← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ولما توفي، رآه بعض الصالحين في المنام، وهو يعدو، فقال له: مالك؟. فقال: " الساعة تخلّصت من السجن ". فاستيقظ الرجل [من منامه]، وارتفع الصّياح [يقول الناس:] مات داود الطّائي. وقال له رجل: أوصني. فقال له: " عسكر الموت ينتظرونك". ودخل عليه بعضهم، فرأى جرّة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحوّلها إلى الظلّ؟. فقال: " حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظّ نفسي (١) ". ودخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟. وقال أبو الربيع الواسطي: قلت لداود الطائي: أوصني. فقال: " صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد (٢) ".

стр. 3082

قال ابن خبيق: ورث داود الطائي عشرين دينارا، فأكلها في عشرين سنة. (١) وقال ﵁: "صاحب أهل التقوى فإنهم أقلّ مؤونة، وأكثر معونة". وقيل له يوما: لو تنحّيت عن الشمس إلى الظل؟. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب؟. (٢) توفي داود الطائي ﵁ سنة ستين ومائة. (٣)

стр. 3083

ومنهم: ٨ - شقيق بن إبراهيم البلخي (١٣) من مشايخ خراسان، وقف على الحقيقة، ورتع في حضرة القرب والحديقة، فأغرق في شيمه، وأغدق من شيمه، بعد ما قضى في طلب الدنيا زمانا، وعمره خضر، وعوده نضر، وليل شبابه ما صابح فيه نهار المشيب، وناعم جلبابه ما طاح عنه رداؤه القشيب. وأول كراماته، وما عرف من مقاماته، ردّ سيل غرامه، وقد تحدّر وأطفأ وقد ضرامه، وقد قيل: إنه عليه لا يقدر، فقدر واحتكم، وكان شقيق النفس وإن لم يكن من حكم. وهو أول من تكلم في علوم الأحوال بكور خراسان، وله لسان في التوكل. (١) صحب إبراهيم (٢) وأخذ عنه الطريقة، وهو أستاذ حاتم الأصم. وسبب توبته: أنه كان من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إلى أرض الترك، وهو حدث، فدخل

стр. 3084

بيتا للأصنام، فرأى خادما للأصنام فيه، قد حلق رأسه ولحيته، ولبس ثيابا أرجوانية (١)، فقال شقيق للخادم: إن لك صانعا، حيا، عالما، قادرا، فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع!!. فقال: إن كان كما تقول، فهو قادر على أن يرزقك ببلدك، فلم تعنّيت إلى ههنا للتجارة؟ (٢) فانتبه شقيق، وأخذ في طريق الزهد بعد التوبة. وقال: "احذر أن لا تهلك بالدّنيا. ولا تهتم! فإن رزقك لا يعطى لأحد سواك". وقال: "التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله". وقال: "تعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء: في أخذه، ومنعه، وكلامه". وقال: "الفقير هو الذي يخشى الغنى، ويغتنم الفقر". وقال: "عملت في القرآن عشرين سنة، حتى ميّزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قول الله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَمَتاعُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ (٣) ﴿وَما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (٤). وقال: " الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهّد الذي يقيم زهده بلسانه". وقال: " إن حفظ الفقر أن ترى الفقر منّة من الله عليك، حيث لم يضمّنك رزق غيرك، ولم ينقصك مما قسم لك". وقال: " ليس شيء أحبّ إليّ من الضيف، لأن رزقه ومؤونته على الله، ولي الأجر. " (٥)

стр. 3085

وقال حاتم الأصم: كان شقيق البلخي موسرا، وكان يتفتّى (١)، ويعاشر الفتيان، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبا من كلابه، فسعي برجل أنه عنده، وكان الرجل في جوار شقيق، فطلب الرجل، فهرب .. فدخل دار شقيق مستجيرا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: خلّوا سبيله، فإن الكلب عندي، أردّه إليكم إلى ثلاثة أيام. فخلّوا سبيله، وانصرف شقيق مهتمّا لما صنع، فلما كان اليوم الثالث، كان رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ، فرجع إليها، فوجد في الطريق كلبا عليه قلادة، فأخذه، وقال: أهديه إلى شقيق، فإنه يشتغل بالتفتّي. فحمله إليه، فنظر شقيق؛ فإذا هو كلب الأمير!. فسرّ به، وحمله إلى الأمير، وتخلّص من الضمان، فرزقه الله الانتباه، وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد. وقال شقيق: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل، وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي، فعدلت إليه، وسلّمت عليه، وقلت له: أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق!؟. فقال: حين عاودته مرة أو اثنتين، أو ثلاثة، فلما أكثرت عليه قال: يا شقيق! أنا أخبرك [بحديث فلا تحدّث به أو استره علي]. فقلت: يا أخي! قل ما شئت. فقال: اشتهت نفسي السكباج (٢) منذ ثلاثين سنة، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة، كنت جالسا وقد غلبني النعاس، إذا أنا بفتى شاب، وبيده قدح أخضر يعلو منه بخار، ورائحة سكباج، قال: فاجتمعت بهمتى عنه، فقرب مني، وقال: يا إبراهيم! كل. فقلت: ما آكل شيئا قد تركته لله تعالى. فقال: وإن أطعمك الله فما تأكل؟. فما كان لي جواب إلا أنني بكيت. فقال لي: كل يرحمك الله. فقال إبراهيم: قد أمرنا أن لا نطرح في

стр. 3086

وعائنا إلا من حيث نعلم. فقال: كل عافاك الله! فإنما أعطيت، وقيل لي: يا خضر! اذهب بهذا، وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم، فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحملها من حين منعها. توفي شقيق رحمه الله تعالى سنة أربع وتسعين ومائة. (١) ومنهم: ٩ - معروف بن فيروز الكرخي: أبو محفوظ (١٣)

стр. 3087

أيّ رجل وفيّ، وذي عمل خفيّ، علق بأسباب النبوة فنجا، وأشرق له شهاب الإيمان فرجا، فلم يتمسك بعصم الكوافر، ولا ضلّ بعد الأيام السوافر، فوافى مسلما، وجفا دينا كان كقطع الليل مظلما، فبريء من آلائه الممحوة، وربّي في الحنيفية البيضاء لا سوادا ولا حوّه (١)، فصدّ وجهه عن دين أبويه، وأسلم وسلم إليه، فسعد بالدين، وصعد إلى علّيّين، فسرت في أبويه أنفاسه فأسلما، وأشركا في دحض الشرك معه وأسهما، وقد كانا جهدا على قتله، وتجرّدا لمحنته، ثم زال عن عيونهما العشا (٢)، والله يهدي من يشا. كان من المشايخ الكبار، مجاب الدعوة (٣)، يستشفى بقبره. يقول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرّب. (٤) وهو من موالي علي بن موسى الرّضا (٥)، ﵁، وكان أستاذ السري السقطي،

стр. 3088

وقد قال له يوما: " إذا كانت لك إلى الله حاجة فأقسم عليه بي". قال أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: كان معروف الكرخي أبواه نصرانيان، فسلّموا معروفا إلى المؤدّب [وهو صبي]، فكان المؤدّب يقول له: قل: " ثالث ثلاثة "ويقول معروف: بل هو واحد!. فضربه المعلّم يوما ضربا مبرّحا، فهرب معروف، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أيّ دين يشاء، فنوافقه عليه. ثم إنه أسلم علي يدي علي بن موسى الرضا، ورجع إلى منزله، ودقّ الباب، فقيل: من بالباب؟. فقال: معروف. فقالوا: على أيّ دين جئت؟. فقال: على الدين الحنيفي؛ فأسلم أبواه. (١) وقال سريّ السقطي: رأيت معروفا الكرخيّ في النوم بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي. فقلت: بزهدك وورعك؟. قال: لا، بقبولي موعظة ابن السّمّاك، ولزوم الفقر، ومحبتي الفقراء. وموعظة ابن السّمّاك: ما قاله معروف: "كنت مارّا بالكوفة، فوقفت على رجل يقال له: "ابن السمّاك" وهو يعظ الناس؛ فقال في

стр. 3089

خلال كلامه: من أعرض عن الله بكلّيّته أعرض الله عنه جملة، ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته إليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرّة ومرّة، فالله يرحمه وقتا ما". فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى، وتركت جميع ما كنت عليه، إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا. وذكرت هذا الكلام لمولاي، فقال: يكفيك بهذا موعظة إن اتّعظت. (١) وقيل لمعروف في مرض موته: أوص. فقال: " إن متّ فتصدّقوا بقميصي، فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا. " (٢) ومرّ بسقّاء يقول: رحم الله من يشرب! - وكان ﵁ صائما (٣)؛ فتقدّم فشرب، فقيل له: ألم تكن صائما؟. فقال: بلى، ولكني رجوت دعاءه. (٤) توفي سنة مائتين، وقيل: سنة إحدى ومائتين (٥).

стр. 3090

ومنهم: ١٠ - أبو محمّد الفتح بن سعيد الموصليّ (١٣) وتعرف بلدة فتح ب "الكاري"، وهي قرية بشرقي دجلة. من أقران بشر الحافي. رجل نفض من الدنيا يدا، وأعرض عن السّحب وهي تفيض ندا، وكان لأهل الطريقة

стр. 3091

منه فتح قريب، ومنح منه غير غريب، وكانت له الأقضية مسخّرة، والأيام المزدهية به مفتخرة، وكان لو أومأ إلى الصخر لا نفلق، أو إلى الليل لأتلق، إلى حكم تتفجّر منابعها، وسفوح تفرح السّحب مرابعها، وجواهر كلمه عند القوم (١) في مخبّآت الصّدور مخزونة، وبحبّات القلوب موزونة. قال إبراهيم بن عبد الله (٢): صدع فتح الموصلي؛ ففرح بذلك، وقال: يا رب! ابتليتني ببلاء الأنبياء؟!؛ فشكر هذا أن أصلي الليلة أربع مائة ركعة!. وقال فتح: "أهل المعرفة: الذين إذا نطقوا فبه ينطقون، وإذا عملوا فله يعملون، وإذا طلبوا فمنه يطلبون، وإذا رغبوا فإليه يرغبون، أولئك خواصّ الله، السابقون المقرّبون". وكان ﵁ في وقت ليالي الشتاء يجمع عياله، ويمدّ كساءه، ثم يقول: " [اللهم!] أفقرتني وأفقرت عيالي!، وجوّغتني، وجوّعت عيالي!، وأعريتني وأعريت عيالي!، [بأي] وسيلة أتوسّل إليك؟، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك، فترى هل أنا منهم حتى أفرح؟. " (٣) وسئل فتح الموصلي عن الصدق ما هو؟. فأدخل يده في كير حداد، وأخرج الحديدة المحمّاة، ثم وضعها على كفّه، وقال: "هذا هو الصدق". وقال: "صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدّون جميعهم من الأبدال، وكلّهم أوصوني عند

стр. 3092

فراقي لهم، فقالوا: " إياك ومعاشرة الأحداث". وقال أبو عبد الله بن الجلاّء: كنا في غرفة سريّ السّقطي ببغداد، فلما ذهب بعض الليل، لبس قميصا نظيفا، وسروالا، ورداء، وقام ليخرج، فقلت: إلى أين في هذا الوقت؟. فقال: أعود فتحا. فلما مشى في طرقات بغداد، أخذه العسس، وحبسوه، فلما أصبح أمروا بضربه مع المحبوسين، فلما رفع الجلاّد يده، وقفت فلم يقدر أن يحرّكها!، فقيل للجلاّد: اضرب. فقال: حذائي شيخ واقف يقول: لا تضربه!!. فتقف يدي لا تتحرك!!. فنظروا؛ من الرجل؟. فإذا هو" فتح الموصلي "فأطلقوه، واعتذروا إليه، لأنهم لم يعرفوه. وقال إبراهيم بن نوح الموصلي: رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة، وكان صائما، فقال: عشّوني!. فقالوا: ما عندنا شيء نعشّيك به. قال: فما لكم جلوس في الظّلمة؟. قالوا: ما عندنا شيء نسرج به!. فجلس يبكي من الفرح، وقال: " إلهي! مثلي يترك بلا عشاء؟!، ولا سراج!!، فأيّ يد كانت مني؟ ". فما زال يبكي حتى الصباح (١). وقال شعيب بن حرب: دخلت على فتح الموصلي أعوده، وهو مريض، فقلت له: يا أبا محمد! أوصني. فقال: أليس الإنسان إذا منع من الطعام والشراب يموت؟ قلت: نعم. قال: "فكذلك القلب إذا منع من الذكر يموت". وروي أنه دخل على بشر الحافي فقال له: يا أبا نصر! ابعث إلى السوق واشتر لنا خبزا جيدا، وتمرا جيدا. ففعل بشر ذلك. فأكل الفتح منه، وأكثر، وحمل الباقي (٢) فقال بشر لمن كان عنده: أتدرون لم قال: اشتر خبزا جيدا، وتمرا جيّدا؟. فقالوا: لا. قال: لأن الطعام الصافي الجيّد يصفو لصاحبه عليه الشكر. ثم قال لهم: أتدرون لم أكثر الأكل؟. قالوا: لا. قال: لأنه علم أني أفرح بأكله، فأراد أن يزيدني سرورا وفرحا. قال: أتدرون لم حمل

стр. 3093

الباقي؟. قالوا: لا. قال: لأن التوكّل إذا صحّ لم يضرّ صاحبه الحمل معه. وروي أن رجلا قال للمعافى بن عمران (١): هل كان للفتح الموصلي كبير عمل؟. فقال: كفاك بعمله تركه للدنيا!. (٢) ومنهم: ١١ - أبو سليمان عبد الرّحمن بن عطيّة الدّارانيّ (١٣) عابد، شقّت به الليالي جنح ظلماتها، وأشرقت أعماله إشراق البدور في سمائها، وله بداريا مشهد له في السنة أيام تعدّ مواسم، وليال بالوفود بواسم، يقصد بالزيارة من كل

стр. 3094

فجّ، وتؤتى بكل ناضج وفج، وتقذف له أبحر سواكب، وتقف حوله زمر ومواكب، وترتج تلك الساحات، وتثج (١) هنالك السماحات، في كلّ ظلماء تحاكي سناء الليلة القمراء، وتجاوب تسبيح الملائكة أصوات القرّاء. ولأهل دمشق بإقامة مواسم هذه الليالي ولوع، ولأقمار أهلها مشارق ثم طلوع، لا يزال لهم هذا دأبا كل عام يأتي، وفعلا يخالف قول من يفتي. قال أبو سليمان الداراني: " كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد، فخبّأت إحدى يديّ من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة. (٢) فغلبتني عيناي، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان! قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. فآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرّا كان الزمن أو بردا. " (٣) وقال أيضا: " نمت [ليلة] عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربّى لك منذ خمسمائة عام!؟ ". وقال: " أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. " (٤) وقال: " لكلّ شيء علم، وعلم الخذلان ترك البكاء. " (٥) وقال: " لكلّ شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن. " (٦) وقال: " كلّ ما شغلك عن الله تعالى من أهل، أو مال، أو ولد، فهو عليك شؤم. " (٧)

стр. 3095

وقال: " من أحسن في نهاره كوفيء في ليله، ومن أحسن في ليله كوفيء (١) في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذّب قلبا بشهوة تركت له ". (٢) وقال: " إذا سكنت الدنيا في قلب ترحّلت منه الآخرة. " (٣) وقال: " ربّما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب، والسنّة " (٤). وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان يوما، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: يا أحمد! ولم لا أبكي؟، وإذا جنّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلّ حبيب بحبيبه، افترض أهل المحبّة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطّرت في محاريبهم، وأشرف الجليل فنادى: يا جبريل! بعيني من تلذّذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإنّي لمطّلع عليهم في خلواتهم، أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل!: ما هذا البكاء؟. هل رأيتم حبيبا يعذّب أحباءه؟!، أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما إذا جنّهم الليل تملّقوا لي (٥) فبي حلفت: أنهم إذا وردوا عليّ يوم القيامة، لأكشفنّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليّ، وأنظر إليهم" (٦).

стр. 3096

توفي ﵁ سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره بقرية داريّا، من قرى دمشق. (١) ومنهم: ١٢ - بشر بن الحارث الحافيّ أبو نصر (١٣) زاد على الوسمي (٢)، وزان مدارعه زينة الكميّ (٣)، تحلّق بمشهد الشفق بشرى، وتألّق يوم مولده الصباح فكان بشرا، طفيء به كل مشتعل، وحفي كلّ حاف ومنتعل، ووقعت دونه القوادم والخوافي (٤)، واتبعت آثاره، وأثر الحافي غير خافي. سار ذكره فأوجف، وسكن

стр. 3097

باطن الأرض فاقشعرّ ظاهرها وأرجف (١)، وشفع بأخت كانت هي وأخواتها على الخير أعوانا (٢)، وإذا ذكر أهله أعيانا، وكان لمن صحّف نسرا، ولمن صحّح ما في طيّ الطّيب نشرا. أصله من "مرو" (٣) وسكن بغداد، وكان كبير الشان. وسبب توبته: أنه أصاب في الطريق "كاغدة" (٤) مكتوبا فيها اسم الله قد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه "غالية" (٥)، فطيّب بها "الكاغدة"، وجعلها في شق الحائط، فرأى فيما يرى النائم: كأنّ قائلا يقول له: "يا بشر طيّبت اسمي، لأطيّبنّ اسمك في الدنيا والآخرة. " (٦) قال أبو علي الدقاق: مرّ بشر ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كله!، ولا يفطر إلا في كلّ ثلاثة أيّام مرة؛ فبكى بشر، فقيل له في ذلك؟. فقال: إني لا أذكر أني سهرت ليلة كاملة، ولا أني صمت يوما لم أفطر من ليلته، ولكن الله يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد لطفا منه - سبحانه - وكرما.

стр. 3098

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: بلغني أن بشر بن الحارث الحافيّ قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا بشر! أتدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟. قلت: لا، يا رسول الله!. قال: باتّباعك لسنّتي، وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبّتك لأصحابي، وأهل بيتي، وهو الذي بلّغك منازل الأبرار. (١) وقال بلال الخوّاص: كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجل يماشيني، فتعجّبت منه، ثم ألهمت أنه الخضر ﵇، فقلت له: بحقّ الحقّ من أنت؟. فقال: أخوك الخضر؛ فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي (٢) ﵀؟. فقال: هو من الأوتاد. (٣) فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل (٤) ﵁؟. قال: رجل صدّيق. قال: فما تقول في بشر بن الحارث الحافي؟. قال: لم يخلق بعده مثله!!. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟. فقال: ببرّك لأمّك. وقال أبو عليّ الدّقّاق: أتى بشر باب المعافى بن عمران، فدقّ الحافي عليه الباب، فقيل: من؟. فقال: بشر الحافي. فقالت له بنيّة من داخل الدار: لو اشتريت لك نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي. (٥)

стр. 3099

وقال أبو عبد الله [بن] الجلاّء: رأيت ذا النون وكانت له العبارة (١)، ورأيت سهلا وكانت له الإشارة، ورأيت بشر بن الحارث، وكان له الورع. فقيل له: فإلى من كنت تميل؟ فقال: لبشر بن الحارث أستاذنا. وقيل: إنه اشتهى الباقلاء (٢) سنين، فلم يأكله، فرؤي في المنام بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وقال: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب! (٣) وقال بشر: " إني أشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه!! " (٤) وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز؟. فقال: أذكر العافية وأجعلها إداما (٥). وقال بشر: لا يحتمل الحلال السرف. (٦) ورئي بشر في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وأباح لي نصف الجنة، وقال لي: يا بشر! لو سجدت لي على الجمر ما أدّيت شكر ما جعلته لك في قلوب عبادي.

стр. 3100

وقال بشر: " لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. " (١) ومن دعائه: " اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني. " (٢) وقال: " عقوبة العالم في الدنيا أن يعمي بصر قلبه". وقال: " من طلب الدنيا فليتهيّأ للذّل ". (٣) وقال بشر لأصحاب الحديث: " أدّوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته؟. قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث ". (٤) وكان لبشر ثلاث أخوات، وهنّ: " مضغة "و" مخّة "و" زبدة "، وكنّ زاهدات عابدات، ورعات، وأكبرهنّ " مضغة "، ماتت قبل موت أخيها بشر، فحزن عليها حزنا شديدا، وبكى بكاء كثيرا، فقيل له في ذلك؟. فقال: قرأت في بعض الكتب: إن العبد إذا قصّر في خدمة ربه سلبه أنيسه. وهذه أختي" مضغة "كانت أنيستي في الدنيا". وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي فقالت له: يا أبا عبد الله!، إني امرأة أغزل من الليل على ضوء السراج، وربما طفيء السراج، فأغزل على ضوء القمر، فهل عليّ أن أبيّن غزل السراج من غزل القمر؟. فقال لها أبي: إن كان عندك بينهما فرق، فعليك أن تبيّني ذلك. فقالت له: يا أبا عبد الله! أنين المريض هل هو شكوى؟. فقال لها: إني أرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى. ثم انصرفت؛ قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني! ما سمعت إنسانا قط يسأل عن مثل

стр. 3101

ما سألت هذه المرأة!، اتبعها. قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت أنها أخت بشر، فأتيت أبي فقلت له: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال أبي: هذا والله! هو الصحيح، محال أن تكون هذه المرأة إلا أخت بشر الحافي!!! (١) وقال عبد الله أيضا: جاءت "مخّة" أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله! رأس مالي دانقان، أشتري بهما قطنا فأغزله، وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقا من الجمعة إلى الجمعة، وقد مرّ الطائف ليلة ومعه مشعل، فاغتنمت ضوء المشعل، وغزلت طاقين في ضوئه، فعلمت أن لله فيّ مطالبة، فخلّصني من هذا خلّصك الله تعالى (٢) فقال أبي: تخرجين الدانقين، ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوّضك الله خيرا منه. قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، فقال: يا بني! سؤالها لا يحتمل التأويل، فمن هذه المرأة؟. فقلت: هي "مخّة" أخت بشر الحافي. فقال أبي: من هنا أتيت. (٣) وقال بشر: "تعلّمت الورع من أختي، فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع". (٤) توفي ﵁ في شهر ربيع الآخر، سنة ست وعشرين (٥) وقيل: سنة سبع وعشرين ومائتين. وقيل: في عاشر المحرم، وقيل: في رمضان، ببغداد. وقيل: بمرو. (٦) وإنما لقّب ب "الحافي" لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعا لأجل نعليه (٧)، وكان قد

стр. 3102

انقطع، فقال له الإسكافي: ما أكثر كلفتكم على الناس؟!. فألقى النعل من يده، والآخر من رجله، وحلف لا يلبس نعلا. ومنهم: ١٣ - أحمد بن أبي الحواريّ (١٣) المعروف ب "ريحانه الشام". قطب من الأقطاب، ورجل طار ذكره وطاب، تفرّد في الجميع، وهبّ طيبه فقيل: أمن ريحانة الداعي السميع، فعبقت بطيبه الأردان، وعلقت من نصيبه الأخدان، وهطلت له سوافح أغرقت في يمها، ونوافح عرفت، وما تمدح ريحانة قبل شمّها. رسا مقصرا بان عن إبانته، وقص قوادم النسيم، فعلق طيبا من ريحانته. هو من أهل دمشق. صحب أبا سليمان الداراني. (١) وكان أبو القاسم الجنيد يقول: "أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. " (٢) وقال أحمد بن أبي الحواري: "من نظر إلى الدنيا نظرة إرادة وحبّ لها أخرج الله نور

стр. 3103

اليقين والزهد من قلبه. " (١) وقال: " من عمل بلا اتباع سنة رسول الله ﷺ ؛ فباطل عمله. " (٢) وقال: " ما ابتلى الله عبدا بشيء أشدّ من الغفلة والقسوة. " (٣) توفي - رحمه الله تعالى - سنة ثلاثين ومائتين (٤). ومنهم: ١٤ - أبو عبد الرّحمن حاتم بن عنوان الأصم (١٣) ويقال: حاتم بن يوسف.

стр. 3104

ويقال: حاتم بن عنوان بن يوسف [الأصم]. (١) صاحب مقالات، وساحب ذيل في مقامات، وكان لأغطية الصدور كاشفا، ولتجلية البدور كاسفا، رفع له الحجاب، وصدع به الدجى فانجاب، وطالما غفر الزلل، وظفر بما لم يزل. حكي أنه ستر، فستر الله عليه، وتصامم فسرّ الله مسمعيه، وكان له جميل صنع لم يزل إليه مصروفا، ومنع كان لا يراه من أنكره إلا معروفا، مع جود أضفى ذيله وأطاله. وكان من قدماء مشايخ خراسان، من أهل بلخ. صحب شقيق بن إبراهيم البلخي، وكان أستاذ أحمد بن خضرويه، وهو مولى للمثنى بن يحي المحاربي (٢)، وله ابن يقال له: " خشنام بن حاتم". قيل: إنه لم يكن أصمّ، وإنما تصامم مرة؛ فسمي به. جاءته امرأة تسأله عن مسألة، فاتّفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت، فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك!، فأرى من نفسه أنه أصم!، فسرّت المرأة من ذلك وقالت في نفسها: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الأصم. (٣) وقال: " من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موتا أبيض، وهو: الجوع. وموتا أسود، وهو: احتمال الأذى من الخلق.

стр. 3105

وموتا أحمر، وهو: العمل الخالص من الشوب في مخالفة الهوى. وموتا أخضر، وهو: طرح الرقاع بعضها على بعض. (١) وقال: "العجلة من الشيطان إلا في خمس: " إطعام الطعام إذا حضر ضيف، وتجهيز الميّت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب ". (٢) وقال: " من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلّب في رضا الله تعالى: أولها: الثقة بالله، ثم التوكل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة؛ والأشياء كلها تتم بالمعرفة ". (٣) [وقال:] الواثق من رزقه من لا يفرح بالغنى، ولا يهتم بالفقر، ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر". (٤) وقال: "أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والحب. " وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص والحسد " (٥). فما يأخذه المنافق يأخذه بالحرص، ويمنعه بالشك، وينفقه بالرياء. والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالشدة، وينفق في الطاعة خالصا لله تعالى". وقال: "الجهاد ثلاثة: جهاد في سرّك؛ مع الشيطان حتى تكسره؛ وجهاد في العلانية، في أداء الفرائض حتى تؤديها، كما أمر الله تعالى؛ وجهاد مع أعداء الله تعالى، في غزو الإسلام. " (٦)

стр. 3106

و [قال:] "الشهوة ثلاثة: شهوة في الأكل، وشهوة في الكلام، وشهوة في النظر. فاحفظ الأكل بالثقة، واللسان بالصدق، والنظر بالعبرة". وقال: "اطلب نفسك في أربعة أشياء: العمل الصالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منّة، والإمساك بغير بخل". (١) وقال: "ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟. وما تلبس؟. وأين تسكن؟. فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر". (٢) وقال: "الزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة، والجنة عاشقة". (٣) وقال: "تعهّد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلّمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا سكنت فاذكر علم الله فيك". وقال: "من ادّعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذّاب: من ادّعى حبّ الله، من غير ورع عن محارمه، فهو كذّاب. ومن ادّعى حبّ الجنة، من غير إنفاق ماله، فهو كذّاب. ومن ادّعى حبّ النبي ﷺ ، من غير محبّة الفقر، فهو كذّاب. " (٤) وقيل له: على ما ذا بنيت أمرك في هذا الأمر؟. فقال: على أربع خصال: "علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنّت به نفسي. وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به.

стр. 3107

وعلمت أن الموت يأتيني، فأنا أبادره. وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت، فأنا مستحي منه. " (١) توفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع وثلاثين ومائتين، عند رباط يقال له: "رأس سروند" على جبل فوق "واشجرد. " (٢)

стр. 3108

ومنهم: ١٥ - أحمد بن خضرويه البلخيّ (١٣) من كبار مشايخ خراسان. رسا رسوّ أبّان، وأظهر العجائب وأبان، أرضى الخليل، ورضي بالقليل، ورمى بباع ممتد، وساعد مشتد، حتى تردّى رداء الصلاح، وورد حيث يتفجّر معين الصباح، فوطيء العلا وأكنافها، وكان منهج نسّاك، وجدّ إنفاق وإمساك، على أنه أفاض المواهب، وأغاض البحور والعصور الذواهب، وكان على هذا مقتصدا، وللموت ساعة فساعة مترصدا. صحب أبا تراب النخشبي. وقدم نيسابور، وزار أبا حفص (١)، وخرج إلى بسطام في

стр. 3109

زيارة أبي يزيد البسطامي، وكان كبيرا في الفتوة. (١) قال أبو حفص: " ما رأيت أحدا أكبر همّة ولا أصدق حالا من أحمد بن خضرويه. " (٢) وكان أبو يزيد يقول: " أستاذنا أحمد". وقال محمد بن حامد (٣): " كنت جالسا عند أحمد بن خضرويه وهو في النزع، وكان قد أتى عليه خمس وتسعون سنة، فسأله بعض أصحابه عن مسألة، فدمعت عيناه، وقال: "يا بني! باب كنت أدقّه منذ خمس وتسعين سنة، وهو ذا يفتح لي الساعة، لا أدري أبا السعادة يفتح أم بالشقاوة؟ أنّى لي أوان الجواب؟. (٤) قال: وكان عليه سبعمائة دينار، وغرماؤه عنده، فنظر إليهم، وقال: اللهم إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأموال، وأنت تأخذ عنهم وثيقتهم، فأدّ عني". قال: فدقّ داقّ الباب، وقال: أين غرماء أحمد؟. فقضى عنه، ثم خرجت روحه. (٥) وقال أحمد بن خضرويه: "لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رقّ أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة عليك لما ظفرت بك الشهوة" (٦)

стр. 3110

ومنهم: ١٦ - الحارث بن أسد المحاسبيّ (١٣) البصريّ، أبو عبد الله. رجل كان عن متاع الدنيا متنزّها، وباتباع الألى متشبها، لم تصبه الأيام بهزّتها، ولم تصبه الليالي منها بترتها، فخصم أطماعه من طلب متاعها، وفطم آماله من حلب رضاعها، وقنع منها بالقوت الذي ألجئ إلى أكله، ووكل أباه بطول حرنه ونكله، وترك نفسه فيما لا يطيق من شجونها، وضيق سجونها، لذنب أخرجه ليكون غرضا لنابلها، وأخرجه من الجنة بحبة من سنابلها. كان عديم النظير في زمانه، علما، وورعا، ومعاملة، وحالا (١). قيل: إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئا. قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر. (٢) فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئا؛ وقال: "صحّت الرواية عن النبي صلى الله

стр. 3111

عليه وسلم أنه قال: (لا يتوارث أهل ملّتين). (١) قال أحمد بن مسروق (٢): مات الحارث بن أسد المحاسبي وهو محتاج إلى درهم، وخلّف أبوه ضياعا وعقارا، فلم يأخذ منه شيئا (٣). وقال أبو علي الدّقّاق: كان الحارث المحاسبي إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة، تحرّك على إصبعه عرّق؛ فكان يمتنع منه (٤). وقال [أبو] عبد الله بن خفيف: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلّموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد بن محمد، وأبو محمد رويم، وأبو العباس بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق. (٥) وقال الحارث: " من صحّح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زيّن الله ظاهره بالمجاهدة، واتّباع السنة". ويحكى عن الجنيد أنه قال: مرّ بي يوما الحارث المحاسبي، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عم!، تدخل الدار، وتتناول شيئا؟. فقال: نعم.

стр. 3112

فدخلت الدار، وطلبت شيئا أقدّمه إليه، فكان في البيت شيء من طعام حمل إليّ من عرس قوم، فقدّمته إليه، فأخذ لقمة وأدارها في فمه مرّات، ثم إنه قام وألقاها في الدهليز، ومرّ!. فلمّا رأيته بعد ذلك بأيّام، قلت له في ذلك؟. فقال: إني كنت جائعا، وأردت أن أسرّك بأكلي، وأحفظ قلبك، ولكن بيني وبين الله علامة: أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة، فلم يمكنّي من ابتلاعه، فمن أين كان لك ذلك الطعام؟. فقلت: إنه حمل إليّ من دار قريب لي من العرس. ثم قلت: تدخل اليوم؟. فقال: نعم. فقدّمت إليه كسرا يابسة كانت لنا، فأكل وقال: إذا قدّمت إلى فقير شيئا، فقدّم إليه مثل هذا. (١) وسئل الحارث عن العقل ما هو؟. فقال: "نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم". وكان يقول: "فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء". (٢) وقال السمعاني: كان أحمد بن حنبل يكرهه لنظره في علم الكلام، وتصنيفه فيه؛ وهجره، فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصلّ عليه إلا أربعة نفر (٣). قال: وعرف بالمحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه. (٤) قال ابن خلّكان: وهو أحد رجال الحقيقة، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وله

стр. 3113

كتب في الزهد والأصول، وكتاب "الرعاية" له (١) توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. (٢) ومنهم: ١٧ - أبو تراب عسكر بن حصين النّخشبيّ (١٣) صحب حاتم الأصم، وأبا حاتم العطار البصري. (٣) اعتدّ لمسيره واعتنى، وشده لمصيره البيت وابتنى، فلم تجذبه الدنيا بخطامها، ولم تسلبه بحطامها، فما زال يفرّ من دناياها، ولا يقرّ خوفا من طروق مناياها، وطالما ظنّت أنها تسوّل له لبس ردائها المعار، وتحمل دائها والعار، والعناية قد أحاطت به من كل جانب، وأماطت

стр. 3114

ردنه (١) من كلّ جاذب، فشرف مقاما، وشرق (٢) عدوه ملاما، ولم يرمق الدنيا بمؤخر عين ولا مقدّم، ولا علق بمال معاهد ولا مسلم. قال ابن الجلاّء: صحبت ستمائة شيخ، ما لقيت فيهم مثل أربعة: أولهم: أبو تراب النخشبي. (٣) قال أبو تراب: "الفقير قوته: ما وجده، ولباسه: ما ستره، ومسكنه: حيث نزل. " (٤) وقال أيضا: "إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله، فإذا أخلص فيه وجد حلاوته ولذّته وقت مباشرة الفعل. " (٥) وقال: "ما تمنّت نفسي عليّ شيئا قطّ إلا مرّة واحدة (٦): تمنّت عليّ خبزا وبيضا، وأنا في سفري، فعدلت عن الطريق إلى قرية، فوثب رجل وتعلّق بي، وقال: كان هذا مع اللصوص!. فبطحوني، وضربوني سبعين خشبة، قال: فوقف علينا رجل صوفي، فصرخ، وقال: ويحكم!! هذا أبو تراب النخشبي، فخلّوني، واعتذروا إليّ، وأدخلني الرجل منزله، وقدّم لي خبزا وبيضا، فقلت (٧): كلها بعد سبعين جلدة!!. (٨)

стр. 3115

وقال يوما لأصحابه: " من لبس منكم مرقّعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل، ومن قرأ القرآن من المصحف، أو كيما يسمع الناس، فقد سأل. (١) ونظر يوما إلى صوفيّ من تلامذته قد مدّ يده إلى قشر بطّيخ، وقد طوى ثلاثة أيام، فقال له أبو تراب: "تمدّ يدك إلى قشر البطيخ!؟ أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق. (٢) وكان أبو تراب يقول: " بيني وبين الله عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه. (٣) وكان ﵁ إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده، وجدّد توبته، ويقول: "بشؤمي دفعوا إلى ما دفعوا إليه، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اَللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾. (٤) وحكى ابن الجلاّء، قال: دخل أبو تراب مكة طيّب النفس، فقلت: أين أكلت أيها الأستاذ؟. فقال: أكلة بالبصرة، وأكلة بالنباج (٥)، وأكلة ههنا. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين. قيل: مات بالبادية، نهشته السباع. (٦)

стр. 3116

ومنهم: ١٨ - السّري بن مغلّس السّقطيّ (١٣) خال الجنيد، وأستاذه. رمى يده من الدنيا ونفضها، وأعطى الله عهودا ما نقضها، لم يرض بمتاع معار، ولا برضاع آخره إثم وعار، فتجنّب الزخارف، وتجلبب غير ما ألبسته من المطارف، فأماط تلك الأردية، وحلّ تلك العقد المردية، حتى خبت لديه مواقدها، وهبّت إليه بالإنابة مراقدها، والزهد يصفي له الموارد، ويصلي سواه كلّ وارد، وكم اتّجه أمثاله إلى ذلك الينبوع واشتبه حاله، حتى فضح التطبّع شيمة المطبوع. كان تلميذ معروف الكرخي، وأوحد زمانه في الورع، وأحوال السنة، وعلوم التوحيد (١) وكان يتّجر في السوق، فجاءه معروف يوما، ومعه صبيّ يتيم، فقال: أكس هذا اليتيم. قال سري: فكسوته، ففرح معروف، وقال: بغّض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه. فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إليّ من الدنيا، وكل ما أنا فيه من بركات معروف. (٢)

стр. 3117

وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من السّريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة، مارئي مضطجعا إلا في علّة الموت. (١) وقال السّريّ: التصوف اسم لثلاثة معان (٢): وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. (٣) ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة. ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله. (٤) وقال الجنيد: سألني السّريّ يوما عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا .. ، فأخذ السريّ جلدة ذراعه، ومدّها، فلم تمتدّ، ثم قال: " وعزّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبّته لصدقت! ". ثم غشّي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق، وكان السري به أدمة. (٥) ويحكى عن السريّ أنه قال: " منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله، مرة". قيل: وكيف ذلك؟. فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك!. فقلت: " الحمد لله "، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين!!!. (٦)

стр. 3118

وقال السّريّ: صلّيت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سريّ!! كيف تجالس الملوك؟. قال: فضممت إليّ رجلي، ثم قلت: وعزّتك لا مددت رجلي أبدا، فما مددتها بعد ذلك. (١) ويحكى عن السّري أنه قال: " أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا وكذا مرة، مخافة أن يكون قد اسودّ، خوفا من الله تعالى أن يسوّد صورتي لما أتعاطاه ". (٢) وقال السريّ: أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة. فقلت: ما هو؟. فقال: لا تسأل من أحد شيئا، ولا تأخذ من أحد شيئا، ولا يكن معك شيء تعطي منه أحدا. (٣) وقال: " أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد. فقيل له: ولم ذلك؟. فقال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح!!. (٤) وقال الجنيد: دخلت يوما على السري السقطي وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: جاءتني البارحة الصبيّة، فقالت: يا أبت! هذه ليلة حارّة، وهذا الكوز أعلّقه ههنا. ثم إني حملتني عيناي، فنمت، فرأيت جارية من أحسن الخلق، قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت؟.

стр. 3119

فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرّد في الكيزان. (١) فتناولت الكوز؛ فضربت به الأرض فكسرته. قال الجنيد: فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسّه، حتى عفا (٢) عليه التراب. (٣) قال: وسمعته يقول: "اللهم مهما عذّبتني بشيء، فلا تعذّبني بذلّ الحجاب. (٤) وقال السّريّ: غزونا أرض الروم؛ فمررت بأرض خضراء، فيها الخبّازى، وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لئن كنت أكلت يوما حلالا فاليوم!. فنزلت عن دابّتي، وجعلت آكل من ذلك الخبّازى (٥)، وشربت من ذلك الماء، وإذا بهاتف يهتف بي: يا سري! فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا الموضع، من أين؟. وقال: " أحبّ أن آكل أكلة ليس لله عليّ فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها منّة، فما أجد إلى ذلك سبيلا ". (٦) ودخل عليه رجل في مرضه يعوده، فقال له: كيف تجدك؟. فقال: كيف أشكو إلى طبيبي ما بي … والذي بي أصابني من طبيبي فأخذ الرجل المروحة يروّح عليه، فقال له السّريّ: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟.

стр. 3120

ثم أنشأ يقول: القلب محترق، والدمع مستبق … والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له … مما جناه الهوى والشوق والقلق يا ربّ إن كان شيء فيه لي فرج … فامنن عليّ به ما دام بي رمق ودخل عليه رجل (١) وهو يجود بنفسه، فجلس عند رأسه وبكى، فسقط عليه من دموعه، ففتح عينيه، ونظر إليه، فقال له الرجل: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تشغلنّ عن الله بمجالسة الأخيار. (٢) توفي السّريّ ﵁ سنة سبع وخمسين ومائتين. وقيل: سنة إحدى وخمسين (٣)، وقيل: في رمضان سنة خمسين (٤). وكانت وفاته في بغداد (٥). وكان كثيرا ما ينشد: إذا ما شكوت الحبّ قالت كذبتني … فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا فلا حبّ حتى تلصق الجلد بالحشا … وتذهل حتى لا تجيب المناديا وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى … سوى مقلة تبكي بها وتناجيا (٦)
следующие страницы →