مع تجنّب التعقيد، وتسلية الفقيد، والتبصير بالدنيا وغرورها، والتذكير بما ردّ العقول إناثا من عدم سرورها. ولم يزل على هذا حتى صار مثلا من أمثالها العوابر. وواحدا من سفارها إلى أن حضر المقابر فلا تسمع إلا همسا، ولا تطلع لهم إلى يوم القيامة شمسا. كان من أكابر العلماء الفضلاء، بصيرا بالفقه، فردا في النحو والعربية ومعرفة اللغة، ضابطا محرّرا خطيبا فصيحا، لسنا كيّسا ظريفا، دمث الأخلاق ممهّد الأكناف. ليس بالجافي اللفظ، ولا بالشحيح، لكن إلى دين متين، وورع زائد، يحب الناس ويحبّونه، ويليهم ويلونه. من أخذ عنه أخذ، ومن أخذ عن غيره أتاه عند الانتهاء ليأخذ عنه، وإن كان في غنى بما حصل؛ تشرفا بالأخذ عنه والانتساب إليه. وكان على رأي أخي العلامة تاج الدين يحضر السماع، ويخرج إلى البساتين والمتنزّهات، ويتمشّى تحت قلعة دمشق، ويقف على الخلق بها. وربّما قعد كيّسا وتطرّفا من غير كبر يرفعه ولا تبذّل يضعه، ومن كان فوق محلّ النجم موضعه. وكان يحب الوجوه الصباح، ويميل إلى الكلف بالملاح، مع عفاف يشهد به، ويتقرّى الليل عن صاحبه. وكانت تجري بينه وبين أخيه تاج الدين نوادر ما تراشق بمثلها

стр. 2854

الظرفا، ولا نودم بشبيهها الخلفا. وحكى لي شيخنا ابن قاضي شهبه، ﵀: أنه كان معه مرة في بستان دعي إليه، فأقاموا به يومهم. فلما جاء وقت العشاء قدّمت إليهم أنواع من الأطعمة، منها لبنيّة، فلمّا أكلوا قال رجل هناك لأصحاب البستان: هذه اللبنية مليحة، بيّتوها لنا عندكم إلى غد. فقال الشيخ شرف الدين: لا والله لا كيد ولا كرامة بغد، إنها مليحة ما يبيتها إلا أنا ولا تبات إلا عندي. وحكى لي المحبّر أبو القسم ابن مبشّر الحولاني، قال: لمّا شغرت وظيفة الخطابة بدمشق تطلّع كلّ متعيّن إليها. فقال والدك: مالها إلا الفزاري وعيّنه. فلمّا وصل التوقيع الشريف له بعثني به إليه، وهو لا يعلم، ففرح ثم قال: قل له يا سيدي قد وصلت الوريقة وبقيت الخريقة، يعني الخلعة. فأتيت والدك وبلّغته ما قال فضحك، ثم أمر بالخلعة فعينّت له وجهّزت إليه. وحكى عنه اليونيني قال: حججت سنة خمس وسبعين وستمئة، فاجتمع في تلك السنة في الحج جماعة من علماء الأقطار: ابن العجيل من اليمن، وابن دقيق العيد من مصر، وأخي تاج الدين الفركاح من الشام في ناس آخرين، فاجتمعوا في الحرم، وكان عبد السلام بن غانم الواعظ قد حجّ من مصر، فجلس تجاه الكعبة المعظمة وحضر أمير مكّة، وأمر عبد السلام بأن يتكلّم، فقال: الحمد للّه ذي القدرة التي لا تضاهى، والحكمة التي لا تتناهى، والقسمة التي لا يطيق خلق يتعدّاها. ثم ذكر خطبته، ومنها في ذكر الكعبة المعظمة. فسبحان من شرّف هذه البنيّة واصطفاها، وجعلها حمى لمن حول حماها، وحرما آمنا لمن وفّى عليه لما وافاها، ووجهة لمن واجهها اتجاها، وأراد عندها جاها فهي التي هاجر منها الحبيب وما هجرها ولا قلاها، وما انقلب قلبه إلى قبلة سواها حتى أنزل عليه جبريل في آيات تلاها: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها (¬١﴾.

стр. 2855

قوله: [الوافر] فولّ بوجهك الحسن المفدّى … إليها حيث وجّهت اتجاها فإن أباك إبراهيم قدما … لأجل رضاك عنّا قد بناها وإسماعيل طاف بها ولبّى … وطهّرها لمشتاق أتاها هي البلد الأمين وأنت حلّ … فطاها (١) يا أمين فأنت طه فهلّل عند مشهده عيانا … وزمزم (٢) عند زمزمه شفاها فيا حجّاج بيت الله طوفوا … بكعبتها ولبّوا في ذراها فهذا الفخر إن حاولت فخرا … وهذا الجاه إن حاولت جاها ومنهم: ٥١ - كمال الدين عبد الوهاب بن محمد ابن ذؤيب الشهبي الشافعي أبو محمد المشهور بابن قاضي شهبة (١٣). حافظ بقية أحيا مواتها وحيي أمواتها. جهد دهره، وجهل من حسب يومه أو شهره. وجدّ لا يثنيه نهار يتوقد سعيره، ولا ليل يملّ منه سميره. وكان سواء عليه أقبل الصيف بقيظه، والحرّ يتحرق صدره بغيظه، وقد انتصبت حرباؤه وانتصفت من الليل حوباؤه (٣)، أوجاء الشتاء يمدّ مضارب غيومه ويقرر ضرائب عمومه. ويرشق نبال وبله، ويربط خيط سحابه الناس في حبله؛ بل لا يزال على حالة واحدة في الحالتين وعدم استحاله في بلواهما الحالتين.

стр. 2856

أخذ الفقه عن الشيخ تاج الدين، والنحو عن أخيه شرف الدين وغيره، وبرع فيهما، واقتصر من بقية العلوم عليهما. وعرف بالنحو حتى صار دليلا يرشد إليه، وعلما دالا عليه. كان يجلس بمسجد الجامع الأموي للاشتغال ويقرئ الفقه والنحو. وكانت الرغبة في أخذ النحو عنه أكثر، وكان به أشهر وكان على سعة فضله وكثرة فقهه لا يفتي؛ تورعا. وإذا أتاه مستفت يقول له: رح إلى فلان. وأكثر ما يدل على ولد شيخه، الشيخ برهان الدين. وكان معظما في الصدور. أراده قاضي القضاة ابن صيصري على أن ينوب عنه فامتنع، ثم طلبه شيخنا قاضي القضاة القزويني الخطيب لذلك فأبى. وكان عنده وسواس، لا يمسّ كتابا بيده ولا ورقة ولا غير ذلك. فإذا أراد إمساك شيء أمسكه بمنديل، أو بطرف ثوبه، ثم يغسله بعد ذلك في الغالب. وكان رجلا ليّن الجانب حسن الخلق. تحدث عن مشيخة الفزاريين، بما كان يجري بينهما من المحاورات الظريفة والمراجعات اللطيفة إلى غير ذلك ممّا هو مشهور عمّا كان يكون بينهما. وأول ما قرأت النحو عليه في عنفوان العمر وأوان البداه. وكان يجيد التفهيم، ويقرّب طرق التعليم؛ ولهذا كانت الرغبة إليه مصروفة، والطلبة عليه موقوفة. حكى لي من غريب الاتفاق: أنه لما كانت نوبة مرج الصفر، وبقي الناس بين قائل: إنّ السلطان خرج للقاء العدوّ، وقائل إنه ما خرج، قال: فبينما الناس في ذلك، وأنا في مكاني بالجامع، وإلى جانبي النبيه أخذ رفقتنا في الاشتغال؛ إذ أتاني رجل يريد القراءة عليّ، فشرعت اعتذر إليه بشغل الخاطر بما الناس فيه، ويأبى إلا أن يقرأ، فلمّا رأى النبيه الحاجة عزم على أن أقرئه، فقلت له: في أي شيء تريد أن تقرأ؟ قال: في كتاب الجمل للجرجاني وأخرج نسخته، فأخذها النبيه، وقال: نأخذ منها فألا للناس، فقلت له: وأي شيء يكون في هذا الكتاب؟ فقالك لا بدّ من أخذ فأل منه، ثم فتح الكتاب فإذا في أول الصفحة ما صورته، جاء زيد، وطاب الخبر، وذهب القوم. فاستبشرنا وقلنا: الله أكبر، جاء السلطان، وطاب خبر الناس، وذهب العدو وكان كذلك.

стр. 2857

وحكى لي أن أباه القاضي شرف الدين كان كثيرا ما يقول: يا ليت شعري ما في الأموات عاقل يرجع إلينا ويخبرنا بما جرى لهم. فلما مات جلسنا يوما على قبره، فذكرنا ما كان يقول، فقال رجل من أصحابه كان حاضرا عندنا: يا قاضي شرف الدين، أنت رجل عاقل وقد صرت من الأموات، فهلا رجعت وخبّرتنا بما جرى لكم؟ وإذا برجلين مارّين على خيل لم يسمعوا كلامنا ولا يعرفهم منّا أحد، وإذا أحدهما يقول للآخر: تريد الصحيح، سلّم إلى الأنبياء تستريح. فقال: هذا والله الجواب، وهذا أيضا من عجائب الاتفاق، وهو من أول شيوخي الذين عليهم قرأت، ومنهم استمرأت، قرأت عليه النحو. ثم كان جلّ استفادتي على قاضي القضاة ابن مسلم رحمهما الله تعالى. ومنهم: ٥٢ - الضياء العجمي ذو جدّ. عدم الانبساط وعدل على الأقساط، فعكف عليه وعرف ما لديه. ترقّت أسارير مزنته، وصدقت تباشير منّته. فأعاد العلم إلى أحسن حاله، وجاد يخضّب أمحاله. وكان يأبى على الاستعجال بما يعجز على طول المجال؛ فلا يجسر أحد على بحره، ولا يسعه إلى الاستسلام لسحره؛ ولهذا كانت الطلبة تبتدر فوائده بدار الطير إلى طلب أقواتها، وتؤدي إليه الفرائض في أوقاتها. فكان الطالب لا يزال مغترفا من نهره، ولا يغتر بغيره متاعا من دهره؛ إلا أنه عرض له هوى جذبه بأطواقه، وسلبه إلا من أشواقه، إلى بعض أبناء الأمراء بدمشق، فطار هواه بلبّه، وأذكى جواه بقلبه. وكان الصبّي يعرف بابن دمرداش. وكان يعيّر الغزال إذا التفت، ويغيّر الهلال محاسنه إذا اختفت. وكان على هذا الحسن ذا كيس ينتهب الأحشاء ويحدث الانتشاء فآل به حاله في عشقه وتملّكه له، حتى يئس من عتقه إلا أنه سلب عقله، وأهمل غفله، وسافر إلى مصر سفرا ساقه لحينه، وسباه بطول بينه. وكان قد تمّ

стр. 2858

مقتله بسيف السلطان لا بالعشق وتسويل الشيطان. كان فقيرا متصوفا بالخانقاه السميساطية. وكان يجلس للإقراء بالكلاشة، ويقرأ عليهم النحو واللغة. وكان أكثر إقرائه في مقدّمة ابن الحاجب، وكان يحبّها. ويثني عليها ويقول: هي نحو ظريف، واستفاد به جماعة. وكان دمث الاخلاق حسن العشرة عشاقا طامح النظرات. وأحبّ في آخر عمره صبيا من أبناء الجند يعرف بابن الدمرداش. وكان له أخ أحسن منه، وكان يخرج إلى سوق الخيل فيقف به ليراه إذا مرّ به في المركب، فقال له شيخنا ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، لأيّ الآتيين أنت عاشق؟ فقال: لغلام، سمّاه. فقال له ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، فلأي شيء ما عشقت هذا، فاعشق أنت ذاك. فقال له: إذا أذنت لي عشقته. فقال له: أنت ما تحتاج إلى إذن. قال: ولم قال لآذانك طوال؟ وكان يأخذ في يده حزمة من الرياحين، ويطوف بها أكناف المدينة، فإذا رأى مليحا أدنى إليه تلك الرياحين فشمّمه إيّاها، فإذا عتب به أحد من الرجال، وذو اللّحى، وقال له شمّمني قلب الحزمة وضربه بالعروق على أنفه. وقال له رجل يوما بحضوري: أنت لا تزال في عشقة بعد عشقة، فابتدرت منشدا قول القائل: [البسيط] الحب أولى بي في تصرّفه … من أن يغادرني يوما بلا شجن فصاح صيحة عظيمة، ثم قال: أحسنت. اطّلعت على قلبي، وقلت بلساني، ثمّ خرّ مغشيّا عليه. وأتى يوما ديوان الإنشاء، ونحن به، وشيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود جالس، ونحن عنده، فلمّا رأى ما به من البلاء، وخروجه حيّز العقلاء أنشده: [الطويل] يقولون لو دبّرت بالعقل حبّها … ولا خير في حبّ يدبّر بالعقل فصاح صيحة شديدة، وقال: يا مولانا حبّه جنّة، ولم يزل يقولها إلى أن غاب عن صوابه، وسقط إلى الأرض مغشيا عليه، وبقي عامة نهاره ملقى على تلك الحال، ثم زاد به

стр. 2859

الحال، فخرج سائحا كالهائم على وجهه؛ حتى أتى مصر وكان له عكّاز يتوكأ عليه، وكان فيه سيف على عادة الفقراء المتجولين، فرأى نصرانيا نازعه في بعض الأمر، فاخترط السيف وضربه به، فأنهي أمره إلى السلطان وحمل عليه كريم الدين لتعصبه للنصرانية. ولم يزل به، حتى أمر السلطان به فقتل، وكان قد أتى خبره الفقراء المتصوفة بمصر والقاهرة فجسروا وطلعوا إلى القلعة ليخاطبوا السلطان فيه، فما وصلوا، حتى قضي الأمر فأخذوه، وتولّوا غسله وتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه. ومنهم: ٥٣ - علي بن داود (١٣) ابن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن موسى بن جبارة بن محمد بن زكرياء بن كليب بن جميل بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الحنفي، أبو الحسن نجم الدين الفجفاري. علامة علما، وعمامة سما، ولسان عرب وبيان أدب، وملقي دروس، ومبقي سحب عنبر على كافور طروس. وفارس منبر وغارس موعظة في قلب من برّ. عرض عليه منصب القضا فلم يقابله بالارتضا زهدا في منصبه وكرها أن يسرح في مجدبه أو مخصبه. هذا مع كيف ممهد للمحاضر، ولطف منشط للمناظر، وحسن إقبال على الجليس وبشر، لولا أنه حنفي المذهب لما نظره بالبرق من يقيس. وكان ملجأ لمؤمل، ومنجى لسائر متحمل، وصار موئلا يثاب ومؤملا لديه حسن مآب، تتخذه الطلبة ثمالا وترد إليه خفافا وتصدر ثقالا. لم تزل تشدّ به افتقارها، وتوسق منه أوقارها (١). ولم يبرح على هذا حتى أمسى بلدي المنايا، سلّوا ممزّعا، وقسما موزعا، بعد أن كان إنسان عين، وآي جمال وزين. مزنه سحاب، ومزيّه

стр. 2860

صحاب. بعد مفرعا وينشر أحسن من ثوب السماء مجزعا؛ ولكنها المنيّات وحوادث الدهر والبليّات. شيخ أهل دمشق في عصره، خصوصا في العربيّة. قرأ عليه الطلبة وانتفع به الجماعة، وله النظم والنثر والكتابة المليحة القويّة المنسوبة. قال أبو الصفاء الصفدي (١): وله التبدير الحلو والتدريب الزايد، يكثر من ذلك في كلامه، ويشحن أشغاله الطلبة بالزوايد، ويورد لهم النوادر والحكايات الظريفة والوقائع الغريبة المضحكة. سمعته يوما يقول لمنصور الكتبي رحمه الله تعالى: يا شيخ منصور، هذا أوان الحج، اشتر لك منهم مئتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة. فقال: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك جرابا قدره عشر مرّات. وقال أبو الصفاء الصفدي: حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يوما لغزا للجماعة وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون: [الرجز] يا أيها الحبر الذي … علم العروض به امتزج (٢) ابن لنا دائرة … فيها بسيط وهزج ففكّر الجماعة فيها زمانا، فقال واحد منهم: هذا في الساقية. فقال له: درت فيها زمانا حتى ظهرت لك. يريد أنه ثور يدور في الساقية. وقرأ القرآن على ابن المطرّز، وأخذ الفقه عن ابن الحريري والصدر علي، وكذلك أخذ الفرائض عنه، وأصول الفقه والهيئة على ابن جماعة، وعن جلال الدين الجاري الأصول خاصة، والنحو عن الفزاري والتونسي، والبلاغة عن ابن النحوية، والمنطق والجدل عن السرّاج الرومي. وسمع الحديث من ابن الدرجي وجمال الدين الزواوي وشرف الدين البارزي.

стр. 2861

كتبت إليه: [المنسرح] من زاخر البحر يلقط الدرر … ومن فروج الغمامة المطر ومن جنى الدّوح كلّ مانعة … كأنها الشّهد واسمها النمر ومن بديع الرّياض لا عجب … إذا اجتنى من خلالها الزهر ومن سنا النجم كلّ لامعة … غرّا تجلّى بنورها البصر نجم على هدي وفاض ندى … وهكذا النجم بل هو القمر حبر أعار الربيع حلّته … حسنا إلام هذه الحبر (١) مكمّل والبحار تشبهه … لكنها من نداه تختصر فواضل لا يعدّ أيسرها … والرمل في العدّ ليس ينحصر زادت على حاتم مكارمه … ما حاتم عند جوده بشر هذا عليّ وذو الفقار له … من حلّة اللفظ هذه الفقر فتى قريش ورأس سؤددها … ما ضرّ رايته إن نأت مضر لا يبلغ المدح فيه غايته … أستغفر اللّه حيث أعتذر من مثله والسماء موضعه … والزاهر النجم رهطه الزّهر أنعم بعيش النعمان حيث أتى … وهو له في الحتوف ينتصر وقوله الفصل فوق منبره … لا الطول يسيء به ولا القصر لو يحضر الفارقي خطبته … لمّا تعدّى لسانه الحصر وأبيض الوجه يوم قاصده … فمن أبو الأسود الذي ذكروا لو أنشد الغرّ من قصائده … ليلا لطالت في دهمه الغرر ولا لعبد الرحيم واجده … شبيه إنشائه ولا الدّرر إن لم تعدّوها فدونكم … ممّا ادّعيناه البحث والنظر يا طالبا في العلا طريقته … أقصر وإلا سوف تقتصر ويا مطيل المدى ليلحقه … البرق في السّبق ماله أثر

стр. 2862

يا ابن البهاليل من بني أسد … ومن سطاه الناب والظفر يا ابن الزبير الذي يفلّ به … حدّ المواضي وكلّها زبر لكنا بالنّهى محجبة … أنّى نراها وحجبها الفكر وجاء يا ابن الزبير يخطبها … إليك كفؤ وجدّه عمر وأنت من لا يردّ سائله … وها أنا للجواب منتظر فكتب إليّ: [المنسرح] يا منعما رمت شكر أنعمه … فحال بيني وبينه الحصر وأنفق الفكر واللسان معا … عليّ واستعصيا ولا وزر وأظهر العجز عن قيامهما … بشكر ما لا يحصى ومنحصر وبان لي في الإباء عذرهما … ودافع الحق بالهوى بطر والحرّ من دأبه وعادته … يرقّ للحر حين يعتذر وكيف لي بالذي أروم إذا … لم يسعد النطق لا ولا الفكر لكنني للحسود أذكر ما … يخرج من ذاك صدره الوجر (١) سحب أياد سحّت على جرز … فأنبت الشكر سحّها الحصر وغادرت من نميرها غدرا … لا جنّ (٢) ماؤها ولا كدر أضحت ظلال الوداد وارفة … به تهادى وأينع الثمر في ضمن ذاك الحيا عقود ندى … أصدافها السود حشوها الدّرر يشرق منها الدجى مفصّلة … بعنبر عرف طيبه عطر تنعم ريّاه أنف كل فتى … أذابه في حلى العلا غرر وليس فيما وصفته عجب … سيول غيث يزيدها بحر يا ملبس الطّرس من بلاغته … حلّة وشي بقوسها فقر

стр. 2863

وغارسا فيه كل عارقة (١) … فرائد الجوهري لها ثمر تودّ زهر النجوم من حسد … لو أنّها في غصونها زهر إذا تأملتها يقابلني … من كل وجه من أفقها قمر هذا وكم قلّدت عقود علا … يمناك قيلا تحفّه زمر وكم أمور أودعتها فغدت … تشبه أرواح معشر قبر مالي وعدّي لما حويت وهل … بالعدّ تحصى الرمال والمطر لكن جداي لبعضها منن … حمّلتها عاتقي لها خطر وحثّني نحوها مقالك لي … بأنني للجواب منتظر فسبقها سير وجهها يدها … يمنعها كشفة لك الحقر وكيف لا والذي آتيك به … وطرفها بالحياء منكسر هدية جلّ ثمرها حشف … إلى كريم جنابه هجر (٢) فاقبل يسيري ولا تلم كرما … منا فقا في ذراعه قصر قد أعجزته عن القيام بما … يلزم حالان الضعف والكبر ومن نظمه قوله في المنثور: [الطويل] ولم أر في المنثور عرفا ومنظرا … وفرط سخاء في جميع البدائع تراه إذا السارون مرّوا بغفلة … عليه مشيرا نحوهم بالأصابع وقوله وقد طلب منه في جارية اسمها قلوب: [السريع] عاتبني في حبّكم عاذل … يزعم نصحي وهو فيه كذوب وقال ما في قلبك اذكره لي … فقلت في قلبي المعنّى قلوب وقوله: [السريع]

стр. 2864

حاولت من أهواه في قتله … فقال ما يشفق من عارضي فقلت يا بدر الدجى مذهبي … أنّي لا اعتدّ بالعارضي وقوله: [السريع] أضمرت في القلب هوى شادن … مشتغل في النحو لا ينصف وصفت ما أضمرت يوما له … فقال لي المضمر لا يوصف وقوله، صدر كتاب إلى ابن نصحان حين سافر إلى البلاد المصرية: [الكامل] يا غائبا قد كنت أحسب قلبه … بسوى دمشق وأهله لا يعلق إن كان صدّك نيل مصر وأهلها … عنهم فلا غرو إلا العدو والأرق وقوله من أبيات أجاب بها الفاضل تاج الدين اليماني: [المديد] أقبلت تختال في حلل … وشيها من صنعة اليمن فرعها يملي خلائطها … ما يقول القرط في الأذن ومن خطبه التي تلج القلوب، وتخرج إلى الإقلاع والإقلال من الذنوب قوله: أيها الناس تأنّسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم، وجانبوا مكاسب المآثم؛ فإنها معادم. وأيقظوا عيون العزائم فإنّها نوائم، واغتنموا أوقات الطاعات فإنها مواسم. هذا، عباد الله شعبان وأخذه بكم ركائبه، مملوءة بمتاجر أعمالكم حقائبه، فالسعيد من زكّى فيه بالإخلاص مكاسب أعماله، والشقيّ من أضحت زيوف المعاصي رأس مال آماله. سحقا له من مغبون. ما أخسر صفقته! ومدلج في دياجي الأطماع ما أبعد شقّته! باع الباقي بما يفنى، واعتاض عن النفيس العالي بالأدنى. تبرّجت له الدنيا فأخلد إليها، وضمنت له كواذب الآمال سلامته المآل فاعتمد عليها؛ حتى إذا استرجعت منه الأيام ما وهبت، وأخلفته الآمال المواعد وكذبت، ورأى وجود أمانيه عدما، وصحة ظنونه سقما، عضّ على يديه ندما، وبكى بذلّ الدموع بالدما، واستصرخ فلم يجد مسعدا ووجد منسي أعماله حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا.

стр. 2865

وقوله: اغتنموا أيام المهل قبل انقراضها. وداووا سقم النفوس بذكر هجوم الأجل قبل استحكام أمراضها، وروّضوها عن جماحها في الشهوات فإنّه لا نهاية لأعراضها. واعملوا ليوم لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود عن والده. ولا محيد لمن غلبت عليه الشّقوة عن مناهل عذابه وموارده، وابتهلوا إلى ربّكم في أوقات البركات؛ فما حرم فيها من قصده بركة مقاصده. ومنها الخطبة التي خطب بها أول جمعة أقيمت بالجامع السيفي يشكر كافل الممالك الشامية، وهي: الحمد للّه منشئ أصناف الأمم وصانعها، ومؤلف أشلائها بعد العدم وجامعها، ومنطق جوارحها بما اخترجت وسامعها، وباعث هممها على الخير ووازعها (١)، ومجري سوابق آمالها في ميدان آجالها، نحو مطامع مطامعها الذي أجزل مواهب السعادة لمن شيّد بيوت العبادة، وشكر صنيع من قدح بالإحسان زناده؛ فوعده الحسنى وزيادة. وفضّل بقاع الأرض بعضها على بعض، فاعل في الشرف محلّها، وناط بها أسباب السيادة فاتخذها صالح عباده معاهد للعبادة. فطوبى لمن حلّها، وادّخر من القرب نفائس يحق في مثلها التنافس، ثم وفّق لها قوما كانوا أحقّ بها وأهلها. أحمده على ما أسبغ من نعم زكت مغارسها فصفت ملابسها، وأولاه من منن صيغت مشارعها فنمت مراتعها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. شهادة أحكم الإخلاص بالقلب معاقدها، وصفّي من شوائب أكدار الشكوك مواردها، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، والكفر مخصبة مراتعه أهله بالأشقياء مرابعه، قد مدّ في الأرض خطاه، وتجاوز الحدّ في الطغيان وتخطّاه. فلم يزل ﷺ يهيج بنانه بجنوب الحق

стр. 2866

وضاه، وبيد طغاته رطى (١) الأثمان وشباه (٢)؛ حتى أصبح وارف زرعه غثاء، وأمسى أنس ربعه قواء (٣) صلى الله عليه وعلى آله غدوة ومساء، صلاة يبلغهم بها من النعيم المقيم أملا، ويحقّق لهم رجاء. أيها الناس جدّوا في الطاعة قبل تعذّر الاستطاعة، وجذّوا حبائل الأطماع بمدى القناعة. فكم أطلعكم الدهر تقلّبه على الحقائق فاغفلتم اطّلاعه، وكم أسمعكم لسان حوادثه أبلغ المواعظ لو وعيتم إسماعه! فيالها غفلة شاملة، وأمنية باطلة وأطماعا كاذبة. وآمالا خابية وقلوبا عن العظات لاهية، وأسبابا من التعلّلات واهية، فوجهوا رحمكم الله إلى جهة الاعتبار عيون أفكارهم، وانبوا إلى تأمل الإشارات عنه أسماعكم وأبصارهم؛ فإن من استمع بخطوب الأيام غني عن خطب الأنام، ومن اقترع معالق الآثام استأذن على الانتقام. ومن خطبة في رأس السنة: الحمد لله الذي لا تدرك عظمته ثواقب الأفهام، ولا يحيط بمعارف عوارفه خطوات الأوهام، ولا يبلغ مدى شكر نعمه محامد الأيام. الذي طرّز بعسجد الشمس حواشي الأيام، ورصّع بجواهر النجوم حلّة الظلام، وفصّل بلجين الأهلة عقود الشهور والأعوام. أحمده على نعمه الجلائل العظام، ومننه الشوامل الجسام. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له شهادة لا ينقص لها تمام، ولا يحقر لها ذمام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وسوق الباطل قد قام، ومحبّ الضلال قد هام، وطرف الرشد قد نام، وأفق الحقّ قد عام. فجرّد سيف العزم وسام (٤)، وعنّف على الغي ولام، واقتاد الخليفة إلى السعادة بكل زمام. صلى الله عليه وعلى آله الخير الكرام، صلاة لا انفصام لمسابغها ولا انفصام.

стр. 2867

وقوله في خطبة عيد الأضحى: الحمد للّه العظيم شأنه، العزيز سلطانه، القديم إحسانه، الذي أسمع دعوته إلى عرفات عرفاته من كل طريق. قلّبتها قلوب أولي الإنابة، مسرعة في الإجابة، ووافتها من كل فجّ عميق. حمده على نعمته التي أحلّت مغنى الغنى فتحلّت بفرائد الأجياد، ومننه التي بلغت منى المنى، وكل الأيّام بها أعياد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يخلق (١) الملوان (٢) جديدها، ولا تنال يد الشك مشيدها. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أرسله رحمة للبرايا، ومحذرا من سوء عواقب الخطايا، فطهّر من رجسها السجايا، وساق إلى محلها الهدايا، وبعث الهمم على الضحايا صلى الله عليه وعلى آله المنزّهين عن الدنايا، صلاة لا تنفكّ سعادة في البكر والعشايا.

стр. 2868

[علماء النحو بالمغرب]

стр. 2869

وأما علماء النحاة بالمغرب فذو عدد، وأولو مدد، وأصحاب لسان فيه وتد (١). ١ - عبد الله بن محمود المكفوف النحوي القيرواني (١٣) ذو ذهن ثاقب، وأخو علا ومناقب. ظهر في بلاد المغرب ظهور وجود من عدم، واشتهر اشتهار نار على علم، وكثرت بتلك الأرض أتباعه، وتنوّر باطنه لمّا انعكس إليه من ظاهره شعاعه. وكان مفرط الذكاء يكاد يتوقّد، ولا يزيد حفظ شيء سمعه إلا وكان قد (٢)؛ حتى كان لا يناضل إلا في الاعتلاء، ولا يفاضل إن كان إلا بينه وبين أبي العلاء. كان من أعلم خلق الله بالعربية والغريب والشعر وأيام العرب، وأخبارها وله كتاب في العروض يفضله أهل اللغة على سائر الكتب. وإليه كاتب الرحلة من جميع إفريقية والمغرب. وكان إذا قرئ عليه الكتاب مرتين حفظه. توفّي سنة ثمان وثلاثمئة. ومنهم: ٢ - إبراهيم بن عثمان أبو القاسم ابن الوزّان القيرواني (١٤) النحوي اللغوي. إمام الناس في النحو بالمغرب، والإلمام منه بكل مغرب. هذا إلى لغة

стр. 2870

جمع أطرافها ومدّ طرافها (١)، وفصائل استتمّ أوصافها، واستكمل جملها لإنصافها. وكان لو وزن به فتى مازن، أو أبو عثمان لخفّ في كفّة ابن الوزّان. وكانت العلماء تجلّه، وتستملي منه وما تملّه. وكان ذا بصر حديد، وفكر نفسه مديد. حفظ كتاب العين للخليل والمصنّف لأبي عبيد وإصلاح المنطق لابن السكيت، وكتاب سيبويه وأشياء، وكان يميل إلى كلام أهل البصرة. ويفضل المازني في النحو، وابن السكّيت في اللغة، وقال فيه بعضهم: لو أن قائلا قال إنه أعلم من المبرّد وثعلب لصدّقه من وقف على علمه. وذكر جماعة ممّن جالس ابن النحاس بمصر، وأكمل نظرا. ولقد كان يستخرج من العربية ما لم يستخرجه أحد. وكان غاية في استخراج المعمّى. توفي يوم عاشوراء سنة ست وأربعين وثلاثمئة. ومنهم: ٣ - أبو بكر محمد بن عبد الله مذحج ابن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي (١٣) نزيل قرطبة. رجل كانت له ظلاله وارفة، وأفعاله لا تخلو من عارفة. لم يزل وسنه لم يتغير، وفمه للاكتساب لم يفغر. يغادي العلم ويراوحه، ويماسي الطلب ويصابحه. يوافي كل شيء لميقاته، ويقطع فيه عمر أوقاته. ورسنه ممتد، ووسنه قد أقسم لا يرتدّ. فلم يستدر خدّه بلثام عارضه، وحان خذّه (٢) ألا يلتأم بسيف معارضه إلا وكان قسورة يتأبى مهاجمته، ويخاف أن يهجم عليه أجمته، فأعملت

стр. 2871

إليه اليعملات (١)، وأضحت فوائده مؤمّلات. واهتدى به هدي الركائب بالعلم، واستهلّ استهلال السحائب، يرش رشاش ماء الورد. قال ابن خلّكان: كان أوحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وعلم السّير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنّه مثله في زمانه. أخذ عن القالي لمّا دخل الأندلس. وله كتب تدلّ على وفور علمه، واختاره المستنصر لتأديب ولده، وليّ عهده هشام المؤيد، فعلّمه الحساب والعربية، ونفعه نفعا كثيرا. ونال به الزبيدي دنيا عريضة. وولي قضاء إشبيلية والشرطة. وحصل نعمة ضخمة لبسها بنوه بعده زمانا. وكان يستعظم أدب المؤيد زمان صباه، ويصرف رجاحته وحجاه. وللزبيدي شعر كثير منه قوله: [الطويل] أبا مسلم إنّ الفتى بجنانه … ومقوله لا بالمراكب واللّبس وليس ثياب المرء تغني قلامة (٢) … اذا كان مقصورا على قصر النّفس وكان في صحبة المستنصر. وقد ترك جاريته بإشبيلية، فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له. فكتب إليها: [مخلع البسيط] ويحك يا سلم لا تراعي … لا بدّ للبيّن من زماع (٣) لا تحسبيني صبرت إلا … كصبر ميت على النزاع ما خلق اللّه من عذاب … أشدّ من فرقة الوداع ما بينها والحمام فرق … لولا المناجات والنواعي وعاش ثلاثا وستين سنة (٤)، وتوفي يوم الخميس، مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمئة بإشبيلية.

стр. 2872

ومنهم: ٤ - محمد بن جعفر أبو عبد الله القزاز (١٣) التميمي. لا ينسج له طرح، ولا يغار لبزّه على شرح. هو أدرى بنسيج حلله، وأعرف بقدر خلله. يسلم القريض منه إلى بزازه. ويقدم منه إلى العلم بما هو أوفق لطرازه. لو سبق ميلاده في تميم لألحقته بفرزدقها (١)، ولرنت شمسه فقمره في أفقها. قال ابن رشيق: كان الغالب عليه النحو واللغة والافتنان في التأليف. وله شعر ربّما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحضر له ولا تجفل. فبلغ بالرفق والدعة أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني، وتوكيد المباني علما بمفاضل على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله الكلام وفواضل النظام ومما أنشد له، قوله: [البسيط] هذا أخي وشقيقي المرتضى ويدي (م) … اليمنى وموضع أسراري وإعلاني دعا فعمّ الورى طورا وأسقطني … إسقاطك النون من ترخيم عثمان وكنت في النفري (٢) أدعى فصرت لقى (٣) … لا أوّل الجفلى أدعى ولا الثّاني وقوله وذكر ثلاثة أقبر فاقتص أثر النجوى في الوزن والرويّ والمعنى ثم أجاد وزاد: [الطويل] ألا قل لدهر فرّق الدهر شملهم … فمن منجد بادي المحل ومتهم إذا يمّم الحادي بكم قصد بلدة … فسرتم على قبر هناك معظّم تحلّ بمثواه الوفود رحالها … وتنحر أبناء الجديل وشدقم (٤)

стр. 2873

فعرّج به واستوقف الرّكب وابكه … وصلّ على المقبور فيه وسلّم ولا تطأ الأرض الفضاء وإن نأت … بذي سنك رحب ولا ذات منسم (١) فقد ضمّ قطراها ثلاثة أقبر … تضمّ نواحيها ثلاثة أنجم بعيدة مسرى الزائرين غريبة … معظمة فيها رمائم أعظم تمرّ عليها الريح وهي مريضة … ويشفي ثراها كلّ بهتان منجم وقد فرّقت أيدي الفراق لجودها … أيادي سيأتي كلّ عقل ومعلم كأن الردى خاف الرّدى في اجتماعهم … فقسّمهم في الأرض كلّ مقسّم فبالغدوة النّضوى من الغرب واحد … واخر ضمّته رجام المقطّم وبينهما قبر غريب ببرقة … بنوه على بحر من الجود خضرم (٢) وأعجب شيء قيس شبر تضمّنت … نواحيه قطري يذبل ويلملم أمستودع الترب المضمّن جسمه … طويل البلى من بعد طول التنعم سأبكيك لا أنّ البكا عدل لوعتي … ولا أنّ وجدي فيك كفء تنهّم (٣) وقلّ لعيني أن تفضّ دموعها … عليك ولو أنّ الذي فاض من دم وأغضي حياء أن أعيش مسلّما … وما أنت ممن يتّقى بمسلّم وقوله في اسم لؤلؤ ملغزا به: [الكامل المرفل] لم يكفه أنّ اسمه علم … ينبيك مبسمه بصورته حتّى أراد بأن يعنونه … فصفات صدغيه وطرّته قال ابن رشيق: الاسم لؤلؤ وهو الذي أبانه المبسم، والأصداغ بوصف اللامات، والطور يشبه بالواوات، فكأن كلّ صدغ لام يليها واو من واوات الطرّة، فيصح ما أراد.

стр. 2874

ومنهم: ٥ - أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مغلّس الأندلسي البلنسي (١٣) رجل لاين صعاب اللغة حتى اقتاد أنوفها، وارتاد صنوفها. حسن لما ساعده؛ حتى تسلّك سبلها وملك ذللها. وكانت قد لجّت نفارا، ودجت حتى جلاها، وجعلها في التصانيف أسفارا، وخلاها قدوة وأسوة النجوم للمهتدي. فملأ عين المطالع، وقطع بعدها بين طلب التزيد والمطامع. قال ابن خلكان: كان من أهل [العلم] باللغة والعربية، مشارا إليه فيهما. رحل من الأندلس وسكن مصر، وقرأ على صاعد والنجيرمي، ودخل بغداد واستفاد وأفاد. وله شعر منه: [المتقارب] مريض الجفون بلا علّة … ولكنّ قلبي [به] ممرض أعاد السّهاد على مقلتي … بفيض الدّموع فما تغمض وما زاد شوقا ولكن أتى … يعرّض لي أنه معرض وتوفي لست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة بمصر ودفن بها. ومنهم: ٦ - إبراهيم بن محمد بن زكريا ابن مفرّج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبو إسحاق المعروف بالإفليلي (١٤) من أهل قرطبة، وممّن أهل العلياء [في] المرتّبة. برزت به

стр. 2875

الأندلس في أثوابها القشب وظفرت أقطارها بقطار ينبت العشب. فجرّت به ذيل الأحيان، وهمت النجوم بالأعيان. قال ابن خلكان: كان من أهل النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، حافضا للأشعار ذاكرا للأخبار وأيام الناس. وكان مصدّرا بالأندلس وإقراء الأدب. وولي الوزارة للمكتفي بالأندلس. ولد في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة، وتوفي في ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى واربعين وأربعمائة (١). ومنهم: ٧ - أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي (١٣) النحوي المفسّر. نيّر لا يخفى وشمعة صباح لا تطفى. فتّق للعلم الأذهان، وفتح مقفله حتى هان. ونشأ بالمهدية، القرية التي هي حاضرة البحر، والضاربة منه في النحر كرسيّ الخلافة ومحلّ الأنافة. فكان حيث كان أسناها، ومكان حسناها. ولم يعد يذكر بحرها الزاخر معه، ولا ملكها المطاع إذا دخل معمعه. فسّر القرآن وألقى الجران (٢)، وأضهر الآي وكف اللأي. أجاد فيه الكلام، وأجال الرأي والأقلام. أصله من المهديّة من إفريقية، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة، وألّف كتبا نافعة مثل كتاب التفضيل في التفسير، وهو كثير مشهور في الآفاق. وله تعليل القرآن، أنفع من الحجة لابي علي الفارسي.
следующие страницы →