← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ثم] (١) أنشأ يقول: ووا أسفا من فراق قوم … هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسي … والحبر والأمن والسكون لم تغير لنا الليالي … حتى توفتهم المنون لم تغير لنا الليالي … وكل ماء لنا عيون ثم غاب عنا، فكان ذلك آخر العهد منه] (٢). ومنهم: ٢٧ - أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيريّ (١٣) المقيم بنيسابور. عارف زجر نفسه ووعظها، ورأى نفسه في مرمى كل نظرة لحظها، فحلّ رموز آماله، والتمس كنوز القرآن في أمثاله، وصحب قوما اتخذوا نفوسا، وشهدوا في العلياء شموسا، في فيئه قطعوا أودية الأعمار هياما، وطاولوا ألوية الليل قياما، ولم يخدع أحدا منهم متاع الدنيا ولا استجرّه، ولا حام إلا على زهر الثريا ونهر المجرة، وأمسى وتربه يستهدى طيبا، ويندى عنبرا وعودا رطيبا.

стр. 3152

كان من الري، وصحب شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ. ثم ورد نيسابور مع شاه الكرماني، على أبي حفص الحداد (١)، وأقام عنده، وتخرّج به، وزوّجه أبو حفص ابنته. ومات سنة ثمان وتسعين ومائتين (٢)، وعاش بعد أبي حفص نيفا وثلاثين سنة. ومن كلامه: " لا يكمل إيمان الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع، والإعطاء، والعزّ، والذل. " (٣) وقال: " الصحبة مع الله: بحسن الأدب، ودوام الهيبة، والمراقبة. والصحبة مع رسول الله ﷺ : باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم. والصحبة مع أولياء الله تعالى: بالاحترام والخدمة. والصحبة مع الأهل بحسن الخلق. والصحبة مع الإخوان: بدوام البشر ما لم يكن إثما. والصحبة مع الجهّال: بالدعاء لهم، والرحمة عليهم. " (٤) وقال: " من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. (٥)

стр. 3153

وقال أبو عثمان: "صحبت أبا حفص وأنا شاب، فطردني مرة، وقال: " لا تجلس عندي! ". فقمت ولم أولّه ظهري، وانصرفت إلى ورائي، ووجهي إلى وجهه، حتى غبت عن عينيه، وجعلت على نفسي: أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره!. فلما رأى مني ذلك أدناني، وجعلني من خواص أصحابه. (١) و] كان يقال": [في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم: "أبو عثمان: بنيسابور، والجنيد: ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاّء: بالشام. " (٢) وقال أبو عثمان: "منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حالة فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته". (٣) ولما تغير على أبي عثمان الحال (٤)، مزّق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه، وقال: "خلاف السنة يا بني في الظاهر، علامة رياء في الباطن. " (٥) وقال: "أصل العداوة من ثلاثة أشياء: - "من الطمع في المال، والطمع في إكرام الناس، والطمع في قبول الناس. " (٦) وقال: " صلاح القلب في أربع خصال: "في التواضع لله، والفقر إلى الله؛ والخوف من الله، والرجاء في الله". (٧)

стр. 3154

وقال: "الخوف من الله يوصلك إلى الله، والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى. " (١) وقال: "من جلّ مقداره في نفسه جلّ أقدار الناس عنده؛ ومن صغر مقداره في نفسه صغر أقدار الناس عنده". (٢) وقال: "تعزّزوا بعزّ الله كي لا تذلوا. " (٣) وقال: "العاقل من تأهّب للمخاوف قبل وقوعها. " (٤) وقال: "التفويض ردّ ما جهلت علمه إلى عالمه، والتفويض مقدّمة الرضا؛ والرضا باب الله الأعظم". (٥) وقال: "الفراسة ظنّ وافق الصواب، والظن يخطئ ويصيب؛ فإذا تحقق في الفراسة، تحقق في حكمها، لأنه إذ ذاك يحكم بنور الله تعالى لا بنفسه. " (٦) وسئل عن التوكل فقال: "هو الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. والشكر: معرفة العجز عن الشكر. وشكر العوام: على المطعم والمشرب والملبس. وشكر الخواص: على ما يرد على قلوبهم من المعاني. واليقين: قلة الاهتمام لغد. "

стр. 3155

وسئل عن قول النبي ﷺ : (أسألك الرضاء بعد القضاء)؟. قال: "لأن الرضاء قبل القضاء عزم على الرضاء، والرضاء بعد القضاء هو الرضاء". وقال: "من أضرّ به الرجاء حتى قارب الأمن فالخوف له أفضل، ومن أضرّ به الخوف حتى قارب الإياس، فالرجاء له أفضل (١) وأنشد في هذا المعنى: أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا … وأين العبد من مواليه مهرب؟ يؤمّل غفرانا فإن خاب ظن … فما أحد منه على الأرض أخيب (٢) ومنهم: ٢٨ - ممشاذ الدّينوريّ (١٣) زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافى، وتقرّب إلى الله بالنوافل حتى أحبّه، وملّكه قلوب الناس فلم تدع حبّه، وعبر مدة العمر لا تردّ له دعوة، ولا يعدّ معه لذي قوم حظوة، وترقّى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووسّد في تربه ميتا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه، وقرب نودي منه: ﴿يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ﴾. (٣) صحب يحيى بن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ، عظيم المرمى في هذه العلوم، كبير

стр. 3156

الحال، [أحد فتيان الجبال]، ظاهر الفتوّة. مات سنة تسع وتسعين ومائتين. (١) ومن كلامه: قال: " طريق الحق بعيد، والصبر مع الحق شديد. " (٢) وقال: " ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برّك؛ وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. " (٣) وقال: " ما دخلت قط على أحد من شيوخي، إلا وأنا خال من جميع مالي؛ أنظر بركات ما يرد عليّ من رؤيته أو كلامه؛ فإنّ من دخل على شيخ بحظّه (٤)، انقطع بحظّه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه. " (٥) وقال: " أدب المريد في أشياء أربعة: التزام حرمات المشايخ؛ وخدمة الإخوان؛ والخروج عن الأسباب؛ وحفظ آداب الشرع على نفسه. " (٦) وقال: " صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد. " (٧) وسئل عن التوكل؟ فقال: " التوكل: حسم الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك. " (٨)

стр. 3157

وقال أبو بكر الرازي: كنت عند ممشاذ الدينوري، فجرى حديث الدّين، فقال لي: كان عليّ دين، فاشتغل قلبي، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يا بخيلا!، أخذت علينا هذا المقدار؟ .. خذ!، عليك الأخذ وعلينا العطاء. فما حاسبت بعد ذلك بقالا، ولا قصابا، ولا غيرهما. وقال: " منذ علمت أن أحوال الفقراء جدّ كلها لم أمازح فقيرا، وسبب ذلك: أن فقيرا جاءني قادما علي، فقال لي: أيها الشيخ! أريد أن تتخذ لي عصيدة، فجرى على لساني: "إرادة وعصيدة؟! "، فتأخر الفقير ولم أشعر، ثم أمرت باتخاذ عصيدة، وطلبت الفقير فلم أجده، فتعرفت خبره، فقيل لي: انصرف من فوره، وكان يقول في نفسه: "إرادة وعصيدة؟! "، وهام على وجهه حتى دخل البادية، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتى مات. (١) وسئل عن التصوف؟. فقال: "صفاء الأسرار، والعمل بما يرضي الجبار، وصحبة الناس بلا اختيار". وقال بعضهم: كنت عند ممشاذ عند وفاته، فقيل له: كيف تجد العلّة؟. فقال: سلوا العلّة عني. فقيل له: قل: "لا إله إلا هو"، فحوّل وجهه إلى الجدار، وقال: أفنيت كلي بكلك … هذا جزاء من يجلّك لا إله إلا هو، أحد، أحد. (٢) وقيل [له]: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟. فقال: "يصلي. قال: فإن لم يقدر؟. قال: ينام. قال: فإن لم يقدر؟ فقال: إن الله

стр. 3158

تعالى لا يخلي الفقير عن إحدى ثلاث: إما قوى، وإما غذاء، وإما أخذ". وقال فارس الدينوري (١): خرج ممشاذ الدينوري يوما من باب الدار، فنبح عليه كلب، فقال ممشاذ: "لا إله إلا الله". فمات الكلب مكانه! (٢). وروي أنه كان إذا رأى فقيرا قدم من البادية، يقول له: تعال يا مكسور!، من أي بركة شربت؟، وعلى أي بدوي نزلت؟، وطعام من أكلت؟. حكى بعض أصحابه، قال: اشتدّ به المرض، فاستثقله. فقيل له: مثلك يكره الموت؟!. فقال: "أخاف لقاء الحبيب قبل الإكثار مما يرضيه"؛ فدخل عليه داخل لا يعرفه منا أحد، فناوله تفاحة لا يعرف مثلها في الدنيا، فأخذها، فشمّها، فمات … !. ثم نظرنا فلم نر الرجل ولا التفاحة، وإنما سمعنا قائلا يقول: "موتة موسوية والله. " (٣) رحمه الله تعالى. ومنهم: ٢٩ - أبو محمد رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم بن يزيد البغداديّ (١٣)

стр. 3159

إمام به الابتداء في الترتيب، والاقتداء للمستتيب، علم من الأعلام، وكرم للأخوال والأعمام. رفل من جلابيب الجنود وأنجادها، ورف ذيله على أغوار النجوم وأبجادها (١)، وطالما تلفع بالظلماء، وتشفع برب السماء، ودام على طريقه اللاحب (٢)، حتى سقاه الموت السمام المنقع، وأتاه الحمام بما يتوقع، على أنه كان استدرك لمصيره، وتأهب لمسيره، وسبق حتى وارته حفرته ولم يفت، وأرته عين اليقين قبره وهو حي لم يمت. كان فقيها على مذهب داود الأصفهاني. (٣) مقرئا على إدريس بن عبد الكريم الحداد. (٤) قال أبو عبد الله بن خفيف: قلت لرويم: أوصني. فقال: "ما هذا الأمر إلا ببذل الروح (٥)، فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا، وإلا فلا تشتغل بترّهات (٦) الصوفية. (٧)

стр. 3160

وقال رويم: " قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية، فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم (١)، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلّهم أنفسهم بظواهر الشرع، وطالب هؤلاء أنفسهم بحقيقة الورع، ومداومة الصدق، فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون، نزع الله نور الإيمان من قلبه. " (٢) وقال ﵁: " اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك، وأنا عطشان، فاستقيت من دار، ففتحت صبية بابها، ومعها كوز، فلما رأتني قالت: صوفي يشرب بالنهار!!!. فما أفطرت بعد ذلك اليوم قط. (٣) وقال: "قف على البساط، وإياك والانبساط، واصبر على ضرب السياط، حتى تجوز الصراط. " (٤) وسئل عن الفتوة؟ فقال: "أن تعذر إخوانك في زلاتهم، ولا تعاملهم بما تحتاج أن تعتذر منه. " (٥) وقال: "إن الله غيّب أشياء في أشياء: غيّب مكره في حلمه، وغيّب خداعه في لطفه، وغيّب عقابه في كرامته. " (٦) وقيل له: هل ينفع الولد صلاح الوالدين؟ فقال: "من لم يكن بنفسه لا يكون بغيره، بل من لم يكن بربه لا يكون بنفسه".

стр. 3161

ثم أنشد لابن الرومي (١): إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة … من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب (٢) وسئل عن حقيقة الفقر؟. فقال: "أخذ الشيء من جهته، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة. " (٣) وقال: "الصبر: ترك الشكوى (٤)، والرضا: استلذاذ البلوى، واليقين: هو المشاهدة. " (٥) وقال: "يعاتب الخلق بالإرفاق، ويعاتب المحب بالغلظة". وأنشد على أثره لغيره: لو كنت عاتبة لسكّن عبرتي … أملي رضاك، وزرت غير مراقب لكن مللت، فلم تكن لي حيلة … صدّ الملول خلاف صدّ العاتبط (٦) وسئل عن المحبة؟؛ فقال: "الموافقة في جميع الأحوال". وأنشد: ولو قلت لي: مت متّ سمعا وطاعة … وقلت لداع الموت أهلا ومرحبا (٧) وسئل عن وجد الصوفية عند السماع؟.

стр. 3162

فقال: "يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم، فتشير إليه: إليّ، إليّ. فيتنعّمون بذلك من الفرح، ثم يقع الحجاب، فيعود ذلك الفرح بكاء، فمنهم من يخرق ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي، وكل إنسان على قدره". (١) وقال: "التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالعدل والإيثار، وترك التعرض والاختيار". ودخل رويم في شيء من أمور السلطان، فدخل عليه الجنيد ومعه رجل خراساني، فلما خرج، قال الجنيد: كيف رأيته يا خراساني؟!. قلت: لا أدري. قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته، وما كان رويم أعمر وقتا منه هذه الأيام. (٢) وقال السلمي: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "رويم أتم حالا من أن تغيره تصاريف الأحوال". وذكر الخطيب البغدادي رويما. وذكر من كلامه قوله: "السكون إلى الحال اغترار. " (٣) وقوله: "رياء العارفين خير من إخلاص المريدين. " (٤) وقوله: "الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم، ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار إليهم. " (٥)

стр. 3163

وقال ابن خفيف: لما دخلت بغداد قصدت رويما، وكان قد تولى القضاء، فلما دخلت عليه رحّب بي وأدناني، وقال لي: من أين أنت؟. فقلت: من فارس. فقال: لمن صحبت؟. قلت: جعفر الحذّاء. فقال: ما تقول الصوفية فيّ؟. قلت: لا شيء. قال: بلى، يقولون: إنه رجع إلى الدنيا!. فبينا هو يحدّثني إذ جاء طفل صغير، فقعد في حجره، فقال رويم: لو كنت أرى منهم من يكفيني مؤنة هذا الطفل لما تعلّقت بهذا الأمر، ولا بشيء من أسباب الدنيا، ولكن شغل قلبي بهذا أوقعني فيما أنا فيه! (١) توفي - رحمه الله تعالى - ببغداد، سنة ثلاث وثلاثمائة. (٢)

стр. 3164

ومنهم: ٣٠ - أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاّج (١٣) بحر لا يلجه إلا معذر، وأسد لا يخرجه إلا متضرر، شرب بقية الزجاجة، وطرب فوق قدر الحاجة، فانقلب سكرانا طافحا، وغلب عليه فمال طامحا، وكان ممن كتب الكتب وقراها، وبرأ الكتب ودراها، فكان يجني ثمر الغيوب، ويجري تارة مجرى المحاسن، وتارة مجرى العيوب، فلا يزال يأتي بالحكمة الصائبة، ويحدّث بالكلمة الغائبة، بكشف لا يحجب، ولا يأتي بنادرة فيتعجب، لكثرة ما كان يأتي به شيئا بعد شيء، ويمد من تخييلاتها فيا بعد في، فكان لو شاء أنه أو همّ شق البحر فخاض منه طريقا يبسا، وشهب الماء فأوقد منه شهابا قبسا، وأومأ إلى الغوادي فأجابت سماؤها، وإلى الليالي فانجابت ظلماؤها، فخلب العقول أو سحرها، وخيّل أوقات الظهيرة عشيات الليالي أو سحرها، حتى أضلّ جبلا، وأضاع جملا، وأصبح مثلا، وأمسى وأمثال عقد النجوم عليه منتثلا، وكاد العراق يميد لساكنه، ويميل بمساكنه، حتى كادت بغداد تخرج في ذمامها، ويخرج من يد أيامها، والناس عليه مؤتلفون، وفيه مختلفون، وهم به لا يقصرون، ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (١) ثم قتل بسيف الشرع، وسقي بسيل دمه منابت الزرع، فقرّ الدرّ في الضرع، واستقرّ في ثاره الأصل والفرع، هذا بعد أن صبّ عليه سوط عذاب، وقتل والناس قسمان: قسم مدح، وقسم عاب، إلا أنه حكي أنه لم يحضر واقعته إلا من أصيب، وأخذ من البلوى نصيب.

стр. 3165

وهو من بيضاء فارس (١)، ونشأ بواسط (٢)، والعراق. وصحب الجنيد، والنوري، وعمرا المكي (٣)، وغيرهم. واختلف المشايخ في أمره: فردّه أكثرهم ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف. وقبله [بعضهم]: من جملتهم أبو العباس بن عطاء، وأبو عبد الله محمد بن خفيف، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي، وأثنوا عليه، وصححوا له حاله، وحكوا عنه كلامه، وجعلوه أحد المحققين، حتى قال محمد بن خفيف: "الحسين بن منصور: عالم ربّانيّ. " (٤) قتل بباب الطاق من بغداد، يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة. وقال الحلاج: "حجبهم بالاسم فعاشوا؛ ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا؛ ولو كشف لهم الحجاب عن الحقيقة لماتوا. " (٥) وقال: "من أسكرته أنوار التوحيد، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار

стр. 3166

التجريد، نطق عن حقائق التوحيد؛ لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم. " (١) وقال: "من التمس الحق بنور الإيمان، كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب. " (٢) وقال أبو العباس الرازي: كان أخي خادما للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي وعد من الغد لقتله، قلت له: يا سيدي! أوصني. فقال لي: "عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك". فلما كان من الغد، وأخرج للقتل، قال: "حسب الواحد إفراد الواحد". ثم خرج يتبختر في قيده ويقول: نديمي غير منسوب … إلى شيء من الحيف سقاني مثل ما يشر … ب فعل الضيف بالضيف فلما دارت الكأس … دعا بالنطع والسيف كذا من يشرب الكأس … مع التّنّين في الصيف (٣) ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا اَلْحَقُّ﴾. (٤) ثم ما نطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل. وقال القنّاد: لقيت الحلاج يوما في حالة رثّة، فقلت له: كيف حالك؟. فأنشأ يقول:

стр. 3167

لئن أمسيت في ثوبي عديم … لقد بليا على حرّ كريم فلا يحزنك أن أبصرت حالا … مغيّرة عن الحال القديم فلي نفس ستتلف أو سترقى … لعمرك - بي إلى أمر جسيم (١) وأنشد ابن فاتك (٢) للحسين بن منصور: أنت بين الشغاف والقلب تجري … مثل جري الدموع من أجفاني وتحلّ الضمير جوف فؤادي … كحلول الأرواح في الأبدان ليس من ساكن يحرك إلا … أنت حركته خفي المكان (٣) وأنشد لنفسه (٤): مواجيد حق، أوجد الحقّ كلّها … وإن عجزت عنها فهوم الأكابر وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة … تثير لهيبا بين تلك السرائر إذا سكن الحق السريرة ضوعفت … ثلاثة أحوال، لأهل البصائر فحال يبيد السرّ عن كنه وجده … ويحضره للوجد، في حال حائر وحال به زمّت ذرى السرّ فانثنت … إلى منظر أفناه عن كل ناظر وأنشد أيضا لنفسه (٥): متى سهرت عيني لغيرك أو بكت … فلا أعطيت ما منّيت وتمنّت وإن أضمرت يوما سواك فلا رعت … رياض المنى من وجنتيك وجنّة

стр. 3168

وأنشد لنفسه (١): جبلت روحك في روحي كما … يجبل العنبر بالمسك الفتق فإذا مسّك شيء مسّني … فإذا أنت أنا لا نفترق وأنشد لنفسه (٢): دلال يا خليلي مستعار … دلال بعد أن شاب العذار؟ ملكت - وحرمة الخلوات - قلبا … لعبت به وقرّ به القرار فلا عين يؤرّقها اشتياق … ولا قلب يقلقله ادّكار نزلت بمنزل الأعداء مني … وبنت، فلا تزور، ولا تزار "كما ذهب الحمار بأم عمرو … فلا رجعت ولا رجع الحمار" وأنشد عبد الرحيم بن أحمد الحلي قال: أنشدني الحلاج لنفسه، وقد ذكرت لديه الدنيا وأحوالها: دنيا تغالطني كأني … لست أعرف حالها حظر المليك حرامها … وأنا احتميت حلالها فوجدتها محتاجة … فوهبت لذّتها لها وقد حكي عنه، أنه لما خرج ليقتل، خرج غير جازع، ولا أسف، وجعل يقول: "آن لقاء الحبايب". وحكى السّلمي عن العطوفي، قال: كنت أقرب الناس من الحلاج، فضرب كذا وكذا سوطا، وقطعت يداه ورجلاه … فما نطق!. وحكي عنه: إنه لما قدّم للقتل، أسفر وجهه، ثم اربدّ، وهمهم بشفتيه، ثم أنشد:

стр. 3169

طلبت المستقرّ بكل أرض … فلم أر لي بأرض مستقرّا وذقت من الزمان وذاق مني … وكان مذاقه حلوا ومرّا أطعت مطامعي فاستعبدتني … ولو أني قنعت لكنت حرّا (١) وقد ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أنه قال - وهو مصلوب: "إلهي! أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب، إلهي! إنك تتودّد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟! " (٢). ومنهم: ٣١ - أبو عبد الله أحمد بن يحيى (٣) الجلاّء (١٣) سابق بلغ المدى، وقتل أطماعه ببتّ العلائق وودى، وكان بطل كتيبة، ورجلا له كرامات عجيبة، وأخا غرائب لا تؤاخى، ولا يأتي بها الزمان وإن تراخى، طالما بهر العيون وملاها، وأظهر ما عجب الظنون وملاها، ولم يزل تبارح به غرف العرفان، ويتبلج صبح الحق حتى أدرج في الأكفان، فروّض ثرى حلّه، وسقى الله دياره غير مفسدها، وساق إليها مثل أخلاق موسدها، وطاب حيا للأتراب، وميتا في التراب مضطجعا.

стр. 3170

أقام بالرملة (١)، ودمشق، وكان من جلّة مشايخ الشام. (٢) صحب أباه، يحيى [الجلاء]، وأبا تراب النخشبي، وذا النون المصري، وأبا عبيد البسري (٣) وكان عالما ورعا، وهو أستاذ محمد بن داود الدّقّي. (٤) روي عنه أنه قال لأبيه وأمه: "أحبّ أن تهباني لله " فقالا: قد وهبناك لله. فغبت عنهما مدّة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لي أبي: من ذا؟. قلت: ولدك أحمد. فقال: كان لنا ولد، فوهبناه لله تعالى، ونحن من العرب، لا نسترجع ما وهبناه. ولم يفتح لي. (٥) وقال له رجل: على أي شيء أصحب الخلق؟. فقال: "إن لم تبرّهم فلا تؤذهم، وإن لم تسرّهم فلا تسؤهم. " (٦) وقال: "الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض". وقال محمد بن ياسين: سألت ابن الجلاء عن الفقر؟.

стр. 3171

فسكت، ثم ذهب، ورجع عن قريب، ثم قال: كان عندي أربعة دوانيق، فاستحييت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر، فأخرجتها … !. ثم قعد وتكلم في الفقر (١). وقيل له: ما معنى الصوفي؟. فقال: "ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيرا مجردا من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه العلم من علم كل مكان، يسمى صوفيا" (٢) وقال: اشتهت والدتي على والدي يوما سمكة، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكة ووقف ينظر من يحملها؟. فرأى صبيا واقفا حذاءه، فقال: يا عم! … تريد من يحملها؟. قال: نعم. فحملها ومشى معنا، فسمعنا الأذان. فقال الصبي: أذّن المؤذن، وأحتاج أن أتوضأ وأصلي. فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة!؛ ووضعها الصبي ومضى. فقال أبي: نحن أولى من أن نتوكل بالسمكة. فدخلنا المسجد وصلينا جميعا، وخرجنا من المسجد. وإذا السمكة موضوعة على حالها، فحملها، ومضى معنا إلى دارنا. فذكر والدي ذاك لوالدتي، فقالت: يقيم عندنا حتى يأكل معنا. فقلنا له. فقال: إني صائم. قلنا: فتعود إلينا بالعشي؟. فقال: إذا حملت في اليوم مرة، فلا أحمل ثانيا. فأدخل المسجد إلى المساء، ثم أدخل عليكم بالعشي. فلما أمسينا دخل الصبي علينا فأكلنا، فلما فرغنا، دللناه على موضع الطهارة، ورأيناه يؤثر الخلوة، فتركناه في بيت. وكان لقريب لنا ابنة زمنة، فلما كان في بعض الليل، وإذا بها قد جاءت تمشي!. فسألناها عن حالها؟. فقالت: قلت: "يا رب! بحرمة ضيفنا إلا ما عافيتني … فقمت! ". قال: فمضينا نطلب الصبي؛ فإذا الأبواب مغلقة كما كانت، ولم نجده. فقال أبي: منهم كبير وصغير. (٣) وقال: دخلت المدينة، وبي فاقة، فتقدّمت إلى القبر، وقلت: "ضيفك يا رسول الله!،

стр. 3172

ثم غفوت، فرأيت النبي ﷺ وقد أعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر" (١). وقال: كنت واقفا أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: أيش وقوفك؟. فقلت: يا عم! ما ترى؟ هذه الصورة الحسنة تعذّب بالنار؟. فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنّ غبّ هذا ولو بعد حين. قال ابن الجلاء: فوجدت غبّها، وذلك أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة! (٢). وقيل: لما مات أبو عبد الله بن الجلاء، نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حي!. ثم نظر إلى مجسّته، فقال: إنه ميت!. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري أهو ميت أم حي؟!! (٣) وكان في داخل جلده عرق على شكل كتابة «الله». (٤) ومنهم: ٣٢ - أبو عبد الله محمّد بن الفضل البلخيّ (١٣) أعلقته مصايد الأيام فأفلت أشراكها، ورأى الراحة في تجنب الأيام فطلب إدراكها، فلم

стр. 3173

يسكن إلى سكن، ولا تقيد بموضع سكن، وكانت الأفلاك له مكان الاستقلال، فجانب الدنيا فلم يرمقها إلا شزرا، ولم يرم منها إلا نزرا، وألقى أثقالها تخفيفا لمحمله، وتخليصا له عند عرض عمله، فخلّصها مما كادها، وخفف عنها مادها، ولم يزل على قدم ما سألها، وحول ديم ما يفارق أوشالها (١)، إلى أن دعاه الداعي، وأصم به الناعي. أصله من "بلخ" (٢)، لكنه أخرج منها بسبب المذهب، فرحل إلى سمرقند، واستوطنها، ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة. (٣) صحب أحمد بن خضرويه وغيره من المشايخ. وكان من كبار مشايخ خراسان (٤) وجلّتهم، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه. وكان يقول: لو وجدت في نفسي قوة لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل، فأستروح سري برؤيته. (٥) وكان أبو عثمان يقول: محمد بن الفضل سمسار الرجال. (٦)

стр. 3174

ومن كلامه: "أعرف الناس بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه ﷺ ". (١) وقال: "العلم حرز، والجهل غرر، والصديق مؤنة، والعدوّ همّ، والصلة بقاء، والقطيعة مصيبة، والصبر قوة، والجرأة عجز، والكذب ضعف، والصدق قوة، والمعرفة صداقة، والعقل تجربة. " (٢) وقال: "ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، وألا يعرف صديقه من عدوه. " (٣) وقال: "خطأ العالم أضرّ من عمد الجاهل". (٤) وقال: "من ذاق حلاوة العلم لا يصبر عنه. " (٥) وقال: "من ذاق حلاوة المعاملة أنس بها. " (٦) وقال: "من عرف الله تعالى اكتفى به (٧)، بعد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ﴾ (٨). وقال: " العلوم ثلاثة: علم بالله، وعلم من الله، وعلم مع الله: فالعلم بالله: معرفة صفاته ونعوته.

стр. 3175

والعلم من الله: علم الظاهر والباطن، والحلال والحرام، والأمر والنهي في الأحكام. والعلم مع الله: علم الخوف والرجاء، والمحبة والشوق " (١). وقال: " ثمرة الشكر: الحب لله تعالى، والخوف منه " (٢). وقال: " ذكر اللسان: كفارات ودرجات؛ وذكر القلب: زلف وقربات. " (٣) وقال: " من استوى عنده ما دون الله نال المعرفة بالله تعالى " (٤). وقال: " الفتوة: حفظ السرّ مع الله على الموافقة، وحفظ الظاهر مع الخلق بحسن العشرة، واستعمال الخلق " (٥). وقال: " الزهد: النظر إلى الدنيا بعين النقص، والإعراض عنها تعزّزا وتظرّفا، فمن استحسن من الدنيا شيئا فقد نبّه على قدرها " (٦). وقال: " علامة الشقاوة ثلاثة أشياء: يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترم لهم " (٧). وقال: " إيثار الزهّاد عند الاستغناء، وإيثار الفتيان عند الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (٨). وقال: "المحبة: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب". وروي أنه لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد دعا عليهم وقال: "اللهم امنعهم

стр. 3176

الصدق"، فلم يخرج من بلخ بعده صدّيق (١). وقال: "عجبت لمن يقطع البوادي والمفاوز حتى يصل إلى بيته وحرمه، فيرى آثار النبوة، كيف لا يقطع نفسه وهواه، ليصل إلى قلبه فيرى آثار ربه ! ". قال: فمات أربع نفر ممن سمعوا كلامه هذا. (٢) وأنشد في هذا المعنى (٣): ومن البلاء وللبلاء علامة … ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها … والحر يشبع تارة ويجوع ومنهم: ٣٣ - أبو عمرو الدّمشقيّ (١٣) أحد مشايخ الشام، بل واحدها. زاهد كره الدنيا ولجاجها، وضاقت عليه سعة فجاجها. بطل من أبطال الرجال، ورجل يكشف له الحجاب والحجال، صدق في مقاله فأسمع، وسبق في مجاله فلم يكن في اللحاق به مطمع، وكان ذا قدم يقوم عليها الليل، وكرم لا تحمل النجوم منه إلا غثاء السيل، وفضل يعرف منه في لحن القول إذا قال، وفي أثناء الطول وكم استطال، ومدّ معه ذيل الفجر فما طال، إلى تحقيق للتحقيق، وطريق أهل الطريق، وعلم كان منه ناهلا، وعلم أن الله لم يتخذ

стр. 3177

وليا جاهلا (١). صحب أبا عبد الله الجلاء، وأصحاب ذي النون المصري. وهو من أفتى المشايخ. ردّ على من تكلم في تقدّم (٢) الأرواح والشواهد. مات سنة عشرين وثلاثمائة. (٣) قال ﵁: "كما فرض الله على الأنبياء ﵈ إظهار الآيات والمعجزات، كذلك فرض على الأولياء كتمان الكرامات، حتى لا يفتتن الخلق بها. " (٤) وقال: "خواص خصال العارفين أربعة أشياء: السياسة، والرياضة، والحراسة، والرعاية. فالسياسة، والرياضة: ظاهران؛ والحراسة، والرعاية: باطنان. فبالسياسة يصل العبد إلى التطهير. وبالرياضة: يصل إلى التحقيق. والسياسة: حفظ النفس، ومعرفتها. والرياضة: مخالفة النفس ومعاداتها. والحراسة: معاينة برّ الله في الضمائر، والرعاية: مراعاة حقوق المولى بالسرائر. وميراث السياسة: القيام على الوفاء بالعبودية. وميراث الرياضة: الرضا عند الحكم. وميراث الحراسة: الصفوة والمشاهدة، وميراث الرعاية: المحبة والهيبة. ثم الوفاء متصل بالصفاء، والرضا متصل بالمحبة، علمه من علمه، وجهله من جهله. " (٥)

стр. 3178

وقال: " التصوف: رؤية الكون بعين النقص، بل غضّ الطرف عن كل ناقص، ليشاهد من هو منزّه عن كل نقص. " (١) وقال: " حقيقة الخوف ألا تخاف مع الله أحدا، والخائف الذي يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان ". (٢) وقال: " الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم كان. " (٣) ومنهم: ٣٤ - أبو عليّ الرّوذباريّ (١٣) [ابن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسرى]. وهو من أهل بغداد، أحيا طريقة السلف وأنعشها، وأرعد الفرائص هيبة وأرعشها، وكان يقابل منه ليث عرين، وغيث دنيا ودين، لا يقتحم عليه عاب، ولا يؤمن له رقيب حضر أو غاب، إلى دماثة خلق، وأمانة ذكر له في طرق. هذا وقد أطرح نفسه لمن يلومها، وتركها على غاية يرومها، فألحف كل طريد فضل

стр. 3179

ظله، وآوى كل شريد من محل محله، فكان عالا، وكان فوق حمام الصالح جاها ومالا، ولم يعدم مستجير به احتماءه واحتماله. وهو من أهل بغداد، سكن مصر، وكان شيخها، وبها مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. صحب الجنيد، والنوري، وأبا حمزة البغدادي، وحسنا المسوحي، ومن في طبقتهم من مشايخ بغداد. وصحب بالشام عبد الله بن الجلاّء. وكان عالما، فقيها، حافظا للأحاديث، ظريفا، عارفا بالطريقة (١) وكان يفتخر بمشايخه (٢) ويقول: " شيخي في التصوف: الجنيد. وفي الفقه: أبو العباس بن سريج (٣) وأستاذي في الأدب: ثعلب (٤). وأستاذي في الحديث: إبراهيم الحربي (٥) ". وسئل عن الإشارة؟. فقال: " الإشارة: الإبانة عما يتضمّنه الوجد من المشار إليه، لا

стр. 3180

غير. وفي الحقيقة، إن الإشارة تصحبها العلل، والعلل بعيدة من عين الحقائق. " (١) وسئل عن التصوف؟. فقال: " هذا مذهب كله جدّ، فلا تخلطوه بشيء من الهزل. " (٢) وقال: " لا رضا لمن لا يصبر؛ ولا كمال لمن لا يشكر؛ وبالله وصل العارفون إلى محبته، وشكروه على نعمته. " (٣) وقال: " لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد، ما بقي محبّ إلا مات " (٤). وسئل عن التوبة؟. فقال: " الاعتراف، والندم، والإقلاع. " (٥) وأنشد لنفسه: روحي إليك بكلّها قد أجمعت … لو أن فيك هلاكها ما أقلعت تبكي إليك بكلّها عن كلّها … حتى يقال: من البكاء تقطّعت فانظر إليها نظرة بتعطّف … فلطالما متّعتها فتمتّعت (٦) وقال: " من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع مع قلب قانع، وفقر دائم مع زهد حاضر، وصبر كامل مع قناعة دائمة". وقال: " اكتساب الدنيا مذلّة للنفوس، وفي اكتساب الآخرة عزّها، فيا عجبا لمن يختار المذلّة في طلب ما يفنى على العزّ في طلب ما يبقى!. " (٧)

стр. 3181

وقال: " إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع!، فألزموه السوق، ومروه بالكسب " (١). وقال: " كان أربعة في زمانهم: واحد: لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان، وهو: يوسف بن أسباط (٢)؛ ورث سبعين ألف درهم فما أخذ منها شيئا، وكان يعمل الخوص بيده. والثاني: كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعا، وهو: أبو إسحاق الفزاري؛ فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون، والذي يأخذه من السلطان يخرجه إلى أهل طرسوس. والثالث: كان يقبل من الإخوان، ولا يقبل من السلطان، وهو: عبد الله بن المبارك. والرابع: كان يقبل من السلطان ولا يأخذ من الإخوان، وهو: مخلد بن الحسين، وكان يقول: السلطان لا يمنّ، والإخوان يمنّون! ". وقالت فاطمة أخت أبي علي الروذباري: " لما قربت وفاة أخي كانت رأسه في حجري، ففتح عينيه، وقال: "هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زيّنت، وهذا قائل يقول: يا أبا علي! قد بلّغناك الرتبة القصوى وإن لم تسألها، وأعطيناك درجة الأكابر وإن لم تردها"، ثم أنشأ يقول: وحقّك لا نظرت إلى سواكا … بعين مودّة حتى أراكا أراك معذّبي بفتور لحظ … وبالخدّ المورّد من جناكا ثم قال لي: "يا فاطمة! الأول ظاهر، والثاني إشكال" (٣)

стр. 3182

وروي أن جماعة تذاكروا شيئا في القناعة عند أبي بكر الكتاني، وأبو علي الروذباري حاضر، فأنشأ أبو علي يقول: حدّ القناعة محو الكلّ منك إذا … لاح المزيد بحدّ عند مطلع فإن تحقق صفو الودّ مشتملا … على الإشارات لم يلو على طمع وقال: "التفكر على أربعة أوجه: ففكرة في آيات الله تعالى؛ وعلامتها: تولّد المحبة في الله منها. وفكرة في الوعد بثواب الله تعالى؛ وعلامتها: تولّد الرغبة فيه. وفكرة في وعيد الله في العذاب؛ وعلامتها: تولّد الهيبة من الله تعالى. وفكرة في جفاء النفس مع إحسان الله تعالى؛ وعلامتها: تولّد الحياء من الله تعالى. (١). وأنشد: تشاغلتم عني فكلّي أفكر … لأنكم مني بما بي أخبر فإن شئتم وصلي فذاك أريده … وإن شئتم هجري فذلك أوثر فلست أرى إلا بحال يسرّكم … بذلك أزهو ما حييت وأفخر ومنهم: ٣٥ - أبو بكر محمّد بن عليّ بن جعفر الكتّانيّ (١٣) ملك في زي بشر، وفلك لا ينكر نجومه ذو بصر، فرد رأى الدنيا تشيح عارضها، وتمد

стр. 3183

بارضها، وسحبها محلولة الخيوط، وبروقها موصولة الخطوط، فخاف أن يصير القطر سيلا، والفجر ليلا، فحلّ بذروة لا يبلغ مرقاها، ولا يصل إليها المقصر إذا انبعث أشقاها، فسلم دينه، وأوتي كتابه بيمينه، وحق له الإعتاب، وغلبه المتاب، وسرّ بعمله وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اَللّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتابَ﴾. (١) أصله من بغداد. صحب الجنيد، والنوري، وأبا سعيد الخراز. أقام بمكة، وجاور بها إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وكان أحد الأئمة المشار إليهم في علوم الطريقة. (٢) وكان المرتعش يقول: " الكتاني سراج الحرم. " (٣) ومن كلامه: - "إن لله تعالى ريحا تسمى الصبيحة (٤)، مخزونة تحت العرش، تهبّ عند الأسحار، تحمل الأنين والاستغفار، إلى الملك الجبار ". (٥) وقال: " إذا سألت الله التوفيق، فابتديء بالعمل ". (٦) وروي: إنه نظر إلى شيخ كبير أبيض الرأس واللحية، يسأل الناس! فقال: " هذا رجل أضاع أمر الله في صغره، فضيّعه الله في كبره ". (٧) وقال: " الشهوة زمام الشيطان؛ فمن أخذ بزمامه كان عبده " (٨).

стр. 3184

وقال: " الغافلون يعيشون في حلم الله، والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والصادقون يعيشون في قرب الله " (١). وقال: " من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء: نومه غلبة؛ وأكله فاقة؛ وكلامه ضرورة. " (٢) وقال: " لولا أن ذكره فرض عليّ ما ذكرته، إجلالا له؛ مثلي يذكره ولم يغسل فاه بألف توبة متقبلة عند ذكره؟!. " (٣) وأنشد - في المعنى -: ما إن ذكرتك إلا همّ يغلبني … قلبي وسرّي وروحي عند ذكراكا حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: … إياك! ويحك والتذكار! إياكا! (٤) وقال: " كنت في طريق، في وسط السنة، فإذا أنا بهميان (٥) ملآن يلمع دنانير، فهممت أن أحمله لأفرّقه بمكة على الفقراء، فهتف بي هاتف: إن أخذته سلبناك فقرك!. قال: فتركته " (٦). وقال: رأيت في الشام شابا لم أر أحسن منه، قلت: من أنت؟ قال: أنا التقوى. قلت: فأين تسكن؟. قال: في كل قلب حزين!. قال: ثم التفت فإذا امرأة سوداء، كأوحش ما يكون!. فقلت: من أنت؟. فقالت: الضحك!. قلت: فأين تسكنين؟. قالت: في كل قلب فرح مرح.

стр. 3185

قال: فانتبهت، واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة. وقال: "العبادة اثنان وسبعون بابا؛ أحد وسبعون منها في الحياء، وواحد في أنواع البر. " (١) وقال: "وجدنا دين الله مبنيا على ثلاثة أركان: الحق، والعدل، والصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول". وحكى عن نفسه أنه بقي عشرة أيام لم يأكل شيئا، فشكا إلى بعض إخوانه الجوع. قال: ثم مررت ببعض الأزقّة، فنظرت إلى درهم مطروح، عليه مكتوب: أما كان الله تعالى بجوعك عالما حتى قلت: إني جائع؟. ومنهم: ٣٦ - أبو إسحاق إبراهيم بن داود القصّار الرقّيّ (١٣) من كبار مشايخ الشام. (٢) قنع بقليل المعاش، ومات فقيل: عاش، ولم يرد من الدنيا رياشا، ولم يرد سكنا منها ولا رشاشا، فحمل على النفس ضيمها، وترك لأهوائها تقشعها وغيمها، فلم يمدّ إليها يدا، ولا عدّ فيها أصدقاء ولا عدا، وكان يقطع الأيام مراحل، ويقذف بحر الليل ليقف على الساحل، يطلب بعنته طلاب الصائد، ويجعل تحت كل بر شركا للمصايد، فلم يقبل معتذرا، ولا يقبل إلا حذرا. وكان من أقران الجنيد، وابن الجلاء، إلا أنه عمّر طويلا، وصحبه أكثر مشايخ الشام، وكان لازما للفقر، مجرّدا فيه، محبّا لأهله. (٣)

стр. 3186

ومات سنة ست وعشرين وثلاثمائة. ومن كلامه: "قيمة كل إنسان بقدر همّته، فإن كانت همّته الدنيا فلا قيمة له، وإن كانت همته رضاء الله تعالى فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها. " (١) وقيل له: "هل يبدي المحبّ حبّه؟ أو هل ينطق به؟، أو يطيق كتمانه؟. فأنشأ يقول متمثلا: ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم … بكتمان عين دمعها - الدهر - يذر حملتم جبال الحب فوقي وإنني … لأعجز عن حمل القميص وأضعف (٢) وقال: " الراضي لا يسأل. وليس من شرط الرضا المبالغة في الدعاء. " (٣) وقال: " حسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير، وحرمة ولي. " (٤) وقال: " من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى. " (٥) وقال: " كفايات الفقراء هي التوكل، وكفايات الأغنياء الاستناد إلى الأملاك. " (٦) وقال: " من تعزز بشيء غير الله فقد ذلّ في عزّه. " (٧) وقال: " الأولياء مرتبطون بالكرامات والدرجات، والأنبياء مكشوف لهم عن حقائق الحق؛ فالكرامات والدرجات عندهم وحشة. " (٨)

стр. 3187

وقال: " الأنبياء ينبسطون على بساط الأنس، والأولياء على درجات الكرامة. " (١) وقال إبراهيم بن المواز: دخلت يوما على إبراهيم القصار، فقال: ادع لي فلانا القوّال - صبيا كان بالرّقّة - فدعوته له، فقال له: أعد الأبيات التي كنت تغنيها بالأمس، فأخذ الصبي يغني: إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتي … وموضع شكواي فما أنا صانع؟ نهاري نهار الناس حتى إذا بدا … لي الليل هزّتني إليك المضاجع وأمضي نهاري بالحديث وبالمنى … ويجمعني والليل والهمّ جامع قال: فأخذ الشيخ يبكي ويصيح، ويقول: وا شوقاه … ! إلى من هذا وصفه، وإلى زمان كشف لنا عن بوادي هذه الأحوال. ومنهم: ٣٧ - أبو بكر الشّبليّ (١٣) واسمه: دلف بن جحدر. وقيل: ابن جعفر. وقيل: جعفر بن يونس. رجل كانت به الأيام هزّة (٢)، وللأنام عزّة، وللدنيا نضارة، وللنعمى غضارة، وسم الليالي وهي بهيمة، ونسم على رياض الدنو وهي نسيمة، فحلّ بها حيث لا يدنو المحال، فجاب السماء

стр. 3188

وعيّوقها (١)، وجاز زرع السنبلة وسوقها، وكان ملكا في زي بشر، وواحدا إلا أنه ثاني النجم وثالث الشمس والقمر، فلما فقد عزّ عزاؤه، ووقد ضرام الأحشا وقلّ جزاؤه، فذهب بالأجور، ومضى وكل الناس فيه مأجور، ولم نر منذ زمان أكثر من يوم موته باكيا، وباقيا لو فدي باليا. أصله: من أسروشنة (٢). ومولده: سرّ من رأى. وقيل: إنه خراساني الأصل، بغدادي المولد والمنشأ (٣). تاب في مجلس خير النسّاج. وصحب أبا القاسم الجنيد، ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد الوقت علما، وحالا، وظرفا (٤). وكان فقيها، عالما، على مذهب مالك، وكتب الحديث الكثير [ورواه]. (٥) وعاش سبعة وثمانين سنة، ومات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد. (٦) وروي أنه لما تاب في مجلس خير النساج أتى نهاوند، وقال: كنت والي بلدكم، فاجعلوني في حلّ (٧)! ..

стр. 3189

ومجاهداته في بدايته فوق الحد، ومن جملة ذلك: أنه اكتحل بكذا كذا ملح ليعتاد السهر، ولا يأخذه النوم (١). قال: فلما زاد الأمر حمّيت الميل فاكتحلت به. وقال الشبلي: " اطّلع الحقّ عليّ فقال: "من نام غفل، ومن غفل حجب". وأنشد: عجبا للمحبّ كيف ينام … كل نوم على المحبّ حرام وقيل له: متى يكون الرجل مريدا؟. فقال: "إذا استوت حالته في السفر والحضر، والمشهد والمغيب. " (٢) وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: "كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي، فجعل يبكي ولا يتكلم؛ فقال رجل: يا أبا بكر! ما هذا البكاء كله؟!. فأنشأ يقول: إذا عاتبته، أو عاتبوه … شكا فعلي، وعدّد سيئاتي أيا من دهره غضب وسخط … أما أحسنت يوما في حياتي؟! (٣) وقال بعض أصحابه: " رأيت الشبلي في المنام، فقلت له: يا أبا بكر! من أسعد أصحابك بصحبتك؟. فقال: أعظمهم لحرمات الله، وألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله، وأعرفهم بنقصانه، وأكثرهم تعظيما لما عظّم الله من حرمة عباده. " (٤) وقال له رجل: ادع لي. فأنشأ يقول: مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع (٥)

стр. 3190

وروي أن الجنيد قال له يوما: لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت. فقال الشبلي: " يا أبا القاسم! لو رد الله تعالى أمرك إليك لاسترحت". فقال الجنيد: " سيوف الشبلي تقطر دما. " (١) وقال: " سهو طرفة عين عن الله تعالى - لأهل المعرفة - شرك بالله تعالى. " (٢) وقال الشبلي: " ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق. وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه، كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته ". (٣) وكان يقول في مناجاته: " أحبّك الخلق لنعمائك، وأنا أحبك لبلائك ". (٤) وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: " كنت واقفا على حلقة الشبلي، في جامع المدينة، فوقف سائل على حلقته، وجعل يقول: يا الله، يا جواد!، فتأوه الشبلي وصاح، وقال: كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود؟، ومخلوق يقول في شكله: تعود بسط الكف حتى لو انه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراك - إذا ما جئته - متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه … لجاد بها فليتّق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته … فلجّته المعروف والجود ساحله ثم بكى، وقال: بلى!! يا جواد!. فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت - بعد ذلك - على أقوام بعزّ الاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك؛ فإنك الجواد كلّ الجواد، لأنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة. فيا جواد يعلو كلّ جواد، وبه جاد كلّ من جاد. " (٥)
следующие страницы →