← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولابن فيروز البصير فيه: [الطويل] وروضة لهو قد جنيت ثمارها … بدير العذارى بين روض وأنهار تخال بها وجه المدير وكأسه … هلالا وشمسا بين أنجم نوّار يطوف بإبريق مفدّى كرامة … علينا بأسماع كرام وأبصار كأنا له زغب الفراخ يقوتها … بمثل مذاب التّبر من شطر منقار قال الخالدي: وهذا حسن بديع. وحكى الجاحظ قال (١): زعم فتيان من تغلب أنهم أرادوا قطع الطريق على قفل، بلغهم أنه يمرّ بهم قريب دير العذارى. ثم جاءتهم العين بأن السلطان قد عرّف بهم وأقبل في طلبهم. قال: فاختفينا في الدير، فلما أمنّا، قال بعضنا لبعض: ما يمنعنا أن تأخذوا القسّ فتشدّوه وثاقا ثم يخلو كل واحد منكم بواحدة من هذه الأبكار [١٨٨]. فإذا طلع الفجر تفرّقنا في البلاد؟ وكنا جماعة بعدد الراهبات اللواتي كنا نظنهنّ أبكارا، فوجدناهنّ كلهنّ ثيبات، وقد افتضهنّ القسّ. فقال بعضنا: [المتقارب] ودير العذارى فضوح لهنّ … وعند اللّصوص حديث عجيب خلونا بعشرين ديريّة (٢) … ونيل (٣) الرواهب شيء غريب إذا هنّ يرهزن رهز الظراف … وباب المدينة فجّ رحيب

стр. 317

لقد بات بالدّير ليل التّمام … نساء وساع ونيل صليب وللقس حزنّ يهيض الفؤاد (١) … ووجد يدلّ عليه النحيب وقد كان عيرا لدى عانة … فصبّ على العير ليث غضوب وفيه يقول بعض القطّاع أيضا، من كلمة له (٢): [المتقارب] وألوط من راهب يدّعي … بأنّ النّساء عليه حرام يحرّم بيضاء ممكورة … ويغنيه في البضع عنها الغلام إذا ما مشى غضّ من طرفه … وفي الدير باللّيل منه عرام ودير العذارى فضوح لهنّ … وعند اللّصوص حديث تمام وقيل في راهبة فيه (٣): [الكامل] يا أيّها القمر المنير الزاهر … المشرق الحسن المضيء الباهر! أبلغ شبيهتّك السّلام، وهنّها … بالنوم، واشهد لي بأنّي ساهر! دير الباعوث (٤). وهو على شاطئ الفرات، من جانبه الغربيّ (٥). في موضع نزه وكانت العمارة قليلة حوله. وله خفراء من الأعراب. وله مزارع ومباقل

стр. 318

وجنينات. وفي هيكله صورة دقيقة الصنعة عجيبة الحسن، يقال إن لها مئين سنين، لم [١٨٩] تتغير أصباغها، ولا حالت ألوانها. قال المنبجيّ (١): اجتزت بدير الباعوث هذا واستحسنته واستطبته، فلولا الوطن لاستوطنته، ورأيت في رهبانه غلاما كما عذّر قد ترهّب، فخاطبته وإذا به أحلى الناس ألفاظا على لثغة فيه تجعل السين ثاء. فشدّيت سمّاريتي (٢) إلى جانب الدير. واشتريت شرابا من الرهبان. وبتّ هناك منادما لذلك الغلام. فلما أردت الرحيل قال: أتنصرف من عندنا وأنت شاعر ولم تقل فينا شيئا؟ فقلت: بلى، والله قد قلت! وأنشدته (٣): [الكامل] يا طيب ليلة ديرمر باعوث! … فسقاه ربّ العرش صرف غيوث! (٤) ومورّد الوجنات من رهبانه … هو بينهم كالظّبي بين ليوث حاولت منه قبلة فأجابني … يا حسن ذا التّذكير والتأنيث! حتّى إذا ما الرّاح سهل حثّها … منه العسير برطله المحثوث! نلت الرّضا وبلغت قاصية المنى … منه برغم رقيبه الدّيّوث! ولقد سلكت مع النّصارى كلّ ما … سلكوه غير القول بالتّثليث! دير السوسي (٥): وهو في الجانب الغربيّ بسرّ من رأى، ومنه أرضها.

стр. 319

فابتاعها المعتصم من أهله. حكى أحمد بن أبي طاهر، (١) قال: قصدت بسر من رأى رائدا بعض كبارها (٢) بشعر مدحته به، فقبلني وأجزل صلتي، ووهب لي غلاما روميا حسن الوجه. فسرت أريد بغداد. فلما سرت نحو فرسخ، أخذتنا السحاب، فعدلت إلى دير السوسيّ لنقيم فيه إلى أن يخفّ المطر، فاشتدّ القطر وجاء الليل. فقال الراهب الذي هو فيه: أنت العشيّة بائت هنا، وعندي شراب جيد، فتبيت تقصف ثم تبكّر، فبتّ عنده، فأخرج لي شرابا جيدا، ما رأيت أصفى منه ولا أعطر. وبات الغلام يسقيني [١٩٠]، والراهب نديمي، حتّى متّ سكرا. فلما أصبحت رحلت وقلت: [المتقارب] سقى سرّ من رى وسكّانها … وديرا لسوسيّها الراهب! (٣) فقد بتّ في ديره ليلة … وبدر على غصن صاحبي! غزال سقاني حتّى الصّبا … ح صفراء كالذّهب الذائب سقاني المدامة مستيقظا … ونمت ونام إلى جانبي وكانت هنات (٤) لي الويل من … جناها الذي خطّه كاتبي!

стр. 320

وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد فيه قول ابن المعتز: (١) [الخفيف] يا ليالي بالمطيرة والكر … خ ودير السّوسي، بالله عودي! كنت عندي أنموذجات من الجنّ … ة لكنّها بغير خلود! أشرب الراح وهي تشرب عقلي … وعلى ذاك كان قتل الوليد دير عبدون (٢): وهو بسرّ من رأى إلى جانب المطيرة. قال: وسمّي دير عبدون لكثرة إلمام عبدون - أخي صاعد [بن مخلد]- به. وكان عبدون نصرانيا. وأسلم أخوه صاعد على يد الموفق الناصر، فاستوزره وبلغ معه المبالغ العظيمة. وحكى البحتري أنه كان مع عبدون في هذا الدير في يوم فصح، ومعه ابن خرداذبة. قال البحتريّ فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها، وأوّلها: (٣) لا جديد الصّبا ولا ريعانه … راجع بعد ما تقضى زمانه! فأمر لي بمائتي دينار، وثياب خز، وشهري (٤) بسرجه ولجامه. وأخوه حينئذ مع الموفق في قتال العلوي البصري. فسّرّ بذلك وقال لي: يا أبا عبادة! قل في هذا شعرا أنفذه إلى ذي الوزارتين، يعني أخاه، وكان لقب بهذا. فقلت (٥): [المنسرح]

стр. 321

ليكتنفك السّرور والفرح! … ولا يفتك الإبريق والقدح! [١٩١] فتح وفصح قد وافياك معا: … فالفتح يقري، والفصح يفتتح فانعم سليم الأقطار تغتبق الص … هباء من دنها وتصطبح! فإن أردت اجتراح سيئة … فها هنا السّيئات تجترح! وأقمنا يومنا إلى الليل. وخلع على ابن خرداذبة وحمله وانصرفنا. وأنشد الخالدي قول ابن المعتز فيه (١): [البسيط] سقى الجزيرة ذات الظلّ والشجر … فدير عبدون هطّال من المطر! دير زكّى (٢): وهو قريب البليخ والفرات. في أنزه البقاع، بين بساتين وأنهار وتلال وضياع. وحكي عن الحسين بن يعقوب أنه قال: صرت إلى الرّها، فبتّ بها. وخرجت قبل عيد الصليب بيوم. فإذا لدينا وجوه حسان من نصرانيات خرجن لعيدهنّ، عليهنّ جيّد الثياب وفاخر الجوهر؛ وإذا روائح المسك والعنبر قد طيّب الهواء منه، وقد فرش لهنّ على العجل وهو يجرّ بهنّ؛ وأخريات على الشّهاريّ الخراسانية والبغلات المصرية والحمر الفره؛ ومشاة، وفي خلال ذلك صبيان ما رأيت أحسن منهم وجوها وقدودا وثيابا. فتأملت منظرا لم أر أحسن منه قط. وإذا هم يطلبون دير زكى ليعيّدوا فيه.

стр. 322

قال الخالدي: وإلى جانبه قرية تعرف بالصالحية ذات قصور ودور. وفيها يقول بعض الشعراء (١): [الوافر] قصور الصالحيّة كالعذارى … لبسن حليّهنّ ليوم عرس تقنّعها الرياض بكلّ نور … وتضحكها مطالع كلّ شمس (٢) وفيها قال الصنوبري (٣): [البسيط] إني طربت إلى زيتون بطياس (٤) … فالصالحيّة ذات الورد والآس! وصف الرياض كفاني أن أقيم على … وصف الطّلول، فهل في ذاك من باس؟ وقائل لي: أفق يوما! فقلت له … من سكرة الحب أو من سكرة الكاس [١٩٢] قل للذي لام فيه: هل ترى كلفا … بأملح الرّوض إلا أملح الناس؟ وفيها قال أيضا (٥): [مجزوء الكامل] الصالحيّة موطني … أبدا، وبطياس قراري من فوق غدران تفي … ض وبين (٦) أنهار جواري ومدامة بزلت فأش … به فتلها فتل السّوار

стр. 323

يا لائمي ما العار عا … رك فامض عنّي العار عاري! لهفي على ملويّة … الأصداغ مسبلة الإزار! (١) قد فضّضت بالياسمي … ن وذهبت بالجلّنار وفيه قال: (٢) [الخفيف] حبذا الكرخ (٣) حبذا العمر! لا بل … حبّذا الدّير! حبّذا السّروتان! قد تجلّى الربيع من حلل الزّه … ر وصاغ الحمام طيب الأغاني زيّنت أوجه الرياض فأضحت … وهي تزهى على الوجوه الحسان أخضر اللون كالزبرجد في أح … مر صافي الأديم كالعقيان وبهار مثل الدنانير محفو … ف بزهر الخيريّ والحوذان سقاني بكل لون من الرا … ح على كلّ هذه الألوان! وفيه يقول الصنوبري أيضا من قصيدة (٤): [الوافر] أراق سجاله بالرّقّتين … جنوبي صخوب الجانبين وأهدى للرّصيف رصيف مزن … يعاوده طرير الطرتين يضاحكها الفرات بكل فجّ … فتضحك عن نضار أو لجين [١٩٣] كأنّ عناق نهري دير زكّى … إذا اعتنقا عناق متيّمين أقاما كالسّوارين، استدارا … على كفّيه أو كالدّملجين وياسفن الفرات بحيث تهوي … هوي الطير بين الجلهتين

стр. 324

تطارد مقبلات مدبرات … على عجل تطارد عسكرين ترانا واصلين كما عهدنا … وصالا لا ننغّصه ببين؟ ألا يا صاحبي خذا عناني … هواي! سلمتما من صاحبين! وكان اللهو عندي كابن أمي … فصرنا بعد ذاك لعلّتين! وله أيضا من أخرى: (١) [الخفيف] يا نديمي أما تحنّ إلى القص … ف، فهذا أوان يبدو الحنين؟ ما ترى جانب المصلّى وقد أش … رق منه ظهوره والبطون؟ أسرجت في رياضه سرج القط … ر وطابت سهوله والحزون إن آذار لم يذر تحت وجه الأر … ض شيئا أكنّه كانون! وكأن الفرات بينهما عي … ن لجين يعوم فيها السّفين كبطون الحيّات أو كمتون ال … مشرفيّات، أخلصتها القيون كم غدا نحو دير زكاء من قل … ب صحيح فعاد وهو حزين! لو على الدير عجت يوما، لألهت … ك فنون وأطربتك فنون! لائمي في حاجتي قدك مهلا … لا تلمني. إنّ الملام جنون! ولأبي بكر المعوج فيه من قصيدة (٢): [الخفيف] ما ترى الدير؟ ما ترى أسفل الدّي … ر، وقد صار وردة كالدّهان؟ [١٩٤]

стр. 325

لو رآه النّعمان، شقّ عليه … ما يرى من شقائق النّعمان! قال الخالدي عن الزهراويّ، قال: كان بالموصل جارية مغنية، لقبت بالدير، وكان لها ابن عم يعشقها. فطرقته يوما زائرا، فاحتجب عني، وعرفت أن عنده المغنية المعروفة بالدير، وقد خلا بها. فكتبت إليه: [الخفيف] قد علمنا بأن مثواك بالدّي … ر، فعيشا في غبطة وأمان! تتغنّى طورا وتسقيك طورا … وتلاقي للسوءة السّوءتان ثم أنشدت إذ سمعت نخيرا … كنخير الرّعود في نيسان "ما ترى الدير؟ ما ترى أسفل الدي … ر وقد صار وردة كالدّهان" قال الخالدي: "وهذا التضمين حسن، واقع في موقعه، متمكن في مكانه. وهكذا سبيل مثله أن يكون البيت المضمّن كأنه من الشعر المضاف إليه". قلت: بشرط نقله لمعنى آخر غير ما أراد به ناظمه، وإلا فترك التضمين أولى، إذا كان بمعنى الأوّل. وقد ذكره أبو الفرج وقال: وممن ذكره هارون الرشيد، فقال في بعض غزواته، وقد خلّف جارية كان يحبها هناك: (١) [المتقارب] سلام على النّازح المغترب! … تحيّة صبّ به مكتئب! غزال مراتعه بالبليخ … إلى دير زكّى فقصر الخشب! أيا من أعان على نفسه … بتخليفه طائعا من أحب! سأستر، والسّتر من شيمتي … هوى من أحبّ لمن لا أحب قال: ويقال إنه قالها في ديرانية رآها في دير زكّى، فهويها.

стр. 326

دير القائم الأقصى (١): وهو على شاطئ الفرات، من جانبه الغربيّ في طريق الرّقّة. قال أبو الفرج: وقد رأيته، وهو مرقب من المراقب التي كانت بين الروم والفرس، على أطراف الحدود. وقال إسحاق الموصليّ (٢): لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة، مررنا بالقائم وعنده الدير. فاستحسن الرشيد الموضع. وكان الوقت ربيعا، وكانت تلك المروج مملوءة بالشقائق والزهر. فشرب على ذلك ثلاثة أيام. ودخلت الدير أطوف فيه، فرأيت ديرانيّة، حين نهد ثدياها، عليها المسوح، ما رأيت أحسن من وجهها وجسمها. وكأنّ تلك المسوح عليها حليّ. فدعوت بنبيذ وشربت على وجهها أقداحا. وقلت (٣): [مجزوء الوافر] بدير القائم الأقصى … غزال شادن أحوى! برى حبّي له جسمي … ولا يدري بما ألقى! وأكتم حبّه جهدي … ولا والله ما يخفى! ثم دعوت بالعود، فغنيت في الدير صوتا مليحا ظريفا. وما زلت أكرره وأشرب وأنظر إليها، وهي تضحك من فعلي حتّى سكرت. فلما كان من الغد، دخلت على الرشيد، وأنا ميّت من السكر. فقال لي: أين شربت؟ فأخبرته القصة. فقال: طيّب وحياتي! ودعا بالشراب فشرب. فلما كان العشيّ، قال: قم بنا حتّى أتنكّر وأدخل إلى صاحبتك هذه وأراها. فقمت معه وتلثّم ودخل الدير

стр. 327

فرأها وقال: مليحة والله! وأمر من جاءه بكأس وخرداذي (١). وأحضرت عودي فغنيته الصوت الذي صنعته ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاثة أرطال. ثم خرج وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فقلت: يا سيدي، وصاحبة القصة؟ أريد أن يبين عليها أثري. فأمر لها بخمسة آلاف درهم، وأمر بأن لا يؤخذ من مزارع ذلك الدير خراج، وأقطعهم إياه وجعل عليه عن الخراج عشرة دراهم في كل سنة، تؤدى ببغداد. دير حزقيال (٢): قال شريح الخزاعي (٣): اجتزت بدير حزقيال. فبينا أنا أدور فيه، إذا بسطرين مكتوبين على أسطوانة. فقرأتهما، فإذا هما: [١٩٦] [الخفيف] ربّ ليل أمدّ من نفس العا … شق طولا، قطعته بانتحاب! ونعيم بوصل من كنت أهوى … قد تبدّلته ببؤس العتاب! نسبوني إلى الجنون ليخفوا … ما بقلبي من صبوة واكتئاب ليت بي ما ادّعوه من فقد عقلي … فهو خير من طول هذا العذاب! وتحته مكتوب: "هويت فمنعت، وطردت وشرّدت. وفرّق بيني وبين الوطن، وحجبت عن الإلف والسكن. وحبست في هذا الدير [ظلما و] عدوانا، وصفّدت في الحديد زمانا:

стр. 328

وإنّي على ما نابني وأصابني … لذو مرّة باق على الحدّثان! فإن تعقب الأيام أظفر ببغّيتي! … وإن أتولى يرم بي الرّجوان! (١) فكم ميّت همّا بغيظ وحسرة … صبور لما يأتي به الملوان! (٢) فدعوت برقعة، وكتبت ذلك، وسألت عن صاحبه، فقالوا: رجل هوي ابنة عم له. فحبسه عمه في هذا الدير، وغرم على ذلك جملة للسلطان خوفا أن تفتضح ابنته. ثم مات عمه، فورثه، هو وابنته، وجاء أهله فأخرجوه وتزوّج ابنة عمه. دير ماسرجس (٣): قال أبو الفرج (٤): لم يذكر أي دياراته؟ وله عدّة ديارات. منها دبر بإزاء البركان، في ظهر قرية يقال لها كاذة (٥). حكي عن عبد الله الربيعي (٦) قال: دخلت - أنا وأبو النصر البصريّ، مولى

стр. 329

بني جمح - بيعة ما سرجس. وقد ركبنا مع المعتصم، نتصيد. فوقفت أنظر إلى جارية كنت أهواها، وجعل هو ينظر إلى صورة في البيعة، استحسنها؛ حتى طال ذلك. ثم قال أبو النصر (١): [الرمل] فتنتنا صورة في بيعة! … فتن الله الذي صوّرها! زادها الناقش في تحسينها … فضل حسن، إنه نضرها! وجهها لا شك عندي فتنة … وكذا هي عند من أبصرها [١٩٧] أنا للقسّ عليها حاسد … ليت غيري عبثا كسّرها! قال: فقلت: له شتان ما بيننا! أنا أهوى بشرا، وأنت تهوى صورة! قال لي: هذا عبث، وأنت في جدّ. قال حماد، وغنّى عبد الله بن العباس في هذا الشعر غناء حسنا، سمعته منه. فنسبه إليه لكثرة شعره في امرأة كان يهواها. دير الروم (٢): وهو بأرض بغداد. قال الشابشتي (٣): كان مدرك بن علي

стр. 330

الشّيباني يطرقه في الآحاد والأعياد. فينظر من فيه من المردان، والوجوه الحسان. وله فيه (١): [الطويل] وجوه بدير الروم قد سلبت عقلي … فأصبحت في بؤس شديد من الخبل! فلم تر عيني منظرا مثل حسنهم … ولم تر عين مستهاما بهم مثلي! وحكي عن جساس بن محمد قال (٢): كان بدير الروم غلام من أولاد النصارى، يقال له عمرو بن يوحنا. وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا. وكان مدرك بن علي يهواه. وكان من أفاضل أهل الأدب. وكان له مجلس تجتمع فيه الأحداث لا غير. فإن حضره ذو لحية، قال له مدرك: إنه يقبح بك أن تختلط بالأحداث، فقم في حفظ الله! فيقوم. وكان عمرو ممن يحضر مجلسه، فعشقه وهام به. فكتب إليه رقعة، وتركها في حجره. فقرأها فإذا فيها: [مجزوء الكامل] بمجالس العلم التي … بك ثم جمع جموعها! إلا رثيت لمقلة … غرقت بفيض دموعها! بينى وبينك حرمة … فالله في تضييعها! فقرأ الأبيات، ووقف عليها من حضر، فاستحيا عمرو، فانقطع عن الحضور. وغلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه وتبعه. وقال فيه أشعارا، منها قوله: [الكامل] يا من يريد وصالنا ويردّه … ما قد يحاذر من كلام الناس! [١٩٨] صلني فإن سبقت إليك مقالة … منهم، فعصّب ما يقال براسي! قال جساس (٣): ثم خرج مدرك إلى الوسواس، فحضرته عائدا في جماعة

стр. 331

من إخوانه، فقال: ألست صديقكم القديم؟ فما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ قال: فمضينا إليه. وقلنا له: يا عمرو إن كان قتل هذا الرجل دينا فإن إحياءه لمروءة. قال: فما فعل؟ قلنا له: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه. قال فنهض معنا. فلما دخلنا عليه، سلّم عليه عمرو، وأخذ بيده. فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه، ثم أغمي عليه، ثم أفاق وهو يقول: [مجزوء الرمل] أنا في عافية إلا … من الشّوق إليكا أيّها العائد، ما بي … منك لا يخفى عليكا! لا تعد جسما وعد قل … با رهينا في يديكا! كيف لا يهلك من ير … مى بسهمي مقلتيكا؟ (١) دير الزّندورد (٢): وهو بالجانب الشرقي من بغداد. وأرض ناحيته كلها فواكه وأترج وأعناب. وعنبها من أجود ما يعتصر هناك. ولذا قال أبو نواس (٣): [البسيط] فسقّني من كروم الزندورد ضحى … ماء العناقيد في ظلّ العناقيد! قال الشابشتي (٤): حكى عبد الواحد بن طرخان: قال خرجت إلى دير الزندورد في بعض أعياده متطربا ومتنزها، ومعنا جحظة في جماعة من إخواني.

стр. 332

فنزلنا موضعا حسنا، ووافقنا هناك جماعة من ظراف بغداد، لجميعهم معشوقات حسان الوجوه والغناء. فأقمنا به أياما في أطيب عيش. وقال جحظة فيه شعرا، ذكر الدير وطيب الوقت ومن كان معنا وغنى فيه لحنا حسنا. وهو (١): [البسيط] سقيا ورعيا لدير الزّندورد وما … يحوي ويجمع من راح وريحان (٢)! دير تدور به الأقداح مترعة … من كفّ ساق مريض الطّرف وسنان! والعود يتبعه ناي يوافقه (٣) … والشّدو يحكمه غصن من البان! [١٩٩] والقوم فوضى ترى (٤) هذا يقبّل ذا … وذاك إنسان سوء فوق إنسان! هذا ودجلة للرائين معرضة … والطير يدعو هديلا بين أغصان! برّ وبحر فصيّد البر مقترب … والبحر يسبح شطاه بحيتان! ثم صنع لحنا وغنى فيه بشعر له. منه (٥): [الوافر] خليلّي الصّبوح دنا الصباح … فإنّ شفاء ما تجدان راح! فنبّه فتية جبهوا قديما … عواذلهم بزجر فاستراحوا! رأيت الغانيات صددن عني … وأعرضت المبتّلة الرّداح وقلن: مضت بشرّتك الليالي! … فقلت: نعم، وقد رثّ السّلاح! دير دومالس (٦): وهو في باب الشمّاسية، شرقي دجلة. قال الشابشتي:

стр. 333

وموقعه في هذا الوقت في ظهر القرية التي بناها أحمد بن بويه الديلمي. وهو نزه كثير البساتين والشجر، وبقربه أجمة قصب. وهو كبير آهل، وهو من البقاع المعمورة بالقصف. وعيده أحسن عيد، يجتمع نصارى بغداد فيه، وفيه يقول ابن حمدون النديم (١): [السريع] يا دير درمالس (٢) ما أحسنك! … ويا غزال الدّير ما أفتنك! لئن سكنت الدّير في أهله … فإنّ في وسط الحشا مسكنك! دير سمالو (٣): وهو بالجانب الشرقيّ من بغداد، على نهر المهديّ. وهناك أرحية للماء وحوله بساتين وأشجار ونخل. آهل بمن يطرقه من أهل الخلاعة. وفي عيد الفصح لا يبقى أحد من النصارى ببغداد، حتّى يأتي إليه، لمحمد بن عبد الملك الهاشمي فيه شعر، منه (٤): [الكامل] ولربّ يوم في سمالو تمّ لي … فيه النّعيم وغيّبت أحزانه! [٢٠٠] حتّى حسبت لنا البساط سفينة … والبيت ترقص (٥) حولنا حيطانه! قال خالد بن يزيد بن الكاتب (٦): كنت بدير سمالو، فلم أشعر إلا ورسول

стр. 334

إبراهيم بن المهدي قد وافاني. فذهبت إليه، فإذا برجل أسود مشفرانيّ قد غاص في الفرش، فاستجلسني. فجلست. فقال: أنشدني شيئا من شعرك! فأنشدته: [الطويل] رأت منه عينى منظرين كما رأت … من البدر والشمس المضيئة بالأرض عشيّة حيّاني بورد كأنّه … خدود أضيفت بعضهنّ إلى بعض وناولني كأسا كأنّ رضابها … دموعي لما صدّ عن مقلتي غمضي وولّى، وفعل السّكر في حركاته … من الراح فعل الرّيح بالغصن الغض فزحف حتّى صار في ثلثي المصلّى، ثم قال: يا بنيّ! شبّه الناس الخدود بالورد، وشبهت أنت الورد بالخدود! فأنشدته: [مجزوء الكامل] عاتبت نفسي في هوا … ك فلم أجدها تقبل وأجبت داعيها إلي … ك، ولم أجب من يعذل (١) لا والّذي جعل الوجو … هـ لحسن وجهك تمثل! لا قلت: إنّ الصّبر عن … ك من التّصابي أجمل! فزحف حتّى صار خارج المصلّى، ثم قال: زدني! فأنشدته: [الرمل] عش فحبيك سريعا قاتلي … والهوى (٢) إن لم تصلني واصلي ظفر الحبّ بقلب دنف … بك والسّقم بجسم ناحل وبكى العاذل لي من رحمتي … فبكائي من بكاء العاذل

стр. 335

فصاح وقال: بابليق! كم لي معك من العين؟ قال ستمائة وخمسون دينارا. قال [٢٠١]: اقسمها بيني وبينه. وحكى الشابشتي لخالد حكايات، وأنشد له شعرا، منه قوله (١): [الخفيف] كبد المستهام كيف تذوب؟ … ما تقاسي من العيون القلوب؟ يا مكان الهوى خلوت من الصب … ر، فما للسّلو فيك نصيب! وقوله: (٢) [الطويل] ولم أدر ما جهد الهوى وبلاؤه … وشدّته، حتّى وجدتك في قلبي! أطاعك طرفي في فؤادي، فحازه … لطرفك حتّى صرت في قبضة الحب! دير الثعالب (٣): وهو في الجانب الغربيّ من بغداد، بباب الحديد (٤). وهو بمكان متنزه لا يخلو من قاصد وطارق. ولا يتخلف أحد من النصارى عن عيده (٥). فمواطنه معمورة، وبقاعه مشهورة. ولابن دهقان (٦) فيه شعر ظريف.

стр. 336

وهو من ولد إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، ويكنى بأبي جعفر. وأنشد له جحظه (١): [المتقارب] أحين قطعت لك الواصلين … وجدت عليك ولم أبخل غدرت وأظهرت لي جفوة … وجرت عليّ ولم تعدل؟ أأطمع في آخر من هواك … ولم ترع لي حرمة الأول؟ دير مديان (٢): وهو على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشقّ من المحوّل الكبير ويمر على العبّاسية، ويشقّ الكرخ، ويصبّ في دجلة. وكان قديما عامرا يصبّ الماء فيه، ثم نضب بالبثوق (٣). قال الشابشتي (٤): وهذا الدير حسن عامر حوله البساتين، ويقصده للتنزه. ولابن الضحاك فيه شعر منه (٥): [البسيط] يا دير مديان لا عريت من سكن … ما هجت من سقم (٦) يا دير مديانا! هل عند قسّك من علم فيخبرني؟ … أم كيف يسعد وجه الصبر من بانا؟ (٧)

стр. 337

[٢٠٢] سقيا ورعيا لكرخايا وساكنها … بين الجينة والروحاء (١) من كانا! دير أشمونى (٢): وأشمونى امرأة بني الدير باسمها ودفنت فيه. وهو بقطربل. قال جحظة (٣): خرجت في عيد أشمونى فلما وصلت الشط، مددت عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه، أو رجلا أنزل عليه. فرأيت قينتين (٤) من أحسن من رأيت. فقدمت سميرّيتي نحوهما، وقلت: تأذنون لي في الصعود إليكما؟ فقالتا (٥): بالرّحب والسعة! فصعدت، وقلت: يا غلام! طنبوري ونبيذي. فقالتا (٥): أما الطّنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس خلقا وأخلاقا وعشرة. فأخذت الطنبور وغنّيت بشعر لي (٦): [السريع] سقيا لأشمّونى ولذّاتها … والعيش فيها بين جناتها! إذ اصطباحي في بساتينها … وإذ غبوقي في دياراتها! فشربنا بالأرطال، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار. قال محمد بن المؤمّل: كنت مع أبي العتاهية في سميريّته، ونحن سائرون إلى أشمونى فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له، وقال

стр. 338

لي: أتحسن أن ترقص؟ فقلت: نعم. فقال: فقم بنا نرقص. فقلت: في سميرية؟ أخاف أن نغرق. فقال: إن غرقنا، أليس نكون شهداء الطرب؟ دير سابر (١): وهو في الجانب الغربيّ من دجلة، بين المزرفة والصالحيّة، في بقعة كثيرة البساتين والكروم والثمار والحانات والخمّارين، معمورة بأهل الطرب. والدير حسن عامر. ولابن الضحاك فيه (٢): [الكامل] وعواتق باشرت بين حدائق … ففضضتهنّ وقد غنين (٣) صحاحا أتبعت وخزة تلك وخزة هذه … حتّى شربت دماءهنّ جراحا أبرزتهن من الخدور حواسرا … وتركت صون حريمهنّ مباحا في دير سابر والصباح يلوح لي … فجمعت بدرا والصّباح وراحا ومنعّم نازعت فضل وشاحه … وكسوته من ساعديّ وشاحا فاذهب بظنّك كيف شئت فإنّه … مما اقترفت لذاذة وجماحا وأورد الشابشتيّ فيه للحسين بن الضحاك أخبارا ظرافا، وأنشد له أشعارا لطافا. منها: (٤) [الوافر] أمّا ناجاك بالوتر (٥) الفصيح … وأنّ إليك من قلب الجريح؟ فليتك حين تهجره ضرارا … مننت عليه بالقتل المريح! بحسنك كان أوّل حسن ظنّي … أما ينهاك حسنك عن قبيح؟

стр. 339

ألا يا عمرو هل لك بنت كرم (١) … هلم إلى صفيّة كل روح! فقام على تخاذل مقلتيه … وسلسلها كأوداج الذّبيح وأتبع سكرة سلفت بأخرى … وخلّى الصّحو للحر (٢) الشّحيح وحكى عنه قال (٣): كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه فيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفا، عليه قباء مورد، ورداء مورد، وهو فيهما من أحسن الناس وجها. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده. فيفعل ذلك. ثم كان آخر ما دفع إلى وردة حمراء، حيّاني بها. فقلت: [الطويل] وكالوردة الحمراء حبّا بأحمر (٤) … من الورد، يسعى في غلائل (٥) كالورد! له عبثات عند كلّ تحيّة … بكفّيه تستدعي الخليّ إلى الوجد! تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة … تذكّرني ما قد نسيت من العهد! سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة … من الدّهر إلا من حبيب على وعد! فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أمنيّتك. دير قوطا (٦) - وهو بالبردان، على شاطئ دجلة. قال الشابشتىّ (٧): وبينه وبين بغداد بساتين متصلة ومتنزهات منتظمة. كلّ

стр. 340

ذلك شجر وكروم كثيرة الطراق. قال: وهذا الدير يجمع أحوالا (١) كثيرة منها: (٢) عمارته وكثرة فواكهه وما يطلبه أهل البطالة فيه. ولعبد الله بن العباس الربيعي فيه: (٣) [البسيط] يا دير قوطا، لقد هيجت لي طربا … أزاح عن قلبي الأحزان والكربا! وشادن ما رأت عيني له شبها … في الناس، لا عجما منهم ولا عربا والله، لو سامنى نفسي سمحت بها … وما بخلت عليه بالذي طلبا! وأنشد الشابشتي له فيه قوله: (٤) [السريع] يا حبّذا يومي بالداليه! … نشربها قفصيّة صافيه مع كل قرم متلف ماله … لم تبق في الدّنيا له باقيه فخذ من الدنيا ولذّاتها … فإنّما نحن بها عاريه! دير جرجس (٥) - وهو بالمزّرفة: أحد الأماكن المشهودة، والمواضع المقصودة. ويخرج إليه من يتنزه من أهل بغداد في السّميريات، لقربه وطيبه، وهو على شاطئ دجلة، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له، وبه كل ما يحتاج إليه.

стр. 341

وأنشد الشابشتي فيه لأبي جفنة القرشي (١) [المنسرح] ترنم الطير (٢) بعد عجمته … وانصرف البرد في أزمته! ومثل لون النّجيع صافية … تذهب بالمرء فوق همّته! ومن وفى وعده بزورته (٣) … وبت، أوفى له بذمته في دير مرجرجس وقد نفح ال … فجر علينا أرواح رهرته وأنشد له فيه: (٤) [الكامل] وقرعت صافية بماء سحابة … فتحنّ حين قرعتهن سرورا! [٢٠٥] وشربت ثم سقيته فكأنّني … سبسبت فوق لهاته كافورا! وفتى يدير عليك في طرياته … خمرا تولّد في العظام فتورا ما زلت أشربها وأسقي صاحبي … حتّى رأيت لسانه مكسورا قال: وكتب (٥) النميري إلى ابن المعتز في آخر شعبان (٦): [مجزوء الرمل] يا أبا العباس، قد شم … ر شعبان إزاره! ومضى يسعى فما يل … حق إنسان غباره فاغد نشرب صفوة الدّ … ن ونسلبه وقاره! فلم يردّ عليه جوابا، ولا أفهمه فيه خطابا.

стр. 342

دير الخوات (١) - وهو بعكبرا. وهو دير كبير عامر. وأكثر سكانه نساء مترهبات. وعيده الأحد الأوّل من الصوم. قال الشابشتي (٢): وتسمّى ليلة الماشوش (٣)، وهي ليلة يختلط فيها الرجال بالنساء، فلا يردّ أحد يده عن شيء. وأنشد فيه لجحظة: (٤) [الرجز] وحانة بالعلث وسط السّوق … نزلتها وصارمي رفيقي على غلام من بني الحليق … فجاء بالجام وبالإبريق أما رأيت قطع العقيق! دير باشهرا (٥) - وهو على شاطئ دجلة. نزه كثير البساتين، على طريق سرّمن رأى، منزلة المصعد والمنحدر. وفيه يقول أبو العيناء (٦): [الهزج]

стр. 343

نزلنا دير باشهرا … على قسّيسه ظهرا فسقانا وروانا … من الصافية العذرا فقابلنا به الشمس … وقبلنا به الدرا وأحيت لذّة الكاس … ولكن قتّلت سكرا! دير مرمار (١) - وهو بسّر من رأى، عند قنطرة وصيف. حوله كروم وشجر. وأنشد فيه الفضل بن العبّاس بن المأمون: (٢) [البسيط] أنضيت في سرّمن را خيل لذّاتي … ونلت فيها هوى نفسي وحاجاتي (٣)! عمّرت فيها بقاع اللّهو منغمسا … في القصف ما بين أنهار وجنّات! بدير مرمار إذ نحيي الصّبوح به … ونعمل الكاس فيه بالعشيّات فكم به من غزال شادن لبق (٤) … يصيدنا باللّحاظ البابليّات!

стр. 344

وحكى الشابشتي (١) أن الفضل ذكر أنه خرج مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب، أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهبا أعرفه، وله مروءة حسنة (٢). وفيه آلات جميلة. فهل لنا أن نعدل إليه؟ فقال: افعل! فصرنا إليه، فرحب بنا وتلقانا بأجمل ملقى. وجاءنا بماء فشربنا. وعرض علينا النزول عنده، وقال: أما تبتردون عندنا؟ فقال المعتز: انزل بنا إليه. فنزلنا عنده. فسألني الديراني عن المعتزّ ويونس. قلت: فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور. فقلت له: ليس هذا من دينك واعتقادك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتزّ: قل له بينك وبينه من تحبّ أن يكون معك من هذين ولا يفارقك. فقلت له، فقال: "كلاهما [وتمرا] " (٣) فضحك المعتزّ حتّى مال من الضحك. ولحقنا الموكب، فارتاع [الديراني]، فقال له المعتز: بحياتي عليك لا تنقطع عما كنا فيه، فإنني لمن ثمّ مولى ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة. ثم أمر له المعتزّ بخمسين ألف درهم. فقال: لا والله، لا قبلتها إلا على شرط! قال: ما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد. قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى فخدمونا (٤) أحسن خدمة. وسرّ سرورا ما

стр. 345

رأيته سرّ مثله قط. ووصله ذلك اليوم بمال كثير. دير سرجيس (١) - وهو بطيزناباذ (٢). بين الكوفة والقادسيّة، على حافة الطريق. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر. وكان بهذا أحد البقاع المغمورة، ونزه الدنيا التي تبتهج بها القلوب المسرورة. قال الشابشتي (٣): وقد عفت الآن آثارها، وهدمت دياراتها. قلت: وبلغني أن ديارها خربت، ولم يبق من رسومها إلا قباب خراب، وجرن (٤) على قارعة الطريق في القفر اليباب. قال الشابشتي: ويسميه الناس معصرة أبي نواس. وله فيه (٥): [البسيط] قالوا: تنسّك بعد الحجّ! قلت لهم: … أرجو الإله وأخشى طيزناباذا أخشى قضيب كرم أن ينازعني … فضل الخطام (٦)، إذا أسرعت إغذاذا فإن سلمت - وما قلبي (٧) على ثقة … من السّلامة - لم أسلم ببغداذا

стр. 346

ما أبعد الرشد من قلب تضمنه … قطربل فقرى بنا (١) فكلواذا وفيه يقول الحسين بن الضحاك (٢) [الكامل] أخويّ، هبّا للصّبوح صباحا! … هبّا ولا تعدا النّديم رواحا! هل تعذران بدير سرجس صاحبا … بالصّحو، أو تريان ذاك جناحا؟ إني أعيذكما بألفة (٣) بيننا … أن تشربا بقرى الفرات قراحا! يا ربّ ملتبس الجفون بنومة … نبّهته بالراح حين أراحا! فكأن ريّا الكاس حين ندبته … للكاس أنهض في حشاه جناحا فأجاب يعثر في فضول ردائه … عجلان يخلط بالعثار مزاحا فهتكت ستر مجونه بتهتّكي … في كل ملهية وبحت وباحا ديارات الأساقف (٤): قال الشابشتي: هذه الديارات بالنجف، ظاهر الكوفة، في أوّل الحيرة. وهي قباب وقصور، تسمى ديارات الأساقف، بحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخصيب، وعن شماله السّدير، والديارات بين ذلك. قال (٥): وقصر أبي الخصيب هذا، من أحسن متنزهات الدنيا، مشرّف على النّجف والظهر كله. يصعد من خمسين مرقاة إلى سطح حسن، ومجلس مشرف، ثم يصعد من خمسين مرقاة أخرى إلى سطح أفيح ومجلس عجيب الصنعة. وهو منسوب إلى أبي الخصيب، مولى أبي جعفر المنصور.

стр. 347

وأنشد في هذه الديارات لعليّ بن محمد بن جعفر العلوي قوله: (١) [مجزوء الكامل] كم وقفة لك بالخور … نق لا توازى بالمواقف بين الغدير إلى السّد … ير إلى ديارات الأساقف فمدارج الرّهبان في … أطمار خائفة وخائف دمن كأن رياضها … يكسين أعلام المطارف وكأنّما غدرانها … فيها عشور في مصاحف وكأنّما أنوارها … تهتزّ بالريح العواصف تلقى أوائلها أوا … خرها بألوان الزّخارف بحريّة شتواتها … بريّة فيها المصايف دير زرارة (٢) - وهو بين الكوفة وحمّام أعين، على يمين الخارج (٣) من بغداد، نزه، كثير الحانات والشراب. لا يخلو ممن يطلب اللهو واللعب، ويؤثر البطالة والقصف. قال الشابشتي (٤): خرج يحيى بن زياد (٥) ومطيع بن

стр. 348

إياس (١) حاجين. فلما قربا من زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدّم أثقالنا، ونمضي إلى زرارة، ونشرب في ديرها ليلتنا، ونتزوّد من خمرها، ونستوفي من مردها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. ولم يزل ذلك دأبهما، إلى أن عاد الحاجّ. فحلقا رؤوسهما، وركبا بعيرين، ودخلا مع الحاجّ، على أنهما قد حجّا. وقال مطيع (٢) [الوافر] ألم ترني ويحيى إذ حججنا … وكان الحجّ من خير التجاره؟ خرجنا طالبي خير ودين … فمال بنا الطّريق إلى زراره! فآب الناس قد غنموا وحجّوا … وأبنا موقرين من الخساره! عمر مريونان (٣): وهو بالأنبار، على الفرات، وهو عمر كبير، كثير القلايات والرهبان. عليه سور محكم البنيان، كالحصن العظيم. والجامع ملاصقه. وله

стр. 349

ظاهر حسن، ولا سيما في أيام الربيع. لأن صحاريه وسائر أرضه تكون كالحلل: لكثرة نواره، وطرائف أزهاره. ونزله كل من اجتاز به من الخلفاء. وفيه يقول كشاجم (١) [الخفيف] أغد يا صاحبي إلى الأنبار … نشرب الراح في شباب النهار! وأعمر العمر باللذاذة والقص … ف وحث الكؤوس والأوتار! فاغتنم غفلة الزمان وبادر … وافترص (٢) لذّة الليالي القصار! لا تفرّط فإنها خلس العي … ش وبادر بوادر المقدار! [٢١٠] وأنشد الشابشتي له فيه يصف عودا في يد محسنة: (٣) [المنسرح] جاءت بعود كأن نغمته … صوت فتاة تشكو فراق فتى! دارت ملاويه فيه واختلفت … مثل اختلاف الكفين شبكتا يا حسن صوتيهما، كأنهما … أختان في صنعة تراسلتا! وهو على ذا ينوب إن سكتت … عنها، وعنه تنوب إن سكتا!

стр. 350

دير الأبلق (١): وهو بالأهواز. وحكى المداينيّ، قال: إنه اصطبح في دير الأبلق في جماعة من أصحابه، فلما سكر قال (٢): [السريع] يومي بدير الأبلق الفرد … ما أنت إلا جنّة الخلد! به وأمثال له لم يزل … يجوز العيس أبو الهندي عمر إتراعيل (٣). والشاهد فيه مار ميخائيل قال ابن المستوفي (٤): بينه وبين كفر عزّى أقل من ميل. وهو عمار كبير (٥) وفيه رهبان كثيرة، وله نهر يجري على بابه وكرم وشجر في شرقيه، ورحى عامرة تطحن فوق الكرم. وبإزائه تلّ دير زارج، إذا صعده الزائر أيام الربيع أشرف على

стр. 351

سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر … (١) يسرّ الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلاليّ رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك. قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنت بكفر عزى، فنزحت مع جماعة فيهم خير نلتمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل - وهو من كفر عزى على ميل - في أيام الربيع، فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أياما متتابعة، وقلت فيه هذه الأبيات: [مجزوء الوافر] عمرنا عمر إتراعي … ل بالقصف وباللّعب! بفتيان ذوي شرف … وقدر وذوي لبّ بغوا في كفر عزى نز … هة تبعث للشّرب! فوافوا جنّة من عم … ر إتراعيل عن قرب وقد حفّ بكرم و … بأشجار له غلب وأنهار يحاكى جز … يها مسلولة القضب وروض راضه المزن … فأضحى وهو كالعصب رأوه كعروس ج … ليت في حلل قشب فحلّوا منه في منز … ل لهو مونق رحب ودارت نجب الأبطا … ل مجّت بحلى الشّرب على أوجه أعمار … على قضب على كثب فما ظنّك بالعطشا … ن عند المكرع العذب؟

стр. 352

قال فانصرفنا بعد أيام، وكلنا يود أن لا يزول منه: لطيبه وحسنه. قال ابن المستوفي: وليس بهذا الدير الآن شجر ولا ماء على بابه. وفيه بيعة حسنة وقناة قديمة ورحاه باقية، والماء الذي يدير … (١) بعيد عن الدير؛ وفي كل عيد من أعياد النصارى يقام به سوق وتخرج إليه جماعة من إربل ويزوره خلق من النواحي يكونون في مدة يومين أو أكثر وينصرفون عنه دير باقوقا: ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، قال: وهو إلى الآن باق، وفيه رهبان كثيرة. ذكر الشمشاطي (٢) أنه وراء الزابي وله مزرعة إلى جانب دارى وفيها بساتين وفيها تين أسود كبير. وبينه وبين الموصل سبعة فراسخ. وهو دير كبير. وكان أنشدني فيه أبو الحسين محمد بن ميمون الكاتب: [الوافر] نزلت بدير باقوقا وفيه … من الرّهبان لي خدن مقيم فألحقني بصهباء شمول … يفوح بعنبر منها النسيم ونادمني برهبان ملاح … وفيهم شادن حسن رخيم وسرنا عنه والأهواء فيه … وهل شيء من الدنيا يدوم؟ دير سعيد (٣): وهو بالجانب الغربيّ من الموصل، مطلّ على دجلة، حسن

стр. 353

البناء. حوله قلالي (١) كثيرة، حسنة العمارة، ظاهرة النضارة. في كلّ قلاية منها جنينات لرهبانه، فيها طرائف الرياحين وغرائب الشجر. كثير النرجس. وهو يقارب تل باذع. وتراه في الربيع كالوشى الملمّع، والحلي المرصّع. وهو منسوب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان. أصحّ ما قيل في نسبته إليه أنه ربما كان يتعهّده أيام إمارته بالموصل (٢). ويقال إن لترابه أثرا في دفع أذى العقارب، وإن ماءه إذا رشّ في دار، قلت العقارب بها. وحكي أن رهبانه ألزموا في وقت بجباية، فقاموا بثلثمائة ألف درهم. وللخالدي فيه شعر. منه (٣): [الوافر] ألا فاسترزق الرحمن خيرا … وسر بالكاس نحو السكر سيرا! فأيّام الهموم مقصّصات … وأيام السّرور تطير طيرا! وله فيه (٤): [٢١١] [الخفيف]

стр. 354

سعدت صحبتي بدير سعيد … يوم عيد في حسنه ألف عيد! كم فتاة مثل المهاة، سلبنا … ها صليبا من بين نحر وجيد! وغرير مثل الغزال حللنا … عقد زنّار خصره المعقود! وحططنا رحالنا بفناء ال … هيكل المونق البديع المشيد والروابي مشهّرات كغلما … ن لنا في محبّرات البرود فخدود مثل الشّقائق في اللّو … ن تليها شقائق كالخدود وإذا ما الهزار غرّد في الغص … ن، حكته الأوتار في التغريد من رآنا - ونحن في الأرض صرعى - … قال: قوم موتى بغير لحود! وله فيه (١): [المنسرح] قامر بالنفس في هوى قمر … ونال وصل البدور بالبدر وافتضّ أبكار لهوه طربا … بين عشايا المدام والبكر من لم يدر في ربى الحدائق من … دير سعيد، رحاه لم تدر مسرّة كيلها بلا حشف … ولذّة صفوها بلا كدر قد ضربت خيمة الغمام لنا … ورشّ خيش النسيم بالمطر وعنّدنا عاتقان حمراء كالش … مس وأخرى صفراء كالقمر يا تاركا طيب يومه لغد! … تبيع عين السّرور بالأثر؟ وقوله (٢): قد طفح القلب بالهموم فإن … طفت بكأس، فهاتها تطفح! في جنح ليل ترى كواكبه … وهي إلى الغرب، كلّها جنّح [٢١٢]

стр. 355

نراك تنسى سرور يومك في … دير سعيد وظله الأفيح! على بساط من البنفسج قد أل … قي من الورد فوقه مطرح! وكأس راح يديرها قمر … لحاظه في قلوبنا تجرح! قد كان فيما مضى يعرّض بال … وصل، ولكن أراه قد صرح! وقوله (١): [الهزج] فكم من روحة والشّم … س لم تدن لتطفيل إلى دير سعيد أو … إلى دير مخائيل! بساق كمهاة مغ … زل أدماء عطبول! ترى في وجهه وجه … ك للرقّة من ميل! فأجراها كخلخال … من الياقوت مفتول شربناها على أوج … هـ حور كالتماثيل إذا شئن تمنطقن … جميعا بالخلاخيل قال الخالدي: وأنشدني السري الرفّاء لنفسه فيه (٢): [الكامل] وقلالي الدير الذي (٣) لولا النّوى … لم أرمها بقلى ولا بعقوق محمرّة الحيطان (٤) ينفح طيبها … فكأنّها مبنية بخلوق! فمتى أزور بنات (٥) مشرفة الذّرى … فأرود بين النّسر والعيّوق؟
следующие страницы →