← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النعمان، استجاده وأثنى على سنمار، فقال له سنمار: لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس، لفعلت. فأمر به أن يطرح من أعلى شرفاته، فضرب به المثل، فقيل: "جزاه جزاء سنمار" (١). وفي ذلك يقول الشاعر: (٢) [الطويل] جزتني بنو قيس، وما كنت مذنبا … جزاء سنمار وما كان دا ذنب! بنى القصر للنعمان عشرين حجّة … يعل عليه بالقراميد والخشب فلما استوى البنيان واشتدّ رصفه … وآض كمثل الطود والشامخ الصعب رمى بسنمّار على أم رأسه … وذاك لعمر الله من أعظم الخطب! ثم ترهب هذا النعمان في الجاهلية، وانخلع من ملكه، ولبس المسوح. وفيه قال عديّ بن زيد (٣): [الخفيف] وتذكّر ربّ الخورنق إذ فكّ … ر يوما وللهدى تفكير! راقه ماله وكثرة ما يم … لك، والنهر معرضا والسدير فارعوى قلبه وقال: وما غب … طة حيّ إلى الممات يصير؟ [١٧٢] ومن ذلك قصر سنافاد.

стр. 282

ومن ذلك الرصيف الممتد بين صرخد (١) والعراق، ممتدّ في البرية. يقال إنه من عمل سليمان بن داود، ﵉. وهو يتصل في مواضع وينقطع في أخرى. يتوصل السالك معه من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الشام في أقرب مدّة. ومن ذلك مدينة تدمر (٢) بين العراق وبين الشام، وما فيها من عجائب البناء وكبار العمد. ومن ذلك ملعب بعلبك (٣). والباقي منه عمد بقلعتها الآن، وما في سورها من الأحجار العظام والصخور الراسية كالجبال. يقال إنه من بناء سليمان بن داود، ﵉. ومن ذلك مدينة شهبة من بلاد حوران. بها من الأبنية الباقية والعمد العالية والآثار الدالّة ما هو من جلائل الآثار. ومن ذلك مدينة جرش (٤) من بلاد حوران. يحكى الهول عن غرائب آثارها. وقد أضحت خاوية على عروشها، خالية من أهلها وسكّانها، لا يحسّ بها حسيس، ولا يوجد بها أنيس.

стр. 283

ومن ذلك جبّ يوسف (١)، وهو قرب قرية اسمها شورى. ويدانيها جسر يعقوب، وهو معروف مشهور. كلّ ذلك ببلاد صفد. (٢) ومن ذلك منازل ثمود (٣) بين الحجاز والشام. وبيوتهم المنحوتة في الجبال باقية إلى الآن. وهي المعنيّة بقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] وبها البئران: بئر الناقة وبئر ثمود، المقسوم بينهما الشّرب، ولما مرّ رسول الله ﷺ بأرض ثمود، في غزوة تبوك، وجد بعض من سبق من أصحابه قد ملأ من بئر الحجر. فأمر بأن يراق الماء فقالوا: يا رسول الله قد عجنّا منه العجين. فأمر بأن يطعموه الإبل، وأن يشربوا من بئر الناقة [١٧٣]. وهما معروفان هناك (٤). وهذه فائدة أردنا التنبيه عليها. ومن ذلك (جبّ بابل، وهو الذي حبس به دانيال. ألقاه فيه بخت نصّر. وألقى معه أسدين حتّى أتاه، بأمر من الله، نبيّ من أنبياء بني إسرائيل. فقال: يا صاحب الجبّ! فأجابه دانيال: قد أسمعت! ما تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك، لأستخرجك من موضعك، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره!

стр. 284

والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره! والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا! والحمد لله الذي يجزي بالإساءة غفرانا! والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا؛ واستخرجه وإن الأسدين لعن يمينه وشماله يمشيان معه حتى عزم عليهما دانيال أن يرجعا. وعن ابن عباس، قال: (١) من قال عند كلّ سبع: اللّهمّ! ربّ دانيال وربّ الجبّ وربّ كل اسد مستأسد! احفظني واحفظ عليّ، "لم يضره السبع) (٢). الأخدود. المحتفر لأصحاب الأخدود المذكورين في القرآن الكريم. وهو بنجران من اليمن. ومن ذلك البئر المعطّلة والقصر المشيد (٣)، وهما قريب الفج الخالي (٤) بمشاريق اليمن. ومن ذلك سدّ مأرب (٥). وهو ببلاد سبأ من اليمن. وبه قصر القشيب (٦). كان لبلقيس.

стр. 285

ومن ذلك قصر غمدان (١) بصنعاء اليمن، وهو من أشهر الآثار وأظهر المعالم. كان مسكن التبابعة من حمير، ومنهم شمر بن مالك وأسعد أبو كرب. وكفى بذكرهما. طافا الأرض وبلغا الآفاق. وقصر غمدان هذا هو المذكور في الأشعار، والمشهور في الأخبار. وفيه يقول ابن أبي الصّلت: (٢) [البسيط] اشرب هنيئا عليك التاج مغتبقا … في قصر غمدان دارا منك محلالا! تلك المكارم لاقعبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا! ومن ذلك بئر برهوت (٣). ببلاد حضرموت من بلاد اليمن. وهو الذي لم يعرف عمقه، ولا علم أن إنسانا نزله. ومن ذلك قصر ريدان (٤). المشهور بمدينة ظفار باليمن. وكانت تسمّى قديما مدينة يحصب.

стр. 286

ومن ذلك قصر الشّاذياخ (١)، وهو بباب نيسابور، من خراسان، كان دار السلطنة لبعض ملوكها، ولم نؤخر ذكره إلا لأنه شبّه ببناء غمدان، فكان كأن لذكره به تعلقا: (٢) [البسيط] اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا … بالشّاذياخ، ودع غمدان لليمن! (٣) فأنت أولى بتاج الملك تلبسه … من هوّذة بن علي وابن ذي يزن! (وعلى باب قصر الشاذياخ، صلب علي بن الجهم. فقال حين صلب، ارتجالا (٤): [الكامل] لم ينصبوا بالشاذياخ عشيّة … الإثنين مسبوقا ولا مجهولا! نصّبوا بحمد الله ملء قلوبهم … شرفا، وملء صدورهم تبجيلا! ما عابه أن بزّ عنه ثيابه … فالسيف أهول ما يرى مسلولا! ومن ذلك دار الأنماط (٥). وكانت بفسطاط مصر، يباع بها قماش النساء، وفاخر اللباس والأمتعة. وتجلب إليها من كل أرض. وكان يجلس على حوانيتها أهل الفراغ واللهو. وكانت من عجائب المباني، وغرائب الآثار.

стр. 287

وحكى ابن ظافر (١) أن ابن قلاقس جلس بمصر فيها مع جماعة، فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك. وهي شمس تحت سماء (٢) النقاب، وغصن في أوراق (٣) الشباب. فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب. فجعلت تتلفّت تلفّت الظبى المذعور، أفرقه القانص فهرب؛ وتتثنّى تثنّي الغصن الممطور، عانقه النسيم فاضطرب. فسألوه العمل في وصفها. فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيروانىّ (٤): [الكامل] "أعرضن لما أن عرضن فإن يكن … حذرا، فأين تلفّت الغزلان؟ " ثم صنع (٥): [المتقارب] لها ناظر في ذرى ناضر … كما ركّب السّنّ فوق القناة لوت (٦) حين ولّت لنا جيدها … فأي حياة بدت من وفاة (٧)؟

стр. 288

كما ذعر الظبي من قانص … فمر (١) وكرر في الالتفات! ثم صنع (٢): [الكامل] ولطيفة الألفاظ لكنّ قلبها … لم أشك منه لوعة، إلا عتا كملت محاسنها فودّ البدر أن … يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا قد قلت لما أعرضت وتعرّضت: … يا مؤيسا، يا مطمعا، قل لى متى؟ قالت: أنا الظبي الغرير (٣) وإنما … ولّى وأوجس خيفة (٤) فتلفتا) (٥) ومن ذلك الأهرام بمصر. وأجلّها الهرمان بجيزة مصر. وقد أكثر الناس القول في سبب ما بنيا له، فقيل: "هياكل للكواكب". وقيل: "قبور ومستودع [١٧٤] مال وكتب" وقيل: "ملجا من الطوفان". وهو أبعد ما قيل فيها. لأنها ليست شبيهة بالمساكن. وأقربها إلى الصحة - والله أعلم - أنها إما هياكل كواكب، وإما مواضع قبور. ولقد فتح أكبرها في زمان المأمون، حين قدم مصر. فلم يظهر منه ما يدلّ على ما وضع له. وعلى ألسنة الناس أنه وجد ذهبا فوزنه، وحسب مقدار ما أنفقه، فوجدهما سواء بسواء، لا يزيد أحدهما على الآخر بشئ، لعلمهم (٦) السابق أنه سينفق عليه مثل هذا المقدار. فوضع هذا المقدار بإزاء ما ينفق عليه. ووجدت هذا في كثير من الكتب. فراجعت التواريخ الصحيحة والكتب

стр. 289

المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد به شيئا ولا استفاد زائدا عما يعلم الناس به علما. وأدلّ الأدلة على أن أحدها هيكل بعض الكواكب، وأن الصابئة كانت تأتي حقيقة تحجّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجليّة أحوالها. وهي أشكال لهبيّة. كأنّ كلّ هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة في عمود الهواء، آخذة في الجوّ حتّى إلى التثليث. لولا استدارة سفل أبلوج (١) السّكّر لشبهناها به. ويحتمل أن يكون هذا الشكل موضوعا لبعض الكواكب لمناسبة اقتضته. ولقد أصعدت غير مرّة، مارّا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء، شيئا على شيء، لا فسحة في أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران. وإنما هي بناء ملتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدت بعض الأهرام مبنيّة بالطوب. وهذا أكبر دليل على أنها لم تتّخذ ملجأ من [١٧٥] الطوفان. فأما مقادر الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس. وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرّد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني بالقاهرة في جوارها. ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدت عن معاودتها بالنظر والتحقيق. على أن الهدم قد شرع في قلع هذه الآثار، ونقل أحجارها إلى الأبنية والمساكن. نبّه لها الدهر طرفا غافيا، وقلبا غافلا، فأصبحت

стр. 290

هاوية الأركان، تابعة السكان. فلقد صدق عليها المتنبيّ قوله (١): [الكامل] أين الذي الهرمان من بنيانه؟ … من قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟ تتخلّف الآثار عن سكانها (٢) … حينا، ويدركها الفناء فتتبع! وإن فيها لعبرة للمعتبر، وتذكرة للمدّكر، وآية لمن أناب، وتبصرة في الدنيا لمن يلد للفناء ويعمّر للخراب. (وحكى ابن ظافر، قال (٣): ذكر لي أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى (٤) الأهرام، ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا غرائب ما سطّره الدهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها. فصنع أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز [الداني الأندلسي] (٥) [الطويل] بعيشك هل أبصرت أحسن منظرا … على ما رأت عيناك، من هرمى مصر؟ (٦) أنافا بأعنان (٧) السماء وأشرفا … على الجوّ، إشراف السّماك أو النّسر (٨)

стр. 291

وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا … كأنهما نهدان قاما على صدر) (١) ومن ذلك أبو الهول. وهو اسم لصنم يقارب الهرم الكبير. في وهدة منخفضة تقع دونه شرقا بغرب. لا يبين من فوق سطح الأرض إلا رأس ذلك الصنم وعنقه. أشبه شيء برأس راهب حبشيّ، عليه غفّارية. على وجهه صباغ أحمر إلى حوّة، لم يحل على طول الأزمان، وقديم الآباد. وهو كبير. لو كان شاخصا كله، لما قصّر عن عشرين ذراعا طوله. في غاية مناسبة التخطيط. يقال إنه طلسم يمنع الرمل عن المزدرع. وزاد تحسين هذا القول إليهم وتصويره لهم، أنه على نهاية الرمل إلى جهة المزدرع. (وفي أبي الهول يقول [أبو منصور] ظافر الحدّاد (٢): [الوافر] تأمّل هيئة (٣) الهرمين وانظر … وبينهما أبو الهول العجيب! كعمّاريتين (٤) على رحيل … بمحبوبين، بينهما رقيب وفيض البحر عندهما دموع (٥) … وصوت الريح بينهما نحيب وظاهر سجن يوسف مثل صبّ … تخلّف، فهو محزون كئيب وأما سجن يوسف، فشمال الأهرام، على بعد منه، في ذيل خرجة من جبل في طرف الحاجر). (٦)

стр. 292

ومن ذلك حائط العجوز (١). وهو حائط يستدير [١٧٦] بالديار المصرية، ممتدّا على جانب المزدرع بها، كأنه قد جعل حاجزا بين الرمل والمزدرع. على أنه غير عالي الذّرى. مشيت معه إلى دندرا، من الصعيد الأعلى. ورأيته قد دثر غالبه، ومنقطعه أكثر من متصله. وهو مبنيّ من طوب. ليس بعريض السّمك ولا عالي الجدار. ووقفت على الكتب المؤلفة في أخبار مصر أنه من بناء امرأة اسمها دلوك، وأنه يصل إلى ما بين العريش ورفح، منتهى الحدّ الفاصل بين مصر وبين الشام. وليس له هناك أثر، بل ولا في اسافل أرض مصر. ويذكر في تلك الكتب - بسبب بناء العجوز له - خرافة لسنا نرضى ذكرها. ولا يعرف من بنى هذا الحائط حقيقة، ولا ما بني له عن يقين. ولكنا قلنا على الظن الغالب. ومن ذلك شامة وطامة (٢). وهما صنمان من حجر، على قاعدتين، ببلاد الصعيد. ومن ذلك البرابي (٣). بالصعيد، في أماكن منه. وأشهرها برباة إخميم. من ورائها على شرقىّ النيل، حيث ينعطف الرمل

стр. 293

ملتفا على الريف. رأيت بها مختلفات من صور الحيوان: من نوع الإنسان والدواب والوحش والطير. على صور مختلفة، وأشكال متباينة، مصبّغة بأنواع الأصباغ، مرسومة في الجدر والسقوف والأركان، من باطن البناء وظاهره، لم تنطمس رسومها، ولا حالت أصباغها: كأنّ يد الصانع ما فارقت صورها، وكفّ الصبّاغ ما مسح دهانها. قال لي الحكيم المحقق شمس الدين محمد النقاش (١): إنه سافر قصدا إليها وأقام مدّة يردّد نظره فيها، ويجدّد نظره في أوضاعها. فرآها تشتمل على العلويّات [١٧٧] المرصودة بأسرها، مما لا يعمل كلّ موضوع منها إلا برصد محرّر مما لا يسع زمان واحد بعضه. قال: فعلمت أنها ما عملت في زمان واحد، بوضع حكيم واحد: لقصر مدد الأعمار عن زمان يفي برصد تلك الهيئة الكاملة. قال: وإنما تكون - والعلم لله - مما توارث عملها على حكم الأرصاد المحررة عدّة حكماء في أزمنة طويلة، حتىّ أستقلّ ذلك المجموع وتمت تلك الهيئة. ومن ذلك عمود الصّواري (٢). بظاهر الإسكندرية. وهو عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة، وفوقه قاعدة. يقال إنه لا نظير له من العمد في علوه ولا في استدارته. ويحكى عنه حكايات منها ما هو مسطّر في الصحف، ومنها ما هو مستفيض على الألسنة، مما لا نرى ذكره. ومن ذلك المنارة بها، وشهرتها كافية. ولم يبق منها إلا ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس. وقد كانت المنارة (٣) مسرح ناظر، ومطمح أمل حاضر؛ طالما جمعت أخدانا،

стр. 294

وكانت لجياد الخواطر ميدانا. حكى ابن ظافر (١) أن ابن قلاقس والوجيه [أبا الحسن عليّا] بن الذرويّ (٢) طلعا المنارة. والوجيه يومئذ في عنفوان [شبابه و] صباه، وهبوب شماله في الجنوب وصباه. وابن قلاقس مغرم به، مغرى بحبه، مكبّ (٣) على تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه. ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة. فقال [بديها]: [الطويل] وسامية الأرجاء تهدى أخا السّرى … ضياء، إذا ما حندس الليل أظلما لبست بها بردا من الأنس ضافيا … فكان بتذكار الأحبّة معلما وقد ظللتنى من ذراها بقبّة … ألاحظ فيها من صحابى أنجما فخيّلت (٤) أن البحر تحتي غمامة ي … وأنّى قد خيّمت في كبد السّما فاشتدّ سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها ويمدحه (٥): [البسيط]

стр. 295

ومنزل جاور (١) الجوزاء مرتقيا … كأنّما فيه للنّسرين أوكار رأسى القراءة سامي الفرع في يده … للنّون والنّور أخبار وآثار (٢) أطلقت فيه عنان النظم (٣) فاطّردت … خيل لها في بديع الشّعر مضمار ولم يدع حسنا فيه أبو حسن … إلا تحكم فيه كيف يختار حلّى المنارة لما حلّ ذروتها … بجوهر الشعر بحر منه زخّار ما زال يذكي بها نار الذكاء إلى … أن أصبحت علما في رأسه نار ومن ذلك الملعب بها. وقد كان له عيد يجتمعون إليه فيه، في كل سنة، وترمى به كرة. فمن وقعت في كمه، آل إليه الملك. وحضره عمرو بن العاص في الجاهلية، ووقعت الكرة في كمّه. فقالوا: أخرمت العادة؟ فإن مثل هذا لا يملّك. وهذه واقعة مشهورة، لا حاجة إلى الإطالة بها. ومكان هذا الملعب عمّر بنو خليف القصر المنسوب إليهم. وحكى ابن ظافر (٤) أن ابن قلاقس حضر يوما عند بنى خليف [بظاهر الإسكندرية] في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزّق بمزاحمته أثواب السما. قد ارتدى جلابيب السحائب، ولاث عمائم الغمائم. وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت (٥) بالحسن حنايا غرفاته. وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما أوتمنت عليه من ودائع أمطارها. والرمل بفنائه قد نشر تبره في زبرجد كرومه، والجوّ قد بعث بذخائر الطيب (٦) إليه لطيمة نسيمه. والنخل

стр. 296

قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها. والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد [غيظا] من عبث الرياح به. فسأله بعض الحضور أن يصف الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه. فجاشت لذلك لجج بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبّة ذلك القصر ونحره (١)، فقال (٢) [الكامل] قصر بمدرجة النسيم تحدثت … فيه (٣) الرياض بسرّها المستور (٤) خفض الخورنق والسدير سموّه … وثنى قصور الرّوم ذات قصور (٥) لاث الغمام عمامة مسكية … وأقام في أرض من الكافور غنى الربيع به محاسن وصفه (٦) … فافترّ عن نور يروق [ونور] فالدّوح (٧) يسحب حلّة من سندس … تزهو بلؤلؤ طلّها الموفور (٨) والنخل كالغيد الحسان تقرّطت (٩) … بسبائك المنظوم والمنثور والرمل في حبك النسيم كأنما … أبدى غصون سوالف المذعور (١٠)

стр. 297

والبحر يرعد متنه فكأنه … درع تسنّ (١) بمعطفي (٢) مقرور وكأننا، والقصر يجمع شملنا … في الأفق، بين كواكب وبدور وكذاك دهر بني خليف لم يزل … يثني المعاطف في حبير حبور (٣) ومن ذلك مدينة لبدة (٤). وهي خراب يباب. بها صنمان عظيمان من الرّخام الأبيض، في زيّ امرأتين. وغالب بناء هذه المدينة - في جدرها وسقوفها وفرش دياراتها وأرضها - من الرخام الأبيض. وكان يجري إليها واد يصب إلى البحر الشاميّ وترسى السفن البحرية إليه. وطفّات الوادي ومجاري الماء مرصوفة بالرخام. فغلب عليها سافي الرمل، فقطع مدد الوادي، وأخلى أوطانها، وأجلى سكّانها. وهذه المدينة ببرقة، مما يقابل أطرابلس الغربية. ومن ذلك المعلّقة (٥). وهي مدينة بإفريقية. على ساحل البحر الشاميّ على نحو ستة عشر ميلا من تونس. يقال إنها كانت لابنة الملك الذي قال الله [١٧٨]، وقوله الحق، في حقه: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩]. بها آثار عظيمة، وأحجار كبيرة، ومهاو بعيدة، وأسراب

стр. 298

عميقة. تظهر لمن تأملها العجب العجاب، واللّب اللباب. ومن عظيم ماحوته من الأحجار، أنه على طول المدد، وتراخى عنان الأبد، أنه ينقل من أحجارها إلى ما جاورها ولا ينقطع مددها، ولا يظهر نقص في كثرتها. ومن ذلك مدينة شرشال (١). وهي مدينة تقابل مليانة، بالغرب الأوسط، على ساحل البحر الشاميّ. يقال إنها كانت مدينة الملك الغاصب للسفن، المعنىّ بقوله تعالى في سورة الكهف. وقد تقدّمت الآية عند ذكر ابنة هذا الملك، فيما قبل. وهي مدينة تزيد على الوصف، في اتساع الأفنية، وارتفاع الأبنية، وعظم القناطر المرفوعة، والأقبية المعقودة، والقواعد المشيدة، والجدر السميكة، مما يشهد له جوّال الأرض، وسفّار الآفاق، وسمّار الحديث، بأنه لا شبيه له في تخشين بنائها، وتحسين صناعاتها. ومن ذلك صخرة سبتة (٢). يقال إنها المعنية (٣) بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى اَلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ اَلْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. وهي مشهورة هناك. ومن ذلك هيكل الزّهرة (٤). بالأندلس، في ذيل الجبل الآخذ بين طليطلة (٥) ووادى آش (٦) في شرقية بشمال. مطلّ على البحر المحيط. وقد تقدّمت الإشارة إليه.

стр. 299

ومن ذلك باب الصّفر (١). في شرقي الأندلس يفصل بينه وبين الأرض الكبيرة (٢). ذات الألسن العديدة من سكان الشمال. عمل الباب على نقب كان فتح في جبل حيث خرجت من البحر الشامي طريقا للأندلس إلى البر المتصل. وقد [١٧٩] رأيت أن أعقب ذكر هذه الآثار، بما هو مماثلها (٣) أو أبلغ في الاعتبار، وهو: قصر العبّاس (٤). وهو بين سنجار ونصيبين. وهو وإن لم يكن في القدم من نسبة ما ذكرنا، فإنه في العبرة كما أشرنا. حكى قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن خلّكان في تاريخه قال (٥): مر أبو الربيع قرواش بن المقلّد بن المسيب بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلّا على بساتين ومياه كثيرة. فتأمله، فإذا في حائط منه مكتوب: [مجزوء الكامل]

стр. 300

يا قصر عباس بن عمّ … رو، كيف فارقك ابن عمرك؟ قد كنت تغتال الدّهو … ر، فكيف غالك ريب دهرك؟ واها لعزّك بل لجو … دك بل لمجدك بل لفخرك! وكتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. (وهذا هو الأمير سيف الدولة بن حمدان) وتحته مكتوب: [مجزوء الكامل] يا قصر، ضعضعك الزما … ن وحطّ من علياء فخرك! (١) ومحا محاسن أسطر … شرفت بهنّ متون جدرك! واها لكاتبها الكري … م وقدره الموفي بقدرك! وكتبه الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. (وهذا هو عدة الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أخي سيف الدولة) وتحته مكتوب: [مجزوء الكامل] يا قصر، ما فعل الأولى … ضربت قبابهم بعقرك؟ أخنى الزمان عليهم … وطواهم لطويل نشرك (٢)! واها لقاصر عمر من … يختال فيك، وطول عمرك! [١٨٠] وكتبه المقلّد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (وهذا هو والد قرواش) فكتب ولده قرواش تحته: [مجزوء الكامل]

стр. 301

يا قصر، ما صنع الكرا … م الساكنون قديم عصرك؟ عاصرتهم فبذذتهم (١) … وشأوتهم طرا بصبرك! ولقد أثار تفجّعى … يا ابن المسيّب رقم سطرك! وعلمت أنّي لا حق … بك دائب (٢) في قفو إثرك! وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة. وعزم على هدمه، وقال: هذا مشؤوم. ثم تركه. وباني هذا القصر العباس بن عمرو الغنوىّ من أهل تلّ سيّار، باني الرقة ورأس عين من حصن مسلمة بن عبد الملك بن مروان. وكان يتولّى اليمامة والبحرين. وسيّره المعتضد لحرب القرامطة في عشرة آلاف فارس. فقتل الجميع، وسلم وحده وعمرو بن الصفار حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في خمسين ألف فارس فأخذوه وسلم الباقون. (وكذلك قصر البصرة. وكان قبل أن تختطّ البصرة منزلا تنزله الأكاسرة في متصيّداتهم، وتخرج إليه الأساورة في متنزّهاتهم. وتهدّم حتّى جدّده الحجاج، فعرف به، فقيل قصر الحجاج. وكان يعرف بقصر قباذ. وقال: قال أبو الغرّاف (٣): قال الحجاج لجرير والفرزدق، وهو في قصره بالبصرة بالجزيرة: «إيتياني في لباس آبائكما في الجاهلية». فلبس الفرزدق الديباج والخزّ، وقعد في قبّة، وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: "ما لباس آبائنا إلا الحديد". فلبس درعا وتقلد سيفا وتأبط رمحا وركب

стр. 302

فرسا، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع. وجاء الفرزدق في هيئته. فتقاولا. فقال جرير: [الطويل] لبست سلاحي، والفرزدق لعبة … عليه وشاحا حليه وخلاخله (١) أعدوا مع الخزّ (٢) الملاب؛ فإنّما … جرير لكم بعل وأنتم حلائله! ثم رجعا. فوقف جرير في معرّة بني حصن، ووقف الفرزدق بالمربد. وقد أبر جرير عليه.) (٣). وكذلك قصر الكوفة (٤). وقد هدم، فلم تبق منه باقية. وله حكاية مشهورة. ولهذا ذكرناه. قال عبد الملك بن عمير (٥): كنت مع عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة، حين جيء برأس مصعب بن الزبير. فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعدت فقال لي: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله، يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر، في هذا الموضع، مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بين يديه. ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد، فرأيت رأس ابن زياد بين يديه. ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير. فرأيت رأس المختار بين يديه. ثم ها أنا فيه معك، ورأس مصعب بين [١٨١] يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك. وأمر بهدم ذلك الطاق.

стр. 303

ولمناسبة هاتين الواقعتين، ذكرنا هذين القصرين، لما فيهما من العبرة لمن تفكر. فسبحان الله الباقي الدائم وكل شيء هالك، وما سواه ليس كذلك! (ومنها قصر هرقل. وهو بالشّرف الأعلى الشمالىّ. ويعرف في زماننا بقصر شمس الملوك. ولم يبق منه اليوم إلا الجوسق والحمام. والجوسق الآن خانقاه للفقراء. ولم يزل منزلا للملوك ومنزها لأهل البلد، لإشرافه [على] نهر بردى والوادي، ونزله السلطان صلاح الدين. وحكى ابن ظافر قال (١): دخل أبو خالد بن صغير القيسرانيّ (٢) على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوربخت (٣)، أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفا، وجرّ النسيم عليها مارقّ من أذياله وضفا. وهو تارة يرشف رضابها، ويجعّد ثيابها، وتارة يسبكها مبردا، ويحبكها مسردا. فأمره بوصفها، فقال (٤): [مجزوء الكامل] أو ما ترى طرب النسي … م إلى الغدير إذا تحرّك؟ (٥) بل لو رأيت الماء يل … عب في جوانبه، لسرّك!

стр. 304

وإذا الصّبا هبت علي … هـ، أتاك في ثوب مفرّك) (١) ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر، في ترجمة إسماعيل بن أبي هاشم. قال (٢): قرأت بخط أبي الحسن رشإ بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم، عنه: أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن يحيى الدقاق: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سلامة الصحاويّ: حدثنا إسماعيل بن أبي هاشم، قال: قرأت على قصر بدمشق لبني أميّة: [الخفيف] ليت شعرى! ما حال أهلك يا قص … ر وأين الذين عالوا (٣) بناكا؟ ما لأربابك الجبابرة الأم … لاك شادوك ثم حلّوا سواكا؟ الزّهد يا قصر فيك تحامو … ك ألا تبتنى (٤) ولست هناكا؟ ليت شعرى! وليتني كنت أدري! … ما دهاهم، يا قصر، ثمّ دهاكا؟ ومن خلفه: «هذا جواب عنهم»: [الخفيف] أيّها السائل المفكر فيهم! … ما إلى (٥) ذا السّؤال - قل لي - دعاكا؟ أو ما تعرف المنون إذا حلّ … ت ديارا فلن تراعي هلاكا! إنّ في نفسك الضعيفة شغلا … فاعتبر وامض فالمنون وراكا! قال: وحدثني أبو الحسن بن الصحاويّ: حدثني ابن أبي هاشم قال: قرأت

стр. 305

بحلوان [مصر] على قصر لعبد العزيز بن مروان (١): [١٨٢] [الخفيف] أين ربّ القصر الذي شيّد القص … ر، وأين العبيد والأجناد؟ أين تلك الجموع والأمر والنه … ى وأعوانهم وذاك السواد؟ أين عبد العزيز، أين ابن مروا … ن (٢) وأين الحماة والأولاد؟ ما لنا لا نحسّهم ونراهم! … أترى، ما الذي دهاهم، فبادوا؟ قال: وقرأت تحته: "هذا جواب عنهم: [الخفيف] أيّها السائل المفكّر فيهم … كيف بادت جموعهم والسّواد ثم في القصر والذين بنوه … أسفا، حين فارقوه وبادوا أيّن كسرى وتبّع قبل مروا … ن ومن قبل تبّع شدّاد أين نمرود؟ أين فرعون موسى؟ … أين من قبلهم ثمود وعاد؟ كلّهم في التراب أضحى رهينا … حين لم تغن عنهم الأجناد! إنّ في الموت يا أخي لك شغلا … عن سواه، والموقف الميعاد! ومما ينسحب على ذيل ذلك، أنني نزلت في مسجد بقنيّة السلار، من اليرموك بالشام (وكانت قديما منازل غسّان، ثم نزلها قوم من آل يسار، ثم صارت إلى بني السلار، وكانوا أمراء نبلاء، وسادة أجلاء، ثم أبادهم الحدثان) فقرأت على بعض جدران المسجد: [الكامل] أرأيت أيّ منازل وديار … أمست خلاء من بني السّلّار العامرين مساجدا لإلههم … الغامرين ندى ذوي الإعسار؟ وقد كتب آخر تحتها:

стр. 306

قلبي المشوق إلى بني السلّار … أبدا يقلّب فوق جذوة نار! قوم لحسن صنيعهم أحببتهم … حبي لآل محمد الأطهار! فكتبت تحتها (١): [الكامل] لا تنكرن تنكّر الآثار … وتغيّر الأوطان والأوطار! يا من تعجّب للقنية إذ خلت … من ساكنيها من بني السّلار! لا تعجبنّ فهم سلالة آدم … أكل المنون وعرضة الأقدار! إن تخل منهم، فهي من قبل خلت … من آل غسّان وآل يسار! لا تعجبنّ من الفراق، فإنّه … ما هذه الدّنيا بدار قرار! جاؤوا على آثار غيرهم وقد … ذهبوا كما ذهبوا على الآثار! وسبيلنا لما أتينا بعدهم … كسبيلهم في الورد والإصدار! كلّ الذي حازوه عارية ولا … عجب إذا ردّ المعار عواري! قلت: ومن هذا النوع أنني مررت بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أوّل عمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلّة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد علّها ونهلها؛ قد أصبحت عارية من ريفها وظلّها، عادمة لكثرها وقلّها. وقد كتب عليها بعض من ولع: [الخفيف] هذه دارهم وماتوا جميعا … هكذا هكذا يعادي الزمان! فحرّكني هذا البيت، لسكان ذلك البيت، وأيامنا نحن وساكنه الميت، وتذكرت تلك الأيام الماضية، والعيشة الراضية، ثم ما غرت الحوادث، وسدّت من الأبواب والبواعث، فقلت ارتجالا: [الخفيف] أين دهر مضى لنا أوّل العم … ر وأين الزمان والإخوان؟

стр. 307

حدثت بعدنا عليهم أمور! … هات شيئا ما اغتاله الحدثان؟ ذهب الكلّ في زمان تقضى … كلّ شيء يأتي عليه الزمان! ما تبقّى لنا من الكلّ إلا … قولنا للتّذكار: كنّا وكانوا! ثم أمرت من كتبها تحت البيت وانصرفت باكيا، وشكوت لو أنصف الدهر شاكيا.

стр. 308

الديارات والحانات [١٨٣] (١) وأما ما بلغنا ذكره من الديارات المشهورة الواردة في أشعار العرب وغيرهم، أو كان قد دخلها أحد من الخلفاء والأمراء والأدباء والشعراء المشهورين، أو ورد لذلك الدير ذكر في شعر قديم أو عصريّ. فمنها دير الكلب (٢) وهو قرب معلثايا، في سفح جبل، والماء ينحدر عليه. وقلاليّه (٣) مبنيّة بعضها فوق بعض، في صعود الجبل. فمنظرها أحسن منظر. وينبوعه ينصبّ عليه من أعلاه. وفيه من الزيتون والرّمّان والآس والكرم والزعفران والنرجس شيء كثير. ولرهبانه مزارع في السهل، وغلاته كثيرة. قال الخالديّ: (٤) ولهذا الدير خاصية في برء عضة الكلب الكلب، وله عيد

стр. 309

في وقت من السنة. يخرج إليه خلق: من النصارى نساء ورجال للإقامة عندهم (١). وخلق من المسلمين للنظر إليه والنزهة فيه. ويجتمع إليه أهل الرفث والمجان، وتسمع به الأغاني وأنواع الملاهي، وتذبح به الذبائح، وتشرب الخمور. وحكي أن أخا لأبي السفاح الشاعر عضه كلب كلب، فحمله إلى هذا الدير، فتداوى به، فبرئ. وأنشد له شعرا فيه، لم أذكره (٢). دير أبون (٣). وهو دير بين الجزيرة [وقرية] (٤) ثمانين. وهو دير جليل عند النصارى. وبه جماعة من الرهبان. ويزعمون أنه قبر نوح ﵇ (وقد تقدّم ما ذكرناه في أمر قبره بكرك البقاع. والله أعلم أيّ بقعة ضمّته). (٥) ولهم صهريج للماء. زعموا أن له أنابيب من صفر يجري فيها الماء من جبل الجوديّ إلى الصهريج.

стр. 310

وإلى جانبه ضيعة غناء كثيرة البساتين. يقال لها بزر مهران. دير الزعفران (١). وهو بالقرب من معلثايا بجانب الفلجة النافذة إلى الحسنية. وهو في لحف جبل تطلّ عليه قلعة أردمشت (٢). وفيه نزل المعتضد لما حاصرها وأخذها. [١٨٤] وهو كثير الرهبان والقلاليّ. ولرهبانه يسار ونعم ومزارع وبساتين. وفرش أرضه من زهر الزعفران. وقلالّيه بعضها من [فوق] بعض، كبناء دير الكلب، بأحسن وصف وأملح تكوين. وله سور يحيط به وشرابه مفضّل في اللون والرائحة والعتق. وماؤه سائح من ينبوع في جبله. قال الخالدي: اجتزت به في بعض السنين، وعامل الناحية سعيد بن إسحاق فاحتبسني عنده أياما للأنس. فعملت فيه عدّة أشعار، منها (٣): [البسيط] وزعفرانيّة في اللّون والطّيب … طيّبة الخمر دكناء الجلابيب ثوت بحانة عمر الزعفران على … مرّ الهواجر فيه والأهاضيب وما الغطارفة الشّبّان إن شربوا … خمرا بأبلج من رهبانه الشّيب شربتها من يدي حوراء مقلتها … تضني القلوب بتبعيد وتقريب شمس إذا طلعت، قالت محاسنها: … ها قد طلعت، فيا شمس الضّحى غيبي!

стр. 311

ونمت سكرا، ونامت لي معانقة … فلا تسل عن عناق الظّبي والذّيب! دير قنّى (١). وهو ببغداد والمداين. ودير العاقول (٢). أسفل منها باثنى عشر فرسخا. وإلى جانبه قرية كبيرة. أخرجت عدّة من الكتاب والوزراء. وهو حسن البناء، راكب على دجلة. وبات فيه الوزير علي بن مقلة، ثم أصطبح فيه. وقال: [السريع] باتت يدي تجني ثمار الجناح … بدير قنّى من وجوه ملاح! حتّى تلا الراهب مزموره … وضمّخ الأفق خلوق الصّباح فهل فتى يسعدني عاقدا … ذيل غبوق بذيول اصطباح؟ أطيعه في كل ما يشتهي … كطاعة الرّيش لأمر الرياح [١٨٥] وفيه يقول البحتري، من قصيدة يمدح ابن الفيّاض الوزير، وكان من دير قنّى (٣): [الخفيف]

стр. 312

ما تقضى لبانة عند لبنى … والمعنى بالغانيات معنى! نزلوا ربوة العراق ارتيادا … أيّ أرض أشفّ دارا وأسنى؟ بين دير العاقول مرتبع أش … رف محتله إلى دير قنى حيث بات الزيتون من فوقه النخ … ل عليه ورق الحمام تغنّى ما المعالي إلا المكارم تزدا … دو إلا مصانع المجد تبنى! قال الخالدي: وأنشدنا أبو العباس بن أبي خالد الأحول: قال أنشدني كاتب ابن طولون لنفسه: (١) إنّ عجزا كما نكون وغبنا … أن نرى صاحيين في دير قنّى! حبّذا روضة المدبّج ليلا … وهواه ذاك الممسّك ردّنا! قد جرى السّلسبيل بالمسك فيها … فحوته الدنان: دنّا فدنّا! كم خلونا بخسرواني كسرى … وهو يسقى طورا وطورا يغنّى! ختنا فردة (٢) من الورد إلا … أنها من أنامل البدر تجنى! وحكى حجظة البرمكي (٣) قال: كنت بحضرة إسماعيل بن بلبل، بواسط

стр. 313

أيام حرب العلويّ البصري (١)، والموفق الناصر يقاتله. فلما انصرفت رافقني البحتري، وكان قد زار ابن بلبل، فلما وصلنا إلى دير قنى قال لي: ويحك يا جحظة! هذا دير قنّى، وهو من الحسن والطيب على ما ترى! وأنت أنت! وطنبورك طنبورك! فهل لك أن نقيم به اليوم، فنشرب ونطرب، وننعم ونلعب؟ فقلت: نعم! ولم يكن معنا نبيذ. فسألنا عمن يقرب منا من العمال، فكتب إليه البحتري (٢): [الخفيف] [١٨٦] يا ابن عيسى بن فرخان، وللفر … س بعيسى بن فرّخان افتخار! قد حللنا بدير قنّى وما نب … غي قرى غير أن يكون عقار! فاسق من حيث كان يشرب كسرى … عصبة كلّهم ظماء حرار! من كميت تولّت الشمس منها … ما تولّته من سواها النار! فوجه إليها (٣) عشرين دنّا شرابا، ومائة دجاجة، وعشرين حملا، ونبائج فاكهة (٤). وعملت في الأبيات لحنا. فلم نزل نشرب عليه يومنا وليلتنا.

стр. 314

وأخذت فيها معنى فقلت: [السريع] وبات يسقينا جنانية … ضنّت بها الشمس على النار! دير العذارى (١). وهو بين سرّ من رأى وبغداد، بجانب العلث على دجلة، في موضع حسن. فيه رواهب عذارى. وكانت حوله حانات للخمارين وبساتين ومنتزهات. لا يعدم من دخله أن يرى من رواهبه جواريّ حسان الوجوه والقدود، والألحاظ والألفاظ. قال الخالدي: ولقد اجتزت به فرأيته حسنا، ورأيت في الحانات التي حوله خلقا يشربون على الملاهي. وكان ذلك اليوم عيدا له. ورأيت في جنينات لرواهبه جماعة يلقطن زهر العصفر، ولا يماثل حمرة خدودهنّ. ثم إن دجلة أهلكته (٢) بمدودها، حتّى لم يبق منه أثر. ولجحظة فيه أخبار وأشعار. لأنه كان معانه (٣) ومأواه، وإليه ينجذب به هواه. وفيه يقول ابن المعتزّ: (٤) [الطويل]

стр. 315

أيا جيرة الوادي (١) على المشرع العذب! … سقاك حيا حيّ الثّرى ميّت الجدّب! وحسبك يا ديّر العذارى قليل ما … يحنّ بما تحويه من طيبة قلبي! كذبت الهوى إن لم أقف أشتكي الهوى … إليك وإن طال الوقوف على صحبي! وعجت به والصّبح ينتهب الدّجى … بأضوائه، والنّجم يركض في الغرب أصانع أطراف الدّموع بمقلة … موفّرة بالدمع غربا على غرب [١٨٧] وهل هي إلا حاجة قضيت لنا … ولوم تحمّلناه في طاعة الحبّ؟ قال الخالديّ: وأنشدنى جحظة لنفسه: (٢) [البسيط] قالوا: قميصك مغمور بآثار … من المدامة والرّيحان والقار! فقلت: من كان مأواه ومسكنه … دير العذارى لدى حانوت خمار وساده يده والأرض مفرشه … لا يستطيع لسكر حل أزرار لم ينكر الناس منه أنّ حلّته … خضراء كالروض أو حمراء كالنار! وقال: وللصنوبري فيه (٣): [الوافر] أقول لمشبه العذراء حسنا: … علام رعيت في دير العذارى؟ (٤) وما وحدي أغار عليه، لكن … جميع العالمين معي غيارى!

стр. 316

ولابن فيروز البصير فيه: [الطويل] وروضة لهو قد جنيت ثمارها … بدير العذارى بين روض وأنهار تخال بها وجه المدير وكأسه … هلالا وشمسا بين أنجم نوّار يطوف بإبريق مفدّى كرامة … علينا بأسماع كرام وأبصار كأنا له زغب الفراخ يقوتها … بمثل مذاب التّبر من شطر منقار قال الخالدي: وهذا حسن بديع. وحكى الجاحظ قال (١): زعم فتيان من تغلب أنهم أرادوا قطع الطريق على قفل، بلغهم أنه يمرّ بهم قريب دير العذارى. ثم جاءتهم العين بأن السلطان قد عرّف بهم وأقبل في طلبهم. قال: فاختفينا في الدير، فلما أمنّا، قال بعضنا لبعض: ما يمنعنا أن تأخذوا القسّ فتشدّوه وثاقا ثم يخلو كل واحد منكم بواحدة من هذه الأبكار [١٨٨]. فإذا طلع الفجر تفرّقنا في البلاد؟ وكنا جماعة بعدد الراهبات اللواتي كنا نظنهنّ أبكارا، فوجدناهنّ كلهنّ ثيبات، وقد افتضهنّ القسّ. فقال بعضنا: [المتقارب] ودير العذارى فضوح لهنّ … وعند اللّصوص حديث عجيب خلونا بعشرين ديريّة (٢) … ونيل (٣) الرواهب شيء غريب إذا هنّ يرهزن رهز الظراف … وباب المدينة فجّ رحيب

стр. 317

لقد بات بالدّير ليل التّمام … نساء وساع ونيل صليب وللقس حزنّ يهيض الفؤاد (١) … ووجد يدلّ عليه النحيب وقد كان عيرا لدى عانة … فصبّ على العير ليث غضوب وفيه يقول بعض القطّاع أيضا، من كلمة له (٢): [المتقارب] وألوط من راهب يدّعي … بأنّ النّساء عليه حرام يحرّم بيضاء ممكورة … ويغنيه في البضع عنها الغلام إذا ما مشى غضّ من طرفه … وفي الدير باللّيل منه عرام ودير العذارى فضوح لهنّ … وعند اللّصوص حديث تمام وقيل في راهبة فيه (٣): [الكامل] يا أيّها القمر المنير الزاهر … المشرق الحسن المضيء الباهر! أبلغ شبيهتّك السّلام، وهنّها … بالنوم، واشهد لي بأنّي ساهر! دير الباعوث (٤). وهو على شاطئ الفرات، من جانبه الغربيّ (٥). في موضع نزه وكانت العمارة قليلة حوله. وله خفراء من الأعراب. وله مزارع ومباقل

стр. 318

وجنينات. وفي هيكله صورة دقيقة الصنعة عجيبة الحسن، يقال إن لها مئين سنين، لم [١٨٩] تتغير أصباغها، ولا حالت ألوانها. قال المنبجيّ (١): اجتزت بدير الباعوث هذا واستحسنته واستطبته، فلولا الوطن لاستوطنته، ورأيت في رهبانه غلاما كما عذّر قد ترهّب، فخاطبته وإذا به أحلى الناس ألفاظا على لثغة فيه تجعل السين ثاء. فشدّيت سمّاريتي (٢) إلى جانب الدير. واشتريت شرابا من الرهبان. وبتّ هناك منادما لذلك الغلام. فلما أردت الرحيل قال: أتنصرف من عندنا وأنت شاعر ولم تقل فينا شيئا؟ فقلت: بلى، والله قد قلت! وأنشدته (٣): [الكامل] يا طيب ليلة ديرمر باعوث! … فسقاه ربّ العرش صرف غيوث! (٤) ومورّد الوجنات من رهبانه … هو بينهم كالظّبي بين ليوث حاولت منه قبلة فأجابني … يا حسن ذا التّذكير والتأنيث! حتّى إذا ما الرّاح سهل حثّها … منه العسير برطله المحثوث! نلت الرّضا وبلغت قاصية المنى … منه برغم رقيبه الدّيّوث! ولقد سلكت مع النّصارى كلّ ما … سلكوه غير القول بالتّثليث! دير السوسي (٥): وهو في الجانب الغربيّ بسرّ من رأى، ومنه أرضها.

стр. 319

فابتاعها المعتصم من أهله. حكى أحمد بن أبي طاهر، (١) قال: قصدت بسر من رأى رائدا بعض كبارها (٢) بشعر مدحته به، فقبلني وأجزل صلتي، ووهب لي غلاما روميا حسن الوجه. فسرت أريد بغداد. فلما سرت نحو فرسخ، أخذتنا السحاب، فعدلت إلى دير السوسيّ لنقيم فيه إلى أن يخفّ المطر، فاشتدّ القطر وجاء الليل. فقال الراهب الذي هو فيه: أنت العشيّة بائت هنا، وعندي شراب جيد، فتبيت تقصف ثم تبكّر، فبتّ عنده، فأخرج لي شرابا جيدا، ما رأيت أصفى منه ولا أعطر. وبات الغلام يسقيني [١٩٠]، والراهب نديمي، حتّى متّ سكرا. فلما أصبحت رحلت وقلت: [المتقارب] سقى سرّ من رى وسكّانها … وديرا لسوسيّها الراهب! (٣) فقد بتّ في ديره ليلة … وبدر على غصن صاحبي! غزال سقاني حتّى الصّبا … ح صفراء كالذّهب الذائب سقاني المدامة مستيقظا … ونمت ونام إلى جانبي وكانت هنات (٤) لي الويل من … جناها الذي خطّه كاتبي!

стр. 320

وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد فيه قول ابن المعتز: (١) [الخفيف] يا ليالي بالمطيرة والكر … خ ودير السّوسي، بالله عودي! كنت عندي أنموذجات من الجنّ … ة لكنّها بغير خلود! أشرب الراح وهي تشرب عقلي … وعلى ذاك كان قتل الوليد دير عبدون (٢): وهو بسرّ من رأى إلى جانب المطيرة. قال: وسمّي دير عبدون لكثرة إلمام عبدون - أخي صاعد [بن مخلد]- به. وكان عبدون نصرانيا. وأسلم أخوه صاعد على يد الموفق الناصر، فاستوزره وبلغ معه المبالغ العظيمة. وحكى البحتري أنه كان مع عبدون في هذا الدير في يوم فصح، ومعه ابن خرداذبة. قال البحتريّ فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها، وأوّلها: (٣) لا جديد الصّبا ولا ريعانه … راجع بعد ما تقضى زمانه! فأمر لي بمائتي دينار، وثياب خز، وشهري (٤) بسرجه ولجامه. وأخوه حينئذ مع الموفق في قتال العلوي البصري. فسّرّ بذلك وقال لي: يا أبا عبادة! قل في هذا شعرا أنفذه إلى ذي الوزارتين، يعني أخاه، وكان لقب بهذا. فقلت (٥): [المنسرح]
следующие страницы →