ومات سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
ومن كلامه: "قيمة كل إنسان بقدر همّته، فإن كانت همّته الدنيا فلا قيمة له، وإن كانت همته رضاء الله تعالى فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها. " (١)
وقيل له: "هل يبدي المحبّ حبّه؟ أو هل ينطق به؟، أو يطيق كتمانه؟. فأنشأ يقول متمثلا:
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم … بكتمان عين دمعها - الدهر - يذر
حملتم جبال الحب فوقي وإنني … لأعجز عن حمل القميص وأضعف (٢)
وقال: " الراضي لا يسأل. وليس من شرط الرضا المبالغة في الدعاء. " (٣)
وقال: " حسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير، وحرمة ولي. " (٤)
وقال: " من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى. " (٥)
وقال: " كفايات الفقراء هي التوكل، وكفايات الأغنياء الاستناد إلى الأملاك. " (٦)
وقال: " من تعزز بشيء غير الله فقد ذلّ في عزّه. " (٧)
وقال: " الأولياء مرتبطون بالكرامات والدرجات، والأنبياء مكشوف لهم عن حقائق الحق؛ فالكرامات والدرجات عندهم وحشة. " (٨)
стр. 3187
وقال: " الأنبياء ينبسطون على بساط الأنس، والأولياء على درجات الكرامة. " (١)
وقال إبراهيم بن المواز: دخلت يوما على إبراهيم القصار، فقال: ادع لي فلانا القوّال - صبيا كان بالرّقّة - فدعوته له، فقال له: أعد الأبيات التي كنت تغنيها بالأمس، فأخذ الصبي يغني:
إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتي … وموضع شكواي فما أنا صانع؟
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا … لي الليل هزّتني إليك المضاجع
وأمضي نهاري بالحديث وبالمنى … ويجمعني والليل والهمّ جامع
قال: فأخذ الشيخ يبكي ويصيح، ويقول: وا شوقاه … ! إلى من هذا وصفه، وإلى زمان كشف لنا عن بوادي هذه الأحوال.
ومنهم:
٣٧ - أبو بكر الشّبليّ (١٣)
واسمه: دلف بن جحدر. وقيل: ابن جعفر. وقيل: جعفر بن يونس.
رجل كانت به الأيام هزّة (٢)، وللأنام عزّة، وللدنيا نضارة، وللنعمى غضارة، وسم الليالي وهي بهيمة، ونسم على رياض الدنو وهي نسيمة، فحلّ بها حيث لا يدنو المحال، فجاب السماء
стр. 3188
وعيّوقها (١)، وجاز زرع السنبلة وسوقها، وكان ملكا في زي بشر، وواحدا إلا أنه ثاني النجم وثالث الشمس والقمر، فلما فقد عزّ عزاؤه، ووقد ضرام الأحشا وقلّ جزاؤه، فذهب بالأجور، ومضى وكل الناس فيه مأجور، ولم نر منذ زمان أكثر من يوم موته باكيا، وباقيا لو فدي باليا.
أصله: من أسروشنة (٢). ومولده: سرّ من رأى.
وقيل: إنه خراساني الأصل، بغدادي المولد والمنشأ (٣).
تاب في مجلس خير النسّاج. وصحب أبا القاسم الجنيد، ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد الوقت علما، وحالا، وظرفا (٤).
وكان فقيها، عالما، على مذهب مالك، وكتب الحديث الكثير [ورواه]. (٥)
وعاش سبعة وثمانين سنة، ومات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد. (٦)
وروي أنه لما تاب في مجلس خير النساج أتى نهاوند، وقال: كنت والي بلدكم، فاجعلوني في حلّ (٧)! ..
стр. 3189
ومجاهداته في بدايته فوق الحد، ومن جملة ذلك: أنه اكتحل بكذا كذا ملح ليعتاد السهر، ولا يأخذه النوم (١). قال: فلما زاد الأمر حمّيت الميل فاكتحلت به.
وقال الشبلي: " اطّلع الحقّ عليّ فقال: "من نام غفل، ومن غفل حجب". وأنشد:
عجبا للمحبّ كيف ينام … كل نوم على المحبّ حرام
وقيل له: متى يكون الرجل مريدا؟. فقال: "إذا استوت حالته في السفر والحضر، والمشهد والمغيب. " (٢)
وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: "كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي، فجعل يبكي ولا يتكلم؛ فقال رجل: يا أبا بكر! ما هذا البكاء كله؟!.
فأنشأ يقول:
إذا عاتبته، أو عاتبوه … شكا فعلي، وعدّد سيئاتي
أيا من دهره غضب وسخط … أما أحسنت يوما في حياتي؟! (٣)
وقال بعض أصحابه: " رأيت الشبلي في المنام، فقلت له: يا أبا بكر! من أسعد أصحابك بصحبتك؟. فقال: أعظمهم لحرمات الله، وألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله، وأعرفهم بنقصانه، وأكثرهم تعظيما لما عظّم الله من حرمة عباده. " (٤)
وقال له رجل: ادع لي. فأنشأ يقول:
مضى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع (٥)
стр. 3190
وروي أن الجنيد قال له يوما: لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت.
فقال الشبلي: " يا أبا القاسم! لو رد الله تعالى أمرك إليك لاسترحت".
فقال الجنيد: " سيوف الشبلي تقطر دما. " (١)
وقال: " سهو طرفة عين عن الله تعالى - لأهل المعرفة - شرك بالله تعالى. " (٢)
وقال الشبلي: " ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق.
وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه، كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته ". (٣)
وكان يقول في مناجاته: " أحبّك الخلق لنعمائك، وأنا أحبك لبلائك ". (٤)
وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: " كنت واقفا على حلقة الشبلي، في جامع المدينة، فوقف سائل على حلقته، وجعل يقول: يا الله، يا جواد!، فتأوه الشبلي وصاح، وقال:
كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود؟، ومخلوق يقول في شكله:
تعود بسط الكف حتى لو انه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراك - إذا ما جئته - متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه … لجاد بها فليتّق الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته … فلجّته المعروف والجود ساحله
ثم بكى، وقال: بلى!! يا جواد!. فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت - بعد ذلك - على أقوام بعزّ الاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك؛ فإنك الجواد كلّ الجواد، لأنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة. فيا جواد يعلو كلّ جواد، وبه جاد كلّ من جاد. " (٥)
стр. 3191
وقال بعضهم: كنا يوما في بيت الشبلي، فأخّر العصر، ونظر إلى الشمس، وقد تدلّت للغروب، فقال: الصلاة! يا سادتي!. وقام فصلى، ثم أنشأ يقول ملاعبة، وهو يضحك: ما أحسن قول من قال:
نسيت اليوم - من عشقي - صلاتي … فلا أدري عشائي من غدائي
فذكرك - سيدي - أكلي وشربي … ووجهك إن رأيت شفاء دائي (١)
وقال له رجل: إلى ما ذا تستريح قلوب المشتاقين؟. قال: إلى سرور من اشتاقوا إليه، وموافقته".
وأنشد:
أسرّ بمهلكي فيه، لأني … أسرّ بما يسرّ الإلف جدّا
ولو سئلت عظامي عن بلاها … لأنكرت البلى، وسمعت جحدا
ولو أخرجت من سقمي لنادى … لهيب الشوق بي يسأله ردّا (٢)
وقال عبد الله البصري: سئل الشبلي، وأنا حاضر: إلى ما ذا تحنّ قلوب أهل المعارف؟.
فقال: "إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب، من حسن العناية في الحضرة بغيبتهم عنها".
وأنشأ يقول:
سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن … ما كان قلبي للصبابة معهدا (٣)
وقيل للشبلي: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟.
فقال: "لأنها عزلت عن مكان التمام، فاصفرّت لخوف المقام، وهكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفرّ لونه، لأنه يخاف المقام، فإذا طلعت الشمس، طلعت مضيئة،
стр. 3192
وكذلك المؤمن إذا بعث من قبره خرج ووجهه يشرق".
وقال: "أليس الله تعالى يقول: (أنا جليس من ذكرني) (١)؟. فما الذي استفدتم من مجالسة الحق؟ ". وأنشد:
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة … وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكنت بلا وجد أموت من الهوى … وهام عليّ القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري … شهدتك موجودا بكل مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلّم … ولا حظت معلوما بغير عيان (٢)
وقال: "أدنى علامات الفقير: لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد، ثم خطر بباله أن يمسك منها قوت يوم، ما صدق في فقره! ".
وقال أبو علي المغازلي: ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى فتحدوني على ترك الأشياء، والإعراض عن الدنيا، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس، [ثم لا أبقى على هذا ولا على هذا، وأرجع إلى الوطن الأول مما كنت عليه من سماعي القرآن]
فقال الشبلي: "ما [طرق سمعك من القرآن] (٣) فاجتذبك الله إليه فهو عطف منه عليك
стр. 3193
ولطف، وما رددت على نفسك فهو شفقة منه عليك، لأنه لم يصح لك التبري عن الحول والقوة في التوجه إليه ". (١)
وقال أحمد بن مقاتل: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة من رمضان، وهو يصلي خلف الإمام، فقرأ الإمام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ (٢) فزعق زعقة، قلت:
طارت روحه، وهو يرتعد، ويقول: " بمثل هذا خاطب الأحباب "يردد ذلك كثيرا.
وروي أنه سمع قائلا يقول: " الخيار عشرة بدانق "فصاح وقال: إذا كان الخيار كل عشرة بدانق، فكيف الشرار؟!. (٣)
وسمع القوّال يقول شيئا، فصاح، وتواجد، فقيل له: يا أبا بكر! مالك من بين الجماعة؟. فقام وتواجد، وقال:
لي سكرتان وللندمان واحدة … شيء خصصت به من بينهم وحدي (٤)
وحكي أن فقيها من أكابر الفقهاء يكنى بأبي عمران، كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي في جامع المنصور، وكان كلام الشبلي يعطل على ابن عمران وأصحابه كلامهم، فسأله أصحابه يوما عن مسألة في الحيض، وقصدوا إخجاله؟. فأجاب الشبلي عنها، وذكر مقالات الناس في تلك المسألة، والخلاف فيها. فقام أبو عمران وقبّل رأسه، وقال: يا أبا بكر! قد استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان عندي من جملة ما قلت ثلاث أقاويل! (٥)
وقال إبراهيم الحداد: " كنت يوما عند الشبلي جالسا وقد انصرف أكثر الناس عنه،
стр. 3194
وبقي حوله جماعة، فسألوه أن يدعو؟.
فسكت ساعة ثم قال: "اللهم اضربهم بسياط الخوف، واقتلهم بأزمّة الشوق، وافنهم عن مؤالفات الرسوم، وأغنهم عن ملاحظات الفهوم. اغفر لهم إن انصرفوا عنك، ووفقهم إن أقبلوا عليك، خرّب منازل فنائهم، واعمر منازل بقائهم، وكن لهم كما لم تزل، اشغل اللهم الكل بمفارقة الكل".
ثم أنشأ يقول:
الناس كلهم بالعيد قد فرحوا … وما فرحت به، والواحد الصمد
لما تثبتّ أني لا أعاتبكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد (١)
ثم قال: "إلهي طموح الآمال قد خابت إلا لديك، وعكوف الهمم قد تعطّلت إلا عليك، ومذاهب المعارف قد قصرت إلا إليك".
وكان ابن بشار نهى الناس عن الذهاب إلى الشبلي والاستماع من كلامه، فلقيه يوما، فجعل الشبلي يكلمه، وابن بشار يقول: كم من خمس من الإبل؟!. فلما أكثر، قال له الشبلي: في واجب الشرع شاة، وفيما يلزمنا: كلّها. فقال ابن بشار: لك بهذا القول إمام؟.
قال: نعم، أبو بكر الصديق ﵁، حيث أخرج ماله كله، وقال له النبي ﷺ : ما خلّفت لعيالك؟. قال: الله ورسوله. فذهب ابن بشار ولم ينه عن مجلسه بعد ذلك.
وسئل الشبلي عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (٢)؟.
فقال: "أبصار الرءوس: عما حرّم الله. وأبصار القلوب: عما سوى الله (٣) ".
وقال الشبلي: "كنت يوما جالسا فجرى بخاطري أني بخيل، فقلت: أنا بخيل!.
стр. 3195
فقاومني خاطري، وقال: بلى! إنك بخيل!. فقلت: " مهما فتح علي اليوم، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني! ".
قال: فبينا أنا أتفكر إذ دخل عليّ صاحب لمؤنس الخادم (١)، ومعه خمسون دينارا، فقال: اجعل هذه في مصالحك. فأخذتها وخرجت. وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين، يحلق رأسه، فتقدّمت إليه، وناولته الصرة، فقال لي: أعطها للمزين. فقلت: " إنها دنانير! "فقال: " أو ليس قد قلنا إنك بخيل؟! ". فناولتها للمزيّن، فقال: " من عادتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرا! ". قال: فرميتها في دجلة، وقلت: " ما أعزّك أحد إلا أذلّه الله".
وقال أبو محمد الحريري: مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها، فكان ينشد طول ليلته هذه الأبيات (٢):
كل بيت أنت ساكنه … غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج
لا أتاح الله لي فرجا … يوم أدعو منك بالفرج (٣)
ورآه بعض الصالحين بعد موته، فقال: " ما فعل الله بك؟ ".
فقال: " لم يطالبني بالبراهين على الدعاوي إلا على شيء واحد، وذاك أني قلت يوما: لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار. فقال لي: "وأي خسارة أعظم من خسران لقائي؟ ".
ورآه آخر في النوم فقال: "ما فعل الله بك؟ ".
فقال: "ناقشني حتى أيست، فلما رأى إياسي تغمّدني برحمته".
стр. 3196
ومنهم:
٣٨ - أبو بكر الدّقّيّ (١٣)
وهو: محمد بن داود الدينوري.
أشرق كالصباح مبهجا، وطرق الفلاح منهجا، فلم يبعد به الوصول، ولم يعد إلا مخضب حكم وتصرف، وحتم على من تعزّز وتشرف، هذا والخوف ملأ جوانحه، وملك جوارحه، ليلة أودعها حتى خلى كل لياليه خالية الترائب، وكل أيامه من ذهب سنابل ولجين ذائب، إذ ترك ذلك زهدا للأيام، وكرما يبخل به اللئام.
أقام بالشام، وكان من أقران أبي علي الروذباري، إلا أنه عمّر زيادة على مائة سنة. (١)
صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وأبا بكر الزقّاق الكبير (٢)، وأبا بكر المصري (٣)، غير أنه كان ينتمي إلى ابن الجلاء. وكان من أجلّ مشايخ وقته، وأقدمهم صحبة للمشايخ. توفي بعد الخمسين وثلاثمائة. (٤)
стр. 3197
سئل عن الفرق بين الفقر والتصوف؟.
فقال: "الفقر حال من أحوال التصوف. " (١)
فقيل له: ما علامة الصوفي؟.
فقال: "أن يكون مشغولا بكل ما هو أولى به من غيره، ويكون معصوما عن المذمومات. " (٢)
وقال: "علامة القرب: الانقطاع عن كل شيء سوى الله تعالى. " (٣)
وقال: "من عرف ربه لم ينقطع رجاؤه. ومن عرف نفسه لم يعجب بعمله، ومن عرف الله لجأ إليه. ومن نسي الله لجأ إلى المخلوقين، والمؤمن لا يسهو حتى يغفل، فإذا تفكر حزن واستغفر" (٤).
وقال: "كنت بالبادية، فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم، فرأيت غلاما أسود، مقيدا هناك، ورأيت جمالا ماتت بفناء البيت.
فقال الغلام: " أنت الليلة ضيف، وأنت على مولاي كريم، فتشفّع لي!، فإنه لا يردّك! ". فقلت لصاحب البيت: " لا آكل حتى تحلّ هذا العبد".
فقال: " هذا الغلام قد أفقرني، وأتلف مالي! ".
فقلت: " ما فعل! ".
فقال: " له صوت طيب، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحمّلها أحمالا ثقيلة، وحدا لها، حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطّ عنها ماتت كلها! ". ولكن قد وهبته لك. وأمر بالغلام فحلّ عنه القيد.
стр. 3198
فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته، فسألته عن ذلك؟ فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان على بئر هناك، يسقى عليه، فحدا، فهام الجمل على وجهه، وقطع حباله، ولا أظن أني سمعت صوتا أطيب منه، ووقعت لوجهي حتى أشار عليه بالسكوت" (١).
وأنشدوا في هذا المعنى:
إن كنت تنكر إن للأصوات فائدة ونفعا
فانظر إلى الإبل اللوات … هنّ أغلظ منك طبعا
تصغي إلى حدو الحدا … ة فتقطع الفلوات قطعا (٢)
وقال: "خرجت إلى مصر، فلما دخلتها قلت: أسلّم على الدقاق، فقصدته وسلّمت عليه، فقال:
من أين جئت يا أبا بكر!؟. قلت: من أيلة. فقال: إلى الرملة؟. قلت: لا يا سيدي إلى القلزم، وإليكم.
فقال: " جزت ذلك الطريق، خذ مني حكاية: أقمت فيه ثمانية عشر يوما تائها ما وجدت فيه شيئا أرتفق به، فلما كان بعد المدة، إذا أنا بسلطان قد ولي مصر يريد أيلة، فرأوا شخصي من بعيد، فأرسلوا فارسا يحملني إليه، فلما رأيت جمالا ورفقة طمعت نفسي، فلما تبينت أنهم جند أيست أن لي فيهم فرجا.
قال الشيخ: وما شيء من الطاعات لله تعالى إلا وهذا اليأس في هذا الوقت أحسن منه.
فقال الوالي: "هذا رجل تائه، قدموا إليه السفرة".
فقلت: "ليس إلى ذلك سبيل".
فقال: ويحك أنت على حال التلف!.
فقلت: "إن بيعتنا مع الله تعالى بمحل هذا لا نرضى رحلكم في المدن، ولا لكم نرضاه! وذلك أن العلم يلزمنا، ولو كنا في شدة.
стр. 3199
ففقه الأمير عني ما قلت؛ فبكى. وقال: سألتك بالله إلا ما شربت الماء فإنه من النيل، فناولني دلوه، فشربت منها شربة، وبقيت عليها إلى مصر! ".
رحمه الله تعالى.
ومنهم:
٣٩ - أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم ابن خالد السّلميّ (١٣)
سحاب عمّت به الرحمة، وعظمت به في الصدور الحرمة، ردّ على الشيطان غروره، وردى بالحرمان إفكه وزوره، وطالما أراد اختلاسه فتستر له بأذيال النسيان، وكان أن يجري منه مجرى الدم من الإنسان، إلا أنه سكّن سورته وقمعها، وسكّت أسرته وقلعها، فخاب لديه، وخار ولم يصل إليه.
صحب أبا عثمان الحيري (١)، وكان من كبار أصحابه؛ ولقي الجنيد.
وكان من أكبر مشايخ وقته، له طريقة ينفرد بها: من تلبيس الحال، وصون الوقت. وهو آخر من مات من أصحاب أبي عثمان، في سنة ست وستين وثلاثمائة. (٢)
стр. 3200
وسمع الحديث ورواه، وكان ثقة.
ومن كلامه:
"كل حال لا يكون عن نتيجة علم؛ فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه. " (١)
وقال: "المتوكل الذي يرضى بحكم الله فيه". (٢)
وقال: "من أراد أن يعرف قدر معرفته بالله تعالى، فلينظر قدر هيبته له، وقت خدمته له. " (٣)
وقيل له: "ما الذي لا بد للعبد منه؟.
فقال: ملازمة العبودية على السنة، ودوام المراقبة. " (٤)
وقال: "إذا أراد الله بعبد خيرا، رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما يشيرون به عليه، وسهّل عليه سبل الخير، وحجبه عن رؤيتها" (٥).
وقال عبد الواحد بن علي السيّاريّ (٦): قلت له آخر ما فارقته: "أوصني!.
فقال لي: " إلزم مواجب العلم؛ واحترم لجميع المسلمين؛ ولا تضيّع أيامك، فإنها أعزّ شيء لك؛ "ولا تتصدّر ما أمكنك؛ وكن خاملا فيما بين الناس؛ فبقدر ما تتعرف إليهم، وتشتغل بهم، تضيّع حظك من أوامر ربك" (٧).
стр. 3201
وقال: "من أظهر محاسنه لمن لا يملك ضرّه ولا نفعه، فقد أظهر جهله" (١).
وقال: "من استقام لا يعوجّ به أحد، ومن اعوجّ لا يستقيم به أحد" (٢).
وقال: "آفة العبد رضاه من نفسه بما هو فيه. " (٣)
وقيل: "اجتمع أبو عمرو، وابن نجيد، والنصراباذي، والطائفة، في موضع فقال النصراباذي:
أنا أقول: إذا اجتمع القوم، فواحد يقول شيئا، ويسكت الباقون، خير من أن يغتابوا.
فقال أبو عمرو: " لأن تغتاب ثلاثين سنة، أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لست به ". رحمه الله تعالى.
ومنهم:
٤٠ - أبو القاسم إبراهيم بن محمّد النّصراباذيّ (١٣)
شيخ خراسان في وقته.
لا يفيض صدره الحفائظ، ولا يقدح أحشاءه المغايظ، علم زهد، وعلم حقيقة، أحلى من الشّهد، نفض الرقاد عن جفنيه، وكحّل بالسّهاد ملء عينيه، تصور الدنيا قعاب، وتصوب كوكب الدنايا في أفقه فغاب، حتى دعاه داعي الحمام، فأسرع البدار، وطلع كالقمر ليلة الإبدار، ففرّ إلى الفردوس من وراء الجدار، ﴿وَاَلْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدّارِ﴾. (٤)
стр. 3202
صحب أبا بكر الشبلي، وأبا علي الرّوذباري، وأبا محمد المرتعش، وغيرهم من المشايخ. وكان أوحد المشايخ في زمانه علما وحالا (١).
وأقام بنيسابور، ثم خرج في آخر عمره إلى مكة، وحجّ سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام بالحرم مجاورا، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة (٢).
وكتب الحديث الكثير، ورواه، وكان ثقة.
ومن كلامه:
"إذا بدا لك شيء من بوادي الحق، فلا تلتفت - معه - إلى جنة ولا إلى نار، ولا تخطرهما ببالك؛ وإذا رجعت عن ذلك الحال فعظّم ما عظّمه الله تعالى" (٣).
وقال: "أهل المحبة واقفون مع الحق على مقام، إن تقدّموا غرقوا، وإن تأخّروا حجبوا" (٤).
وقال: "من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا، لأن اللّه تعالى قال: ﴿وَلَلدّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. (٥)
وقال: " الزاهد غريب في الدنيا، والعارف غريب في الآخرة".
وقال: " الحق غيور، ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقا سواه".
وقال: " قيمة الزاهد بمعبوده، كما أن قيمة العارف بمعروفه".
وسئل عن المحبة؟.
стр. 3203
فقال: " محبة توجب سفك الدماء، ومحبة توجب حقن الدماء".
ثم قال: " المحبة: مجانبة السلوّ على كل حال".
وأنشد:
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة … فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها … أمانيّ لم تصدق، كلمحة بارق (١)
ومنهم:
٤١ - أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الحصريّ (١٣)
وحيد أيّ وحيد، وفريد في شريعة وتوحيد، لا يقرن إلا بالجنيد، ولا يقرب إلا من داود ذي الأيد (٢)، وكان مالكا للظنون، وسالكا حذاء المنون، حتى سما به كوكبه فتعالى، وزاحم منكبه النجم ثم احتذاه نعالا، والجدّ دأبه والجد يحفظ اجتذابه، والعمل ديدنه والعلم لا يفنى منه معدنه، حتى أجاب للمقدار، ونقل من دار إلى دار، ثم وجد ما قدّم وجد، وودّ لو كان تقدم.
وكان شيخ العراق ولسانها في وقته، لم ير في زمانه من المشايخ أتمّ حالا منه، ولا أحسن لسانا ولا أعلى كلاما. متوحّدا في طريقته، ظريفا في شمائله وحاله، له لسان في التوحيد يختص به، ومقام في التجريد والتفريد لم يشاركه فيه أحد بعده (٣).
стр. 3204
وهو أستاذ العراقيين، وبه تأدّب من تأدّب منهم.
صحب [أبا بكر] الشبلي، وإليه كان ينتمي، وصحب غيره من المشايخ أيضا (١). وهو بصري الأصل.
سكن بغداد، ومات بها يوم الجمعة، في ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٢).
وقال: " أصولنا في التوحيد خمسة أشياء: رفع الحديث، وإفراد القدم، وهجر الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما علم وجهل".
وقال أبو الحسين الزنجاني: كثيرا ما كنت أسمع الحصري ببغداد يقول: " عرّضوا ولا تصرّحوا، فإن التعريض أستر".
وينشد:
وأعرض إذا ما جئت - عنا بحيلة … وعرّض ببعض إن ذلك أستر
فما زلت في إعمال طرفك نحونا … ولحظك حتى كاد ما بك يظهر
ومنهم:
٤٢ - أبو عبد الله محمد بن خفيف بن إسفكشاذ (٣) الضّبّيّ (١٣)
стр. 3205
قمر جلا السدف (١)، وجلّ أن يقاس إلا بالسلف، لم يجلس في محفل إلا خلته كوكبا في المجامع يأتلق، ونشر صبا بالمسامع يعتلق، وكان حيث حضر تحل له الحبى (٢)، ويحل أعالي الربى، إلى أن نزل باليباب، ووسد بين أترابه، ﴿وَاَلْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (٣).
أصله من إسفكشاذ، وأقام بشيراز. وكان شيخ المشايخ، وأوحدهم في وقته. عالما بعلوم الظاهر، وعلوم الحقائق، حسن الأحوال، في المقالات والأفعال، جميل الأخلاق والأعمال (٤).
مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٥).
ومن كلامه:
"لما خلق الله الملائكة والجنّ والإنس، خلق العصمة والكفاية والحيلة: فقال للملائكة:
اختاروا. فاختاروا العصمة.
ثم قال للجن: اختاروا. فاختاروا العصمة. فقال: قد سبقتم. فاختاروا الكفاية.
ثم قال للإنس: اختاروا. فقالوا: نختار العصمة. فقال: قد سبقتم. فقالوا: نختار الكفاية. فقال: قد سبقتم. فأخذوا الحيلة. فبنو آدم يحتالون بجهدهم. " (٦)
وقال: " الخوف اضطراب القلوب بما علمت من سطوة المعبود. " (٧)
стр. 3206
وقال: "الرياضة: كسر النفوس بالخدمة، ومنعها عن الفترة. " (١)
وقال: "التقوى: مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى". (٢)
وقال: "ليس شيء أضرّ بالمريد من مسامحته النفس في ركوب الرخص، وقبول التأويلات. " (٣)
وقال: "الدّنف: من احترق في الأشجان، ومنع من بث الشكوى. " (٤)
وقال: "الزهد: سلوّ القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي عن الأملاك". وحقيقة الزهد:
التبرم بالدنيا، ووجود الراحة في الخروج منها. " (٥)
و [قال]: " القناعة: الاكتفاء بالبلغة. وحقيقة القناعة: ترك التشوق إلى المفقود، والاستغناء عن الموجود " (٦).
وقال: " الشوق: ارتياح القلوب بالوجد، ومحبة اللقاء للقرب".
وقال: " رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وهو يقول: "من عرف طريقا إلى الله فسلكه ثم رجع عنه عذّبه الله تعالى عذابا لم يعذّب به أحدا من العالمين. " (٧)
وقال: "المشاهدة: اطّلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الله تعالى عنه من الغيوب" (٨)
وقال: "الرجاء: ارتياح القلوب إلى كرم الموجود. " (٩)
стр. 3207
ومنهم:
٤٣ - ابن سمعون (١): محمّد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس (١٣)
أبو الحسين البغدادي الواعظ.
واحد ردّ به العدو، ورجي به الهدوّ، وردّت به النوائب شبحا في حلوقها، وسحبا لما تدعيه من باطل حقوقها، وكانت محرجة به صدور برحائها، محرقة بلهبه صدور روائها، رامها فقصف النّصال على النّصال، وقصد الرماح ودعم بها الآصال، حتى طال بها الأمن ودام، وطب فحل الليل عن الشفق الفدام، بتوجه يتقهقر له الجيش المطل، ويقهر أسد الخميس المدل، ويظهر أن الله لا يحارب له ولي، ولا يغالب له قدر له سيل تحدّر من علي.
وقنع مدة بالعيش الزهيد، وعمل ليوم يأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وكان أمة قانتا، ونعمة لم تدع فائتا، فأجزلت له المواهب، وسهلت له العطايا من أصعب المذاهب، فرفع على الرءوس مقاما، وسمع منه ما داوى للنفوس داء عقاما، ثم كان إلى أن مات من الحلال يكتسب، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٢)
стр. 3208
قال السلمي: هو من مشايخ بغداد، له لسان عال في هذه العلوم، لا ينتمي إلى أستاذ، وهو لسان الوقت، والمرجوع إليه في آداب المعاملات، ويرجع إلى فنون من العلم. (١)
وقال أبو محمد السني - صاحب ابن سمعون -: "كان ابن سمعون في أول أمره ينسخ بالأجرة، وينفق على نفسه وأمه، فقال لها يوما: أحبّ أن أحجّ. قالت: وكيف يمكنك؟.
فغلب عليها النوم، فنامت وانتبهت بعد ساعة، وقالت: يا ولدي! حجّ. رأيت النبي ﷺ في النوم يقول: " دعيه يحج، فإن الخير له في حجه ". ففرح وباع دفاتره، ودفع إليها من ثمنها، وخرج مع الوفد، فأخذت العرب الوفد، قال: فبقيت عريانا، ووجدت مع رجل عباءة، فقلت: هبها لي أشتريها، فأعطانيها، قال: فجعلت إذا غلبني الجوع، ووجدت قوما من الحاج يأكلون، وقفت أنظر إليهم، فيدفعون إلى كسرة فأقتنع بها، وأحرمت في العباءة، ورجعت إلى بغداد، وكان الخليفة قد حرّم جارية وأراد إخراجها من الدار.
قال أبو محمد السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلا مستورا يصلح [أن تزوج هذه الجارية به] (٢)؛ فقال بعضهم: قد جاء ابن سمعون من الحج. فاستصوب الخليفة قوله، فزوّجه بها.
فكان ابن سمعون يجلس على الكرسي، فيعظ ويقول: " خرجت حاجّا، ويشرح حاله، وها أنا اليوم عليّ من الثياب ما ترون " (٣).
قال البرقاني: " قلت له يوما: تدعو الناس إلى الزهد، وتلبس أحسن الثياب!، وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟!.
فقال: "كلّ ما يصلحك لله فافعله، إذا صلح حالك مع الله. " (٤)
"ولما دخل عضد الدولة بغداد، وقد هلك أهلها، قتلا وخوفا وجوعا، للفتن التي اتصلت
стр. 3209
فيها بين الشيعة والسنة، فقال: آفة هؤلاء: القصّاص. فنادى: لا يقصّ أحد في الجامع، ولا الطرق، ولا يتوسّل بأحد من الصحابة. ومن أحب التوسل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه.
فوقع في الخبر: أن ابن سمعون جلس على كرسيه بجامع المنصور.
قال أبو الثناء العضدي: فأمرني أن أطلبه؛ فأحضر. فدخل عليّ رجل له هيبة وعليه نور. فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جنبي، فجلس غير مكترث، فقلت: إن هذا الملك جبار عظيم، وما أوثر لك مخالفة أمره، وإني موصلك إليه، فقبّل الأرض وتلطّف له، واستعن بالله عليه.
فقال: الخلق والأمر لله. فمضيت به إلى حجرة، وقد جلس فيها وحده، فأوقفته، ثم دخلت لأستأذن، فإذا هو إلى جانبي قد حوّل وجهه إلى نحو دار فخر الدولة، ثم استفتح وقرأ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ اَلْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾. (١)
قال: ثم حوّل وجهه، وقرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. (٢)
[ثم أخذ في وعظه] (٣)؛ فأتى بالعجب؛ فدمعت (٤) عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط، وترك كمّه على وجهه.
فلما خرج أبو الحسين - رحمه الله تعالى - قال الملك: اذهب إليه بثلاثة آلاف درهم، وعشرة أثواب من الخزانة، فإن امتنع فقل له: فرّقها في أصحابك، وإن قبلها، فجئني برأسه، ففعلت، فقال: إن ثيابي هذه من نحو أربعين سنة، ألبسها يوم خروجي إلى الناس، وأطويها
стр. 3210
عند رجوعي، وفيها متعة وبقيّة ما بقيت، ونفقتي من أجرة دار خلّفها أبي، فما أصنع بهذا؟.
فقلت: فرّقها على أصحابك.
فقال: ما في أصحابي فقير.
فعدت فأخبرته. فقال: الحمد لله الذي سلّمه منا، وسلّمنا منه (١).
وسئل ابن سمعون عن التصوف؟.
فقال: "أما الاسم: فترك الدنيا وأهلها، وأما حقيقة التصوف: فنسيان الدنيا، ونسيان أهلها". (٢)
وقال ابن سمعون في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ (٣)، قال: "مواعيد الأحبة - وإن اختلفت - فإنها تؤنس". كنا صبيانا ندور على الشطّ ونقول:
ما طليني وسوّفي … وعديني ولا تفي
واتركيني مولّها … أو تجودي وتعطفي (٤)
وذكر ابن سمعون أنه أتى بيت المقدس ومعه تمر، فطالبته نفسه برطب، فلامها، فعمد إلى التمر وقت إفطاره فوجده رطبا، فلم يأكل منه وتركه، فلما كان ثاني ليلة وجده تمرا (٥)
وقال أبو الفتح القوّاس: لحقتني ضائقة، فأخذت قوسا وخفّين، وعزمت على بيعهما، فقلت: أحضر مجلس ابن سمعون، ثم أبيعهما، فحضرت، فلما فرغ ناداني: يا أبا الفتح!
стр. 3211
لا تبع الخفّين والقوس، فإن الله سيأتيك برزق ". أو كما قال (١).
وقال أبو طاهر العلاف: حضرت أبا الحسين يوما وهو يعظ، وأبو الفتح القوّاس إلى جنب الكرسي، فنعس، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة، ثم استيقظ أبو الفتح، ورفع رأسه، فقال له أبو الحسين: " رأيت رسول الله ﷺ في نومك؟. قال: نعم. فقال:
لذلك أمسكت خوفا من أن تنزعج. " (٢)
وحكى مولى الطائع لله: أن الطائع أمره فأحضر ابن سمعون، فرأيت الطائع غضبانا، وكان ذا حدّة، فأحضرت ابن سمعون، فأذن له الطائع في الدخول، فدخل وسلّم بالخلافة، ثم أخذ في وعظه، فقال:
"روي عن أمير المؤمنين علي ﵁ "، ثم روى عن أمير المؤمنين وترضّى عنه، ووعظ حتى بكى الطائع، وسمع شهيقه، وابتلّ منديل من دموعه، فلما انصرف، سألت عن سبب طلبه؟.
فقال: رفع إليّ أنه ينتقص عليا ﵁، فأردت أقابله، فلما حضر افتتح بذكر علي، والصلاة عليه، وأعاد وأبدى في ذكره، فعلمت أنه وفّق، ولعلّه كوشف بذلك" (٣).
توفي ﵁ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، في ذي القعدة (٤).
стр. 3212
وولد سنة ثلاثمائة. وسمعون: هو جده إسماعيل.
قال أبو بكر الخطيب: كان بعض شيوخنا إذا حدّثنا عنه قال: "حدّثنا الشيخ الجليل المنطّق بالحكمة. " (١)
سمع أبا بكر بن أبي داود (٢)، ومحمد بن مخلد العطار، وأبا جعفر بن البختري (٣).
وبدمشق: أحمد بن سليمان بن زبّان، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة، وجماعة، وأملى عنهم.
وروى عنه: أبو عبد الرحمن السلمي، وعلي بن طلحة المقرئ، والحسن بن محمد الخلال، وأبو طالب العشاري، [وأبو الحسين بن الآبنوسي]، وخديجة بنت محمد الشاهجانيّة الواعظة، [وأبو بكر أحمد بن محمد بن حمّدوه الحنبلي]، وغيرهم (٤).
وكان أوحد دهره، وفرد عصره في الكلام، على علم الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ، دوّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه. رحمه الله تعالى.
стр. 3213
ومنهم:
٤٤ - أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ابن محمد القشيريّ (١٣)
الفقيه، الشافعي.
كان ليومه من أمسه آخذا، وبلومه من نفسه مؤاخذا، فكان لا يزال دمعه ينهمل، ومدمعه محمرّا، كأن إماقه جرح لا يندمل، لم تستمله الأغصان وقد مالت قدودها، ولا أمالت ليلى قلبه وقد طال صدودها، فلم يشك جفا ودود، حتى فاء إلى صديد ودود.
وإنما يعرف أكثر أحوال القوم من "رسالته" (١)، ويعترف الفضّل (٢) بقدمه وبسالته، وهو معدود من أهل سيادتهم، وذوي حظوتهم في الدارين وسعادتهم.
стр. 3214
وكان علاّمة في الفقه والتفسير، والحديث، والأصول، والأدب، والشعر، والكتابة، وعلم التصوف، وجمع بين الشريعة والحقيقة.
وأصله من ناحية "أستوا" (١)، من العرب الذين قدموا خراسان.
توفي أبوه وهو صغير، وقرأ الأدب في صباه، وكانت له ضيعة مثقلة الخراج بنواحي "أستوا"، فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور، يتعلم طرفا من "الاستيفاء" ويحمي الضيعة من الخراج، فحضر نيسابور على هذا العزم، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي عليّ الحسين بن علي النيسابوري المعروف ب "الدقاق" - وكان إمام وقته - فلما سمع كلامه أعجبه، ووقع في قلبه، فرجع عن ذلك العزم، وسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق، وأقبل عليه، وتفرّس فيه النجابة، فجذبه بهمّته، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه.
ثم اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني، وقعد يسمع درسه أياما، فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع، ولا بدّ من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام، فعجب منه، وعرف محلّه فأكرمه، وقال له: ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطّلع على مصنفاتي (٢). فقعد وجمع بين طريقته، وطريقة ابن فورك (٣). ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني (٤)، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق. وزوّجه ابنته، مع كثرة أقاربها.
стр. 3215
وبعد وفاة أبي علي، سلك مسلك المجاهدة والتجريد، وأخذ في التصنيف، فصنف: "التفسير الكبير" قبل سنة عشر وأربعمائة، وسمّاه: "التيسير في علم التفسير"، وهو من أجود التفاسير. وصنّف: "الرسالة" في رجال الطريقة (١).
وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني (٢)، وأحمد بن حسين البيهقي (٣)، وجماعة من المشاهير؛ فسمع منهم الحديث ببغداد والحجاز.
وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء (٤).
وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها، عقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وحدّث ببغداد، وكتبنا عنه (٥)، وكان ثقة، وكان يقص، وكان حسن الموعظة، مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول (٦) على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي.
وذكره أبو الحسن الباخرزي في "دمية القصر" (٧) وقال: لو قرع الصخر بسوط (٨) تحذيره لذاب، ولو ربط (٩) إبليس في مجلسه لتاب.
стр. 3216
وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه:
سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم … وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
أقمنا زمانا والعيون قريرة … وأصبحت يوما والجفون سوافك (١)
ومن شعره أيضا:
إذا ساعدتك الحال فارقب زوالها … فما هي إلا مثل حلبة أشطر
وإن قصدتك الحادثات ببوسها … فوسّع لها ذرع التجلّد واصبر
وكان أبو القاسم كثيرا ما ينشد لبعضهم، وهو: ذو القرنين بن حمدان
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … وشهدت كيف نكرّر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدّثا … وعلمت أن من الحديث دموعا (٢)
ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة.
وتوفي صبيحة يوم الأحد السادس عشر شهر ربيع الآخر، سنة: خمس وستين وأربعمائة، بمدينة نيسابور.
ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق.
وكان له فرس أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ، لم يأكل الفرس شيئا، ومات بعد أسبوع (٣).
стр. 3217
ومنهم:
٤٥ - أبو الفتوح أحمد بن محمّد بن محمّد بن أحمد الطّوسيّ الغزاليّ (١٣)
مجد الدين، أخو الإمام الغزالي، الفقيه الشافعي.
رشد لضلاّل، ورفد لحلاّل، سرت غواديه فظلت، وسرت أياديه فحلّت، وكان يتخلل بالمواعظ، ويتوصّل إلى ما لم يبلغه كلم واعظ، فملأ أوعية القلوب تذكارا، وترك أودية الخواطر لها أو كارا، ولم يزل زينة العصر، وحلية الأيام أيام النضر، يقوم مقام الجيوش الخضارم، ويرد الأعداء وما طليت بالدماء ظباه الصوارم.
قال ابن خلّكان: "كان واعظا مليح الوعظ، حسن المنظر، صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرّس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى ب: " إحياء علوم الدين "، في مجلد واحد، وسمّاه: " لباب الإحياء "، وله تصنيف آخر سماه: " الذخيرة في علم البصيرة " (١). وطاف البلاد، وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلا إلى الانقطاع والعزلة.
стр. 3218
وذكره ابن النجّار في "تاريخ بغداد" فقال: كان قد قرأ القارئ بحضرته: ﴿يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (١)، فقال: شرّفهم بياء الإضافة، إلى نفسه بقوله: "يا عبادي! "، ثم أنشد يقول: -
وهان عليّ اللوم في جنب حبّها … وقول الأعادي: إنه لخليع
أصمّ إذا نوديت باسمي، وإنني … إذا قيل لي: يا عبدها!، لسميع
قال ابن خلّكان: ومثل هذا قول بعضهم: -
لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي (٢)
وحكي: أنه اجتمع هو وأخوه أبو حامد ليلة، فأذّن مؤذن العشاء، فتقدم الشيخ أبو حامد فصلّى إماما، وصلّى الشيخ أحمد خلفه، فمرّ بخاطر أبي حامد وهو واقف يصلي مسائل في الحيض في كتاب كان يصنفه، فلما أتمّ الصلاة، قام الشيخ أحمد يعيد صلاته!، فقيل له في ذلك؟.
فقال: كيف أصلي خلف رجل منغمس في دم الحيض إلى شحمة أذنيه؟. فسمع قوله أخوه أبو حامد، فقال: صدق والله أخي، لقد مرّ بخاطري - وأنا قائم أصلي - مسائل في الحيض، واستغرقت في ذلك.
قلت: وليس هذا بمبطل لصلاته حتى يحتاج إلى إعادتها، ولكنه تورّع عن خطرات الخواطر (٣). وتوفي رحمه الله تعالى بقزوين (٤)؛ سنة عشرين وخمسمائة.
стр. 3219
ومنهم:
٤٦ - يوسف بن أيّوب بن يوسف بن الحسين بن وهرة، أبو يعقوب الهمذاني (١٣)
الفقيه، الزاهد، ذو الكرامات، ليس يجحدها البهوت، ومقامات ليس يشهدها السكوت، بفم كأنما طبع عليه بخاتم، وكرم طمع لديه حاتم، وصلاح كان شقيق شقيق إخاء، وقرين القرني إذا هبّ رخاء. له أمور تغني عن الإيضاح، وأسرار مثل الشمس في الإيضاح، فانتهى إليه السؤدد، وإلى رواق العلياء أنه على غيره لم يمدد، لتفرّده في مانه، وورده الروي من إيمانه.
قال أبو سعد السمعاني: يوسف بن أيوب الهمذاني: من قرية "بوزنجرد": قرية من قرى همذان، مما يلي الري (١). الإمام الورع التقي، المتنسّك، العامل بعلمه، والقائم بحقه، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين، واجتمع برباطه بمدينة مرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى، ما لا يتصور أن يكون في غيره من الرّبط مثلهم.
وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضية، وسداد واستقامة، خرج من قريته إلى بغداد، وقصد الإمام أبا إسحاق الشيرازي، وتفقّه عليه، ولازمه مدة حتى برع في الفقه، وفاق أقرانه خصوصا في علم النظر.
стр. 3220
وكان الشيرازي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه، مع صغر سنه، لعلمه بزهده، وحسن سيرته، واشتغاله بما يعنيه.
ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة وخلا بنفسه، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق إليها، وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم (١).
نزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة، ثم سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره، وخرج منها متوجها إلى هراة ثانيا، وعزم إلى الرجوع إلى مرو في آخر عمره، وخرج منها متوجها إلى مرو، فأدركته منيته ب: "ياميين" بين "هراة" و"بغشور" (٢)، في شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ودفن، ثم نقل بعد ذلك إلى مرو (٣).
وقال غير السمعاني: قدم يوسف الهمذاني بغداد في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وحدّث بها، وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية، وصادف بها قبولا عظيما من الناس.
قال أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح: حضرت مجلس شيخنا يوسف الهمذاني في النّظاميّة، وكان قد اجتمع العالم، فقام فقيه يعرف بابن السقاء، وآذاه، وسأله عن مسألة؟، فقال له الإمام يوسف: "اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر! ". ولعلك تموت على غير دين الإسلام!.
قال أبو الفضل: فاتفق أنه بعد هذا القول بمدة، قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى الخليفة، فمضى إليه ابن السقاء وسأله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أترك دين الإسلام
стр. 3221
وأدخل في دينكم!. فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك الروم، وتنصّر ومات على النصرانية، والعياذ بالله تعالى من الضلال (١).
وقال ابن النجار في ترجمة يوسف المذكور:
"سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ يقول: كان ابن السقاء قارئا للقرآن الكريم، مجوّدا لتلاوته، حدثني من رآه بالقسطنطينية ملقى على دكة مريضا، وبيده خلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه. قال فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟.
فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة: ﴿رُبَما يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢)، والباقي أنسيته! (٣).
نعوذ بالله من سوء القضاء، وزوال نعمته، وحلول نقمته، ونسأله الثبات [على دين الإسلام]، والعصمة، آمين (٤).
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (٥).
стр. 3222
ومنهم:
٤٧ - عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن ابن مروان الهكّاريّ (١٣)
من ولد معاوية بن أبي سفيان (١).
ولي لله عرف أيامه من أمسها، وقدم له يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، قصر جناح النسر عن تدويمه، وقصر طماح الطرف دون تحويمه، وخالف الأماني في مرادها، وخلف وراءه وكبد الآمال مرادها، فما ألهاه من الدنيا غرورها، ولا ازدهاه حزنها ولا سرورها، وشكته الأيام إذ كان من أدوائها، وجفته إذ لم يكن من أودائها، ثم جاءت إليه بالجميل منقادة، وانقادت له بالرعيل ومن قاده، وله في آل حرب نسب سالمته القبائل، وحاكمته فلم يقض لها معه بطائل، هذا إلى كرم بدين، وفضل كان يراه على ذمته كالدين، وكان فيه أمل، وله عمل ما عليه مزيد إلا أن طائفته غلوا فيه فغووا، ونووا فيه نية فغووا، وغلب عليهم الهوى فأضلهم، ودلاهم المغرور ودلّهم، ولكل معزّ مذلّ، ومن يهد الله فما له من مضل.
стр. 3223
وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وهم "الطائفة العدويّة"، وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلّون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعوّلون عليها.
وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ، والصلحاء المشاهير، مثل عقيل المنبجي، وحماد الدباس، وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي، وعبد القادر الجيلي، وأبي الوفاء الحلواني.
ثم انقطع إلى جبل الهكّاريّة، من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله.
قلت: وقد هاجر زين الدين ابن أخي الشيخ إلى البلاد، فأكرمت ملوكنا مقدمه، وأمر إمرة كثيرة، وانقطع في قرية تعرف ببيت فار (١). وكان بها، وكان منغمسا في النعم والملاذ، يعيش عيش الملوك من اقتناء الغلمان والجواري والملابس، وتمد لديه أسمطة ملوكية.
وحكي أن بعض نساء القياصرة كانت مغراة بالشيخ زين الدين، مطنبة في تعظيمه، متغالية في الاعتقاد لصلاحه، وأنفقت عليه أموالا جليلة، وكانت غير مصغية إلى عذول يعذلها في حبه، وخواصّها يلومونها على تبذير أموالها، ويذكرون لها ما كان يتعاطاه من الأمور القبيحة، ولا يزداد إلا غيا وتماديا، فتوصلوا إلى أن حملوها في قفة، وأشرفوا بها عليه وهو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلا ضلالا، وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه، إنما الشيخ يتدلل على ربه!، وضاعفت له الإنفاق، ولم تمسك خشية الإملاق.
وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب رحمه الله تعالى، قال:
بعثت مع الأمير الكبير علم الدين سنجر الدواداري (٢)، ليحلفه في أول الدولة الأشرفية؛
стр. 3224
فأتيناه وهو في قريته، مثل الملك في قلعته، للتجمل الظاهر، والحشمة الزائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذهب والفضة، والعصار الصيني، وأشياء تفوت العد، إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوعة فلما دخلنا عليه لم يحتفل بنا، وأتاه الأمير علم الدين، فقبل يده، وهو جالس لم يقم، فبقي الدواداري قائما قدامه يحدثه، وزين الدين يسأله، لا هو يجلس، ولا زين الدين يقول له اجلس، ثم أمره بالجلوس فجلس على ركبتيه متأدبا بين يديه، ثم أنعم علينا بجملة طائلة تقارب خمسة عشر ألف درهم.
قلت: وقد كان يحلف منهم الشيخ عز الدين أميرا، وأمّر، وبقي مدة أميرا بدمشق، ثم بصفد، ثم بدمشق، ثم ترك الإمارة، وآثر الانقطاع، وأقام بالمزة، وكانت الأكراد تأتيه من كل قطر بصفايا أموالها، تقربا إليه، ومنهم على ما حكى من كان يجلس بين يديه.
ثم إنه أراد الخروج على السلطان وتبعه طوائف الأكراد من كل بلد، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتروا الخيل والسلاح، وآلات الحرب، ووعد رجالا ممن تبعه بالنيابات الكبار، ونزل بأرض اللجون، وأتى السلطان خبرهم، وأنهم على هذا لم يؤذوا أحدا في نفس ولا مال، وإنما يبيعون أموالهم بالرخص، ويشترون الخيل والسلاح بالغالي، فأمر تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، وقصّ آثارهم، وأمسك السلطان من كان بالزاوية العدوية بالقرافة.
واختلفت الأخبار؛ فقيل: إنهم يريدون سلطنة مصر، وقيل: بل كانوا يريدون ملك اليمن، وقلق السلطان لأمرهم، وأهمه، إلى أن أمسك تنكز نائب الشام عز الدين المذكور، وأودع الاعتقال، حتى مات، وفرق الأكراد، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة.
ومولد الشيخ عدي بقرية يقال لها "بيت فار" من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن (١).
وتوفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٢)، في بلده بالهكارية،
стр. 3225
ودفن بزاويته، وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن يقيمون إمارة، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد، وتعظيم الحرمة.
وكان مظفر الدين صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عدي بن مسافر، وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربع، أسمر اللون، وكان يحكي عنه صلاحا كثيرا. وعاش تسعين سنة رحمه الله تعالى (١).
ومنهم:
٤٨ - أحمد المعروف بابن الرفاعي (٢) أبو العباس بن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن يحيى بن حازم بن عليّ بن رفاعة (١٣)
عرف حقه الأنام، وألفت فضله الأيام، أيّ رجل، وأيّ بطل، مثله في الخواطر لم يجل، طالما اهتز في يديه كلّ أخضر، وأهزله رداء ألقى المهابة في قلوب الحضّر، وكان لو من