← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ومنهم: ١٨ - السّري بن مغلّس السّقطيّ (١٣) خال الجنيد، وأستاذه. رمى يده من الدنيا ونفضها، وأعطى الله عهودا ما نقضها، لم يرض بمتاع معار، ولا برضاع آخره إثم وعار، فتجنّب الزخارف، وتجلبب غير ما ألبسته من المطارف، فأماط تلك الأردية، وحلّ تلك العقد المردية، حتى خبت لديه مواقدها، وهبّت إليه بالإنابة مراقدها، والزهد يصفي له الموارد، ويصلي سواه كلّ وارد، وكم اتّجه أمثاله إلى ذلك الينبوع واشتبه حاله، حتى فضح التطبّع شيمة المطبوع. كان تلميذ معروف الكرخي، وأوحد زمانه في الورع، وأحوال السنة، وعلوم التوحيد (١) وكان يتّجر في السوق، فجاءه معروف يوما، ومعه صبيّ يتيم، فقال: أكس هذا اليتيم. قال سري: فكسوته، ففرح معروف، وقال: بغّض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه. فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إليّ من الدنيا، وكل ما أنا فيه من بركات معروف. (٢)

стр. 3117

وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من السّريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة، مارئي مضطجعا إلا في علّة الموت. (١) وقال السّريّ: التصوف اسم لثلاثة معان (٢): وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. (٣) ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة. ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله. (٤) وقال الجنيد: سألني السّريّ يوما عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا .. ، فأخذ السريّ جلدة ذراعه، ومدّها، فلم تمتدّ، ثم قال: " وعزّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبّته لصدقت! ". ثم غشّي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق، وكان السري به أدمة. (٥) ويحكى عن السريّ أنه قال: " منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله، مرة". قيل: وكيف ذلك؟. فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك!. فقلت: " الحمد لله "، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين!!!. (٦)

стр. 3118

وقال السّريّ: صلّيت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سريّ!! كيف تجالس الملوك؟. قال: فضممت إليّ رجلي، ثم قلت: وعزّتك لا مددت رجلي أبدا، فما مددتها بعد ذلك. (١) ويحكى عن السّري أنه قال: " أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا وكذا مرة، مخافة أن يكون قد اسودّ، خوفا من الله تعالى أن يسوّد صورتي لما أتعاطاه ". (٢) وقال السريّ: أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة. فقلت: ما هو؟. فقال: لا تسأل من أحد شيئا، ولا تأخذ من أحد شيئا، ولا يكن معك شيء تعطي منه أحدا. (٣) وقال: " أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد. فقيل له: ولم ذلك؟. فقال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح!!. (٤) وقال الجنيد: دخلت يوما على السري السقطي وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: جاءتني البارحة الصبيّة، فقالت: يا أبت! هذه ليلة حارّة، وهذا الكوز أعلّقه ههنا. ثم إني حملتني عيناي، فنمت، فرأيت جارية من أحسن الخلق، قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت؟.

стр. 3119

فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرّد في الكيزان. (١) فتناولت الكوز؛ فضربت به الأرض فكسرته. قال الجنيد: فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسّه، حتى عفا (٢) عليه التراب. (٣) قال: وسمعته يقول: "اللهم مهما عذّبتني بشيء، فلا تعذّبني بذلّ الحجاب. (٤) وقال السّريّ: غزونا أرض الروم؛ فمررت بأرض خضراء، فيها الخبّازى، وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لئن كنت أكلت يوما حلالا فاليوم!. فنزلت عن دابّتي، وجعلت آكل من ذلك الخبّازى (٥)، وشربت من ذلك الماء، وإذا بهاتف يهتف بي: يا سري! فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا الموضع، من أين؟. وقال: " أحبّ أن آكل أكلة ليس لله عليّ فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها منّة، فما أجد إلى ذلك سبيلا ". (٦) ودخل عليه رجل في مرضه يعوده، فقال له: كيف تجدك؟. فقال: كيف أشكو إلى طبيبي ما بي … والذي بي أصابني من طبيبي فأخذ الرجل المروحة يروّح عليه، فقال له السّريّ: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟.

стр. 3120

ثم أنشأ يقول: القلب محترق، والدمع مستبق … والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له … مما جناه الهوى والشوق والقلق يا ربّ إن كان شيء فيه لي فرج … فامنن عليّ به ما دام بي رمق ودخل عليه رجل (١) وهو يجود بنفسه، فجلس عند رأسه وبكى، فسقط عليه من دموعه، ففتح عينيه، ونظر إليه، فقال له الرجل: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تشغلنّ عن الله بمجالسة الأخيار. (٢) توفي السّريّ ﵁ سنة سبع وخمسين ومائتين. وقيل: سنة إحدى وخمسين (٣)، وقيل: في رمضان سنة خمسين (٤). وكانت وفاته في بغداد (٥). وكان كثيرا ما ينشد: إذا ما شكوت الحبّ قالت كذبتني … فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا فلا حبّ حتى تلصق الجلد بالحشا … وتذهل حتى لا تجيب المناديا وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى … سوى مقلة تبكي بها وتناجيا (٦)

стр. 3121

ومنهم: ١٩ - أبو زكريّا يحيى بن معاذ الرّازي الواعظ (١٣) ترك الدنيا أنكاثا، ومرّ فيها عابر سبيل لا إمكاثا، فما حطّ عن قلاصه (١)، ولا حلّ حباله لخلاصه، فلم يعلق لها بدنس، ولا خنس فيها نجمه ولا كنس (٢)، ولم نر محاطّ الرجال إلا على ذنابي الأفاعي، وزباني العقارب السواعي (٣)، فشدّ وانطلق، وردّ الغيث في طلق، فلم يتّخذ في هذه الدار مقيلا، ولا خال نفسه فيها مقيما ولا نزيلا. وكان نسيج وحده في وقته، له لسان (٤) في الرجاء خصوصا، وكلام في المعرفة. خرج إلى بلخ، فأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور (٥). قال يحيى بن معاذ: "كيف يكون زاهدا من لا ورع له؟ تورّع عما ليس لك، ثم ازهد فيما لك". (٦)

стр. 3122

وقال: "جوع التوّابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصّدّيقين تكرمة. (١) وقال يحيى: " الفوت أشدّ من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. (٢) وقال: "الزهد ثلاثة أشياء: القلّة، والخلوة، والجوع. (٣) وقال: " لا تربح على نفسك بشيء أجلّ من أن تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها. (٤) وقيل: "إن يحيى بن معاذ تكلّم ببلخ في تفضيل الغنى على الفقر، فأعطي ثلاثين ألف درهم، فقال بعض المشايخ: لا بارك الله له في هذا المال؛ فخرج إلى نيسابور، فوقع عليه اللص، وأخذ ذلك المال منه. (٥) وقال أيضا: " من خان الله في السر، هتك الله ستره في العلانية. (٦) وقال: "تزكية الأشرار لك هجنة بك (٧)، وحبّهم لك عيب عليك، وهان [عليك] من احتاج إليك. (٨) وقال أبو بكر الخطيب: قدم يحيى بن معاذ بغداد، واجتمع إليه بها مشايخ الصوفية والنسّاك، ونصبوا له منصّة، وأقعدوه عليها، وقعدوا بين يديه يتحاورون، فتكلّم الجنيد، فقال له يحيى: اسكت يا خروف!، مالك وللكلام إذا تكلّم الناس؟. (٩) وكانت له إشارات وعبارات حسنة؛ فمن كلامه:

стр. 3123

" الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من تعمل له. (١) وقال: "حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء". وكان يقول: "من لم يكن ظاهره مع العوام فضة، ومع المريدين ذهبا، ومع العارفين درّا، وياقوتا، فليس من حكماء الله المؤيّدين". (٢) وكان يقول: "أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح، في وجه صبيح، كلام دقيق يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق" (٣) وكان يقول: "إلهي! كيف أنساك وليس لي ربّ سواك؟. "إلهي! لا أقول: لا أعود، لأني أعرف من نفسي نقض العهود، ولكني أقول: لا أعود، لعلّي أموت قبل أن أعود " (٤). "اللهمّ! سترت عليّ ذنوبا في الدنيا، أنا إلى سترها في القيامة أحوج، وقد أحسنت بي إذ لم تظهرها بعصابة من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين! " (٥) ودخل على علويّ ببلخ زائرا له، ومسلّما عليه، فقال له العلوي: أيّد الله الأستاذ، ما تقول فينا أهل البيت؟. قال: " ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرس بماء الرسالة، فهل يفوح منهما إلا مسك النّهى، وعنبر التقى؟. فحشا العلويّ فاه بالدّرّ.

стр. 3124

ثم زاره من الغد، فقال يحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرا ومزورا ". (١) ومن كلامه: " ما بعد طريق إلى صديق، ولا استوحش في طريق من سلك فيه إلى حبيب". ومن كلامه: " مسكين ابن آدم!، لو خاف النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة". وقال: " ما صحّت إرادة أحد قط [فمات] حتى حنّ إلى الموت، واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام، لارتداف الآفات، واستيحاشه من الأهل والإخوان، ووقوعه فيما يتحيّر فيه صريح عقله". وقال: " من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء". وقال: " ليكن حظّ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تسرّه فلا تغمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه". وقال: " عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات!!، هيهات!!، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك!، ما أجلّك لو بادرت أجلك!!، ما أقواك لو خالفت هواك!!. (٢) توفي ﵁ يوم الاثنين لست عشرة خلت من جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين ومائتين، بنيسابور، رحمه الله تعالى. (٣)

стр. 3125

ومنهم: ٢٠ - أبو يزيد، طيفور بن عيسى بن آدم البسطاميّ (١٣) بطل جاهد نفسه في الله حقّ جهاده، وأحيا ليله ونهاره باجتهاد، وزهد حذرا من دنيا صدّقها كذب، وحقّها بيد الباطل منجذب، فكان لا يسيم إبله في وخيم مرعاها، ولا يطلق أمله في ذميم مسعاها، أبكاه منها الجؤار، وأشجاه (١) فيها سوء الجوار، فلم ينغب (٢) من صفوها إلا رفقا، ولم ير من أخلاصها إلا مذقا (٣)، ففرّ منها الفرار من المجذوم، وقطع منها الفروع والجذوم. (٤) كانوا ثلاثة إخوة، آدم، وطيفور، وعلي، وكلّهم كانوا زهّادا، عبّادا، وأبو يزيد كان

стр. 3126

أجلّهم [حالا]. (١) سئل أبو يزيد: بأيّ شيء وجدت هذه المعرفة؟. فقال: ببطن جائع، وبدن عار (٢). وقال أبو يزيد: " عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا أشدّ عليّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة، إلا في تجريد التوحيد. " (٣) وقال: " لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل، ومؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل هذا ولم يسأله رسول الله ﷺ إياه؟، فلم اسأله. ثم إن الله كفاني مؤنة النساء، حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط " (٤). وسئل عن ابتداء زهده؟. فقال: ليس للزهد منزلة. فقلت: لماذا؟. فقال: لأني كنت ثلاثة أيام في الزهد. فلما كان اليوم الرابع خرجت منه: اليوم الأول: زهدت في الدنيا وما فيها.

стр. 3127

واليوم الثاني: زهدت في الآخرة وما فيها. واليوم الثالث: زهدت فيما سوى الله. فلما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى، فهمت، فسمعت هاتفا يقول: يا أبا يزيد! لا تقوى معنا. فقلت: هذا الذي أريده. فسمعت قائلا يقول: وجدت، وجدت. (١) وقيل لأبي يزيد: ما أشدّ ما لقيت في سبيل الله؟. فقال: لا يمكن وصفه. فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك؟. فقال: أما هذا فنعم؛ دعوتها إلى شيء من الطاعات، فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة. (٢) وقال أبو يزيد: " منذ ثلاثين سنة أصلّي، واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصلّيها كأني مجوسي أريد أن أقطع زنّاري! (٣). وقال أيضا: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغترّوا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود وأداء الشريعة". (٤) وذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط، ليذكر الله على سور الرباط، فبقي إلى الصباح لم يذكر!، فقيل له في ذلك؟. فقال: تذكّرت كلمة جرت على لساني في حال

стр. 3128

صباي (١)، فاحتشمت أن أذكره . وقيل: لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظهر القرآن. توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وقيل: سنة أربع وثلاثين. (٢)

стр. 3129

ومنهم: ٢١ - أبو حفص عمر بن سالم الحدّاد (١٣) والأصح: عمرو بن سلمة (١) رجل كان به يستغاث، ويمطر البلد الماحل ويغاث، استقام على الطريقة، واستدام اجتناء الأعمال الوريقة، وأقبل على الله بكلّيّته، وأقبل إليه بنيّته، وقام بالتكاليف أتمّ قيام، وشرد عن جفنيه الكرى والناس نيام، حتى تجلّت له الحجب ورفعت، وزادت آماله حيث شاءت ورتعت، فدعي من أقرب مكان، وقرب فخضع لله واستكان. وهو من قرية يقال لها: "كور داباذ" (٢)، على باب مدينة نيسابور، على طريق

стр. 3130

بخارى (١) كان أحد الأئمة والسادة. (٢) قال أبو حفص: " المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمّى بريد الموت. " (٣) وقال: " إذا رأيت المريد يحب السّماع فاعلم أنّ فيه بقيّة من البطالة. " (٤) وقال: " حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن. " (٥) وقال: " الفتوّة أداء الإنصاف، وترك مطالبة الإنصاف. " (٦) وكان يقول: " من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتّهم خواطره، فلا نعدّه في ديوان الرجال ". (٧)

стр. 3131

توفي سنة نيّف وستين ومائتين (١). ومنهم: ٢٢ - حمدون بن أحمد بن عمارة القصّار النّيسابوريّ أبو صالح (١٣) خاف من مرّ الفطام، وعاف من حلو الحطام، فلم يستحلّ للدنيا ريقا، ولم يستجل لها خدّا شريقا، وتيقّن أن دون طنباتها ما يذم مختبره، ودون حلالها الشبهات، فسلّ آماله منها سلاّ، وخلع طاعتها ولم يبايع يدا شلاّ، وترك لقاحها لنتاجها، وانفتاحها لإرتاجها، وبقي - أي صار - حتى حلّ ساحة المقابر. صحب سلما الباروسي (٢)، وأبا تراب النخشبي. (٣)

стр. 3132

وسئل: متى يجوز للرجل أن يتكلّم على الناس؟. (١) فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله تعالى في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة، وهو يرجو أن ينجيه الله تعالى منها. " (٢) وقال: "من ظنّ أنّ نفسه خير من نفس فرعون فقد أظهر الكبر. " (٣) وقال: "منذ علمت أن للسلطان فراسة في الأشرار، ما خرج خوف السلطان من قلبي. " (٤) وقال: "إذا رأيت سكرانا فتمايل، لئلاّ تنعي عليه، فتبتلى بمثل ذلك. " (٥) وقيل له: أوصني. فقال: "إن استطعت أن لا تغضب لشيء من الدنيا فافعل". (٦) ومات صديق له وهو عند رأسه، فلما مات، أطفأ حمدون السراج، فقالوا له: في مثل هذا الوقت يزاد في السراج الدهن!. فقال لهم: إلى هذا الوقت كان الدهن له، ومن هذا الوقت صار الدهن للورثة (٧). وقال حمدون: "من نظر في سيرة السلف عرف تقصيره، وتخلّفه عن درك درجات الرجال". (٨)

стр. 3133

وقال: "لا تفش على أحد ما تحبّ أن يكون مستورا منك. " (١) توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين (٢). ومنهم: ٢٣ - أبو الحسين أحمد بن محمّد النّوريّ (١٣) البغوي الأصل، البغدادي المولد والمنشأ. (٣) ذو تحقيق، لم يكن أمره فرطا، ولا عقده منفرطا، ودام مرتديا بهذا الجلباب، مهتديا حيث تضلّ الألباب، فرّ إلى الحقائق بالالتجاء، وقطع من الخلائق حبل الرجاء. صحب السري السقطي، وابن أبي الحواري، وكان من أقران الجنيد رحمه الله تعالى. كبير الشأن، حسن المعاملة واللسان (٤).

стр. 3134

قال الجنيد: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد. (١) وقال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أعبد من النوري، قيل: ولا الجنيد؟. قال: ولا الجنيد. (٢) وقال أبو الحسين النوري: "التصوف: ترك كلّ حظّ للنّفس. " (٣) وقال: "أعزّ الأشياء في زماننا شيئان: - ما لم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة. " (٤) وقال: "من رأيته يدّعي مع الله حالة تخرجه عن حدّ العلم الشرعي، فلا تقربنّ منه. " (٥) وقال: "كانت المراقع غطاء على الدرّ، فصارت اليوم مزابل على جيف". (٦) وقيل: كان رحمه الله تعالى يخرج من داره كل يوم، ويحمل الخبز معه، ثم يتصدّق به في الطريق، ويدخل مسجدا يصلي فيه إلى قريب من الظهر، ثم يخرج منه، ويفتح باب حانوته، ويصوم. (٧) فكان أهله يتوهّمون أنه يأكل في السوق، وأهل السوق يتوهّمون أنه يأكل في بيته. وبقي على هذا (٨) في ابتدائه عشرين سنة!!. توفي رحمه الله تعالى سنة خمس وسبعين ومائتين (٩).

стр. 3135

ومنهم: ٢٤ - سهل بن عبد الله التّستريّ (١٣) أحد أئمة القوم، جهد لنفسه حتى خلّصها، وزهد فأبرها بالمعارف وخصّصها، فحلّ البحبوحة، وحصّل العطايا الممنوحة، وكان لله في أمره سرّ فيما يعلن ويسر، فلم تتقاذف به البحار، ولا استخرجته المهاق (١) فحار، بل كان إذا اتسعت له الفجاج سلكها، وإذا امتنعت عليه ملكها، فقاد نفسه بأعنّتها، وقال (٢) بها في جنّتها، فنعم بالثناء، وفني بالخلد في دار البقاء. لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع. (٣) وكان صاحب كرامات. لقي ذا النون المصري بمكة، سنة خروجه إلى الحج. وقال سهل: "كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن

стр. 3136

سوار (١)، وكان يقوم بالليل، فربما كان يقول لي: يا سهل! اذهب فنم، فقد شغلت قلبي. (٢) قال سهل: "قال لي خالي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك؟. فقلت: كيف أذكره؟. فقال لي: قل بقلبك عند تقلّبك في ثيابك ثلاث مرات، من غير أن تحرّك به لسانك: " الله معي. الله ناظر إليّ. الله شاهد عليّ ". فقلت ذلك ثلاث ليال، ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلت ذلك، فوقع في قلبي له حلاوة. فلما كان بعد سنة، قال لي خالي: احفظ ما علّمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرّي. ثم قال لي خالي يوما: يا سهل!، من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده، أيعصيه؟. إيّاك والمعصية. (٣) فكنت أخلو، فبعثوا بي إلى الكتّاب، فقلت: إني لأخشى أن يتفرّق عليّ همّي، ولكن شارطوا المعلّم: أني أذهب إليه ساعة، فأتعلّم، ثم أرجع. فمضيت إلى الكتّاب، وحفظت القرآن، وأنا ابن ست سنين، أو سبع، وكنت أصوم الدّهر، وقوتي خبز الشعير، إلى أن بلغت اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أهلي أن يبعثوني إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشف أحد منهم عني شيئا!!.

стр. 3137

فخرجت إلى عبادان، إلى رجل يعرف بأبي حبيب، حمزة بن عبد الله العبادانيّ، فسألته عنها، فأجابني، وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه، وأتأدّب بآدابه، ثم رجعت إلى " تستر "، فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير" الفرق " (١) فيطحن، ويخبز لي، فأفطر عند السّحر، كل ليلة على أوقيّة واحدة بحتا، بغير ملح ولا إدام، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة!!. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم أفطر ليلة، ثم خمسا، ثم سبعا، ثم خمسا وعشرين ليلة، وكنت عليه عشرين سنة، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم رجعت إلى تستر، وكنت أقوم الليل كلّه. (٢) وقال سهل: " كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء، طاعة كان أو معصية، فهو عيش النفس، وكل فعل يفعله بالاقتداء، فهو عذاب النفس. " (٣) توفي (٤) ﵁ سنة ثلاث وثمانين ومائتين بالبصرة، في المحرّم. وقيل: سنة ثلاث وسبعين. ومولده سنة مائتين. وقيل: سنة إحدى ومائتين، بتستر. (٥) ومنهم: ٢٥ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخوّاص (١٣)

стр. 3138

علم إيمان وعدم شك، مال على القلوب إيذان من شية ذلك الطّرار، وحلية ذلك السيف الجرار، دنا شبها بأهل إخائه، وأهلة سمائه، وأفقه لا يعد النجوم من إمائه، فأهلّ من تلك المواقيت، وتملك، فعدّ جوهره من تلك اليواقيت، وكان خالصا من الأنضار، وخلاصا من ذلك الذهب النضار، حتى نزل في جدثه، ونزح الشبه مما يلقى على جثته، ولم يدر بموته من فقد، ولا علم مدرج الكفن عليه على أي شيء عقد، وهيهات … الكواكب لا تقبر، والتراب لا يكون فيه النيّر الأكبر. وهو آخر من سلك طريق التوكل، ودقّق فيها. وكان أوحد المشايخ في وقته، وكان من أقران الجنيد والنوري، وله في الرياضات، والسياحات مقامات يطول شرحها. ومات في المسجد الجامع، بالري (١) سنة إحدى وتسعين ومائتين (٢)، وكان مبطونا (٣)، وكان به علة القيام، وكان إذا قام يدخل الماء، ويغتسل، ويعود إلى المسجد، ويصلى ركعتين، فدخل الماء مرة ليغتسل، فخرجت روحه وهو في وسط الماء، رحمه الله تعالى (٤) وتولى أمر غسله ودفنه يوسف بن الحسين. ومن كلامه ﵁: " من لم يصبر لم يظفر. " (٥) وقال: " من لم تبك الدنيا عليه، لم تضحك الآخرة إليه. " (٦)

стр. 3139

وقال جعفر بن محمد: بتّ ليلة مع إبراهيم، فانتبهت، فإذا هو يناجي إلى الصباح، ويقول: برح الخفاء، وفي التلاقي راحة … هل يشتفي خل بغير خليله (١) وقال: "العلم كله في كلمتين: لا تتكلف ما كفيت، ولا تضيع ما استكفيت. " (٢) وقال: "ليكن لك قلب ساكن، وكف فارغة، وتذهب النفس حيث شاءت. " (٣) وقال: "دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. " (٤) وقال: "من صفة الفقير أن تكون أوقاته مستوية الانبساط، صابرا على فقره، لا يظهر عليه فاقة، ولا تبدو منه حاجة، وأقلّ أخلاقه الصبر والقناعة، مستوحشا من الرفاهات (٥)، متنعما بالخشونات، فهو بضد ما عليه الخليقة، بريء مما هي عليه معتمدة وإليه مستريحة، ليس له وقت معلوم، ولا سبب معروف، فلا تراه إلا مسرورا بفقره، فرحا بصبره، مؤونته على نفسه ثقيلة، وعلى غيره خفيفة، يعز الفقر ويعظمه، ويخفيه جهده ويكتمه، حتى عن أشكاله يستره، قد عظمت من الله تعالى عليه فيه المنّة، وحلّ في قلبه قدرها، فليس يريد لما اختار الله له بدلا، ولا يبتغي له حولا". (٦)

стр. 3140

وقال: "أربع خصال عزيزة: عالم مستعمل لعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل قائم لله تعالى بلا سبب، ومريد ذهب عنه الطمع". (١) وقال: "الحكمة تنزل من السماء، فلا تسكن قلبا فيه أربعة أشياء: الركون إلى الدنيا، وهمّ غد، وحبّ الفضول، وحسد أخ" (٢). وأنشد: عليل ليس يبرئه الدواء … طويل الضرّ يضنيه الشفاء سرائره بواد ليس تبدو … خفيات إذا برح الخفاء (٣) وقال عمران بن سنان: اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا: حدثنا أعجب ما رأيته في أسفارك … ؟. فقال: "لقيني الخضر ﵇، فسألني الصحبة، فخشيت أن يفسد علي توكلي لسكوني إليه، ففارقته. " (٤) وقال: لقيت غلاما في التيه، كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟. فقال: إلى مكة. فقلت: بلا زاد، ولا راحلة، ولا نفقة؟!. فقال لي: يا ضعيف اليقين!. الذي يقدر على حفظ السماوات والأرضين، لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا عاقة؟. فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف، وهو يقول: يا عين سحّي أبدا … يا نفس موتي كمدا ولا تحبي أحدا … إلا الجليل الصمدا

стр. 3141

فلما رآني، قال لي: يا شيخ!، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين؟. وقال: كنت ببغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف، حسن الوجه طيب الرائحة، فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهودي!، وكلّهم كرهوا ذلك، فخرجت، وخرج الشاب، ثم رجع إليهم، وقال: أيش قال الشيخ فيّ؟. فاحتشموه، فألحّ عليهم، فقالوا: قال: إنك يهودي!. قال: فجاءني وأكبّ علي يدي يقبّلها، وأسلم!. فقيل له: ما السبب؟. قال: نجد في كتابنا أن الصّدّيق لا تخطيء فراسته، فقلت: أمتحن المسلمين، فتأمّلتهم. فقلت: إن كان فيهم صدّيق؛ ففي هذه الطائفة، فلبّست عليكم؛ فلما اطّلع هذا الشيخ عليّ، وتفرّس فيّ، علمت أنه صدّيق، وصار ذلك الشاب من كبار الصوفية. وقال الخوّاص: تهت في البادية أياما، فجاءني شخص، وسلّم عليّ، وقال لي: تهت؟. فقلت: نعم. فقال: ألا أدلّك على الطريق؟. ومشى بين يدي خطوات، ثم غاب عن عيني، وإذا أنا على الجادة، فبعد ذلك ما تهت، ولا أصابني في سفري جوع ولا عطش. (١) وقال بعض الصالحين: كنت في جماعة بمدينة الرسول ﷺ ، نتجارى الآيات، ورجل ضرير بقرب منا يسمع، فتقدّم إلينا، وقال: قد أنست بكلامكم، اعلموا أنه كان لي صبية وعيال، وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب، فخرجت يوما، فرأيت شابا عليه قميص كتان، ونعله في إصبعه، فتوهّمت أنه تائه، فقصدته لأسلب ثوبه، فقلت: انزع ما عليك. فقال: مرّ في حفظ الله. فقلت له ثانيا، وثالثا. فقال: لا بد. فقلت: لا بد. فأشار بإصبعه من بعيد إلى عينيّ، فسقطتا!. فقلت: بالله عليك من أنت؟. فقال: إبراهيم الخوّاص. (٢)

стр. 3142

وقال الخواص: دخلت البادية مرة، فرأيت نصرانيا على وسطه زنار، فسألني الصحبة، فمشينا سبعة أيام، فقال لي: يا راهب الحنفية!، هات ما عندك من الانبساط؛ فقد جعنا. فقلت: إلهي! لا تفضحني مع هذا الكافر. فرأيت طبقا عليه خبز وشواء، ورطب، وكوز ماء؛ فأكلنا، وشربنا، ومشينا سبعة أيام. ثم بادرت، وقلت: يا راهب النصرانية!، هات ما معك من الانبساط، فقد انتهت النوبة إليك. فاتكأ على عصاه، ودعا؛ فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيّرت، وتغيّرت، وأبيت أن آكل فألحّ عليّ، فلم أجبه، فقال لي: كل .. ، فإني مبشرك ببشارتين: إحداهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وحلّ الزنار. والأخرى: إني قلت: "اللهم! إن كان لهذا العبد خطرا عندك فافتح لي بهذا .. "؛ ففتح!. فأكلنا، ومشينا، وحجّ، وأقمنا بمكة سنة، ثم مات، ودفن بالبطحاء. (١) وقال: "دخلت البادية مرة، فأصابتني فاقة شديدة، فلما دخلت مكة، داخلني العجب … ، فنادتني امرأة عجوز، وقالت: يا إبراهيم! كنت معك في البادية، ولم أكلمك، خوفا أن أشغل سرّك، أخرج عنك هذا الوسواس". وقال حامد الأسود: كنت مع إبراهيم الخوّاص في البرّيّة، فبينا نحن تحت شجرة، فجاء سبع، فصعدت الشجرة إلى الصباح، لا يأخذني النوم، ونام إبراهيم الخوّاص، والسّبع يشمّ من رأسه إلى قدمه، ثم مضى، فلما كانت الليلة الثانية، بتنا في مسجد بقرية فوقع على بقة، فأنّ أنّة!.

стр. 3143

فقلت: هذا عجب!، البارحة لم يجزع من الأسد، والليلة يصيح من البق … !. فقال: أما البارحة فتلك حالة كنت فيها مع الله، وأما الليلة فهذه حالة أنا فيها مع نفسي. وقال حامد أيضا: وكنت معه في البادية سبعة أيام على حالة واحدة، فلما كان في اليوم السابع، ضعفت، فجلست، فالتفت إلي وقال: ما لك؟. فقلت: ضعفت. فقال: أيما أغلب عليك: الماء أو الطعام؟. فقلت: الماء. فقال: الماء وراءك. فالتفت، فإذا عين ماء كاللبن الحليب، فشربت وتطهّرت، وإبراهيم ينظر، ولم يقربه، فلما أردت القيام، هممت بأن أحمل منه. فقال: أمسك … فإنه ليس مما يتزوّد منه. (١) وقال الخوّاص: عطشت في بعض أسفاري، وسقطت من العطش، فإذا أنا بماء قد رشّ على وجهي، ففتحت عيني، فإذا أنا برجل حسن الوجه راكبا دابة شهباء، فسقاني الماء، فقال لي: كن رديفي. وكنت بالحجاز، فما لبثت إلا يسيرا، فقال: ما ترى؟. فقلت: أرى المدينة!. فقال: انزل واقرأ رسول الله ﷺ مني السلام!، وقل له: أخوك الخضر يقرئك السلام. (٢)

стр. 3144

وقال الكتاني: سمعت الخواص يقول: كنت في البادية مرة، فسرت في وسط النهار، فوصلت إلى شجرة بقرب ماء، فنزلت، وإذا سبع عظيم قد أقبل، فاستسلمت، فلما قرب مني إذا هو يعرج، فحمحم، وبرك بين يدي، ووضع يده في حجري، فنظرت، فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم، فأخذت خشبة، وشققت الموضع الذي فيه القيح والدم، وشددت عليه خرقة، فمضى به، وإذا به، بعد ساعة قد عاد، ومعه شبلان يبصبصان إليّ، وحملا إليّ رغيفا!. وقيل له: ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن، ما لا يجد في غير سماع القرآن؟. فقال: "لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن أحد أن يتحرك فيها لشدة غلبتها، وسماع القول ترويح يتحرك فيه. " (١) وقال علي بن محمد: كنت جالسا مع إبراهيم الخوّاص، وهو يتكلم في العلم، وحوله جماعة، إلى أن طلعت عليه الشمس، وحميت، حتى وجدتّ حرّها، وهو جالس لا يعبأ بها، فلما اشتدت قلت له: يا سيدي! ألا تقوم إلى الفي (٢)، فهو أرفق بك؟. فقال لي: ويلك، ما تدلني إلا على الشرك!. ثم أنشأ يقول: لقد وضح الطريق إليك قصدا … فما أحد أرادك يستدل فإن ورد الشتاء فأنت صيف … وإن ورد المصيف فأنت ظل وقال: "آفة المريد ثلاث خصال: حب الدرهم، وحب النساء، وحب الرياسة. (٣) فتدفع آفة حب الدرهم: باستعمال الورع. وتدفع آفة حب النساء بترك الشهوات، ومداومة الصوم، فإنما تتولد هذه الشهوة من الشبع، وفراغ القلب.

стр. 3145

وتدفع آفة حب الرياسة: بإيثار الخمول. والمريد الصادق: الله تعالى مراده وقصده، والصّدّيقون إخوانه، والخلوة بيته، والوحدة أنسه، والنهار غمه، والليل فرحه، ودليله قلبه، والقرآن معينه، والبكاء والجوع أدمه، والعبادة رياضة نفسه، والمعرفة قياده، والحياة سفره، والأيام مراحله، والورع طريقه، والزهد قرينه، والأحوال منازله، والصبر شعاره، والسكون دثاره، والصدق مطيته، والعبادة مركبه، وخوف الفوت مستحثه. وأنشد: إن الذين بخير كنت تعهدهم … مضوا عليك، وعنهم كنت أنهاك لا تطلبنّ حياة عند غيرهم … فليس يحييك إلا من توفّاك ومنهم: ٢٦ - أبو القاسم الجنيد بن محمّد (١٣) سيد الطائفة، وإمامهم. (١) أفعم أودية المعارف وأفاضها، ولبس منها أسنى المطارف وفضفاضها، إلى علوم تحقّق،

стр. 3146

وعلوّ مراتب عليها أردية النفوس تشقق. جمع بين الطريقتين، وتصدّر في جميع الفريقين، ولم يكن فيهم منكرا أنه حامل لوائهم، وحامي سرحهم عند لأوائهم، فكان هو بينهم المنادى المفرد العلم، والواحد الفرد حلّ حيث حلّ من العظم، فاض منه بحر لم يبق منه جدول إلا اختطفه في تياره، واقتطفه ورق النّصال ببتّاره. ويحكى أنه كان لا يرى إلا في زي مريد، وزيادة تواضع ما عليه مزيد. أصله من نهاوند (١)، ومنشؤه ومولده بالعراق، وأبوه كان يبيع الزجاج فلذلك يقال له " القواريري". وكان أبو القاسم يبيع الخزّ، فقيل له: "الخزاز" (٢) وكان فقيها على مذهب "أبي ثور". (٣) صحب السري، والحارث المحاسبي، ومحمد بن علي القصاب (٤)، وغيرهم. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين (٥).

стр. 3147

وقال الجنيد: " ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع؛ وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات " (١). وقال لرجل ذكر المعرفة: " أهل المعرفة بالله: يصلون إلى ترك الحركات (٢) من باب البر، والتقرب إلى الله ". (٣) فقال الجنيد: " إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عالم لم أنقص من أعمال البرّ ذرّة، إلا أن يحال بي دونها. " (٤) وقال: " إن أمكنك أن لا تكون آلة في بيتك إلا خزفا، فافعل ". (٥) وقال: " الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ ". (٦) وقال: " لو أقبل صادق على الله تعالى ألف، ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة، كان ما فاته أكثر مما ناله ". (٧)

стр. 3148

وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر (١)، لأن علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة ". (٢) وقال: " مذهبنا هذا مقيد بالأصول؛ الكتاب والسنة " (٣). وقال: " علمنا هذا مشبّك بحديث رسول الله ﷺ " (٤). وقال أبو الحسين علي بن إبراهيم الحداد: حضرت مجلس القاضي أبي العباس ابن سريج (٥) [الفقيه الشافعي]، فتكلّم في الفروع والأصول بكلام حسن عجبت منه، فلما رأى إعجابي قال: " أتدري من أين هذا؟ ". قلت: يقول به القاضي. فقال: " هذا ببركة مجالستي أبي القاسم الجنيد. " (٦) وقيل للجنيد: ممن استفدت هذا العلم؟. فقال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة، وأومأ إلى درجة في داره. (٧) ورؤي في يد الجنيد سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟. فقال: طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه. (٨)

стр. 3149

وكان الجنيد يدخل كل يوم حانوته، ويسبل الستر، ويصلي أربعمائة ركعة، ثم يعود إلى بيته. (١) وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فرأيته ختم القرآن … ثم ابتدأ من البقرة، وقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى. (٢) وقال الجنيد: " قال لي خالي سريّ السّقطيّ رحمه الله تعالى: "تكلّم على الناس" و [كان] في قلبي حشمة من الكلام على الناس، فإني كنت أتّهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة في المنام رسول الله ﷺ وكانت ليلة جمعة - فقال لي: "تكلم على الناس! "، فانتبهت، وأتيت باب السّريّ قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: "لم تصدّقنا حتى قيل لك؟! ". فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس. فوقف عليّ غلام نصراني، متنكر، وقال: "أيها الشيخ! ما معنى قول رسول الله ﷺ : (اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) (٣)؟. فأطرقت، ثم رفعت رأسي، وقلت: أسلم!، فقد حان وقت إسلامك!. فأسلم الغلام (٤). وقال الجنيد: " ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها. قيل له: وما هي؟. قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جارية تغني من دار، فأنصتّ لها، فسمعتها

стр. 3150

تقول: إذا قلت: أهدى الهجر لي حلل البلى … تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت: هذا الحب أحرقه الهوى … تقولي: بنيران الهوى شرف القلب وإن قلت: ما أذنبت. قلت مجيبة … حياتك ذنب لا يقاس به ذنب فصعقت، وصحت … !. فبينا أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، فقال: ما هذا يا سيدي؟!. فقلت له: مما سمعت. فقال: أشهدك أنها هبة مني إليك. فقلت: قد قبلتها، وهي حرة لوجه الله تعالى. ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرباط، فولدت له ولدا نبيلا، ونشأ أحسن نشوء، وحجّ على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة. (١) "عن الحلية" (٢) الصوفية، أنها حكت بسندها إلى الجنيد، قال: "كنت لهجا بزيارة الرهبان، والمنقطعين إلى العبادة من سائر الأديان، فحكي لي: إن في أقصى بلاد الروم جارية فتيّة السن، قد اتخذت وتدا من حديد، وعارضة، وغلّت يدها وعنقها إليه، وتعلّقت بين السماء والأرض، لا تقرّ من العبادة!، فاجتهدت إلى أن وصلت إلى ذلك الموضع، ورفعت رأسي إليها، فحين بصرت بي قالت لي: يا أبا القاسم! إن لم يكن حقا فهو حقيقة!!!. و [قال أبو محمد الجريري]: كان في جوار الجنيد رجل مصاب [في خربة]، فلما مات الجنيد [ودفنّاه، تقدّمنا ذلك المصاب، وصعد موضعا رفيعا وقال لي: " يا أبا محمد! تراني أرع إلى تلك الخربة بعد أن فقدت ذلك السيد؟! ".

стр. 3151

ثم] (١) أنشأ يقول: ووا أسفا من فراق قوم … هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسي … والحبر والأمن والسكون لم تغير لنا الليالي … حتى توفتهم المنون لم تغير لنا الليالي … وكل ماء لنا عيون ثم غاب عنا، فكان ذلك آخر العهد منه] (٢). ومنهم: ٢٧ - أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيريّ (١٣) المقيم بنيسابور. عارف زجر نفسه ووعظها، ورأى نفسه في مرمى كل نظرة لحظها، فحلّ رموز آماله، والتمس كنوز القرآن في أمثاله، وصحب قوما اتخذوا نفوسا، وشهدوا في العلياء شموسا، في فيئه قطعوا أودية الأعمار هياما، وطاولوا ألوية الليل قياما، ولم يخدع أحدا منهم متاع الدنيا ولا استجرّه، ولا حام إلا على زهر الثريا ونهر المجرة، وأمسى وتربه يستهدى طيبا، ويندى عنبرا وعودا رطيبا.

стр. 3152

كان من الري، وصحب شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ. ثم ورد نيسابور مع شاه الكرماني، على أبي حفص الحداد (١)، وأقام عنده، وتخرّج به، وزوّجه أبو حفص ابنته. ومات سنة ثمان وتسعين ومائتين (٢)، وعاش بعد أبي حفص نيفا وثلاثين سنة. ومن كلامه: " لا يكمل إيمان الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع، والإعطاء، والعزّ، والذل. " (٣) وقال: " الصحبة مع الله: بحسن الأدب، ودوام الهيبة، والمراقبة. والصحبة مع رسول الله ﷺ : باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم. والصحبة مع أولياء الله تعالى: بالاحترام والخدمة. والصحبة مع الأهل بحسن الخلق. والصحبة مع الإخوان: بدوام البشر ما لم يكن إثما. والصحبة مع الجهّال: بالدعاء لهم، والرحمة عليهم. " (٤) وقال: " من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. (٥)

стр. 3153

وقال أبو عثمان: "صحبت أبا حفص وأنا شاب، فطردني مرة، وقال: " لا تجلس عندي! ". فقمت ولم أولّه ظهري، وانصرفت إلى ورائي، ووجهي إلى وجهه، حتى غبت عن عينيه، وجعلت على نفسي: أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره!. فلما رأى مني ذلك أدناني، وجعلني من خواص أصحابه. (١) و] كان يقال": [في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم: "أبو عثمان: بنيسابور، والجنيد: ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاّء: بالشام. " (٢) وقال أبو عثمان: "منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حالة فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته". (٣) ولما تغير على أبي عثمان الحال (٤)، مزّق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه، وقال: "خلاف السنة يا بني في الظاهر، علامة رياء في الباطن. " (٥) وقال: "أصل العداوة من ثلاثة أشياء: - "من الطمع في المال، والطمع في إكرام الناس، والطمع في قبول الناس. " (٦) وقال: " صلاح القلب في أربع خصال: "في التواضع لله، والفقر إلى الله؛ والخوف من الله، والرجاء في الله". (٧)

стр. 3154

وقال: "الخوف من الله يوصلك إلى الله، والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى. " (١) وقال: "من جلّ مقداره في نفسه جلّ أقدار الناس عنده؛ ومن صغر مقداره في نفسه صغر أقدار الناس عنده". (٢) وقال: "تعزّزوا بعزّ الله كي لا تذلوا. " (٣) وقال: "العاقل من تأهّب للمخاوف قبل وقوعها. " (٤) وقال: "التفويض ردّ ما جهلت علمه إلى عالمه، والتفويض مقدّمة الرضا؛ والرضا باب الله الأعظم". (٥) وقال: "الفراسة ظنّ وافق الصواب، والظن يخطئ ويصيب؛ فإذا تحقق في الفراسة، تحقق في حكمها، لأنه إذ ذاك يحكم بنور الله تعالى لا بنفسه. " (٦) وسئل عن التوكل فقال: "هو الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. والشكر: معرفة العجز عن الشكر. وشكر العوام: على المطعم والمشرب والملبس. وشكر الخواص: على ما يرد على قلوبهم من المعاني. واليقين: قلة الاهتمام لغد. "

стр. 3155

وسئل عن قول النبي ﷺ : (أسألك الرضاء بعد القضاء)؟. قال: "لأن الرضاء قبل القضاء عزم على الرضاء، والرضاء بعد القضاء هو الرضاء". وقال: "من أضرّ به الرجاء حتى قارب الأمن فالخوف له أفضل، ومن أضرّ به الخوف حتى قارب الإياس، فالرجاء له أفضل (١) وأنشد في هذا المعنى: أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا … وأين العبد من مواليه مهرب؟ يؤمّل غفرانا فإن خاب ظن … فما أحد منه على الأرض أخيب (٢) ومنهم: ٢٨ - ممشاذ الدّينوريّ (١٣) زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافى، وتقرّب إلى الله بالنوافل حتى أحبّه، وملّكه قلوب الناس فلم تدع حبّه، وعبر مدة العمر لا تردّ له دعوة، ولا يعدّ معه لذي قوم حظوة، وترقّى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووسّد في تربه ميتا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه، وقرب نودي منه: ﴿يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ﴾. (٣) صحب يحيى بن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ، عظيم المرمى في هذه العلوم، كبير
следующие страницы →