← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ومن بقية ماله قوله: [الطويل] وساق إذا ما ضاحك الكأس قابلت … فواقعها من ثغره اللؤلؤ الرّطبا خشيت وقد أمسى نديمي على الدّجى … فأسدلت دون الصّبح من شعره حجبا وقسّمت شمس الطاس في الكأس أنجما … ويا طول ليل قسّمت شمسه شهبا وقوله: [الطويل] تبسّم لّما أن بكيت من الهجر … فقلت ترى دمعي فقال ترى ثغري فديتك لّما أن بكيت تنظّمت … بفيك لآلي الدّمع عقدا من الدرّ فلا تدّعي يا شاعر الثّغر صنعة … فكاتب دمعي قال ذا النظم من نثري وقوله: [الطويل] أيا عبلة الألحاظ قلبك عنتر … ومالي على غاراته في الحشا صبر نعم أنت يا خنساء حسناء عصرنا … وشاهد قولي أنّ قلبك لي صخر ومنها: أغاية قصدي بطن يمناك غاية … بها أبدا للمجتدي ينبت التّبر أغضت الحيا والبحر جودا فقد بكى ال … حيا من حياء منك والتطم البحر عيون معانيها صحاح وأعين ال … ملاح مراض في لواحظها كسر أضاعت عقولا حين ضاعت فما درى … أبابل أهداها إليك أم السّحر وقوله: [الطويل] إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها … تذكّرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من أدمعي وقوامها … بجرّ عوالينا ومجرى السّوابق وقوله: [البسيط] وقيّم كلّمت جسمي أنامله … بغير ألسنة تكليم خرسان إن رام مسك يميني كاد يخلعها … أو سرّح الرأس بعد الغسل أبكاني

стр. 3047

فليس يمسك بالمعروف منه يدا … ولا يسرّح تسريحا بإحسان وقوله: [الطويل] تصدّق بوصل إنّ دمعي سائل … وزوّد فؤادي نظرة فهو راحل فجدّ لموجود به البرّ والغنى … وحسبك معدوم لديه المماثل أيا قمرا من شمس وجنته لنا … تطلّ عذاريه الضّحى والأصائل تقلّب من طرف لقلب مع النّوى … وهاتيك للبدر التّمام منازل إذا ذكرت عيناك للصبّ درسها … من السّحر قامت بالدّلال الدّلائل جعلتك بالتّمييز نصبا لناظري … فلا رفعت للهجر والهجر فاعل ولمّا أضفت السّحر للجفن بيّنت … به الكسر من غنج الجفون العوامل أعاذلي قد أبصرت حبي وحسنه … فإن لمتني فيه فما أنت عاقل محيّاه قنديل لديجور شعره … تعلّقه بالصّدغ منها السّلاسل غدا القدّ غصنا منه يعطفه الصّبا … فلا غرو إن هاجت عليه البلابل ومنها: له من ودادي ملء كفّيه صافيا … ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل ومن قدّه الزّاهي ونبت عذاره … صدور رماح شرّعته سلاسل وقوله: [المتقارب] تبسّم لمّا رأى راحنا … لأقداحنا أبدا تلثم فقال المدامة بنت الزّجاج … فقلت التبسّم ابن الفم وقوله يمدح الملك الأشرف ويذكر اجتماعه بالشمس خضر بالرقّة على شاطئ الفرات: [الطويل] قران أرانا برجه الشمس والبدرا … فأضحى لنا بل للأنام به البشرى بذا العالم السفلي بات فقد غدا … على العالم العلوي يبدي به الفخرا

стр. 3048

غدا مجمع البحرين شرط قراننا … ألم ير موسى فيه قد صادف الخضرا به اجتمعا لكنّ ذا لم يقل لذا … غداة اللّقا لن تستطيع معي صبرا وأولها: أرى الجدّ يبدي تارة جنّة خضرا … أسطري به أم خطّ من صدغه سطرا عجبت له خدّا تورّد خجلة … تريك بآس الصّدغ فيه الدّجى ظهرا رفعت له عن دمع عيني طلابة … أروم بها عطفا فوّقع لي يجرى وقوله في الزوبعة: [الطويل] علا رهج الإعصار عند التفاته … فأعجل عيني أن تغمّض جفنيها كراقصة قد أسرعت دورانها … اذا انقلبت لفّت على الخصر كميّها وقوله فيها: [الخفيف] قام في قائم الظّهيرة نقع … مستطيل أثاره إعصار مثل ظلّ الاشباح في الارض خطّا … مستطيلا إذا تولّى النّهار وقوله فيها: [السّريع] أقول للنّاس وقد أنذر ال … إعصار من شاهده في الهوا تعوّذوا في الأرض من فتنة … غبارها يصعد نحو السما وقوله: [البسيط] شكى البخار ببطن الأرض محبسه … عساه يطلق فاهتزّت لشكواه وكانت الأرض كالحبلى إذا صلح ال … حنين في جوفها يهتزّ أعلاه وقوله: [الرّمل] قلت إذ زلزلت الأرض وما … فوقها للعهد إلاّ ناقص حمّت الدّنيا من الغيظ على … ساكنيها فاعتراها ناقص

стр. 3049

وقوله: [البسيط] قامت إلى شمعة في اللّيل تصلحها … بلا مقطّ فطارت مهجتي فرقا فأدركتني وقالت لا تخف لهبا … على بنان من الياقوت قد خلقا وقوله: [الطويل] أظنّ خيال العامريّة قد ضنّا … وحاشاه لكن ليس لي مقلة وسنا وكيف يزور الطّيف صبّا يراقب ال … نجوم إذا ما ليلة موهنا جنّا سميري ما للطّيف ذنب لأنّه … رأى خدنه وهو الكرى قد جفا الجفنا وكم ليلة فاوضته أن يلمّ بي … إذا ما هدى ليل فعنّ وما عنّى فأهدى لنا في الحضر بادية الفلا … بها السّرب من ولد الضّراغم قد رعنا قصدنا غزالا أعلقته حبائل ال … منام ولولا أخته ما نجا منّا ومنها: بكيت فناداني أتبكي وبيننا … بحكم التّداني قاب قوسين أو أدنى فقلت كذا كنّا بمنعرج اللّوى … ولكنّنا من بعد ذاك تفرّقنا رأيت بفيه إذ تبسّم أدمعا … فقلت وفى لي إذ بكى فمه حزنا أجاد له في النّظم شاعر ثغره … ولكنّه من مقلتي سرق المعنى آخر الجزء الرابع، ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى: فأما طوائف الفقراء، خلاصة ذوي القلوب، وخاصة المحبوب.

стр. 3050

السفر الثامن: طوائف الفقراء والصوفية المحقق: بسام محمد بارود

стр. 3051

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلّ وسلّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وصلّ وسلم على سيدنا محمد حتى ترث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين. ورضي الله تعالى عن صحابة رسول اللّه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فبين أيدينا اليوم كتاب عظيم، لمؤلف عظيم، ذو موضوع عظيم (١) أما كونه الكتاب كتابا عظيما: فلأنه جزء من موسوعة ضمت بين جنباتها وما بين دفات أجزائها موضوعات شتى في مختلف العلوم والفنون، فقد ضمت هذه الموسوعة الشاملة تراجم لأكثر علماء هذه الأمة على مرّ سبعمائة سنة أو يزيد، فضلا عن التعريف بأماكن كثير _________ (١) ولست في هذا التقديم بصدد التوسع في ترجمة المؤلف، ولا التعريف بالكتاب كموسوعة شاملة، فإن ذلك سيأتي مستقبلا بعد الانتهاء من تحقيق كافة الأجزاء البالغة: (٢٧) مجلدا، سيأتي في دراسة مفصلة، وبيان وتعريف بمؤلفها بشكل واف، وفهرس شامل لكافة الموضوعات التي تناولها الكتاب بمجلداته السبع والعشرين، وربما يصل هذا الفهرس إلى ثلاث مجلدات، لكن مع ذلك لا بد من ذكر بعض النقاط حول هذا الموضوع بشكل مختصر.

стр. 3052

من البلاد والمسالك والممالك، وتاريخ الأمم، وحضارات الدول، وما حلّ بها، وتاريخ بنائها، والأحداث التي عصفت بها، ثم تراجم عظماء من أبنائها سواء كانوا علماء، أو قرّاء، أو فقهاء، أو محدّثين، أو فلاسفة وحكماء، أو أطباء، أو مؤرخين، أو شعراء، أو كتاب إنشاء، أو ساسة وخلفاء، سواء كان ذلك في شرق الأرض أو غربها، جمع ابن فضل الله - رحمه الله تعالى مؤلف هذه المعلمة - ما وصلت إليه يده من سير أولئك الرجال، وتصرّف بنصوصها على طريقته، حتى قدم لنا هذه الموسوعة الشاملة الكاملة في مختلف العلوم والفنون لتكون أول موسوعة تاريخية جغرافية علمية شاملة من حيث تنوع موضوعاتها، وتشعّب عناوينها وتفريعاتها، حتى إن الإنسان ليعجب وهو يتناول تلك الموسوعة: كم أمضى صاحبها في تصنيفها من وقت؟، لا سيما وأنه قد كان من أرباب المناصب وكتّاب الدواوين - دواوين الإنشاء - في زمانه. لنلمس سعة اطلاعه، وعظم تجربته، وخبرته في كافة المواضيع المطروقة في هذه المعلمة التاريخية الجغرافية الأدبية الشعرية العلمية. وستجد - يا أخي القارئ الكريم - صدق ذلك أثناء تصفحك لأجزاء هذه الموسوعة بعد الانتهاء منها إن شاء الله تعالى في المستقبل القريب. وأما عظمة هذا الكتاب من حيث مؤلفه: فلأن مؤلفه العالم الأديب المدقق والمحقق الأريب أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، شهاب الدين، المؤرّخ الحجّة في معرفة المسالك والممالك، وخطوط الأقاليم والبلدان، وإمام الترسّل والإنشاء، والعارف بأخبار رجال عصره وتراجمهم، وكان غزير المعرفة بالتاريخ ولا سيما تاريخ ملوك المغول من عهد جنكيز خان إلى عصره. وقد ولد رحمه الله تعالى سنة ٧٠٠ هجرية، وتوفي في دمشق سنة ٧٤٩ هجرية. وتظهر لنا عظمة هذا الرجل إذا علمنا قصر عمره وما ترك من آثار جليلة لا زالت المكتبة العربية الإسلامية تفتخر بها، ولا زال كثير منها مخطوطا ومن هذه المخطوطات هذه الموسوعة الجليلة الموسومة ب: "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" والتي بلغ مجموع مجلداتها سبعة

стр. 3053

وعشرين مجلدا ضخما، قال عنها ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات: "كتاب حافل ما أعلم أن لأحد مثله". وللأسف الشديد أن هذه الموسوعة ما زالت مخطوطة في خزائن الكتب إلى أيام الناس هذه، حتى وفق الله العلامة الدكتور فؤاد سيزكين الذي نشط في نشر مصورات نفائس مخطوطاتنا العربية والإسلامية وذلك ضمن إطار معهد فرانكفورت - ألمانيا - ومن هذه النفائس مصورة مسالك الأبصار والتي اعتمدناها في هذا التحقيق فنفض عنها غبار السنين وقدّمها هدية للمثقف العربي، بعد أن كانت ممزقة الأشلاء يأتي كل من هب ودب ليستلّ منها بحثا لينال به رسالة علمية أكاديمية سواء رسالة ما جستير أو غير ذلك. ثم وفق الله المجمع الثقافي ليأخذ على عاتقه إخراج هذه المخطوطة العظيمة إلى النور، أداء للأمانة التي حملها منذ أن تولى طباعة كتب تراث هذه الأمة المجيدة. ولا شك أن في طبع هذه الموسوعة إضافة إلى رصيده الكبير في إخراج تراث الأمة على خير وجه ممكن، ينال به الأجر والمثوبة من الله، والذكر الحسن في دنيا الناس. ومن مصنفات عالمنا الجليل ابن فضل الله العمري: "مختصر قلائد العقيان"، و"الشتويات"، عبارة عن مجموع رسائل، و"النبذة الكافية في معرفة الكتابة والقافية"، و"ممالك عبّاد الصليب"، و"الدائرة بين مكة والبلاد"، و"التعريف بالمصطلح الشريف"، وهو في مراسم الملك وما يتعلق به. ومن مؤلفاته أيضا: "فواضل السمر في فضائل آل عمر" وهو في أربع مجلّدات، و"نفحة الروض" في الأدب، و"دمعة الباكي" في الأدب، و"صبابة المشتاق" في المدائح النبوية، في أربع مجلدات، وله شعر في منتهى الرقة. وأما عظمة موضوع هذا الجزء: فلأنه تناول في ثناياه تراجم لأشهر أولياء هذه الأمة المباركة، بدءا من عصر التابعين إلى زمن المصنف ﵀، حيث ضم ترجمة لما يزيد عن مائة عالم عارف بالله تعالى، ذكر في ترجمتهم ما كانت عليه أحوالهم رضي الله

стр. 3054

عنهم، وبعضا من أقوالهم، مما زاد الكتاب نورا على نور، فكان هذا الجزء كتاب علم لمن يريد العلم، وكتاب تصوف لمن أراد التصوف والتعرف على سير الرجال الصالحين العظماء من هذه الأمة المباركة، ففيه كثير من رجال "الرسالة القشيرية"، إن لم يكونوا كلهم، وكذلك ضمّ الكثير من رجال "طبقات الأولياء" لابن الملقن، وبعضا من تراجم رجال "طبقات الصوفية" للسلمي، ورجال من رجال "حلية الأولياء" ورجال طبقات الصوفية "للمناوي" وغيرهم كثير. ولقد كان المصنف - رحمه الله تعالى - أمينا في نقله غاية الأمانة، فإذا ما ذكر عن كتاب نقلا ما قال: "وقال فلان في كتاب كذا"، وينقل النص أحيانا بتمامه، وأحيانا بتصرف بسيط، أو اختصار غير مخلّ، ولعل أمانته تلك ساعدت كثيرا في إخراج الكتاب على أحسن وجه، ضبطا للنصوص، وتوثيقا للمواد. ولعلّ الفائدة الكبرى من هذا الكتاب أيضا إضافته لتراجم كثير من رجال عصره ممن لم يرد أغلبهم في كتب التراجم، إلا في هذا الكتاب. وهناك أمر آخر أيضا ينبغي أن نشير إليه لبيان أهمية هذا الكتاب، وهو أن المصنف رحمه الله تعالى أضاف إلى مواد الكتاب مواد ذكر عنها أنها لا توجد في غيره، كما جاء - على سبيل المثال - في ترجمته لعمر بن الفارض ﵁ حيث نقل بعضا من قصائده وجد منها في ديوانه، وبعضها الآخر ذكر - هو نفسه - أنها ليست في ديوانه، وقد صدق في ذلك؛ فعند رجوعنا إلى ديوان ابن الفارض - بطبعاته المتعددة - لم نجد له تلك القصائد. فلله در ابن فضل الله على صنيعه ذاك!. ومن هنا فإنه لا يرد على ابن فضل الله ما يورده البعض من أنه لم يضف في كتابه هذا شيئا جديدا، بل أضاف أشياء لا توجد في غيره من الكتب - وستجد يا أخي القارئ الكريم مصداق قولنا عند اكتمال هذه الموسوعة طبعا وتحقيقا، في كل جزء منه ستجد

стр. 3055

جديدا لا يوجد في غيره، وأدلّ دليل على ذلك أن كتاب "مسالك الأبصار" هذا يعتبر من المصادر التي رجع إليها كثير من العلماء والمصنفين الموسوعيين أمثال القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" وارجع إن شئت إلى فهرس "صبح الأعشى" للعلامة القلقشندي، وانظر كم استغرقت أرقام الإحالات إلى مسالك الأبصار هذا من صفحات. ولا بد هنا من كلمة حول الموضوع الذي تناوله هذا الكتاب والذي تضمن ترجمة رجال التصوف وأقوالهم ﵃ ذلك أنه خلف في هذه الأمة خلق أفرطوا في الإساءة إلى أهل تلك الطريقة الشريفة، وتنكبوا عنها، ونفّروا الناس منها، وإن أمة يلعن آخرها أولها إنما هي أمة لن يكتب لها نصر ولا عز ولا تستحق الفخار، وأي مصيبة أدهى من أن تشتم أمة خيارها، وأجلاّءها، ومعقد عزها، وبركة وجودها من سلفها الصالح؟!. والحقيقة التي لا ريب فيها أن تلك الطريقة الشريفة - أعني التصوف - قد دخلها - كما يدخل غيرها من المدارس - من أساء إليه، وعكّر صفوه، ومن بدّله فإنما إثمه على الذين يبدّلونه، لكن أصل الطريق واضح، عمادها الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة العارفين، والمربين الصادقين، من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان. فالصوفية الحقيقيون رهبان بالليل، فرسان بالنهار، قدوتهم وأسوتهم العليا رسول الله ﵌، ثم صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فكانوا بهذه القدوة أهل الفداء، والتضحية، والجهاد في سبيل الله تعالى، وإقامة شريعته، وكانوا أهل الرباط في سبيله على مر العصور والأزمان والأجيال، فهم ﵃ أهل العلم والجهاد، منذ القرون الأولى وحتى أيامنا هذه، وما أصحاب الثورات ضد الاستعمار الفرنسي، والانكليزي، والإيطالي وغيره من المستعمرين في بلاد الشرق والغرب، ببعيدين عنا؛ فها هو الشهيد السعيد عمر المختار، والشيخ عبد الكريم الخطابي، والشيخ عبد القادر الجزائري، والشيخ عز الدين القسام، وشيوخ الأزهر في القاهرة، وشيوخ جامع القرويين في

стр. 3056

فاس، وعلماء جامع الزيتونة في تونس، وشيوخ المسجد الأموي في دمشق، جميعهم ﵃ كانوا من شيوخ التصوف، وسيرتهم وجهادهم معروفان لكل ذي عقل. كانوا ﵃ أهل الفتوة والزهد، قادوا حركات التحرر، وخاضوا الحروب ضد الاستعمار، كما خاضها من قبلهم ضد التتار والصليبيين وغيرهم من أعداء الإسلام حتى رفعوا راية الدين عالية في كل أصقاع العالم. وفي وقتنا الحاضر في البوسنة والهرسك، والشيشان، وقبلها أفغانستان - أيام الاحتلال السوفيتي البائد - ما قاوم الأعداء كما قاومتهم الطرق الصوفية، وأهل الله المجاهدين العارفين المتقين. ولست في هذا مدعيا، وما أتيت بهذا من عندي إنما أذكر ما تناقلته وكالات الأنباء من تقارير إخبارية مصورة، قيّض الله لها من نشرها عبر الفضائيات ليراها كل ذي عين، ويسمع بها كل ذي أذن. فكانت مدارس السادة الصوفية الصادقين، العاملين بالكتاب والسنة، كانت مدارسهم مدارس تربية روحية، وتربية إيمانية، وتربية أخلاقية، وتربية سياسية، وتربية عسكرية جهادية، خاضوا بمريديهم معارك النضال، ضد الشيطان، وأتباعه من الإنس والجان، ولو لاهم لما وصل الإسلام إلى أقاصي العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، حملوا راية الإسلام بيد، وجاهدوا أعداء الله من الكفرة بيد، حتى دحروا الأعداء، وأشرقت بهم الدنيا، وعاش العالم فترة ذهبية ما عرفها إلاّ تحت ظل الإسلام الذي أتوا به مبشرين، وبأخلاقه عاملين، وبدعوته هادين مهتدين. فرحمهم الله وأجزل لهم المثوبة والجزاء. ثم أتى ناس - في أيامنا - فوقعوا في أعراض أولئك الرجال القادة، والمصلحين السادة، وادعوا شبههم - ولا نسبة في الشبه -، وتقوّلوا على سادة الأمة أقوالا شنيعة، فكانت مقالتهم وبالا عليهم في الدنيا والآخرة. أما كونها وبالا في الدنيا: فقد حرموا بها خير السلف الصالح وبركتهم، وسرهم،

стр. 3057

والاقتداء بالمتقين الخاشعين المهتدين المصلحين من عباد الله. وأما في الآخرة: فاستمع - يا أخي الكريم! - إلى قول الله تعالى في حديثه القدسي الشريف الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : (إن اللّه تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاريّ. وقوله سبحانه في هذا الحديث: "آذنته" أي: أعلمته بأني محارب له. وأي حرب أشد من حرب الله تعالى، ومن يطيق حربه ؟. وما أعلن الحرب إلا على طائفتين: أما الحرب الأولى ففي قوله تعالى في حق آكلي الربا: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ اَلرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة - الآيتان ٢٧٨ - ٢٧٩". وأما الحرب الثانية: فكانت على آكلي لحوم الأولياء، الواقعين في أعراضهم، كما جاء في الحديث القدسي السابق. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله السلامة من العصيان، والعفو والعافية إنه كريم منان. فحذار يا أخي المسلم الحبيب! من الوقوع في أعراض إخوانك من المسلمين عامة، فضلا عن أعراض الصالحين من عباد الله المخلصين، وأوليائه العارفين، فتقع في المحذور، وتندم حين لا ينفع الندم، فإن لحوم هذه الطائفة الشريفة مسمومة - كما قيل - لا ينالهم أحد إلا وأصابه الخزي في الحال والمال والمآل، ويخشى عليه من سوء الخاتمة والعياذ بالله، فسلّم تسلم، وإياك والاعتراض إلا على الكفر البواح، وإذا ورد عليك من كلامهم أو أحوالهم ما

стр. 3058

أشكل عليك فهمه فأوّله ما أمكنك التأويل، إن كنت من أهل العلم والفهم والتأويل، وإلا فردّه إلى الله ورسوله وإلى أولي العلم من المخلصين والعلماء العاملين، الذين تربوا في مدارس الصالحين، وعاشوا في كنف الأولياء العارفين. وتمثل قول الشاعر في ذلك؛ حيث قال: فسلّم لأهل الله في كل مشكل … لديك، لديهم واضح بالأدلة نفعنا الله ببركاتهم، وحشرنا معهم وفي زمرتهم مع سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك مما لا نعلمه، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، إلى يوم الدين، آمين. وكتبه/ بسام محمد بارود عفا عنه الكريم المنان الودود أبو ظبي: ٥/ شعبان/ ١٤٢١ هجرية الموافق ل ١١/ ٢٠٠٠/ ١ م

стр. 3059

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد فأما طوائف الفقراء، خلاصة ذوي القلوب، وخاصة المحبوب، فقد ذكرت منهم من أمكن إلى زماننا، إذ كانت الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، ومهيمن على أتباع شرائع رسله، وقليل ما هم، وتعرفهم بسيماهم، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: " أشخاصهم مفقودة، وأمثلتهم في القلوب موجودة ". فأما من سلك ضلالا سماه طريقة، وانتحل باطلا دعاه حقيقة، فعلى الدنيا العفاء. وقد قال رجل القوم الجنيد رحمة الله عليه: " كل حقيقة لا تصدقها الشريعة فهي كفر". وقد ذكرتهم من أهل الجانبين (١) جريا على العادة، وبالله التوفيق.

стр. 3060

فمنهم: ١ - أويس بن عامر القرنيّ (١٣) وهو أويس بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني، خير التابعين. أشرقت لياليه المقمرات، ورشقت إليه القلوب رشق الحجيج الجمرات، أزهر بين تلك النيرات، وظهر بين تلك النفوس المطهرات، وقد ذهب بعض من تكلم على الحديث؛ أنه المعني بقوله ﷺ : (إني لأجد ريح الرحمن من قبل اليمن). (١) وكان وضحه نورا وإشراقا وظهورا، سمق (٢) فما شبه به أحد ولا أقرن وسبق، وسبق سبق الجواد فما لزّ (٣) به سابق في قرن، وكان سراء ذلك الصدر، وبدرا في التمام وعلو القدر. روى مسلم في صحيحه (٤): أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس؟. [حتى أتى على أويس] (٥)، فقال: أنت أويس بن عامر؟. قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟. قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت منه

стр. 3061

إلا موضع درهم؟. قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن (١)، من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم. له والدة هو بها برّ. لو أقسم على الله لأبرّه. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فاستغفر لي. فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟. قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟. قال: أكون في غبراء (٢) الناس أحبّ إليّ. فلما كان في العام المقبل، حجّ رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟. قال: تركته رثّ البيت (٣)، قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن. كان به برص، فبرأ منه، إلا موضع درهم. له والدة هو بها برّ. لو أقسم على الله لأبرّه. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فأتى أويسا؛ فقال: استغفر لي. قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح. فاستغفر لي. قال: استغفر لي. قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح. فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟. قال: نعم. فاستغفر له. ففطن له الناس، فانطلق على وجهه. وروى مسلم أيضا (٤): أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة. وكان به بياض؛ فمروه فليستغفر لكم). قال ابن الكلبي: قتل أويس مع علي ﵁ يوم صفين (٥)، وكانت صفّين سنة

стр. 3062

سبع وثلاثين للهجرة. وليس لأويس حديث مسند. (١) ومنهم: ٢ - أبو مسلم الخولاني (١٣) (الزاهد سيد التابعين بالشام، أتى بصنو المعجزات، وجاء بالكرامات المنجزات، ولم يبال باقتحام الضرام، وفتح فمها للالتهام والالتقام، أوقدت له النار فخاضها مشمرا عن ساقه، ومحملا قرونها مل أوساقه، ويقينه يدفع عنه آلاما، ويقول: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ (٢). فاض لأجل موقوت، وخاض النار حتى انطفأت والياقوت ياقوت، فآب أحسن أوبة، وجاء بآية خليلية يضرب لها في أفق نوبة. اختلف في اسمه على أقوال، أصحها: عبد الله بن ثوب (٣). قدم من اليمن، وأسلم في حياة النبي ﷺ ، وقدم المدينة في خلافة أبي

стр. 3063

بكر الصديق ﵁. وروى عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت. وروى عنه جماعة من التابعين. وحديثه في صحيح مسلم، والسنن الأربعة. قال إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم، قال: أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر. ولما تنبّأ الأسود (١) باليمن، بعث إلى أبي مسلم؛ فأتاه بنار عظيمة، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضرّه، فقيل للأسود: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتّبعك. فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، فأناخ راحلته ودخل المسجد يصلي، فبصربع عمر ﵁، فقام إليه، فقال: ممّن الرجل؟. قال: من اليمن. فقال: ما فعل الذي حرقه الكذّاب بالنار؟. قال: ذاك عبد الله ابن ثوب. قال: فنشدتك بالله أنت هو؟. قال: اللهم نعم. فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصّدّيق، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمّة محمد ﷺ من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل. (٢) قال ابن عياش: عن شرحبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانيء قال: قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكريب بن سيف الأنصاري. (٣)

стр. 3064

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا حديث حسن الإسناد، يعطي أن أبا مسلم توفي قبل معاوية. (١) قال المفضّل بن غسان: توفي علقمة وأبو مسلم سنة اثنتين وستين (٢)، ومعاوية توفي في قول أبي معشر وغيره سنة ستين. ومنهم: ٣ - رابعة بنت إسماعيل العدويّة (١٣) مولاة آل عتيك، الصالحة، المشهورة. (٣) كانت آية للمبصر، وغاية لم تقصر، سبقت فحول الرجال، وبسقت عند حلول الآجال، وأغرمت بحب السهر، وملكت نفسها ملك من قهر، فأصبحت لها شكيمتها (٤)،

стр. 3065

وأصبحت مثل الصباح شيمها، ودامت في أدويتها (١) هائمة، وفوق ألويتها حائمة، إلى أن دعيت فأجابت، وجالت المهامه وجابت، فتمت إرادتها، وختمت بالخير سعادتها، وبّأت الأرض المقدسة مدفنا، وحققت [أن رأي سواها كان يفنى] (٢). كانت ﵂ من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح مشهورة، وذكر أبو القاسم القشيري في "الرسالة" (٣) أنها كانت تقول في مناجاتها: "إلهي! أتحرق بالنار قلبا يحبك؟ ". فهتف بها مرة هاتف: "ما كنا نفعل هذا، فلا تظنّي بنا ظنّ السوء". وقال سفيان الثوري ﵁ عندها يوما: وا حزناه!. فقالت: لا تكذب بل قل: وا قلّة حزناه، لو كنت محزونا لم يتهيّأ لك أن تتنفس. (٤) وكانت ﵂ تقول: "ما ظهر من أعمالي فلا أعدّه شيئا". ومن وصاياها: "اكتموا حسناتكم كما تكتموا سيئاتكم". وقالت عبدة بنت أبي شوّال (٥) - وكانت تخدم رابعة -: كانت رابعة تصلي الليل كلّه، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاّها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: "يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور". وكان هذا دأبها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفاة، دعتني وقالت: يا عبدة! لا تؤذني بموتي أحدا، وكفّنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شعر، [كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفّنّاها في تلك

стр. 3066

الجبة] (١)، وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك سنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر، لم أر شيئا قط أحسن منه، فقلت: يا رابعة! ما فعلت بالجبة التي كفّنّاك فيها والخمار الصوف؟. قالت: إنه والله! نزع عني وأبدلت به ما ترينه عليّ. فطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليّين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله لأوليائه؟. فقلت لها: فما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ (٢) فقالت: هيهات، هيهات! سبقتنا والله إلى الدرجات العلا، فقلت: وبم؟ وقد كنت عند الناس، أي أكبر منها؟. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست، فقلت لها: فما فعل أبو مالك؟. أعني ضيغما. قالت: يزور الله متى شاء. قلت: فما فعل بشر بن منصور؟. قالت: بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمّل. قلت: فمريني بأمر أتقرّب به إلى الله ، قالت: "عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك"، رحمها الله تعالى. وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمّرة بمناديل من نور. (٣) قال ابن الجوزي في "شذور العقود": توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال غيره: سنة خمس وثمانين [ومائة] (٤). وقبرها على رأس جبل يسمى "الطور" يطل على القدس، من شرقيه.

стр. 3067

وأغرب ما في هذا الجبل ما سمعناه بالقدس الشريف في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، إن الناس احتاجوا إلى استسقاء الغيث من الله ، قال: فصعد المسلمون واليهود، والنصارى، والسامرة، هذا الجبل، فاستقبل المسلمون الكعبة الحرام، واستقبل اليهود الصخرة المعظّمة، واستقبل النصارى الشرق، واستقبل السامرة جهة نابلس، فصارت كل طائفة إلى ظهور (١) سائر الطوائف، وهذا لا يتفق في مكان آخر. حكى ذلك الحافظ العلاّمة أبو سعيد العلائي. وأورد السهروردي في "عوارف المعارف" لرابعة رحمها الله تعالى: إني جعلتك في الفؤاد محدّثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي ومنهم: ٤ - حبيب العجميّ (١٣) أتى بخوارق مثل الإعجاز، وتدفق كالسحاب في الإنجاز، وأتى من قاصية بلاد، وجزّ ناصية الليالي والآباد، حتى جال في كل مجال، ووصل إلى حيث حصّل ما حصّل، وأتى من أرض بعيد مداها، بديع هداها، لا تفهم ألسنتها الأعاجم، ولا تفهم الحدّاث عنها إلا التراجم (٢)، فجاد لها مسعى، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، فلم يغلق دونه الباب،

стр. 3068

وكم تعلّق بغباره ذوو الألباب. روي أنه كان يقول: "كل عمل لا يكون سرّه عندك آثر عندك من علنه فهو رياء". قال بعضهم: صحبت في طريق الحجّ رجالا منهم حبيب العجمي، فكنت أظنّه غلامهم لقيامه بخدمتهم، فسألتهم عنه؟ فإذا هو سيدهم. وقال عبد الله القاشاني: بقيت أياما أحدّث نفسي: أي الرجال أفضل درجة؟ - أعني من رجال القوم - فبينا أنا نائم ليلة من الليالي، وإذا أنا أنظر إلى السماء وهي كالصحيفة، وفيها مكتوب بخط من نور، سطر من المشرق إلى المغرب، فقرأته فإذا هو: "حبيب، حبيب، حبيب" مكرّرة ثلاث مرات. وحكي عنه قال: كان حبيب بين جماعة في يوم شديد الحر في ذروة جبل مقفر، من أرض سجستان، فقالوا: لقد أضرّت بنا هذه الظهيرة، وقد حانت الصلاة، فكيف نقوم بها ونحن نكاد نتساقط؟. قال: فدمعت عين حبيب ثم قال: "اللهم إنهم عبادك يريدون طاعتك، اللهم فاسقهم". قال: فكأنما فتحت أبواب السماء بالمطر، وأتاهم عارض من برد، فابتردوا به وشربوا، وتوضئوا. ثم قاموا فصلّوا، فلما فرغوا أمسكت السماء. وحكى عنه قال: حججت مرة، فلما كان يوم عرفة، صعدت الجبل حتى كنت بأعلاه، فنظرت بعيني؛ فإذا بالسهل والجبل قد فرشها الحجّاج، وكانت سنة جامعة، فاستكثرت أهل الموقف، فقلت في نفسي: "لعلّ في هؤلاء من لا يغفر له! " فسمعت قائلا يقول بصوت ملأ ما بين الجبلين: "هو أكرم من هذا". قلت: ويقرب من هذا ما حكاه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ترجمة "سليمان ابن داود المباركي عن التتائي قال: " أفضت من عرفات وقد مضى الناس، فبينما أنا أسير وحدي، إذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه: يا حبيب!. فقال الآخر: لبيك!. قال: أترى الذي تحاببنا فيه، يعذّبنا؟. قال: فسمعوا صوتا: "ليس بفاعل، ليس بفاعل".

стр. 3069

ومنهم: ٥ - أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور (١٣) من كورة بلخ (١)، [لات] بعطفيه حلل التقوى الفاخرة، وملك الدنيا فرغب في الآخرة، بلغ ما لا يتوهم، وسبق ولا غرر له وهو ابن أدهم، وكان أي رجل، لم تجرّه الدنيا بحبالها، ولم تغره الدنيا بخيالها، فأعرض عن الأعراض، وبقايا سورها (٢)، وقليل ميسورها، وزهد زهدا صار فيه مثلا يضرب، ورجلا حديثه يستغرب، إلى أن قطع الأجل كما يقطع المسافر المسافة، وحطّ رحله حيث أمن المخافة. وكان من أبناء الملوك، فخرج يوما متصيّدا، فأثار ثعلبا، وقيل: أرنبا، فهتف به هاتف (٣): يا إبراهيم!، ألهذا خلقت، أم بهذا أمرت؟. ثم هتف به من "قربوس" (٤) سرجه: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت؟.

стр. 3070

فنزل عن دابّته، وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبّته، وكانت من صوف، فلبسها، وأعطاه ثيابه، وقماشه، وفرسه. ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري (١)، والفضيل بن عياض (٢)، ثم ارتحل إلى الشام، وأقام بها. وكان يأكل من عمل يده؛ مثل: الحصاد، وعمل البساتين، وغيرهما. وصادف في بعض البراري رجلا علّمه "اسم الله الأعظم" فدعا به، فرأى الخضر ﵇. (٣) وكان ﵁ كبير الشان في باب الورع: يحكى عنه أنه قال: "أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار".

стр. 3071

وكان من دعائه: "اللهمّ! انقلني من ذلّ معصيتك إلى عز طاعتك". وروي أنه كان يحفظ كرما؛ فمرّ به جندي، فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمرني به صاحبه. فأخذ الجندي يضربه بسوطه، فطأطأ رأسه وقال: "اضرب رأسا طالما عصى الله!! ". (١) وقيل: مرّ إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة، فاجتمع إليه الناس، وقالوا: يا أبا إسحاق! إن الله يقول في كتابه: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢)، ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا!. فقال: يا أهل البصرة! ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله ولم تؤدّوا حقه. والثانية: قرأتم كتاب الله ولم تعلموا به. والثالثة: ادّعيتم حبّ رسول الله ﷺ وتركتم سنّته!. والرابعة: ادّعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه!. والخامسة: قلتم: نحبّ الجنة، وما تعملون لها!. والسادسة: قلتم: إن الموت حق، ولم تستعدوا له!. والسابعة: قلتم: نخاف النار [ووهنتم] أنفسكم!. والثامنة: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم!. والتاسعة: أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها!. والعاشرة: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم!.

стр. 3072

وقال إبراهيم بن بشار (١): سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة؟ فقال: "رأس العبادة التفكر، والصمت، إلا عن ذكر الله تعالى". وقد بلغني إنه قيل للقمان: ما بلغ من حكمتك؟ فقال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلّف ما لا يعنيني. ثم قال: يا ابن بشار! إنما ينبغي للعبد أن يصمت أو يتكلّم بما ينتفع به أو ينفع به من موعظة، أو تنبيه، أو تخويف، أو تحذير. يا ابن بشار! مثّل لبصر قلبك حضور ملك الموت ﵇ لقبض روحك، فانظر كيف تكون؟. ومثّل هول المطلع، ومساءلة منكر ونكير. فانظر كيف تكون؟. ومثّل القيامة وأهوالها، وأفزاعها، والعرض، والحساب، والوقوف، فانظر كيف تكون؟. ثم صرخ صرخة، ووقع مغشيّا عليه. وكتب عمر بن منهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم، وهو بالرملة: أن عظني موعظة أحفظها عنك. فكتب إليه: "أما بعد … فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص منه في كل وقت نصيب، وللبلاء في جسمه دبيب، فبادر بالعمل قبل أن ينادى بالرحيل، واجتهد في العمل بدار الممر قبل الانتقال إلى دار المقر". وقال أحمد بن الفضل العكي: سمعت أبي يقول: مرّ إبراهيم بن أدهم بقيسارية (٢)، وقد

стр. 3073

تعجّل دينارا من نظارة كرم، فسمع صوت امرأة تصيح، فقال: ما لهذه؟. قالوا: تلد. قال: وأي شيء نعمل لها عند ولادتها؟. قالوا: نشتري لها الدقيق، والزيت، والعسل، والسمن. فصرف ديناره، واشترى زنبيلا (١)، وملأه من هذه الأخبية، ثم حمله على رقبته إلى بابها، وقال: خذوا!. فنظروا … وإذا هم أفقر بيت من أهل قيسارية، وأعبده لله تعالى!!. وقال بقية بن الوليد (٢): سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلّمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان. دخلت عليه في صومعته، فقلت له: يا سمعان! منذ كم أنت ها هنا؟. فقال: منذ سبعين سنة!، فقال: يا حنيفي! وما دعاك إلى هذا؟. فقلت: أحببت أن أعلم. ثم قلت له: ما الذي تأكل؟. قال: في كل ليلة حمّصة!. قلت: فما الذي يهيج قلبك حتى يكفيك الحمّصة؟. فقال: ترى الدير الذي بحذائك؟. قلت: نعم. قال: إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا؛ فيزيّنون صومعتي، ويطوفون حولها، ويعظّموني بذلك، فكلّما تثاقلت نفسي عن العبادة، ذكرت تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة، فاحتمل أنت يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد. فوقعت المعرفة في قلبي. ثم قال لي: حسبك أو أزيدك؟. قلت: زدني. فقال: انزل عن الصومعة، فنزلت، فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة، وقال لي: ادخل الدير، فقد رأوا ما أدليت لك، فلما دخلت الدير، اجتمع النصارى حولي، فقالوا: يا حنيفي! ما الذي أدلى لك الشيخ؟. قلت: من قوته. قالوا: وما الذي تصنع به؟. نحن أحقّ به، فبعناه. قلت: بعشرين دينارا؛ فاشتروه، ثم رجعت إلى الشيخ، فقال: يا حنيفي! لو التمست منهم عشرين ألف دينار لأعطوك!. ثم قال: هذا عزّ من لا تعبده، فكيف عزّ من عبده؟. يا حنيفي! أقبل على ربك، ودع المجيء والذهاب.

стр. 3074

وقال إبراهيم بن أدهم: مررت براهب في صومعته، والصومعة على عمود، والعمود على قلّة (١) جبل، كلما عصفت الريح تمايلت الصومعة. فقلت: يا راهب! فلم يجبني. ثم ناديته ثانيا، فلم يجبني. فقلت في الثالثة: بالذي حبسك في صومعتك إلا أجبتني. فأخرج رأسه من صومعته، فقال: سمّيتني باسم لم أكن له بأهل!، قلت لي: يا راهب!، ولست براهب، إنما الراهب من رهب ربه . قلت: فما أنت؟. قال: سجنت سبعا من السباع. قلت: ما هو؟. قال: لساني سبع ضار، إن أنا أرسلته مزّق الناس. يا حنيفي! إن لله عبادا سلكوا خلال دار الظالمين، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين، وشابوا ثمرة العلم بنور الإخلاص، هم - والله - عباد كحّلوا أبصارهم بسهر الليل، فلو رأيتهم في ليلهم، قد نامت عيون الخلق وهم قيام على أطرافهم، يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم. يا حنيفي!، عليك بطريقهم. قلت: فعلى الإسلام أنت؟. قال: ما أعرف غير الإسلام دينا، ولكن عهد إلينا المسيح ﵇، ووصف لنا آخر زمانكم، فخليت الدنيا، وإن دينكم لجديد، وقد خلق. وقال إبراهيم: رأيت في المنام كأن جبريل ﵇ نزل إلى الأرض، فقلت له: لم نزلت؟. قال: لأكتب المحبين. فقلت: مثل من؟. فقال: مثل مالك بن دينار، وثابت البناني، وأيوب السختياني، وعدّ جماعة. فقلت: أنا منهم؟. فقال: لا. فقلت: فإذا كتبتهم، فاكتب تحتهم: "محب المحبين". فقال: قد أمرني الله تعالى أن أكتبك أولهم. وقال: "نعم القوم السّؤّال (٢)، فإنهم يحملون زادنا إلى الآخرة". وروي عنه أنه قال: "ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات:

стр. 3075

كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك، كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا!! وكان يأخذ بشعر لحيتي، ويهزّني، فسرّني ذلك، لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر في عينه مني!. والثانية: كنت عليلا في مسجد، فدخل المؤذّن، فقال: اخرج، فلم أطق، فأخذ برجلي، وجرّني إلى خارج المسجد. والثالثة: كنت بالشام، وعليّ فرو، فنظرت فيه أميّز بين شعره والقمل لكثرته، - وفي رواية - كنت يوما جاء إنسان وبال عليّ، وجاء آخر وصفعني! ". وقال أبو عبد الله بن الفرج: اطّلعت على إبراهيم بن أدهم بالشام وهو نائم، وعند رأسه أفعى في فمها باقة نرجس تذبّ عنه حتى انتبه!. (١) ومنهم: ٦ - الفضيل بن عياض (١٣) أبو علي الخراساني.

стр. 3076

رجل رأى بعين البصيرة واطّبع، وتمثّل بصفاء السريرة هول المطلع، أسمعه النذير، وأسرعه النفير، وزجره واعظ القرآن فازدجر، وألان قلبه - وكان من حديد أو حجر -، وقد مضت عليه سنون كان سائحا في سنتها (١) طافحا بسمتها، وشبابه مقتبل، وشأنه أنه لغرّة العمر مهتبل، فردّ سيله قبل بلوغ القرآن، وأنام سيفه بعد ما فقد غراره (٢)، وذلك حين آن له المتاب، وسبق له الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، وأظهر الله له من سرّه ما أجنّه. وروى أبو القاسم القشيري بسنده قال: كان الفضيل شاطرا (٣) يقطع الطريق بين أبيورد (٤) وسرخس. وكان سبب توبته: أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّهِ﴾ (٥)، فقال: يا رب! قد آن. فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها رفقة (٦)، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا. فتاب الفضيل (٧)، وأمّنهم، وجاور الحرم حتى مات. وقال الفضيل بن عياض: " إذا أحبّ الله عبدا أكثر غمّه (٨)، وإذا أبغض عبدا وسّع عليه دنياهء (٩) ". وقال ابن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن. (١٠)

стр. 3077

وقال الفضيل: " لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ ولا أحاسب بها لكنت أتقذّرها، كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه " (١) وقال: " ترك العمل لأجل الناس هو الرياء (٢)، والعمل لأجل الناس (٣) هو الشرك". وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا مبتسما (٤)، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك؟. فقال: " إن الله أحبّ أمرا فأحببت ذلك". وقال الفضيل: " إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي ". (٥) حكى في" مناقب الأبرار " (٦) عن سفيان بن عيينة ﵁ قال: قال لي الرشيد: أريد أن ألقى الفضيل بن عياض، لعلّ الله أن يحدث لي عظة أنتفع بها. فقلت له: والله! إنّ ذلك لحبيب إليّ، ولكنه رجل قد أخذ نفسه بخدمة الله تعالى، فما لأحد فيه حظ، وأكره أن تراه متصوفا في بعض حالاته من عبادة ربه فتوهم عليه جفاء،

стр. 3078

وإن كنت والله أعرفه الرجل الكريم العشرة، الحسن الخلق، يوهم من شاهده من لينه أنه داخل في حكم العامة. فقال لي: ما عزمت على لقائه حتى وطّنت نفسي على احتمال مشاهدتي أخلاقه. ثم قال: ويحك يا سفيان!، إن شرف التقوى شرف لا يزاحم عليه بإمرة ولا خلافة!. فأدّيت ذلك إلى الفضيل، فقال: إنه لحسن العقل، لولا ما ضرب به من فتنة هذه العاجلة!. ويسوؤني أيضا، فأما ما يسؤوني منه فلم أر مثله يرفل في سوابغ النعم عريانا من الشكر، ثم قطّب بين عينيه، وقال: ما قدر من كان لله عاصيا؟. لا حاجة لي في لقائه. فلم أزل أرفق به حتى أذن، فرجعت إلى الرشيد فأعلمته، وقلت له: ليس يطمع فيه إلا وقت إفطاره، وكان إفطاره كاختطاف الطائر حبّه. فركب الرشيد، ولبس مبطنة، وطيلسانا، وغطاء رأسه، ومعه مسرور الخادم، وأنا؛ فدققت الباب؛ فنزل وفتح، ودخل، ودخلت معه، ووقف مسرور على الباب، فسلّم عليه الرشيد قائما، فتشمّ منه رائحة المسك، فقال الفضيل: "اللهمّ! إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك المتقين في جنات النعيم". ثم تبادرت دموعه على لحيته، فقلت: يا أبا علي! هذا أمير المؤمنين واقف يسلّم عليك، فرفع رأسه، وقال: وإنك لهو يا حسن الوجه؟. ونظر إلى الرشيد وهو يبكي، فقال له: اعلم أن الأحكام قد سلبت فضيلة العدل، وهو في صحيفتك يدرج معك في كفنك ليوم النشور، وقد بدا إليك سرعة نفاذ ما أنت فيه من تقدّمك من آبائك، ثم نهض، وقال: "الله أكبر". فقلت له: يا أمير المؤمنين! أما إذا افتتح الصلاة فليس فيه حيلة. وانصرفنا. فقال الرشيد وهو خارج: لولا خجلي منك لقبّلت ما بين عينيه، فقلت له: والله لوددت أن فعلت!.

стр. 3079

ولد الفضيل بسمرقند (١)، ونشأ بأبيورد، وتوفي بمكة سنة سبع وثمانين ومائة. ومنهم: ٧ - داود بن نصير الطّائيّ (١٣) وصل إلى الغاية وبلغها، وتجنّب الغواية ومبلغها، تفقّه ثم اعتزل، وتنبّه ثم لم يزل، وقطع مدة البقاء على فرد قدم، وفرّ من الدنيا ولم يداخله ندم، وكان وشبابه غربيب (٢)، وجلبابه ما علق بريح حبيبة ولا حبيب، مجدّ في العلم وطلبه، مجدد بما يعلم دواعي طربه، يسعى إليه ولا يتكبّر، ويرعى ما يرد عليه ويتدبّر، ثم لما اضطلع من ذلك البحر الرواء، انخلع من ذلك الرداء، ولبس رتق الفقراء المبرّأ من الرياء، وطمّ طمعه فانفطم، وأحب الخلوة فكان لا يفارق ظلّ أطم. (٣)

стр. 3080

قال أبو علي الدقاق: كان سبب زهد داود: أنه كان يمرّ ببغداد يوما، فنحّاه (١) المطرّقون (٢) بين يدي حميد الطوسي، فالتفت داود، فرأى حميدا، فقال داود: أفّ لدنيا سبقك بها حميد!. فلزم البيت، وأخذ في الجهد والعبادة. وقال القشيري: سمعت ببغداد بعض الفقراء يقول: إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول: بأي خدّيك تبدّى البلى … وأي عينيك إذا سالا وقيل: كان سبب زهده: أنه كان يجالس أبا حنيفة ﵁، فقال له أبو حنيفة يوما: يا أبا سليمان! أما الأداة (٣) فقد أحكمناها. فقال له داود: فأي شيء بقي؟. فقال: العمل به. قال داود: فنازعتني نفسي إلى العزلة، فقلت لنفسي: حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسألة. قال: فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة، وكانت المسألة تمرّ بي، وأنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم. ثم صار أمره إلى ما صار. (٤) وقيل: حجم "جنيد الحجام" داود الطائي، فأعطاه دينارا، فقيل له: هذا إسراف. فقال: "لا عبادة لمن لا مروءة له. " (٥) وكان يقول بالليل: "إلهي! همّك عطّل علي الهموم الدنيوية، وحال بيني وبين الرقاد". وقالت داية (٦) داود الطائي له: أما تشتهي الخبز؟. فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية!.

стр. 3081

ولما توفي، رآه بعض الصالحين في المنام، وهو يعدو، فقال له: مالك؟. فقال: " الساعة تخلّصت من السجن ". فاستيقظ الرجل [من منامه]، وارتفع الصّياح [يقول الناس:] مات داود الطّائي. وقال له رجل: أوصني. فقال له: " عسكر الموت ينتظرونك". ودخل عليه بعضهم، فرأى جرّة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحوّلها إلى الظلّ؟. فقال: " حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظّ نفسي (١) ". ودخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟. وقال أبو الربيع الواسطي: قلت لداود الطائي: أوصني. فقال: " صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد (٢) ".

стр. 3082

قال ابن خبيق: ورث داود الطائي عشرين دينارا، فأكلها في عشرين سنة. (١) وقال ﵁: "صاحب أهل التقوى فإنهم أقلّ مؤونة، وأكثر معونة". وقيل له يوما: لو تنحّيت عن الشمس إلى الظل؟. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب؟. (٢) توفي داود الطائي ﵁ سنة ستين ومائة. (٣)

стр. 3083

ومنهم: ٨ - شقيق بن إبراهيم البلخي (١٣) من مشايخ خراسان، وقف على الحقيقة، ورتع في حضرة القرب والحديقة، فأغرق في شيمه، وأغدق من شيمه، بعد ما قضى في طلب الدنيا زمانا، وعمره خضر، وعوده نضر، وليل شبابه ما صابح فيه نهار المشيب، وناعم جلبابه ما طاح عنه رداؤه القشيب. وأول كراماته، وما عرف من مقاماته، ردّ سيل غرامه، وقد تحدّر وأطفأ وقد ضرامه، وقد قيل: إنه عليه لا يقدر، فقدر واحتكم، وكان شقيق النفس وإن لم يكن من حكم. وهو أول من تكلم في علوم الأحوال بكور خراسان، وله لسان في التوكل. (١) صحب إبراهيم (٢) وأخذ عنه الطريقة، وهو أستاذ حاتم الأصم. وسبب توبته: أنه كان من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إلى أرض الترك، وهو حدث، فدخل

стр. 3084

بيتا للأصنام، فرأى خادما للأصنام فيه، قد حلق رأسه ولحيته، ولبس ثيابا أرجوانية (١)، فقال شقيق للخادم: إن لك صانعا، حيا، عالما، قادرا، فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع!!. فقال: إن كان كما تقول، فهو قادر على أن يرزقك ببلدك، فلم تعنّيت إلى ههنا للتجارة؟ (٢) فانتبه شقيق، وأخذ في طريق الزهد بعد التوبة. وقال: "احذر أن لا تهلك بالدّنيا. ولا تهتم! فإن رزقك لا يعطى لأحد سواك". وقال: "التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله". وقال: "تعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء: في أخذه، ومنعه، وكلامه". وقال: "الفقير هو الذي يخشى الغنى، ويغتنم الفقر". وقال: "عملت في القرآن عشرين سنة، حتى ميّزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قول الله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَمَتاعُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ (٣) ﴿وَما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (٤). وقال: " الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهّد الذي يقيم زهده بلسانه". وقال: " إن حفظ الفقر أن ترى الفقر منّة من الله عليك، حيث لم يضمّنك رزق غيرك، ولم ينقصك مما قسم لك". وقال: " ليس شيء أحبّ إليّ من الضيف، لأن رزقه ومؤونته على الله، ولي الأجر. " (٥)

стр. 3085

وقال حاتم الأصم: كان شقيق البلخي موسرا، وكان يتفتّى (١)، ويعاشر الفتيان، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبا من كلابه، فسعي برجل أنه عنده، وكان الرجل في جوار شقيق، فطلب الرجل، فهرب .. فدخل دار شقيق مستجيرا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: خلّوا سبيله، فإن الكلب عندي، أردّه إليكم إلى ثلاثة أيام. فخلّوا سبيله، وانصرف شقيق مهتمّا لما صنع، فلما كان اليوم الثالث، كان رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ، فرجع إليها، فوجد في الطريق كلبا عليه قلادة، فأخذه، وقال: أهديه إلى شقيق، فإنه يشتغل بالتفتّي. فحمله إليه، فنظر شقيق؛ فإذا هو كلب الأمير!. فسرّ به، وحمله إلى الأمير، وتخلّص من الضمان، فرزقه الله الانتباه، وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد. وقال شقيق: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل، وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي، فعدلت إليه، وسلّمت عليه، وقلت له: أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق!؟. فقال: حين عاودته مرة أو اثنتين، أو ثلاثة، فلما أكثرت عليه قال: يا شقيق! أنا أخبرك [بحديث فلا تحدّث به أو استره علي]. فقلت: يا أخي! قل ما شئت. فقال: اشتهت نفسي السكباج (٢) منذ ثلاثين سنة، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة، كنت جالسا وقد غلبني النعاس، إذا أنا بفتى شاب، وبيده قدح أخضر يعلو منه بخار، ورائحة سكباج، قال: فاجتمعت بهمتى عنه، فقرب مني، وقال: يا إبراهيم! كل. فقلت: ما آكل شيئا قد تركته لله تعالى. فقال: وإن أطعمك الله فما تأكل؟. فما كان لي جواب إلا أنني بكيت. فقال لي: كل يرحمك الله. فقال إبراهيم: قد أمرنا أن لا نطرح في
следующие страницы →