← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وأدخل في دينكم!. فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك الروم، وتنصّر ومات على النصرانية، والعياذ بالله تعالى من الضلال (١). وقال ابن النجار في ترجمة يوسف المذكور: "سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ يقول: كان ابن السقاء قارئا للقرآن الكريم، مجوّدا لتلاوته، حدثني من رآه بالقسطنطينية ملقى على دكة مريضا، وبيده خلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه. قال فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟. فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة: ﴿رُبَما يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢)، والباقي أنسيته! (٣). نعوذ بالله من سوء القضاء، وزوال نعمته، وحلول نقمته، ونسأله الثبات [على دين الإسلام]، والعصمة، آمين (٤). ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (٥).

стр. 3222

ومنهم: ٤٧ - عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن ابن مروان الهكّاريّ (١٣) من ولد معاوية بن أبي سفيان (١). ولي لله عرف أيامه من أمسها، وقدم له يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، قصر جناح النسر عن تدويمه، وقصر طماح الطرف دون تحويمه، وخالف الأماني في مرادها، وخلف وراءه وكبد الآمال مرادها، فما ألهاه من الدنيا غرورها، ولا ازدهاه حزنها ولا سرورها، وشكته الأيام إذ كان من أدوائها، وجفته إذ لم يكن من أودائها، ثم جاءت إليه بالجميل منقادة، وانقادت له بالرعيل ومن قاده، وله في آل حرب نسب سالمته القبائل، وحاكمته فلم يقض لها معه بطائل، هذا إلى كرم بدين، وفضل كان يراه على ذمته كالدين، وكان فيه أمل، وله عمل ما عليه مزيد إلا أن طائفته غلوا فيه فغووا، ونووا فيه نية فغووا، وغلب عليهم الهوى فأضلهم، ودلاهم المغرور ودلّهم، ولكل معزّ مذلّ، ومن يهد الله فما له من مضل.

стр. 3223

وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وهم "الطائفة العدويّة"، وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلّون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعوّلون عليها. وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ، والصلحاء المشاهير، مثل عقيل المنبجي، وحماد الدباس، وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي، وعبد القادر الجيلي، وأبي الوفاء الحلواني. ثم انقطع إلى جبل الهكّاريّة، من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله. قلت: وقد هاجر زين الدين ابن أخي الشيخ إلى البلاد، فأكرمت ملوكنا مقدمه، وأمر إمرة كثيرة، وانقطع في قرية تعرف ببيت فار (١). وكان بها، وكان منغمسا في النعم والملاذ، يعيش عيش الملوك من اقتناء الغلمان والجواري والملابس، وتمد لديه أسمطة ملوكية. وحكي أن بعض نساء القياصرة كانت مغراة بالشيخ زين الدين، مطنبة في تعظيمه، متغالية في الاعتقاد لصلاحه، وأنفقت عليه أموالا جليلة، وكانت غير مصغية إلى عذول يعذلها في حبه، وخواصّها يلومونها على تبذير أموالها، ويذكرون لها ما كان يتعاطاه من الأمور القبيحة، ولا يزداد إلا غيا وتماديا، فتوصلوا إلى أن حملوها في قفة، وأشرفوا بها عليه وهو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلا ضلالا، وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه، إنما الشيخ يتدلل على ربه!، وضاعفت له الإنفاق، ولم تمسك خشية الإملاق. وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب رحمه الله تعالى، قال: بعثت مع الأمير الكبير علم الدين سنجر الدواداري (٢)، ليحلفه في أول الدولة الأشرفية؛

стр. 3224

فأتيناه وهو في قريته، مثل الملك في قلعته، للتجمل الظاهر، والحشمة الزائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذهب والفضة، والعصار الصيني، وأشياء تفوت العد، إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوعة فلما دخلنا عليه لم يحتفل بنا، وأتاه الأمير علم الدين، فقبل يده، وهو جالس لم يقم، فبقي الدواداري قائما قدامه يحدثه، وزين الدين يسأله، لا هو يجلس، ولا زين الدين يقول له اجلس، ثم أمره بالجلوس فجلس على ركبتيه متأدبا بين يديه، ثم أنعم علينا بجملة طائلة تقارب خمسة عشر ألف درهم. قلت: وقد كان يحلف منهم الشيخ عز الدين أميرا، وأمّر، وبقي مدة أميرا بدمشق، ثم بصفد، ثم بدمشق، ثم ترك الإمارة، وآثر الانقطاع، وأقام بالمزة، وكانت الأكراد تأتيه من كل قطر بصفايا أموالها، تقربا إليه، ومنهم على ما حكى من كان يجلس بين يديه. ثم إنه أراد الخروج على السلطان وتبعه طوائف الأكراد من كل بلد، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتروا الخيل والسلاح، وآلات الحرب، ووعد رجالا ممن تبعه بالنيابات الكبار، ونزل بأرض اللجون، وأتى السلطان خبرهم، وأنهم على هذا لم يؤذوا أحدا في نفس ولا مال، وإنما يبيعون أموالهم بالرخص، ويشترون الخيل والسلاح بالغالي، فأمر تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، وقصّ آثارهم، وأمسك السلطان من كان بالزاوية العدوية بالقرافة. واختلفت الأخبار؛ فقيل: إنهم يريدون سلطنة مصر، وقيل: بل كانوا يريدون ملك اليمن، وقلق السلطان لأمرهم، وأهمه، إلى أن أمسك تنكز نائب الشام عز الدين المذكور، وأودع الاعتقال، حتى مات، وفرق الأكراد، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة. ومولد الشيخ عدي بقرية يقال لها "بيت فار" من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن (١). وتوفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٢)، في بلده بالهكارية،

стр. 3225

ودفن بزاويته، وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن يقيمون إمارة، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد، وتعظيم الحرمة. وكان مظفر الدين صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عدي بن مسافر، وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربع، أسمر اللون، وكان يحكي عنه صلاحا كثيرا. وعاش تسعين سنة رحمه الله تعالى (١). ومنهم: ٤٨ - أحمد المعروف بابن الرفاعي (٢) أبو العباس بن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن يحيى بن حازم بن عليّ بن رفاعة (١٣) عرف حقه الأنام، وألفت فضله الأيام، أيّ رجل، وأيّ بطل، مثله في الخواطر لم يجل، طالما اهتز في يديه كلّ أخضر، وأهزله رداء ألقى المهابة في قلوب الحضّر، وكان لو من

стр. 3226

السحاب لم يعبأ بنواله، واستقر له استقرار الجبل لا يعن بزواله، وجاء في عصر مشعشع بالأولياء، وزمان مترعرع بمواليد الأتقياء، وكان دونهم مدلى اللهب، ومواطئ أقدام طائفته منها على أرض من الذهب، ورأوا النار بردا وسلاما فاقتحموها، وخاصموا ألسنتها وألجموها، إلى نهش الأفاعي وقد لفح سمومها، ونفح كالشرار سمومها، يأكلونها أكلا لمّا، ويحبونها حبا جمّا. هذا وشأن أشياعه حجب العنا، وطل العنا، وغير هذا مما ابتدعوه، وابتدوه، ونسبوه إليه وشنعوه، مما لم يكن عليه، ولا يمكن أن ينسب إليه. كان ﵁ رجلا صالحا، فقيها، شافعي المذهب. قدم أبوه العراق، وسكن البطائح (١) بقرية يقال لها: " أم عبيدة "- بفتح العين -، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها الشيخ أحمد، وإخوته. وكان أبو الحسن مقرئا يؤمّ بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فربّاه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمسمائة (٢). ونشأ أحسن نشأة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالرفاعية، والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه. ولأتباعه أحوال عجيبة، من أكل الحيّات وهي حيّة، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعدّ، ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل.

стр. 3227

ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة. (١) وله شعر، فمنه على ما قيل: - إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم … أنوح كما ناح الحمام المطوّق وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسى … وتحتي بحار بالأسى تتدفق سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها … تفكّ الأسارى دونه وهو موثق" "فلا هو مقتول، ففي القتل راحة … ولا هو ممنون عليه فيطلق" (٢) قيل: إنه أقسم على أصحابه: إن كان فيه عيب ينبهونه عليه. فقال الشيخ عمر الفاروثي (٣): يا سيدي! أنا أعلم فيك عيبا!. قال: ما هو؟. قال: يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه. قيل: إن هرة نامت على كمّ الشيخ أحمد، وقامت الصلاة، فقصّ كمّه، ولم يزعجها، ثم قعد فوصله، وقال: ما تغير شيء!. وقيل: توضأ، فنزلت بعوضة على يده، فوقف لها حتى طارت.

стр. 3228

وعنه قال: أقرب الطرق الانكسار، والذلّ، والافتقار، تعظّم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله ﷺ (١). وقيل: كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم الجرة. قيل له: أيش أنت يا سيدي؟. فبكى فقال: أي فقير!، ومن أنا في البين، ثبّت نسب واطلب ميراث. وقال: لما اجتمع القوم وطلب كلّ واحد شيء (٢)، دارت النوبة إلى هذا اللاشيء أحمد!. وقيل: أي أحمد! اطلب. قلت: أي ربّ! علمك محيط بطلبي، فكرر عليّ القول، قلت: أي مولاي! أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار. فأجابني، وصار الأمر له وعليه. وقيل: إنه رأى فقيرا يقتل قملة، فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟!. وعنه أنه قال: لو أن عن يميني خمسمائة (٣) يروّحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إليّ، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إلي، معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم قرأ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاَللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾. (٤) وقيل: أتي إليه بطبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: "أنا أحقّ بالدون من غيري، فإني مثله دون"!.

стр. 3229

وكان ﵁ لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء، ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة، وإذا غسل ثوبه ينزل في الشطّ كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف. وإذا ورد عليه ضيف، يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر. وقال: "الفقير المتمكّن إذا سأل حاجة، وقضيت له، نقص من تمكنه درجة. " (١) وتوفي ﵁، يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين. وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسي القلب". ومنهم: ٤٩ - الشّيخ عبد القادر بن أبي صالح عبد الله (٢) بن جنكي دوست (٣) الجيلي الحنبلي (١٣) علم الأولياء، محيي الدين، سيد طائفة كانوا بالنهار لا يفترون، وبالأسحار هم

стр. 3230

يستغفرون، طلع من هاشم بن عبد مناف في الذوائب، وكرع منه في غدير لم يرفق بالشوائب، وكان من الشرف في شامخ قلاله، وراسخ النسب العلوي في كرم خلاله، وكان له مجلس يوالي فيه الانتحاب، ويحرك فيه الأصحاب، ﴿وَتَرَى اَلْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ﴾ (١) فما برح اجتهاده محدودا، وجهاده يقول: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾. (٢) وكان مخلصا دون أشكاله، ومخلصا توكل على الله حق اتكاله، على أنه من بقية قوم يرجعون كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وصلوا الليالي بالأسحار، وركبوا ثبج الفيافي وقفار البحار، فحمدوا ما كانوا يعملون، وعلى ربهم كانوا يتوكلون. مولده بجيلان (٣)، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وقدم بغداد شابا، فتفقه على أبي سعيد المخرّمي (٤). وسمع الحديث من جماعة، وحدّث عن طائفة من الكبار. قال السمعاني: "كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة، وشيخهم في عصره. فقيه صالح، ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة. تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حمّادا الدباس. قال: وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضينا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درسا ما فهمت منه شيئا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلّهم فهموا، لإلفهم بكلامه وعبارته. (٥) وقال ابن الجوزي: " كان أبو سعد المخرّمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوّضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت

стр. 3231

وصمت، وضاقت المدرسة بالناس، فكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعمّرت المدرسة، ووسّعت، وتعصّب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرّس ويعظ إلى أن توفي. (١) وقال الشيخ أبو بكر العماد - رحمه الله تعالى -: كنت قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر، فمضيت وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقا. فتكلم ثم التفت إلى ناحيتي، فأعاده، فقلت: الواعظ قد يلتفت!. فالتفت إليّ ثالثة، وقال: يا أبا بكر!، فأعاد القول، ثم قال: قم قد جاء أبوك، وكان غائبا، فقمت مبادرا، وإذا أبي قد جاء (٢). وقال أبو البقاء النحوي: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: ترى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟. فقال: يجيء واحد قد قرأ أبوابا من الفقه ينكر!. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول، فتبت في نفسي من اعتراضي، فقال: قد قبل الله توبتك (٣). وقال السهروردي: عزمت على الاشتغال بأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر؛ فأتيته، فقال قبل أن أنطق: يا عمر!، ما هو من عدّة القبر، يا عمر! ما هو من عدّة القبر!! (٤).

стр. 3232

وقال الشيخ عبد القادر: طالبتني نفسي يوما بشهوة، فكنت أضاجرها، وأدخل في درب، وأخرج من آخر أطلب الصحراء، فرأيت رقعة ملقاة، فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات؟!، وإنما خلقت الشهوات للضعفاء. فخرجت الشهوة من قلبي. قال: وكنت أقتات بخرّوب الشوك، وورق الخس، من جانب النهر (١). وحكى ابن النجار عن الشيخ عبد القادر قال: "بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى أن بقيت أياما لا آكل طعاما، بل أتبع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشط، فوجدت قد سبقني الفقراء، فضعفت، وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدت أصافح الموت، ودخل شاب أعجميّ ومعه خبز وشواء، فرآني، فقال: بسم الله، فأبيت، فأقسم علي، فأكلت مقصرا، وأخذ يسألني، ما شغلك؟ ومن أين أنت؟. فقلت: متفقّه من جيلان، قال: وأنا من جيلان، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر يعرف بسبط أبي عبد الله الزاهد؟. فقلت: أنا هو!. فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك، فلم يرشدني أحد إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك، فلما كان هذا اليوم الرابع، قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام، وحلّت لي الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن. فقلت: وما ذاك؟. قال: أمّك وجّهت معي ثمانية دنانير، والله ما خنتك فيها إلى اليوم، فسكّنته، وطيّبت نفسه، ودفعت إليه شيئا منها (٢). وحكي عنه أيضا أنه قال: " كنت في الصحراء أكرر في الفقه وأنا في فاقة، فقال لي

стр. 3233

قائل - لم أر شخصه -: اقترض ما تستعين به على طلب الفقه. فقلت: كيف أقترض وأنا فقير ولا وفاء لي؟. قال: اقترض وعلينا الوفاء. فأتيت بقالا، فقلت: تعاملني بشرط: إذا سهّل الله أعطيتك، وإن متّ تجعلني في حلّ؟. تعطيني كل يوم رغيفا ورشادا. فبكى وقال: أنا بحكمك. فأخذت منه مدّة، فضاق صدري، فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأيّ شيء رأيت على الدكّة، فخذه، وادفعه إلى البقال. فلما جئت رأيت قطعة ذهب كبيرة، فأعطيتها البقلي (١). ولحقني الجنون مرة، وحملت إلى المارستان، فطرقتني الأحوال حتى حسبوا أني متّ، وجاؤوا بالكفن، وجعلوني على المغتسل، ثم سرّي عني، وقمت، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟!، ودفعني دفعة خررت منها، وقال: ارجع فإن للناس فيك منفعة. قلت: أريد سلامة ديني. قال: لك ذاك، ولم أر شخصه. ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظّفريّة (٢)، ففتح رجل داره، وقال: يا عبد القادر!، أيش طلبت البارحة؟. فنسيت، فسكتّ، فاغتاظ، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة، فلما مشيت ذكرت فرجعت أطلب الباب، فلم أجده. قال: وكان حمادا الدباس، ثم عرفته بعد، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم وجئت، يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مرّ إلى الفقهاء، وأنا أسكت، فلما كان يوم جمعة، خرجت مع الجماعة في شدة البرد، فدفعني ألقاني في الماء، فقلت: غسل الجمعة، بسم الله، وكان عليّ جبّة صوف، وفي كمي أجزاء،

стр. 3234

فرفعت كمّي لئلا تهلك الأجزاء، وخلّوني، ومشوا، فعصرت الجبّة، وتبعتهم، وتأذّيت بالبرد كثيرا، وكان الشيخ يؤذيني، ويضربني، وإذا جئت يقول: جاءنا اليوم الخبز الكثير، والفالوذج، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشة عليك!. فطمع فيّ أصحابه، وقالوا: أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟، فلما رآهم يؤذونني، غار علي، وقال: يا كلاب! لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله!، وإنما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلا، لا يتحرك، ثم بعد مدة، قدم رجل من همذان، يقال له: يوسف الهمذاني، وكان يقال: إنه القطب، ونزل في رباط، فمشيت إليه، لم أره، وقيل لي: هو في السرداب، فنزلت إليه، فلما رآني قام، وأجلسني، ففرشني، وذكر لي جميع أحوالي، وحلّ لي المشكل عليّ، ثم قال لي: تكلّم على الناس. فقلت: يا سيدي! أنا رجل أعجميّ، قح، أخرس، أتكلّم على فصحاء بغداد؟!. فقال لي: أنت حفظت الفقه وأصوله، والخلاف والنحو، واللغة، وتفسير القرآن، لا يصلح لك أن تتكلم؟. اصعد على الكرسي، وتكلّم، فإني أرى فيك عذقا سيصير نخلة. (١) قال: وكنت أومر، وأنهى، في النوم واليقظة، وكان يغلب عليّ الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي، وازدحم الخلق عليّ، حتى صار يحضر مجلسي [نحو من] (٢) سبعين ألفا. وقال: فتّشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أودّ لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفّي مثقوبة لا تضبط شيئا!. لو جاءني ألف دينار لم أبيّتها، وكان إذا جاءه أحد بذهب، يقول: ضعه تحت السجادة. وقال: "أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني".

стр. 3235

ثم قال: "أراد الله مني منفعة الخلق، فقد أسلم على يديّ أكثر من خمسمائة، وتاب على يديّ أكثر من مائة ألف. وهذا خير كثير، وترد عليّ الأثقال التي لو وضعت على الجبال تفسّخت، فأضع جنبي على الأرض، وأقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً، * إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً﴾ (١)، ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني". وقال الجبّائي: كنت أسمع في "الحلية" على ابن ناصر، فرقّ قلبي، وقلت: اشتهيت لو انقطعت، وأشتغل بالعبادة، ومضيت، فصلّيت خلف الشيخ عبد القادر، فلما جلسنا، نظر إليّ، وقال: "إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدّب، وإلا فتنقطع وأنت فريخ ما ريّشت (٢). وعن أبي الثناء النهر ملكي قال: تحدّثنا أن الذباب ما يقع على الشيخ عبد القادر، فأتيته، فالتفت إليّ، وقال: أيش يعمل عندي الذباب؟ لا دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة!؟. (٣) وقال أبو البقاء العكبري: سمعت يحيى بن نجاح الأديب يقول: قلت في نفسي: أريد أن أحصي كم يقصّ الشيخ عبد القادر شعر تائب؟. فحضرت المجلس ومعي خيط، فلما قصّ شعرا، عقدتّ عقدة تحت ثيابي في الخيط، وأنا في آخر الناس، وإذا به يقول: " أنا أحلّ وأنت تعقد؟ " (٤). وحكى ابن النجار عنه: أنه كان في وسط الشتاء وبرده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، وحوله من يروّحه بالمروحة. قال: والعرق يخرج من جسده كما يكون في شدّة الحر! (٥).

стр. 3236

وقال أحمد بن ظفر بن هبيرة: سألت جدي أن أزور الشيخ عبد القادر، فأعطاني مبلغا من الذهب لأعطيه، فلما نزل عن المنبر سلّمت عليه، وتحرّجت من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع، فقال: هات ما معك، ولا عليك من الناس!، وسلّم على الوزير. وقال صاحب "مرآة الزمان" (١): كان سكوت الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلّم على الخواطر، وظهر له صيت عظيم، وقبول تام، وما كان يخرج من مدرسته إلا يوم الجمعة أو إلى الرباط. وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم خلق، وكان يصدع بالحق على المنبر، وكان له كرامات ظاهرة. وحكى أبو الحسن علي بن قاسم الهكّاري قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر الجيلي، فوجدت بين يديه غلاما ينشد: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول القصيدة، ثم رأيته ثاني ذلك اليوم، ينشدها بين يديه، فتفكرت في سبب تكرارها، وسألت الشيخ عبد القادر عن ذلك؟. فقال: "رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! أمرت أن تحفظ عنك هذه القصيدة؟. قال: نعم. فقلت: يا رسول الله! وهي مدح فيك؟. قال: نعم، ومن قالها ثلاث مرات غفر الله له، فأحببت بعد ذلك أن أسمعها كل يوم، أو كما قال. انتقل إلى رحمة الله تعالى في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة (٢)، وشيّعه خلق لا يحصون، ودفن بمدرسته، رحمه الله تعالى.

стр. 3237

وولد له تسعة وأربعون ولدا، سبعة وعشرون ذكرانا، والباقون إناثا. وقال: إذا ولد لي ولد أخذته على يدي وقلت: هذا ميّت فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثّر عندي موته شيئا (١). ومنهم: ٥٠ - قضيب البان (١٣) قال ابن عدي: سمعت شيخي أبا يوسف يقول: ما دفن ولي لله تعالى في زمان قضيب البان إلا وكان قضيب البان هو الذي يحفر قبره بيده.

стр. 3238

وكان اجتمع به في جنازة أحدهم وأخبره بذلك. قال أبو يوسف: وما سئل قضيب البان عن مسألة من لدن آدم ﵇ إلى زمانه إلا مسح وجهه ثم نظر في كفه، وأخبر بجوابها. وبتاريخها. قلت: ويحكى أن ابن يونس الفقيه، كان يستنقص بقضيب البان ويقول: عجبا لمن يعتقد فيه خيرا، وهو لا يتوقى النجاسات!، ويطلق لسانه فيه، فبينما ابن يونس يوما وهو على باب مدرسته، وقد جلس لانتظار الفقهاء، ليدخل بهم، ويذكر الدرس، وإذا بقضيب البان قد جاء، وجلس تلقاء وجهه، وأخذ هدمة له، وقعد يخيطها، ثم طلع إلى ابن يونس، وقال: يا قاضي! خيّطتك!، يا قاضي خيّطتك!. وجعل يكررها؛ فجاءت الفقهاء وجلس ابن يونس لذكر الدرس فلم يفتح عليه بكلمة، حتى ولا التحميد، وخرس!. فذكر كلمة قضيب البان، ونهض إليه، فقال: يا سيدي! أنا أستغفر الله، فضحك، وفتق بعض ما كان خيّط في تلك الهدمة!. ثم جعل يقول: فتقت لسانك يا قاضي! فتقت لسانك يا قاضي!. فقام ابن يونس ودخل المدرسة، وجلس للدرس، ففتح عليه بكل عجب، وأتى بكل بديع، حتى قيل: إنه لم يذكر درسا في عمره أكثر تحريرا، وتحقيقا، ونقلا، وفائدة من ذلك اليوم. قالوا: فكان ابن يونس إذا رآه بعدها قبّل يده، وقال: هذا ولي الله.

стр. 3239

وحدثني علي بن عبد الله المعروف بالبديع أنه سمع محمد بن يونس بن محمد بن مالك القاضي بالموصل يحكي عن أبيه أن أحد المؤذنين بجامع الموصل حدّثه قال: خرجت يوما خارج البلد، فرأيت قضيب البان ماشيا في همّة، فقلت: والله لأتبعنه اليوم، فمشيت وراءه نحو ساعة، وأنا لاه، ثم نظرت فأنكرت الطريق التي نحن بها، والأرض التي نحن فيها، وإذا نحن في أرض لا أعرفها، وإذا أمامنا نهر يصغر دجلة عنده، وحوله أشجار ليست بأرضنا، فبهتّ، وخررت، ولم أجسر على خطابه، فأتى قضيب البان النهر، فجلس، وجلست ناحية منه، فنزع ثابه ونزل النهر، فاغتسل ثم خرج، فقام يصلي، واشتدّت عليّ الهاجرة، ولم يكن ذلك زمان حر، فأتيت شجرة ذات ظل، فنمت، فلما قمت لم أر قضيب البان!، ولا من أسترشد به، فبينما أنا في ذلك، وإذا براع يرعى معزى، فقمت إليه، فحدّثته، فإذا هو أعجميّ لا يعرف العربية، فصبرت، واستعنت، فأقبل رجل كهل، فقمت إليه وسألته عن ذلك الموضع؟ فقال: بأرض الهند! في مكان كذا، وهو نهر كذا!. فقلت له: فكم بيني وبين الموصل؟. فقال: وأين الموصل؟. وذكر شهرا!. فصحت صيحة كاد ينفطر معها قلبي، فقال لي الشيخ: ويحك! مالك؟. فحكيت له حالي، وأنني خرجت في يومي هذا من الموصل، لأتقضى، فرأيت مولّها عندنا ماشيا، فتبعته، لأبصر أين يذهب؟، فأتى بي إلى هنا، ونزل فاغتسل، وقام يصلي إلى تلك الشجرة، واشتدّ عليّ الحر فنمت، فلما قمت لم أجده، فقال: اعلم أنّي مارّ، في هذه الأرض، ولست منها، وسأل الراعي، قال: فحدّث الراعي بالهندية، وكان رجلا هنديا، فقال له: هذا رجل يأتي كل يوم إلى هنا، فيغتسل ويقوم هنا، فيتعبّد عبادات يدين بها، مما لا نعرفه نحن، ثم يذهب كما يأتي!. قال: فبتّ بأصعب ليلة مرّت بي، فلما كان في اليوم الثاني، جاء قضيب البان ففعل مثل ما فعله، وألقي عليّ النوم، فجعلت أغالبه، فلما قضى صلاته، قمت إليه، وشكوت

стр. 3240

إليه حالي، فضحك، وقال: امش خلفي، ولا تعود تكلّف نفسك ما لا يعنيك!، ولا تكثر فضولا!. فقلت: يا سيدي! اسمع والطاعة، فأقبل عليّ يحدّثني أحاديث العقلاء ذوي العلم، فلم يكن إلا ساعة، ونحن بالموصل!، فودّعني وانصرف، رحمه الله تعالى. ومنهم: ٥١ - أبو علي الحسن بن مسلّم بن أبي الحسن بن أبي الجود (١٣) الزاهد الفارسي. (١) عارف أحرز الحليفة إحرازا، وحرس الحقيقة فلم يدع لها إبرازا، فاستطار هياما، واستطاب سهرا قطع عليه ليالي وأياما، وحبّبت إليه الوحدة، وطيّبت له الخلوة، فأنس بالله وحده، ولم تزل الأبصار به معقودة، والأمصار عليه محدودة، وكان لا يزال يأوي البرّ المقفر، ويهوى الفقر المفقر، إلى أن ترقّت روحه، وأشرقت في أوجها نوحه. أصله من قرية بنهر عيسى يقال لها: الفارسية. وكان من الأبدال، لازما لطريقة السلف، أقام أربعين سنة لم يكلّم أحدا، وكان صائم الدهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة. ذكره أبو الفرج في "صفة الصفوة" وقال: كان زاهد زمانه، وكانت السباع تأوي إلى زيارته، وكان الخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته.

стр. 3241

وحكى عنه جماعة من أهل القرية: أن السباع كانت تنام طول الليل جواز زاويته، وإذا خرج أحد من القرية في الليل إلى نهر عيسى، لم تتعرض له. وإنّ فقيرا نام في الزاوية في ليلة باردة، فاحتلم، ونزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السّبع، فنام على جبّته، فكاد الفقير أن يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ، وجاء إلى السبع وضربه بكمّه وقال: يا مبارك! قد قلنا لك لا تتعرّض لأضيافنا!، فقام السّبع يهرول!. توفي يوم عاشوراء، سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ودفن برباطه ب "الفارسية. " (١) ومنهم: ٥٢ - أبو الحسن عليّ بن محمّد بن غليس (١٣) رجل كان ملاذا، وملجأ في النوائب ومعاذا، يصرخ صراخ السيوف، ويطل إطلال الضراغنم تحت السجوف، بسهام لا تردّ، وسمام كأنه من أنياب الأساود يستمد، إذا رمى رمية أنفذها، وإذا أرشف بريقه عضة أكيلة وقذها، فكان في انطلاقه لا يفادى، وفي أهل صداقته لا يعادى، يمدّ يدا له ما ردّت خائبة، ولا مدّت إلا إلى إجابة غير غائبة. كان مقيما بكلاّسة دمشق. وحكى عنه العلامة أبو الحسن السخاوي قال: سمعت ابن غليس يقول: كنت مسافرا مع قافلة، فرأيت في المنام كأنّ سبعا اعترضهم، فقطع الطريق عليهم، فوقفوا حائرين، فتقدّمت إليه وقلت: يا كلب الله!، أنت كلب الله، وأنا عبد الله، فاخضع، واخنع لمن سكن له ما في السماوات والأرض، وهو السميع العليم. فذهب، وانفتحت الطريق، ثم انتبهت، فسرنا قليلا، وإذا بالقافلة قد وقفت، فسألت: ما الخبر؟ فقيل: السّبع على الطريق. فتقدّمت إليه، وهو مقع على ذنبه، فقلت ذلك الكلام، وتقدّمت إليه، فأدخلت يدي في فمه، وقلبت أسنانه!، وشممت منه رائحة كريهة.

стр. 3242

قال السخاوي: فقلت له: إنه يأكل اللحم ولا يتخلل!. قال: وأدخلت يدي بين أفخاذه، فقلبت خصيتيه وإذا هي مثل خصي القط. وقال الشيخ ميمون الضرير: أخبرني صاحب لابن غليس قال: أمرني ابن غليس بإيقاد السراج، ولم يكن به زيت، فأوقدت الفتيلة، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثانية، فأوقدتها، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثالثة بإيقادها، فقلت له: لا زيت في السراج!. قال: وأيش فضولك في هذا؟، لو سكتّ لكان يقدها أبدا!. وقال أبو القاسم الفضل: مات فرس لابن غليس، فحزن عليه كثيرا، فقيل له: كم تحزن عليه؟، غيره يقوم مقامه!. فقال: إنه فرس صالح، كان معي في سفري بالعراق، فآواني الليل مع جماعة إلى قرية، وكانت ليلة باردة، ذات ريح، ومطر، فلم يقدّر لنا مكان نأوي إليه، إلا موضع صغير. فقلت لأصحابي: إن تركنا الفرس خارج البيت هلك بالبرد، وخفنا عليه، وإن أدخلناه معنا، خفنا من بوله وتلويثه الجماعة لصغر المكان!. فتقدّمت إليه وقلت له: نحن ندخلك معنا بشرط أن لا تفعل ما يتأذى به الجماعة من بول وغيره!. ثم أدخلناه، فبات ليلته لم يتحرك بحركة يتأذّى منها، ولم يبل. فلما أصبحنا، أخرجناه معنا، فلما صار خارج الباب، بال نحو قربة ماء. وكان ابن غليس يقول عن نفسه: "ابن غليس ما يسوى فليس! ". وتوفي ﵁ يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن قبلي قبر معاوية ﵁ بغرب مقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى. (١)

стр. 3243

ومنهم: ٥٣ - الشّيخ أبو عمر محمّد بن أحمد بن محمّد بن قدامة المقدسيّ (١٣) أخو الشيخ موفق الدين الحنبلي الزاهد. رقى السماء فوق صفائحها، وأبدى الأنباء وفق صحائحها. ووالى أعماله أرسالا، وأيقظ أعماله والرياح كسالى، وعزم اعتزاما مسح بالنجوم راسه، ومسك بخيوط الغيوم أمراسه، فلم يلتفت إلى الدنيا ومغازلتها، ولا انفتل إلى مقاتلتها، على الدنايا ومنازلتها، تحليقا إلى دار نعيمها سرمدا، ونسيمها لا يرى منه من شكوى الهوى أرمدا، فقطع الغاية مسرعا، ورفع حيث أراد ممرعا، من قوم كانوا أهل علو وعلوم، وفي أموالهم حق معلوم، وكان غماما به يستسقى، وإماما عنه الدين يتلقّى. ويقال إنهم من بني الفاروق (١)، ثم من ولده عبد الله، ولا يعرف إلى من هم بنيه، ولا إلى أب في النسب يليه، إلا أنهم في الذرية العمرية من معدن شرف، ومثوى كرم، ما يحل منه في طرف.

стр. 3244

ولد سنة ثمان وعشرين وخسمائة، بقرية "الساويا" من أعمال نابلس (١)، وقيل: ب "جمّاعيل". قال أبو المظفر [الواعظ] (٢) سبط ابن الجوزي: "حدثني أبو عمر قال: هاجرنا في بلادنا، فنزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا به [مدة]، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: " الصالحية، الصالحية! "ينسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أننا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال أبو المظفر: " وكان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسّما، نحيل الجسم من كثرة الصلاة والصيام، والقيام " (٣). قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ" مختصر الخرقي "في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر. واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب [الكثير بخطه المليح من المصاحف والكتب مثل:] " الحلية "لأبي نعيم، و" تفسير البغوي "، و" المغني "لأخيه (٤)، و" الإبانة "لابن بطّة، ومصاحف كثيرة، للناس ولأهله، وكتبا كثيرة، الكل بغير أجرة. وكان يصوم الدهر، إلا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعين من القرآن، بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، و" ياسين "و" تبارك "و" الواقعة "، والمعوذتين، و" قل هو الله أحد "، وإذا ارتفعت الشمس لقّن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي ثماني ركعات، ويقرأ" قل هو الله أحد "

стр. 3245

ألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيا بالقبقاب، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع "الشّيح" من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل، واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم، والدقيق، ولا يعرفونه، ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه، وغيرهم، ويتصدّق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبّة بغير ثوب [من تحتها يتصدق بالتحتاني]، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة، أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه، وما نهر أحدا ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: "أنا زاهد ولكن في الحرام! ". ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق في خيمة، فجاء العادل إلى زيارته، وهو في الصلاة فما قطعها، ولا التفت، ولا ترك ورده، وكان يصعد المنبر وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفي يده عصا، فما قطعها، ولا التفت، والمنبر يومئذ ثلاث مراقي، وكان يحضر الغزوات مع صلاح الدين. قال أبو المظفر (١): وكراماته كثيرة؛ فمنها: أني صليت يوم جمعة بجامع الجبل في سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونيني (٢) إلى جانبي، فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب، نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة توبة، وكان نازلا بها، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء، فصلّيت وطلعت وراءه، وقلت له: خير ما الذي أصابك؟، فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة!، يقول على المنبر: "الملك العادل" وهو ظالم! فما يصدق!!!. وكان أبو عمر يقول: "اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر ابن أيوب".

стр. 3246

فقلت: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليت شعري خلف من تصح؟. وخطر لي قول عبد الرحمن بن عوف لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ يمشي في أزقّة المدينة، فتبعه، فأتى بيت عجوز، فدخله، قال: فدخلت لأبصر ما يصنع؟. فتواريت، وإذا به قد خرج من عندها، فدخلت بعده وقلت للعجوز: ما كان هذا يصنع عندك؟. فقالت: يحمل إليّ ما آكل ويخرج الأذى عني!!!. قال عبد الرحمن: فقلت في نفسي: ويحك يا عبد الرحمن! أعثرات عمر تتبع؟. قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، إذ دخل الشيخ، وسلّم، وحلّ مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصلاة، ثم قال ابتداء: "قد روي في الحديث: أن النبي ﷺ قال: (ولدت في زمن الملك العادل كسرى) (١). فنظر إليّ الشيخ عبد الله وتبسّم، وأكل، وقام الشيخ أبو عمر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ما ذا إلا رجل صالح. قال أبو المظفر (٢): وأصابني قولنج، عانيت منه شدة، فدخل علي أبو عمر وبيده خرّوب شامي مدقوق، فقال: استفّ هذا. وكان عندي جماعة فقالوا: هذا يزيد القولنج!، ويضرّه. فما التفت إلى قولهم، وأخذته من يده فأكلته، فبرأت في الحال. قال: وجاءه رجل مغربي فقرأ عليه القرآن، ثم غاب عنه مدة، وعاد، فلازمه، فسئل عن ذلك؟ فقال: دخلت ديار بكر، فأقمت عند شيخ له زاوية وتلاميذ، فبينا هو ذات يوم جالس بكى بكاء شديدا، وأغمي عليه، ثم أفاق، وقال: مات القطب الساعة!، وقد أقيم أبو عمر شيخ الصالحية مقامه!. قال: فقلت له: ذاك شيخي!. قال: فأيش قعودك هنا؟. قم فاذهب إليه، وسلّم إليه

стр. 3247

عني، وقل له: لو أمكنني السعي إليه لسعيت. ثم زودني، وسافرت. قال أبو المظفر: وقلت له يوما أول ما قدمت الشام - وما كان يرد أحدا في شفاعة - وقد كتب رقعة إلى الملك المعظّم: "كيف تكتب هذا والملك المعظّم على الحقيقة هو الله؟. فتبسّم، ورمى إليّ الورقة، وقال: تأمّلها. وإذا به لما كتب" الملك المعظّم "كسر الظاء، فصار" المعظّم ". وقال: لا بد أن يكون يوما قد عظّم الله تعالى. قال: فعجبت من ورعه، وتحفّظه في منطقه عن مثل هذا. قال أبو المظفر: وقال أبو عمر يوما للمبارز المعتمد: قد أكثرت عليه من الرقاع والشفاعات!. فقال له: ربما تكتب إليّ في حق أناس لا يستحقون الشفاعة، وأكره ردّ شفاعتك. فقال له الشيخ: أنا أقضي حق من قصدني، وأنت إن شئت فاقبل، وإن شئت فلا تقبل. فقال: ما أردّ ورقتك أبدا. قال أبو المظفر: وكان سبب موته أنه حضر مجلسي بالجامع بقاسيون، مع أخيه الموفّق، والجماعة. وكان قاعدا في الباب الكبير، وجرى الكلام في رؤية الله ومشاهدته، واستغرقت، وكان وقتا عجيبا فقام أبو عمر من جانب أخيه، وطلب باب الجامع ولم أره، فالتفت وإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد. فظنّ أبو عمر أنني أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية، إلى آخر المجلس، ثم حمل إلى الدير فكان آخر العهد به، وأقام أياما مريضا، ولم يترك شيئا من أوراده، فلما كان عشيّة الاثنين، ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وستمائة، جمع أهله، واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله، ومراقبته، وأمرهم بقراءة" يسن "، وكان آخر كلامه: ﴿إِنَّ اَللّهَ اِصْطَفى لَكُمُ اَلدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، وتوفي. وغسّل وقت السّحر، ومن وصل إلى الماء الذي غسّل به نشّف به؛ النساء مقانعهنّ،

стр. 3248

والرجال عمائمهم. ولم يتخلف عن جنازته أحد، ولما خرجوا بجنازته من الدير، كان يوما شديد الحر، فأقبلت غمامة فأظلّت الناس إلى قبره!. وكان يسمع منها دويّ كدويّ النحل. قال أبو المظفر: ولولا المبارز المعتمد والشجاع بن محارب، وسيف الدولة الحسامي ما وصل إلى قبره من كفنه شيء!. وإنما أحاطوا به بالدبابيس (١) والسيوف. وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأنّ قاسيون وقع، أو زال من مكانه، فأوّلوه: موته. ولما دفن رأى بعض الصالحين النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبو عمر ليلة الجمعة، فكأنما زار الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة. قال أبو المظفر: وأنشدني أبو عمر لنفسه: ألم يك ملهاة عن اللهو أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم ألمّ بي الخطب الذي لو بكيته … حياتي حتى ينفد الدمع لم ألم (٢) قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتا وهديا، وكان حسن العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، والآثار المروية، يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وكان ينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ . وأنشد لنفسه أيضا: أوصيكم بالقول في القرآن … بقول أهل الحق والإتقان

стр. 3249

ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الديّان آياته مشرقة المعاني … متلوة لله باللسان محفوظة في الصدر والجنان … مكتوبة في الصحف بالبنان والقول في الصفات يا إخواني … كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران … من غير تشبيه ولا عطلان وقال أبو شامة (١): أخبرني بعض أصحابنا الثقات، أنه رأى الإمام الشافعي في المنام، فسأله: إلى أين تمضي؟. قال: أزور أحمد بن حنبل، قال: فاتّبعته، أنظر ما يصنع؟. فدخل دارا، فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر - رحمه الله تعالى. (٢) وقال أبو شامة: وأول ما وقفت على قبره وزرته، وجدت بتوفيق الله تعالى رقّة عظيمة، وبكاء، وكان معي رفيق لي، وهو الذي عرّفني قبره، وجد أيضا مثل ذلك، رحمه الله تعالى. (٣) ومنهم: ٥٤ - عبد الله بن عثمان بن جعفر بن أبي القاسم محمد اليونينيّ (١٣) ملجأ لخائف، وملجم للسان كل مفتر وحائف، صفت له أيامه صفاء الزجاجة، ووفت

стр. 3250

له لياليه وفاء السحب الثجّاجة، فمسّ السماء ومسحها، ومدّ النعماء وفسحها، والحق يسعده، ويقربه ولا يبعده، دامت به كل عين قريرة، ونسبته على المحاسن قديرة، وهو للمتبصر سيف لم يثلم، وللمقتصر شرف ما كلّ من رقا إليه بسلّم يسلم، فكان فضله شيء جزم به وقطع، وعلم أن غيره لو حاوله لم يستطع، تهلل به وجه الدهر وكان قد كلح، وصلح به فساده وقطّ ما صلح. قال عبد الله بن شكر اليونيني: كان الشيخ - رحمه الله تعالى - في شيبوبيّته قد انقطع في الجبل، وكانت أخته تأتيه كل يوم بقرص وبيضتين، فأتته بذلك مرة، وإذا بفقير قد خرج من عنده ومعه قرص وبيضتان، فقالت له: من أين لك هذا؟. قال: من ذاك القاعد، له شهر كل يوم يعطيني قرصا وبيضتين!. فأتته وسألته، فنهرها، وزعق فيها. (١) وقال خليل بن عبد الغني (٢) الزاهد الأنصاري: كنت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشيخ عبد الله، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلاسة، ليتوضّأ، وإذا برجل متختّل يفرّق ذهبا، فلما وصل إليّ أعطاني خمسة دنانير، وقال: أين سيدي الشيخ؟. قلت: يتوضأ. فجعل تحت سجادته ذهبا، وقال: إذا جاء قل له: مملوكك أبو بكر التكريتي يسلّم عليك، ويشتهي أن تدعو له. فجاء الشيخ وأنا ألعب بالذهب في عبّي، ثم ذكرت له قول الرجل، فقال توبة: من ذا يا سيدي؟. قال: صاحب دمشق؛ وإذا به قد رجع، ووقف قدام الشيخ، والشيخ يصلي، فلما سلّم أخذ السواك ودفع به الذهب، وقال: يا أبا بكر! كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق؟. وتغزل امرأة وقيّة تبيعها فيؤخذ منها قراطيس؟. فلما راح أبطل ذلك، وكان الملك العادل. وقال محمد بن أبي الفضل: كنت عند الشيخ، وقد جاء إليه المعظّم، فلما جلس عنده، قال: يا سيدي! ادع لي. قال: يا عيسى لا تكن نحس (٣) مثل أبيك!. فقال: يا سيدي وأبي

стр. 3251

كان نحس؟. قال: نعم. أظهر الزغل (١)، وأفسد على الناس المعاملة، وما كان محتاج!. قال: فلما كان الغد، أخذ الملك المعظّم ثلاثة آلاف دينار، وطلع إلى عند الشيخ بها، وقال: هذه تشتري بها ضيعة للزاوية. فنظر إليه، وقال: قم يا ممتحن، يا مبتدع!، لا أدعو الله تنشق الأرض وتبتلعك، ما قعدنا على السجاجيد حتى أغنانا، تحتي ساقية تجري ذهب وساقية تجري فضة!، أو كما قال (٢). وقال أبو طالب النجار: أنكر الشيخ عبد الله على صاحب بعلبك، وكان يسميه" مجيد "، فأرسل إليه الأمجد يقول: إن كانت بعلبك لك فأشتهي أن تطلقها لي، فلم يبلّغه رسول الأمجد شيئا. وقال أبو المنى خادم الشيخ مسعود الحمصي: كنت ليلة جالسا أكبّس الشيخ، وإذا به قد ضمّ رجليه، وقام. فقلت في نفسي: خرج مجددا وضوءا. قال: فأبطأ علي، فخرجت أطلبه، فلم أجده، فبقيت أنتظره إلى أن عاد، فكبّسته، ثم قام، وخرج، وعاد، فبقي في نفسي شيء، فقال: مالي أراك؟، أيش في نفسك؟. قلت: أنت تدري. قال: ويحك، كان الشيخ عبد الله اليونيني قد خرج يزور جبال العراق فودّعته، إلى الفرات، ثم رجع فودعته ثم ناولني منشفة بغدادية وقال لي: هذه أعطانيه الشيخ، أو ما هذا معناه. وقال أبو الحسن علي بن عثمان الموصلي: حضرت مجلس الشيخ الفقيه ببعلبك، وهو على المنبر، فسألوه أن يحكي شيئا من كرامات الشيخ عبد الله، فقال بصوت جهير: كان الشيخ عبد الله عظيم (٣)، كنت عنده، وقد ظهر من ناحية الجبل سحابة سوداء مظلمة، ظاهر منها العذاب، فلمّا قربت قام الشيخ، وقال: إلى بلدي؟ ارجعي، فرجعت السحابة.

стр. 3252

ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صدّقت (١). وقال الشيخ محمد السكاكيني، وكان لا يكاد يفارق الشيخ، قال: دعاني إنسان، وألحّ عليّ؛ [فأتيته] فقلت: كيف أخلي الشيخ؟ فقال: لا بدّ من هذا. فلما كان الليل، قلت في نفسي: يكون الشيخ في الجبل، وأنا ها هنا، فقمت، وطلعت من السور، من عند عمود الراهب، وجئت إلى الزاوية، فإذا الشيخ ظاهرها وهو يقول: يا مولاي! ترسل إليّ الناس في حوائجهم؟، من هو أنا حتى ترسلهم إليّ؟. اقضها أنت لهم يا مولاي!. إبراهيم النصراني من جبّة بشرّي (٢)، يا مولاي!، ودعا له، فبهتّ لذلك، ونمت، ثم قمت إلى الفجر، وبقيت عنده يومئذ إلى الليل. فلما كان الليل وأنا ظاهر الزاوية، إذا بشخص، فقلت: أيش تعمل هنا؟. وإذا هو إبراهيم النصراني!. من" جبة بشرّي "، قلت: أيش جابك؟. قال: أين الشيخ؟. قلت: يكون في المغارة، وأيش تريد به؟. قال: رأيت البارحة رسول الله ﷺ وهو يقول: تروح إلى الشيخ عبد الله، وتسلم على يده، فقد شفع فيك!. فرحنا إلى الشيخ وإذا به في المغارة، فلما رآه الشيخ، قال: يا سيد! أيش بك؟. فقصّ عليه ما رأى، فتفجّرت عينا الشيخ، وغرغرت بالدموع، وقال: " سماني رسول الله ﷺ شويخ!؟. فأسلم إبراهيم، وجاء منه رجلا صالحا (٣). وقال عبد الصمد: والله الذي لا إله إلا هو، مذ خدمت الشيخ عبد الله، ما رأيته استند على شيء، ولا سعل، ولا تنحنح، ولا بصق (٤).

стр. 3253

وقال الفقيه محمد اليونيني (١): حضرت الشيخ عبد الله مرّتين، وقد سأله ابن خاله حميد بن برق، فقال: زوجتي حامل، إن جاءت بولد ما اسميه؟. قال: سمّ الواحد سليمان، والآخر داود!. فولدت اثنين توأما. وقال له ابنه محمد: امرأتي حامل، إن جاءت بولد ما أسميه؟. قال: سمّ الأول عبد الله، والثاني: عبد الرحمن! (٢). وقال سعيد المارديني: جاء رجل من بعلبكّ إلى الشيخ، فقالوا: جاءت الفرنج. قال: فمسك لحيته، وقال: هذا الشيخ النحس ما قعوده ها هنا؟. فردّت الفرنج!. وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان" (٣): عبد الله اليونيني أسد الشام، كان صاحب رياضات ومجاهدات، وكرامات وإشارات، لم يقم لأحد تعظيما لله؛ وكان يقول: لا ينبغي القيام لغير الله. صحبته مدة، وكان لا يدّخر شيئا، ولا يمس دينارا ولا درهما، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقلنسوة من جلد ما عز تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثم يؤثر بها في البرد. قال لي يوما ببعلبكّ: يا سيدي!، أنا أبقى أياما في هذه الزاوية ما آكل شيء (٤)!. فقلت: أنت صاحب القبول، كيف تجوع؟. قال: لأن أهل بعلبكّ يتّكل بعضهم على بعض، فأجوع أنا. فحدّثني خادمه عبد الصمد، قال: كان يأخذ ورق اللوز يفركه، ويستفّه!.

стр. 3254

وكان الملك الأمجد يزوره، فكان الشيخ يهينه، فما قام له يوما، وكان يقول: يا مجيد! أنت تظلم وتفعل، وهو يعتذر إليه. وأظهر الملك العادل قراطيس سودا، فقال الشيخ عبد الله: انظروا إلى هذا الفاعل الصانع، يفسد على الناس معاملاتهم، فبلغ العادل ذلك، فأبطلها (١). وكنت اجتمعت به في سنة ستمائة إلى سنة ثلاث، وكان له تلميذ اسمه توبة. وسافرت إلى العراق سنة أربع، وحججت، فلما كان يوم عرفة، صعدت جبل عرفات، فإذا بالشيخ عبد الله قاعد مستقبل القبلة، فسلّمت عليه، فرحّب بي وسألني عن طريقي؟، وقعدت عنده إلى وقت الغياب، ثم قلت: ما نقوم نروح إلى المزدلفة؟. فقال: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيت مزدلفة ومنى، فدخلت مسجد الخيف، فإذا بالشيخ توبة، فسلّم عليّ، فقلت: أين نزل الشيخ؟. فقال: أيّما شيخ؟. قلت: عبد الله اليونيني. قال: خلّفته ببعلبكّ. فقطّبت (٢)، وقلت: مبارك. ففهم، وقبض على يدي وبكى، وقال: بالله حدثني، أيش معنى هذا؟. قلت: رأيته البارحة على عرفات. ثم رجعت إلى بغداد، ورجع توبة إلى دمشق، وحدّث الشيخ عبد الله، ثم حدثني الشيخ توبة، قال: قال لي ما هو صحيح منك، فلان فتى، والفتى لا يكون غمّازا، فلما عدت إلى الشام عتبني الشيخ. قال سبط ابن الجوزي: وحدّثني الجمال [بن] (٣) يعقوب، قاضي [كرك] البقاع (٤)، قال: كنت عند الجسر الأبيض، وإذا بالشيخ عبد الله قد جاء ونزل إلى ثورا، وإذا بنصراني عابر، ومعه بغل عليه حمل خمر، فعثر البغل ووقع، فصعد الشيخ وقال: يا فقيه! تعال. فعاونته

стр. 3255

حتى حملناه، فقلت في نفسي: أيش هذا الفعل؟. ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة، فجاء إلى دكان الخمّار، فحلّ الظرف وقلبه، وإذا به خل!. فقال له الخمّار: ويحك هذا خل!. فبكى، وقال: والله ما كان إلا خمرا من ساعة، وإنما أنا أعرف العلة، ثم ربط البغل في الخان، وعاد إلى الجبل، وكان الشيخ قد صلى الظهر عند الجسر في مسجد، فدخل عليه النصراني، وأسلم، وصار فقيرا (١). قال أبو المظفر (٢): وكان الشيخ شجاعا، ما يبالي بالرجال، قلّوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلا، وما فاتته غزاة في الشام قطّ. وكان يتمنى الشهادة، ويلقي نفسه في المهالك. فحكى لي خادمه عبد الصمد: قال: لما دخل العادل إلى بلاد الفرنج، إلى صافيتا، قال لي الشيخ ببعلبكّ: انزل إلى عبد الله الثقة، فاطلب لي بغلته، قال: فأتيته بها، فركبها، وخرجت معه فبتنا في يونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المحدثة الفجر، فقلت له: لا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وقال: الله أكبر، فجاوبته الجبال، فيبست من الفزع!، ونزل فصلى الفجر، وركب، فطلعت الشمس، والطير لا يطير في تلك الأرض، وإذا قد لاح في ناحية حصن الأكراد طلب أبيض، فظنهم "الأسبتار" (٣)، فقال: الله أكبر، ما أبركك من يوم!. اليوم أمضي إلى صاحب. وساق إليهم وشهر سيفه، فقلت في نفسي: شيخ وتحته بغلة، وبيده سيف، يسوق إلى طلب فرنج!. فلما كان بعد لحظة وقربوا، إذا هم بمائة حمير وحش، فانكسر قلبه، وفترت همته، وجئنا إلى حمص، فجاء الملك المجاهد أسد الدين، وقدّم له حصانا من خيله، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب.

стр. 3256

وكان يقول للفقيه محمد: فيّ وفيك نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبارِ وَاَلرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلنّاسِ بِالْباطِلِ﴾ (١) أنا من الرهبان، وأنت من الأحبار! (٢) وقال كمال الدين ابن العديم في "تاريخ حلب" (٣): أخبرني الشيخ محمد اليونيني، قال: سمعت الشيخ عبد الله اليونيني ينشد: شفيعي إليكم طول شوقي إليكم … وكلّ كريم للشفيع قبول وعذري إليكم أنني في هواكم … أسير ومأسور الغرام ذليل فإن تقبلوا عذري فأهلا ومرحبا … وإن لم تجيبوا فالمحبّ حمول سأصبر، لا عنكم ولكن عليكم … عسى لي إلى ذاك الجناب وصول وأخبرني الشيخ محمد قال: كان الشيخ يصلي بعد العشاء الآخرة وردا إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب ربه ، ويقول: يا رب! الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية، والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضيتها، فهكذا يكون؟. ويبكي ليله وينتحب. وليلة يتمثل بهذه الأبيات، وكان يتمثل بها كثيرا. (٤) قال: وأخبرني القاضي شمس الدين عبد الله الحنفي النائب بدمشق، قال: حكى رجل من الفقراء كان قد صحب الشيخ عبد الله اليونيني، وكان في صباه حماميا، قال: دعتني نفسي إلى معاشرة النساء، فبينا أنا عند امرأة، وإذا زوجها قد جاء، فدقّ الباب، فحرت، وكان بيتها صغيرا، فصعدت السطح، فدخل زوجها، فرآها متغيرة، فقال: مالك؟. قالت: لا شيء. فارتاب، وصعد السطح.

стр. 3257

قال: ونظرت والله إلى عمامته وهو في السلّم صاعد. فقلت: "يا سيدي الشيخ عبد الله!، أنا في حسبك". فطلع، فلم يرني، ونزل، وبقي في بيته ساعة، وخرج. فنزلت، ومضيت إلى الشيخ، فقال: ويلك يا مدبر! تتستّر بنا، وتستعين بنا على المعاصي؟!. قال ابن العديم: وقد صحبته، ووهب لي قميصا له أزرق، وقال لي يوما ببيت المقدس: يا أبا القاسم! اعشق تفلح!. فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وستمائة. وعدت مع والدي. ثم بعد مدة سارّني بجامع دمشق، وقال: عشقت بعد؟. فقلت: لا. قال: شه عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذلك بسنة، وملت إلى الزوجة ميلا عظيما، فما كنت أصبر عنها. (١) قال لي الفقيه محمد (٢): كنت عند الشيخ، فالتفت إلى داود المؤذّن، فقال: وصيّتك بي غدا، فظنّ المؤذن أنه يريد يوم القيامة. وكان ذلك يوم الجمعة، وهو صائم، فلما جاء وقت الإفطار، قال لجاريته: يا درّاج! أجد عطشا. فسقته ماء لينوفر، فبات تلك الليلة، وأصبح وجلس على حجر، موضع قبر، مستقبل القبلة، فمات وهو جالس، ولم يعلم بموته، حتى حرّكوه، فوجدوه ميتا، فجاء المؤذّن وغسّله، رحمه الله تعالى (٣).

стр. 3258

قال الفقيه (١): كنت عند الشيخ يوما؛ فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟. قال: لا. فذهب أحدهما وجلس الآخر، فقال الشيخ: ﴿فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ اَلنّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ﴾ (٢)، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أياما، فقال له الشيخ: تحب أن أريك قبرك؟. قال: نعم. فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك!. فأقام بعد ذلك اثني عشر يوما، أو أربعة عشر يوما، ثم مات، فدفن في ذلك المكان!. وكان له زوجة، ولها بنت، فطلبت أن يزوجني بها، فتوقّفت أمها، وقالت: هذا فقير ما له شيء. فقال: والله إني أرى دارا قد بنيت له، وفيها ماء جار، وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟. قال لها: نعم. فزوّجتنيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سنجار. وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي، وتشفّعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرت عليّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طوّل روحك يومين، ثلاثة، ما تعود تراها. قال: فقدم ابن عمها من مصر أمير كبير بعد أيام، فتزوّج بها، وما عدت رأيتها. قال ابن العديم: توفي في عشر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وستمائة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. وكان رحمه شيخا طوالا، مهابا، كأنه نار، وكان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه

стр. 3259

نائما ضربه، وكان له عصاة اسمها "العافية" (١). وكان شجاعا في الله، وبالله، كثير الأذكار والحضور، يغار ممن يذكر اسم "الجبّار" بغير استحضار، وله هيبة على المشايخ والفقراء، لا يستطيع الإنسان أن يطيل النظر إليه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. وقال الشيخ شمس الدين محمد بن العماد نزيل مصر: ما سمي أحد بأسد الشام إلا الشيخ عبد الله اليونيني. وقال الشيخ علي القصار: كنت إذا رأيت الشيخ عبد الله أهابه كأنه أسد، فإذا دنوت منه، وددت أني أشق قلبي وأجعله فيه (٢). رحمه الله تعالى.

стр. 3260

ومنهم: ٥٥ - الشّيخ يونس بن يوسف بن مساعد الشّيبانيّ، المخارقيّ، المشرقيّ، القنيّيّ (١٣) شيخ الفقراء اليونسية. رجل لم يكن في التقوى محرّجا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (١)، توالت عليه العصب، وقام له العدو وانتصب فردّ خائبا، وفرّ دون لقائه آئبا، فتوكل له ربه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، فكشف له الغطاء، ووكف له العطاء، وأنافت له غدر المواهب، وأشرقت به غدائر الغياهب، وكانت لياليه مشكاة لأنوار، ومشكاة لأوار، وعزائمه تسعّر لجج السيوف وتوقدها، وطائفته شاكية السلاح، شافية في أهل الصلاح، طالما حلّوا الدهر همما، وأشبهوا الصحاب دمما، واتّزروا بزيّ غريب من طرّة عجيب نظره، ولم يكن من انتموا إليه وارتموا عليه على طريقتهم التي سلكوها، وحقيقتهم التي ضيّعوها بعد أن ملكوها. قال ابن خلّكان: [وسألت جماعة] من أصحابه عن شيخه من كان؟. فقالوا: لم يكن له شيخ؛ بل كان مجذوبا، وهم يسمون من لا شيخ له ب "المجذوب"، يريدون بذلك أنه جذب إلى طريق الخير والصلاح، ويذكرون له كرامات.
следующие страницы →