← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر … (١) يسرّ الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلاليّ رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك. قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنت بكفر عزى، فنزحت مع جماعة فيهم خير نلتمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل - وهو من كفر عزى على ميل - في أيام الربيع، فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أياما متتابعة، وقلت فيه هذه الأبيات: [مجزوء الوافر] عمرنا عمر إتراعي … ل بالقصف وباللّعب! بفتيان ذوي شرف … وقدر وذوي لبّ بغوا في كفر عزى نز … هة تبعث للشّرب! فوافوا جنّة من عم … ر إتراعيل عن قرب وقد حفّ بكرم و … بأشجار له غلب وأنهار يحاكى جز … يها مسلولة القضب وروض راضه المزن … فأضحى وهو كالعصب رأوه كعروس ج … ليت في حلل قشب فحلّوا منه في منز … ل لهو مونق رحب ودارت نجب الأبطا … ل مجّت بحلى الشّرب على أوجه أعمار … على قضب على كثب فما ظنّك بالعطشا … ن عند المكرع العذب؟

стр. 352

قال فانصرفنا بعد أيام، وكلنا يود أن لا يزول منه: لطيبه وحسنه. قال ابن المستوفي: وليس بهذا الدير الآن شجر ولا ماء على بابه. وفيه بيعة حسنة وقناة قديمة ورحاه باقية، والماء الذي يدير … (١) بعيد عن الدير؛ وفي كل عيد من أعياد النصارى يقام به سوق وتخرج إليه جماعة من إربل ويزوره خلق من النواحي يكونون في مدة يومين أو أكثر وينصرفون عنه دير باقوقا: ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، قال: وهو إلى الآن باق، وفيه رهبان كثيرة. ذكر الشمشاطي (٢) أنه وراء الزابي وله مزرعة إلى جانب دارى وفيها بساتين وفيها تين أسود كبير. وبينه وبين الموصل سبعة فراسخ. وهو دير كبير. وكان أنشدني فيه أبو الحسين محمد بن ميمون الكاتب: [الوافر] نزلت بدير باقوقا وفيه … من الرّهبان لي خدن مقيم فألحقني بصهباء شمول … يفوح بعنبر منها النسيم ونادمني برهبان ملاح … وفيهم شادن حسن رخيم وسرنا عنه والأهواء فيه … وهل شيء من الدنيا يدوم؟ دير سعيد (٣): وهو بالجانب الغربيّ من الموصل، مطلّ على دجلة، حسن

стр. 353

البناء. حوله قلالي (١) كثيرة، حسنة العمارة، ظاهرة النضارة. في كلّ قلاية منها جنينات لرهبانه، فيها طرائف الرياحين وغرائب الشجر. كثير النرجس. وهو يقارب تل باذع. وتراه في الربيع كالوشى الملمّع، والحلي المرصّع. وهو منسوب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان. أصحّ ما قيل في نسبته إليه أنه ربما كان يتعهّده أيام إمارته بالموصل (٢). ويقال إن لترابه أثرا في دفع أذى العقارب، وإن ماءه إذا رشّ في دار، قلت العقارب بها. وحكي أن رهبانه ألزموا في وقت بجباية، فقاموا بثلثمائة ألف درهم. وللخالدي فيه شعر. منه (٣): [الوافر] ألا فاسترزق الرحمن خيرا … وسر بالكاس نحو السكر سيرا! فأيّام الهموم مقصّصات … وأيام السّرور تطير طيرا! وله فيه (٤): [٢١١] [الخفيف]

стр. 354

سعدت صحبتي بدير سعيد … يوم عيد في حسنه ألف عيد! كم فتاة مثل المهاة، سلبنا … ها صليبا من بين نحر وجيد! وغرير مثل الغزال حللنا … عقد زنّار خصره المعقود! وحططنا رحالنا بفناء ال … هيكل المونق البديع المشيد والروابي مشهّرات كغلما … ن لنا في محبّرات البرود فخدود مثل الشّقائق في اللّو … ن تليها شقائق كالخدود وإذا ما الهزار غرّد في الغص … ن، حكته الأوتار في التغريد من رآنا - ونحن في الأرض صرعى - … قال: قوم موتى بغير لحود! وله فيه (١): [المنسرح] قامر بالنفس في هوى قمر … ونال وصل البدور بالبدر وافتضّ أبكار لهوه طربا … بين عشايا المدام والبكر من لم يدر في ربى الحدائق من … دير سعيد، رحاه لم تدر مسرّة كيلها بلا حشف … ولذّة صفوها بلا كدر قد ضربت خيمة الغمام لنا … ورشّ خيش النسيم بالمطر وعنّدنا عاتقان حمراء كالش … مس وأخرى صفراء كالقمر يا تاركا طيب يومه لغد! … تبيع عين السّرور بالأثر؟ وقوله (٢): قد طفح القلب بالهموم فإن … طفت بكأس، فهاتها تطفح! في جنح ليل ترى كواكبه … وهي إلى الغرب، كلّها جنّح [٢١٢]

стр. 355

نراك تنسى سرور يومك في … دير سعيد وظله الأفيح! على بساط من البنفسج قد أل … قي من الورد فوقه مطرح! وكأس راح يديرها قمر … لحاظه في قلوبنا تجرح! قد كان فيما مضى يعرّض بال … وصل، ولكن أراه قد صرح! وقوله (١): [الهزج] فكم من روحة والشّم … س لم تدن لتطفيل إلى دير سعيد أو … إلى دير مخائيل! بساق كمهاة مغ … زل أدماء عطبول! ترى في وجهه وجه … ك للرقّة من ميل! فأجراها كخلخال … من الياقوت مفتول شربناها على أوج … هـ حور كالتماثيل إذا شئن تمنطقن … جميعا بالخلاخيل قال الخالدي: وأنشدني السري الرفّاء لنفسه فيه (٢): [الكامل] وقلالي الدير الذي (٣) لولا النّوى … لم أرمها بقلى ولا بعقوق محمرّة الحيطان (٤) ينفح طيبها … فكأنّها مبنية بخلوق! فمتى أزور بنات (٥) مشرفة الذّرى … فأرود بين النّسر والعيّوق؟

стр. 356

وأرى الصّوامع في غوارب أكمها … مثل الهوادج في غوارب نوق؟ حمر تلوح خلالها بيض كما … فصّلت بالكافور سمط عقيق وحكى ابن المستوفي في «تاريخ إربل»، في ترجمة أبى حفض عمر بن محمد بن الشّحنة الموصليّ النحويّ (١)، أنه نقل من مجموع بخطه، قال: كنت في يوم من أيام الربيع بدير في ظاهر الموصل، يعرف بدير سعيد. وكان فيه راهب من النّبل، كنت آوي إليه إذا جئت الدير. فاتّفق في ذلك اليوم أنى خرجت من قلايته إلى بستان الدير ومعي جماعة من الكتّاب، كنت آنس بهم. ونحن على لذتنا، وإذا قد أتانا رجل، فجلس واندفع يغني، ويقول هذا الصوت في الموضع الفلانيّ، ليرينا أنه يعرف صنعة الغناء. فأبرمني وأبرم الجماعة، واستثقلناه. فسألني بعض الجماعة أن أقول فيه على طريق العبث شيئا. فعملت في الحال: [الطويل] ثقيل يصمّ السمع من قبح صوته … وتعمى له أبصارنا والبصائر! ولو لم يكن فوق البسيطة لم تزل … مزلزلة بطنانها (٢) والظواهر! تغنّى فقلنا: هاتف البين قد دعا … بفرقتنا أو ريب دهر مبادر! فياليت أن الله لم يك خالقي … ويا ليته دارت عليه الدوائر!

стр. 357

الدير الأعلى (١): وهو بالموصل، في أعلى جبل، يطل على دجلة. يضرب المثل به في رقة الهواء، وحسن المستشرف تحته. والجزائر تتفرق خلجانها وغدرانها بإزائه. ولم تزل الولاة تخرج إليه للطف الهواء، والنظر إلى الماء. ويقال إنه ليس للنصارى دير مثله. وظهر عنده معادن الكبريت، والمرقشيثا (٢) والقلقطار (٣) وأشياء من هذه الأنواع. ثم صانعت النصارى [٢١٣] حتى أبطلت، خوفا من تثقيل السلطان. قال جعفر بن محمد الفقيه: اجتاز بنا بعض السنين أبو الحسين بن أبي البغل (٤)، فنزل عليه، وخرجت في غد يوم نزوله إليه. فجعل يصف من طيب الهواء فيه وطيب قراءة رهبانه أمرا عظيما. ثم أنشدني لنفسه فيه شعرا، ولست أرضاه (٥).

стр. 358

ومما قال الخالديّ فيه (١): [الكامل] واستشرفت نفسي إلى مستشرف … للدير، تاه بحسنه وبطيبه متفرق آذيّ دجلة تحته … بغديره وخليجه وقليبه فنعمت بين رياضه وغياضه … وسكرت بين شروقه وغروبه (٢) غنّى الجمال به فزاد الثّغر من … تفضيضه، والخدّ من تذهيبه واهتزّ غصن البان في زنّاره … وأضاء جيد الرّيم تحت صليبه وله: (٣) [المتقارب] فتكت! فلا تأخذن من فتك … بما أخذ الجهل أو ما ترك! أدرها! ألست ترى الدير في … بدائع من حلل لم تحك؟ وبين البكور وبين الغروب … وبين الرّياض وبين البرك، غناء تشدّ إليه الرّحال، … بلحن تحلّ عليه التّكك! دير مار مخايل (٤): وهو على ميل من الموصل، يركب دجلة في بقعة حسناء يطلّ على كروم وشجر. برّي بحري، سهلي جبلي. وبه قلاليّ كثيرة في غاية الظّرف، محفوفة بأنواع الشجر، وأصناف الزهر. وله عيد يكون قبل الشعانين بأسبوع. تخرج إليه النصارى بنسائهم وصبيانهم، ويمرّ لهم فيه يوم وليلة،

стр. 359

تتجاوب فيه ألحان الأغاني وقراءة الرهابين. وحكي أنه أريد به حفر بئر في بعض قلاليه، فأفضى الحفر إلى [٢١٤] صندوق من حجر. فكشف، فإذا فيه ميّت لم يتغير من جسمه شيء، وإذا ثيابه صحيحة. وعند رأسه صحيفة من صفر فيها كتابة قديمة لم يقفوا على قراءتها، ولكنهم علموا أن فيها ذكره. وقصد المسلمون انتزاعه منهم. ثم دارت (١) النصارى حتى خلّي لهم، فردّوه إلى مكانه، وعفّوا أثره. قال الخالدي: والذي يظنّ أنه كان ممن على دين المسيح ﵇، وأنه هرب بدينه، فمات في هذا الموضع، ودفن فيه. قال: وبين هذا الدير وبين الموصل واد يعرف بوادي زمّار، عليه رابية تعرف برابية العقاب، تشرف على دجلة والبساتين والجزائر والنهر. وهي غاية في الربيع. وقال فيه: (٢) [المتقارب] ألست ترى التلّ يبدي لنا … طرائف من صنع آذاره؟ وقد نقّط الزهر خدّ الثّرى … بدرهمه وبديناره وكتّب في لازورد الدّجى … بزنجفره وبزنجاره فلا تلق كأسا بتأخيرها … ولا يوم لهو بإنظاره! قال: وكان جحظة قد أنشدني لنفسه في دير العلث قوله (٣): [البسيط] سقيا ورعيا لدير العلث من وطن! … لا دير حنّة من ذات الأكيراح! أيام، أيام لا أصغي لعاذلة، … ولا تردّ عناني جذبة اللاحي!

стр. 360

فاستحسنتها، وذكرت قول أبي نواس في دير حنّة، وهي في عروضها وقافيتها، فقلت (١): [البسيط] محاسن الدّير تسبيحي ومسباحي … وخمره في الدّجى صبحي ومصباحي! بسط البنفسج … تبسّط في … صحون آس وخيريات (٢) تفّاح بدائع لا لدير لعلث هنّ ولا … لدير حنّة من ذات الأكيراح حتّى تخمّر خمّاري بمعرفتي … وحيّرت (٣) ملحي بالسّكر ملاحي أبا مخايال (٤)، لا تعدم ضحى ودجى … سجال كلّ ملث الودق سحّاح! فإن أقم سوق إطرابي، فلا عجب! … هذا بذاك إذا ما قام نوّاحي! قال: وكان في هذا الدير خمّار، يقال له الحارث، ويكنّى أبا الأسد، معروف بجودة الشراب؛ وكان المجان من أهل الموصل يقصدونه. وكان له ابن حسن الوجه، مهفهف القوام، خفيف الروح، يقال له عبد المسيح، يسقينا ومعنا مغنّ مليح الغناء، غنّانا في شعر حسّان بن ثابت، قوله (٥): [المنسرح] أنظر خليلي ببطن جلّق هل … تؤنس دون البلقاء من أحد؟ وهو صوت معروف في الأغاني. فاستحسناه، وكان معنا كاتب، له عليّ اياد، فقال لي: أحبّ أن تعمل في عروض هذا الشعر شعرا تذكر فيه يومنا.

стр. 361

فقلت: (١) [المنسرح] لا وجفون تنوس في العقد … وحسن ثغر يلوح كالبرد! لا كنت ممن يضيع أدمعه … بين الأثافي والنّؤي والوتد! أحسن من وقفة على طلل … قفر وزجر العيرانة الأجد، كأس مدام جلا المدير بها … أمّ الليالي وجدّة الأبد نشربها شعلة بلا حرق … ونجتليها روحا بلا جسد! هل أحد نال مثل لذّتنا، … يا با مخايال ليلة الأحد؟ سقيا لما خور حارث ولما … خصّ به من محاسن جدد! قلت له وابنه يطوف بها … عمرك فينا عمارة البلد! بابنك ذا في جمال صورته … صرت أبا الظبي لا أبا الأسد هات اسقنيها فإن سفكت دمي! … فما بقتلي عليك من قود! [٢١٦] فأقمنا يومنا ذلك، وبتنا. فلما أصبحنا، أراد الكاتب الموصليّ أن يذهب. وكان اليوم حسنا لرقة غينه (٢)، وملاحة صحوه. وكان للرجل غلام يحبّه، فأراد الركوب إلى ديوانه، فأنشدته أبيات شعر قلتها، فأمر بحطّ سروج بغاله، وأخذنا في شاننا. ومنها: (٣) [المتقارب] بحمرة وجه لذاك الهلال … وفترة مقلة ذاك الغزال! صل اليوم بالأمس، إنّي أرى … له بالسّعود وجوه اتّصال

стр. 362

هواء صفا، وهوى مثله … كخمر دلال وماء زلال وغيم توهمه كالنّوى … وصحو حقيقته كالمحال ومثل اليواقيت زهر الرّبى … وقطر النّدى بينها كاللآل إذا ما دنت شمسه للذّبو … ل، أشرق نوّاره كالذبال وذا الدير تسعى بغزلانه … شعانينه في صنوف الجمال وصفراء بائعها خاسر … ولو حاز عن قدح بيت مال أيابا مخايال أفدي ثراك … بنفسي، ومالي، وعمّي، وخالي! فكم سكرة لي قبل الأذا … ن بين دواليبه والدّوالي! تجول خيول دواليبها … فتملأ ما ورد ذاك المجال وقوله فيه: (١) [البسيط] ببامخايال (٢) إن حاولتما طلبي … فأنتما تجداني ثمّ مطروحا يا صاحباي هو العمر الذي جمعت … فيه المنى، فاغدوا للدير أو روحا! برّ وبحر به يهدي نسيمهما … للرّوح مسكّا بماء الورد منضوحا يجرّ صيّاده الشّبّوط مضطربا … حيّا، وقانصه اليعفور مذبوحا وفيه يقول أبو حفص عمر بن الشّحنة الموصليّ النحوي، من قصيدة (٣): [البسيط] واعمد إلى مر مخائيل فإنّ به … محاسنا لسرور النفس مفتاح!

стр. 363

كم فيه من أشعث باد شحوبته … تهفو له بنته تلك الأكيراح! (١) وفيه يقول أيضا: (٢) [الكامل] يامر مخائيل، وإن بعد المدى، … سقيت صوب سحائب وبوارق! يا حبّذا نوّار روضك إذ غدا … يفترّ من دمع الغمام الدّافق! مغنى خلعت به العذار تصابيا … في غنج أحداق وزهر حدائق! أيام أجري في ميادين الصّبا … متخايلا جري الجموح السّابق! وستأتي القصيدتان، إن شاء الله تعالى، في ترجمته مع النحاة. وبالله التوفيق! دير متى (٣): هو بالموصل، من الجانب الشرقي، على جبل شامخ، يعرف بجبل متّى. [٢١٧] يشرف على رستاق نينوى والمرج. وهو حسن البناء، جيد الحصانة. وأكثر بيوته منقورة في الصخر، في نهاية الحسن والنظافة. ورهبانه لا يأكلون طعاما، إلا جميعا: في بيت للشتاء، وبيت للصيف. ومتى جلس أحد في صحن هذا الدير، نظر إلى الموصل. وبينهما سبعة فراسخ. وله عدّة أبواب مفرطة في الكبر، وكلها من حديد مصمت. وبه صهريج عظيم يجتمع فيه ماء المطر، عمقه اثنا عشر ذراعا: لكل شهر ذراع من الماء. ويفتح هذا الصّهريج من موضعين: في أعلاه وفي أسفله. فيخرج ماؤه من أسدين من صفر. وجملة أمره أنه عجيب عظيم في أمثاله. وحوله من الأشجار ومن سائر الثمار. وفي خارجه مغار في الجبل، فيها صناديق من صخر بأطباق

стр. 364

لموتاهم، فمتى امتلأت خرج رأس الدير مع رهبانه يقرءون أناجيلهم، ويجمعون العظام البالية منها. ثم تطرح في فجّ داخل هذا المغار. قال [الخالدي]: وبتّ ليلة فيه، مع بعض الرؤساء على شرب ولعب، فقلت (١): [الكامل] فلأشكرنّ لدير متّى (٢) ليلة … مزّقت ظلمتها ببدر مشرق! حتى رأينا اللّيل قوّس ظهره … هرم وأثّر فيه شيب المفرق! قال: وقرأت على باب دهليزه بيتين كتبا، وهما (٣): [البسيط] يا دير متّى سقت أطلالك الدّيم … انهلّ فيك على سكّانك النّعم! (٤) فما شفى غلّتي ماء على ظمإ … كما شفى حرّ قلبي ماؤك الشّبم! دير الخنافس (٥): وهو دير صغير بالموصل، بالجانب الشرقي، على قلّة جبل شامخ، يشرف على أنهار نينوى وضياعها. وفيه طلّسم ظريف: يجتمع له في وقت من السنة الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، حتّى تسودّ حيطانه وبيته وسقوفه وأرضه، مدّة ثلاثة أيام. ثم لا توجد. ولهذا سمّي دير الخنافس. قال الخالدي: وهذا معروف مشهور بالموصل. فإذا كانت [٢١٨] تلك الأيام،

стр. 365

أخرج الرهبان أمتعتهم منه، هربا منها. قال: ولا أعرف فيه شعرا إلا ما قاله بعض بني عروة الشّيباني يرثي أخا له، مات عنده، فدفن إلى جانبه. ومنه: [الطويل] بقربك يا دير الخنافس حفرة … بها ماجد رحب الذّراع كريم! طوت منه همّام بن مرّة في الرّبى … هلال ينير اللّيل، وهو بهيم! سقاك وسقاه وسقى ضريحه … أجشّ من الغر العذاب هزيم! فيادير أحسن ما استطعت جواره … فإنّي غاد عنك، وهو مقيم! قال: فنساء بني عروة جميعا تنوح عليه وعلى موتاهم بهذه الأبيات إلى اليوم؛ وإذا نزلت أحياؤهم به، نحروا عليه وأقاموا مآتم. دير باعربا (١): وهو بين الموصل والحديثة، على شاطئ دجلة، من الجانب الغربىّ بإزاء جزائر كثيرة الشجر، قلّما خلت من سبع. وهو جليل عند النصارى، وفيه قبور يعظمونها. وبناؤه عجيب. وارتفاع حائط هيكله نحو المائة ذراع. ما حوله بناء يسنده. وله مزارع. وفيه بيت ضيافة ينزله من يجتاز عليه. قال الشيظمي (٢): لما انحدر سيف الدولة إلى العراق، نزل دير باعربا، وضرب مضربه على شاطئ دجلة، وتغدّى ونام. فلما كان وقت العصر دخل الدير، وصعد سطحه. فرأى منظرا حسنا، من بره وبحره وعلوّ مشترفه. فاستدعى شرابا، ودعا سقارة العوّاد، فغناه. وكان معه من الندماء أبو إسحاق اليسري. ثم استدعاني، وسقّارة يغني بشعر غثّ في وزن بارد. فأمرني بأن

стр. 366

أعمل في عروضه، فقلت بعد تمنّع، لكنه لا يجيء فيه الحسن: [الرمل] شرفا يا دير عربآء ومجدا … بهما تعى مدى الدّهر وتعمر! سترى ماءك هذا ماء ورد، … وترى صحنك ذا مسكا وعنبر إذ على سطحك سيف الدولة القر … م الذي فات الورى عزّا ومفخر [٢١٩] والذي إن سار في العسكر فردا … فهو في إقدامه ألف عسكر! دير القيّارة (١): وهو فوق دير باعربا، على جانب دجلة الغربي نسب إلى عين فيه ومعدن، يستخرج منه القير. وتحته حمّة عظيمة. يقصده من به علة أعيت الأطباء، فيقيم به خمسة أيام. مستنقعا في مائها، فيبرأ من علته. ويشفى من النقرس ويبسط التشنج، ويزيل الأورام الجاسية والرياح الغليظة، ويلحم الجراحات. قال الخالدي: وسبيل من قصدها، أن يظلّ نهاره في مائها، ويأوى ليله هيكل ديرها، ويدهنه رهبانه بالطيبوث (٢). فيشفى بإذن الله. وفيه عيون يخرج منها النفط والقير. فتتقبّل من السلطان بألوف دراهم في

стр. 367

كل سنة. ومرافق هذا الدير كثيرة. قلت: وسنلّم بذلك في موضعه. دير بارقانا (١): وهو فوق الحديثة، على جانب دجلة الشرقي. راكب للماء، في موضع نزه حسن. وبناؤه محكم. وقلاليّه كثيرة الشجر والزهر. وله بساتين ومباقل. ويقال إنه ليس في سمك دجلة أسمن من سمك يصاد من شاطئه. قال الخبّاز البلدي (٢): اجتزت به، فرأيت من حسنه ونضارة شجره، ما دعاني إلى المقام به والقصف فيه. وسألت رهبانه عن الشرب، فدلّوني على راهب منهم. فرأيته ظريفا، وقلّايته مليحة، وشرابه صافيا جدّا. فابتعت منه. وأقمت عنده نهاري وليلتي. وقلت: [الوافر] ألا سقيا لرقّة بارقانا … وهيكله المشيّد والقلالي! فكم من سدفة (٣) باكرت فيها … معصفره كمثل دم الغزال!

стр. 368

فكم عانقت غصنا في اعتدال … به، ولثمت بدرا في كمال! وجاد بما أحاول منه سكرا … وكان مما نعي طيف الخيال! دير أبي يوسف (١): وهو قريب من بلد (٢). بينه وبينها نحو فرسخ. على شاطئ دجلة. وموضعه حسن [٢٢٠] معمور بالزيتون والسرو والآس والرياحين. مغروس الرّبى بالنرجس. وهيكله حسن البناء. وفيه عجائب من بدائع التصوير. ولرهبانه جدة ونعم. ولا يعوزه كلّ يوم قافلة تحطّ عنده لتأخذ خمرا، والمجّان تقصده للتنزه فيه بطنابيرهم وعيدانهم وسائر ملاهيهم. قال الخالدي: خرجت في بعض السنين إلى بلد، مع كاتب لبعض أمرائنا. فأحببت الشرب في دير أبي يوسف، فكتبت إليه (٣): [المتقارب] بدير أبي يوسف خمرة … تزيد على لهب البارق! ونرجسه كنسيم الحبي … ب عند محبّ له وامق! فماذا ترى فيه قبل استماع … هماهم ناقوسه الناطق؟ لتقنص بكرا خلوقّية … تخبّر عن حكمة الخالق! ففعل. وأقمنا به ثلاثة أيام في ألذّ عيش، وأصفى وقت. ثم انحدرنا منه.

стр. 369

دير الشياطين (١): وهو بالقرب من أوسل (بلد على قطعة من الجبل على دجلة) في موضع حسن. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار. وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة والجبل. وفيه يقول السري الرفاء (٢): [البسيط] عصى الرّشاد فقد ناداه من حين … وراكض الغي في تلك الميادين! ما حنّ شيطانه العاتي (٣) إلى بلد … إلا ليقرب من دير الشياطين! وفتية زهر الآداب بينهم … أبهى وأنضر من زهر البساتين! مشوا إلى الرّاح مشي الرّخ وانصرفوا … والسّكر يمشي بهم مشي الفرازين (٤)! حتّى إذا أنطق الناقوس بينهم … مزنر (٥) الخصر رومي القرابين فحث أقداحها بيض السّوالف في … حمر الغلائل في خضر الرّياحين كأنّها وبياض الماء يقرعها … ورد يصافحه أوراق نسرين دير مر سرجس (٦): وهو فوق بلد بثلاثة فراسخ، على قلّة جبل عال. يبين للناظر من عدّة فراسخ.

стр. 370

قال الخالدي: وعلى بابه شجرة لا يعرف أحد ما هي، لا يسقط ورقها عند سقوط ورق الشجر، ولها ثمرة تشبه اللوز. وفي جبله من الزرازير شيء عظيم، لا تفارقه صيفا ولا شتاء، لا يقدر على شيء منها، وفي شعاب جبله أفاع كثيرة، تمنع من صيد طيره ليلا. قال: وفي أوديته حصى على شكل اللوز لا تغادره. قلت: ولعلّ هذه الشجرة هي التي ذكرها ابن وحشية، وقال إنها في الدنيا واحدة لا ثاني لها. وحكى الخالدي، قال: حدثنا الخبّاز البلدي، قال: تقلّد بلدنا رجل من آل الفرات، وكان أديبا شاعرا. فاستخصّني، فما كنت أفارقه. فرأى يوما هذا الدير وسألني عنه. فوصفته له. فأحبّ النظر إليه. فخرج وحملني معه. وكان ذلك في شتاء متصل المطر. فلما جئناه، رأينا في جبله من الغدران ما ملأ أفاويقه (١). فلما صعدنا سطح الهيكل، فكر ساعة ثم أنشدني لنفسه: [البسيط] وهيكل تبرز الدنيا لمشرفه … حتّى يعاين منها السهل والجبلا كأن صبّين باتا طول ليلهما … يستمطران على غدرانه المقلا دير صباعى (٢): وهو على شاطئ دجلة الشرقي، فوق تكريت بقليل. وهو كثير الرهبان. وله مزارع وجنينات. ولرهبانه يسار وغنى. وفيه يقول بعض

стр. 371

لصوص بني شيبان: [الوافر] ألا يا رب سلم برصباعا … وزد رهبان هيكله اجتماعا! فكم جئناه أمواتا سغابا … ورحنا منه أحياء شباعا! فيا للقصف ما أسرى نبيذا … ألذّ طلا وأحسنه شعاعا! لنعمته ومنّته علينا … عمرناه وخربنا الضياعا! عمر الزعفران (١): وهو على رأس جبل مطلّ على نصيبين وديار ربيعة من جانب، [٢٢٢] وعلى طور عبدين وقردى وبعض ديار بكر من جانب آخر؛ وبه كثير من الزعفران. وهو عجيب البناء، كثير الرهبان. وفيه جنّات لهم حسنة نضرة مملوءة بشجر البندق والفستق واللوز الفرك والزيتون والبطم. وماؤه من صهاريج يجتمع فيها ماء السماء. والصهاريج منقورة في صخور. والثلج به ممكن. ولما نزل المتقي نصيبين استعذب ماءه واختاره على مائها وماء دجلة. قال الخالدي: ولهذا الدير بيوت للضيافة في علو الهيكل. وللسور تسوير عجيب، وعليه أبواب من حديد مصمت. قال: وسعر (٢) زعفرانه فائق. ومنه ومن العسل أكثر يسار رهبانه. قال: وكان الأمير أبو البركات يخرج إليه، وأخرج معه. فيقيم به على شرب وسرور. وأمرني أن أعمل فيه شعرا. فقلت (٣): [مجزوء الكامل] عطّلت دارسة المغاني … وعمرت عمر الزّعفران وأقمت في غرف لدي … هـ كأنّها غرف الجنان

стр. 372

وترى قنانينا مفد … مة بآس خسرواني ومعانقي ظبي وبد … ر دجنة وقضيب بان والراح أحصن جنة … لك في مقارعة الزمان لا تأمنن صروفه … فالدهر ليس بذي أمان قال: وأنشدني الببغا لنفسه في هذا الدير (١): [الطويل] صفحت لهذا الدّهر عن سيئاته … وعددت يوم الدير من حسناته وصبّحت عمر الزعفران بصبحة … أعاشت سرور القلب بعد مماته وأهيف فاخرت الرياض بحسنه … فأذعن صغرا وصفها لصفاته فلما دجا الليل استعاد سنا الضّحى … براح نأت بالليل عن ظلماته ونمّ إلينا دنّها بضيائها … فكان كقلب ضاق عن خطراته وخوّفني منه، فخلت صليبه … لشدّة ما نخشاه بعض وشاته! [٢٢٣] وفيه يقول مصعب، الكاتب: (٢) [البسيط]

стр. 373

وقائل قال لي: أقصر! فقلت له: … أما تراني بحب المرد مشغولا؟ لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن … لكنني أعشق السّمر المهازيلا! فقال لي: أنت مجنون؟ فقلت له: … لا تكثرن علي القال والقيلا! إني امرؤ أركب المهر المضمر في … يوم الرهان، فدعني واركب الفيلا! وكذلك قال: (١) [البسيط] دببت أمشي على الكفين ألمسه … كمشي مسترق للسمع أسرارا! فمرّ (٢) يمشق في قرطاسه قلمي … والليل ملق على الآفاق أستارا! فقال لما انجلى عن عينه وسن … وقد رأى تكة حلت وأزرارا يا راقد الليل مسرورا بأوله … إن الحوادث قد يطرقن أسحارا! دير بار بيثا (٣): وهو بنينوى، بأرض الموصل، على نهر الخازر (٤). وبه بيت ضيافة. وله عند النصارى قدر جليل. قال الخالدي: رأيته في بعض السنين. وكان به راهب يقال له كوريال، من عبّاد النصارى فأضافنا أحسن ضيافة وأكرمنا أتم إكرام، بالطعام الكثير، والشراب العتيق الواسع، وعلف الدوابّ، وأكثر، فعظم في عيني، وعاتبته على الإسراف في فعله، فقال: هذا والله رسمنا مع كلّ من ينزل بنا!

стр. 374

قال: وهذا الدير الذي قتل عنده عبيد الله بن زياد، قتله إبراهيم بن الأشتر، على هذا النهر، وأنفذ برأسه إلى المختار في خبر يطول، ليس هذا موضعه. دير حنظلة (١): وهو بالحيرة، على نحو فرسخ منها، إلى المشرق، وموضعه حسن، لما فيه من جنينات رهبانه وأشجارهم، وما يلبسه الربيع من الرياض. وأنشد الخالدي فيه لغيره شعرا، منه (٢): [الكامل] طرقتك سعدى بين شطّي بارق! … نفسي الفداء لطيفها من طارق! [٢٢٤] يا دير حنظلة المهيّج لي الهوى! … هل تستطيع صلاح قلب العاشق؟ وقد ذكره أبو الفرج الأصبهانيّ، وأنشد لبعض الشعراء فيه رجزا، منه (٣): [الرجز] بساحة الحيرة دير حنظله … عليه أذيال السّرور مسبله أحييت فيه ليلة مقتبله … وكأسنا بين الندامى معمله والراح فيها مثل نار مشعله دير الجاثليق (٤): وهو قديم البناء، غربي دجلة، في عرض حربى، على الحدّ

стр. 375

بين آخر السواد وبين أولّ أرض تكريت. وفيه كانت الحروب بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزّبير. فقال ابن قيس الرّقيات: (١) [الطويل] لقد أورث المصّرين حزنا وذلّة … قتيل بدير الجاثليق مقيم! فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صدقت عند اللّقاء تميم! وحكي أنه كان به غلام أمرد نصراني من أهل الحيرة، يقال له عشير بن إليا الصّيرفي (٢). وكان يتعشقه بكر بن خارجة، وفيه يقول من شعر له (٣): [الوافر] أجرني! متّ قبلك من همومي! … وأرشدني إلى وجه الطّريق! فقد ضاقت علي جهات أمري … وأنت المستجار من المضيق!

стр. 376

وفيه يقول بيتين يحضرني منهما قوله (١): [الرجز] زناره في خصره معقود … كأنه من كبدي مقدود قال أبو الفرج (٢): وكان دعبل يستحسنه ويقول: ليت هذين البيتين لي بمائة بيت من شعري! وفيه يقول محمد بن أبي أمية: (٣) [٢٢٥] [الوافر] رأيتك حليتي دين ودنيا … حياة للضّجيع وللقرين بدا لي بعد ما سبقت يميني … بهجرك أن أكفّر (٤) عن يميني دير مريحنا (٥): وهو إلى جانب تكريت، على دجلة. عامر بالقلّايات والرهبان. مطروق مقصود. منزل لكل مسافر. وبه ضيافة قائمة على أقدار الناس. وله مزارع متسعة وغلات كثيرة. وهو للنّسطورية (٦). وعلى بابه صومعة

стр. 377

عبدون الراهب، وكان من الملكيّة (١). بناها فعرفت به. وفي هذا الدير يقول عمرو بن عبد الملك الوراق: (٢) [الهزج] أرى قلبي قد حنا … إلى دير مرى حنا! إلى غيطانه الفيح … إلى بركته الغنا! إلى أحسن خلق الله … إن قدس أو غنا! فلمّا انبلج (٣) الصّبح … بزلنا بيننا دنا! فلمّا دارت الكاس … أدرنا بيننا لحنا! فلما هجع السّما … ر، نمنا فتعانقنا! قال الشابشتي: وكان عمرو هذا من الخلعاء الظرفاء المنهمكين في اللهو والتطرّح في الديارات. ومما أنشد له في المجون قوله (٤): [مجزوء الرمل] أيّها السائل عنّي … لست من أهل الصّلاح أنا إنسان مريب … أشتهي نيك الملاح عمر أحشويشا (٥): (وأحويشا بالسريانية الحبيس) (٦)

стр. 378

قال الشابشتي: وهذا العمر بإسعرد، من ديار بكر، وهذا العمر مطلّ على أرزن (١)، وهو كبير جليل، فيه أربعمائة راهب في قلاليّهم، وحوله بساتين وكروم، وهو في نهاية العمارة والنزهة وحسن الموقع وكثرة الفواكه والخمر. ومنه يحمل الخمر إلى البلدان، وبقربه عين عظيمة تدير ثلاثة أرحاء. وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم، وبه أنواع المطربين. وأنشد فيه اللبّادي (٢): [الوافر] وفتيان كهمك (٣) من أناس … خفاف في الغداة وفي الرّواح نهضت بهم، وستر الليل ملقى … وضوء الصبح مقصوص الجناح نؤمّ بدير أحويشا غزالا … غريب الحسن كالقمر اللّياح فساعفنا الزمان بما أردنا … فأبنا بالفلاح وبالنّجاح! عمر كسكر (٤): وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقي، في القرية المعروفة ببرخوى (٥) وفيه كرسي المطران، وهو عمر كبير، كثير القلايات يبايع عليها. ويحيط به بساتين كثيرة وغلات واسعة.

стр. 379

وفيه يقول محمد بن حازم الباهلي، وكان قد قصده أيام مقام الحسن بن سهل بواسط: (١) [البسيط] بعمر عسكر طاب اللّهو والطّرب … واليادكارات (٢) والأدوار والنّخب! وفتية بذلوا للكأس أنفسهم … وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب فلم يزل في رياض العمر يعمرها … قصفا وتعمرها اللذّات والطرب (٣) والدهر قد طرفت عنّا نواظره … فما تروعنا الأحداث والنّوب قال الشابشتي: وأنشدني من مليح شعره قوله (٤) [المجتث] صل خمرة بخمار … وصل خمارا بخمر! وخذ بحظّك منها … كأسا إلى حيث تدري! قال: فقلت له: إلى أين؟ ويحك! فقال إلى النار، يا أحمق! وأنشد له: (٥) [الخفيف]

стр. 380

جددا مجلسا لعهد الشباب … وارعيا حرمة الصبا والتّصابي! بكهول إذا استقرت حميّا الك … اس لم ينطقوا بغير الصواب مارسوا شدّة الزمان فلانوا … واستفادوا محاسن الآداب فاسقياني إذا تجاوبت الأو … تار كأسا لادّكار الشّباب! دير الأسكون (١): ذكر مصنّف «ديارات الحيرة» (٢) أنه راكب للنجف. قال: [٢٢٧] وهو أنزه دياراتها. وفيه قلالي وهياكل ورهبان يقيمون الضيافة لمن ورد عليهم. وهو حصن منيع. له سور عال، وباب من حديد. ومنه يهبط إلى غدير الحيرة. وأرضه رضراض ورمل أبيض. وله مشرعة تقابل الحيرة، لها درج إذا انقطع النهر كان منها شرب أهل الحيرة. قال: وإليه تجتمع النصارى في أعيادهم وفي كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة. فإذا كان يوم الشعانين (٣). أتوه من كل ناحية، مع شماميسهم بصلبهم وأعلامهم. فإذا استتمّوا فيه وفي القصر الأبيض والعلاليّ المدانية، خرج أسقفهم بهم إلى مكان يعرف بقبيبات الشعانين (وهي قباب على ميل من ناحية طريق الشام) فأقام بهم فيها يومهم ذلك إلى آخره. ولكل منهم يومئذ شأن يغنيه. دير حنّة (٤): هو بالحيرة، من بناء نوح (٥). (هكذا نقلته ولا أعرف من هو).

стр. 381

وإلى جانبه قائم. حكى أحمد بن عمر الكوفي، قال: كان بالكوفة رجل أديب ضعيف الحال، مهما وقع في يده من شيء، أتى به دير حنة فيشرب فيه حتى يسكر. ثم ينصرف إلى أهله، ويقول: يعجبني من الغراب بكوره في طلب الرزق. وربما بات به، ويقول: [المتقارب] تطاول ليلك بالزاويه … وكان المبيت بها عافيه ومن تحت رأسك آجرة … وجنبك ملقى على باريه وذلك خير من الإنصراف … فتحكم فيك بنو الزانيه وتصبح إما رهين السّجون … وإما قتيلا على ساقيه قال: فوجد والله بعد أيام قتيلا على ساقية! وهو القائل: [البسيط] ما لذة العيش عندي غير واحدة … هي البكور إلى بعض المواخير لحامل الذّكر مأمون بوائقه … سهل القياد من الفره المدابير حتّى يحلّ على دير ابن كافرة … من النصارى ببيع الخمر مشهور كأنما عقد الزّنّار فوق نقا … واعتمّ فوق دجى الظّلماء بالنور وفيه قال الثرواني (١): [الكامل] يومي بهيكل دير حنّة لم يزل … غرّ السّحاب تجود فيه وتمرع متجوشن طورا وطورا شاهرا … بيض السّيوف وتارة يتدرّع وكذلك قال فيه بكر بن خارجة الكوفي (٢): [الوافر]

стр. 382

ألا سقي الخورنق من محل … ظريف الروض معشوق أنيق! أقمت بدير حنّته زمانا … بسكر في الصّبوح وفي الغبوق ومنّا لابس إكليل زهر … ومختضب السّوالف بالخلوق كأنّ رياضه حسنا ونورا … سحائب ذهّبت بسنا البروق كأنّ تقاطر الأشجار فيه … إذا غسق الظلام، قطار نوق وماذا شئت من درّ الأقاحي … هناك ومن يواقيت الشّقيق وقد ذكر دير حنة أبو الفرج الأصفهاني وقال: ذكره أبو نواس في شعره، يعني في قوله (١): [البسيط] يا دير حنّة من ذات الأكيراح! … من يصح عنك فإني لست بالصاحي يعتاده كلّ محفوّ (٢) مفارقه (٣) … من الدهان عليه سحق أمساح في فتية لم يدع منهم تخوّفهم … وقوع ما حذروه غير أشباح لا يدلفون إلى ماء بآنية … إلا اغترافا من الغدران بالراح قال (٤): والأكيراح بلد نزه كثير البساتين والرياض والمياه. قال: وبالحيرة أيضا موضع يقال له الأكيراح فيه دير. والأكيراح قباب صغار يسكنها الرهبان. يقال للواحد منا الكرح.

стр. 383

دير عبد المسيح (١): وهو بالحيرة. بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة (٢). ويقال إنه عمر دهرا طويلا، ولحق خالد بن الوليد، حين فتح الحيرة. وله معه خبر طويل. وحكى بعض أهل الكلام، قال: قرأت على حائطه مكتوبا: [الوافر] رأيت الدهر للإنسان ضدّا … ولا ينجي من الدهر الخلود! ولا ينجي من الآجال أرض … يحلّ بها ولا قصر مشيد! وحكى آخر قال: قرأت على حائطه أيضا: [البسيط] هذي منازل أقوام عهدتهم … في خفض عيش خصيب ماله خطر! دارت عليهم صروف الدهر فانتقلوا … إلى القبور، فلا عين ولا أثر! وقد ذكره الأصفهاني، في أخبار لا حاجة فيها. وقال: وكان عبد المسيح قد بني ديرا في بقعة بالحيرة يقال لها الجزعة. كان يترهب فيه حتّى مات. ثم خرب الدير، وظهر فيه آزج معقود من حجارة. وظنوا فيه كنزا، ففتحوه، فإذا سرير رخام، عليه رجل ميت، وعند رأسه لوح فيه مكتوب (٣): [الوافر] حلبت الدهر أشطره حياتي … ونلت من المنى فوق المزيد

стр. 384

وكدت أنال في الشرف الثّريا … ولكن لا سبيل إلى الخلود دير الحريق (١): هو بالحيرة. بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عدي عليه وأحرق فيه. وإلى جانبه قبة تعرف بقبة الشّتيق (٢)، و [قبة] تعرف بقبة غصين. وهما راهبان نسبا إليهما. وهما بديعتا البناء. وفي الدير وفيهما يقول الثروانيّ: [الكامل] دير الحريق وقبّة الشّتيق (٢) … مغنى لحلف مدامة وفسوق! وطن لفرقته شرقت بدمعتي … ولرحلتي عنه غصصت بريقي! حكى حمزة بن أبي سلامة، قال: كان الثرواني جاري بالكوفة وكان كثير الإلمام [٢٣٠] بالدّيرة، فباكرني في يوم شعانين وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق، لأنه يوم سيقصده فيه خلق. ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية، جيّد الشراب. فهلمّ! ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان، ثم نعدل إلى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض. فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحلي والحلل ما لم أر مثله قط. فلم يزل يعبث ويتعرّض، ويقبّل ويعانق - وكان معروفا بذلك - فما أحد ينكر عليه فعله، إلى بعد الظهر. ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب. فدخلنا قلايته. فما رأينا أنظف من آلاتها، ولا أنضر من بستانها. ثم قدّم لنا شيئا من طعامه، فأصبنا منه. ثم صعدنا سطحها، وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسنا وجمالا: من رياض وغدران وطير يصفر. ونحن

стр. 385

نشرب حتى ثملنا ونمنا هناك. وغدونا على الكوفة. فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه، عاطلا من حليّ شعرك؟ فقال: لا والله! ولقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات. ثم أنشدني: (١) [الوافر] خرجنا في شعانين النّصارى … وشيّعنا صليب الجاثليق فلم أر منظرا أحلى بعيني … من المتقيّنات على الطريق حملن (٢) الخوص والزيتون حتّى … بلغن به إلى دير الحريق أكلناهن باللّحظات عشقا … وأضمرنا لهنّ على الفسوق دير ابن مزعوق (٣): وهو بالحيرة، قريب دير الحريق. في أنزه البقاع، زهرا ورقيق هواء وتدفّق ماء. وتشوّق إليه الثّرواني من بغداد، فقال (٤): [الوافر] دير الحريق وبيعة (٥) المزعوق … بين الغدير وقبّة الشتيق [٢٣١] أشهى إلى من الصّراة وطيبها (٦) … عند الصّباح ومن دجى البطريق (٧) يا صاح! فاجتنب الملام أما ترى … سمجا ملامك لي، وأنت صديقي؟ وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد للثّرواني فيه وفي دير فاثيون قوله: (٨) [المنسرح]

стр. 386

قلت له والنّجوم جانحة … في ليلة الفصح أوّل السّحر هل لك في مار فاثيون (١) وفي … دير ابن مزعوق غير مقتصر؟ يفيض هذا النّسيم من طرف الش … ام ودرّ النّدى على الشجر (٢) ونسأل الأرض عن بشاشتها … وعهدها بالرّبيع والمطر قال: ودير فاثيون (٣) أسفل النجف، ودير ابن (٤) مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح، بأعلى النجف. وفيه يقول الثرواني: (٥) [الوافر] تقرّ بفضل (٦) عينك لي بوصل … وفعلك لي مقرّ بالجحود تشكّكني، وأعلم أنّ هذا … هوى بين التعطّف والصّدود وقال أيضا: (٧) [البسيط] كرّ الشراب على نشوان مصطبح … قد هبّ يشربها والديك لم يصح والليل في عسكر جمّ بوارقه … من النّجوم وضوء الصبح لم يلح (٨) والعيش لا عيش إلا أن تباكرها … صهباء تقتل همّ النفس بالفرح

стр. 387

حتّى يظل الذي قد بات يشربها … ولا مراح (١) به يختال كالمرح دير مارت مريم (٢): هو بالحيرة، من بناء المنذر. وهما ديران متقابلان، وبينهما مدرجة الحاجّ وطريق السابلة إلى القادسية، وهما مشرفان على النجف. ومن أراد الخورنق عدل عن جادّتهما، ذات اليسار. ومن شعر الثّرواني فيهما (٣): [٢٣٢] [الوافر] دع الأيّام تفعل ما أرادت … إذا جادت بندمان وكاس! ومارت مريم والصحن فيه … حديقتان من ورد وآس وظبي في لواحظ مقلتيه … نعاس من فتور لا نعاس وخلّ لا يحول عن التّأبى … ذكور للمودّة غير ناسي ومحتضن لطنبور فصيح … يغنّيني بشعر أبي نواس وما اللذّات إلا أن تراني … صريعا بين باطية وكاس! وقد ذكره أبو الفرج وقال (٤): كان قسّ يقال له يحيى بن حمار، ويقال له

стр. 388

يوشع، تألفه الفتيان ويشربون على سطحه وفي قلايته، على قراءة النصارى وضرب النواقيس. وفيه قال بكر بن خارجة، أو غيره: (١) [مجزوء الكامل] بتنا بمارت مريم! … سقيا لمارت مريم! ولقسّها يحيى المهي … نم (٢) بعد نوم النّوم! وليوشع ولخمره … حمراء مثل العندم! ولفتية حفّوا به … يعصون لوم اللّوم! يسقيهم ظبي أغنّ … لطيف خلق (٣) المعصم! يرمي بعينيه القلو … ب كمثل رمي الأسهم! قلاية القسّ (٤): وهي بالحيرة، في موضع حسن. وكان القسّ الذي تنسب إليه من ملاح النصارى. وكان ناسكا، ثم صار فاتكا. وفيه قيل: (٥) [البسيط] قلاية القسّ! مالي عنك مصطبر! … ومن إلى من لحاه فيك يعتذر؟ فكم لديك نسيم ذيله عبق … وكم لديك هواء جيبه عطر! وتربة وغناء: ذي يزول بها … سقم السقيم، وذا يجلى به البصر! وماء مزن بكفّ الريح تصقله … وكالمرايا تلي الأوشال والغدر وقد ذكره أبو الفرج، وقال فيه الثرواني: (٦) [الطويل]

стр. 389

خليلي من تيم وعجل، هديتما! … أضيفا بحث الكأس يومي إلى أمسي! وإن أنتما حيّيتمانى تحيّة … فلا تعدوا ريحان قلاية القس! [٢٣٣] إذا مابه حيّيتمانى، فاخلوا … حميدين دوني بالخلوق وبالورس! وإن قلتما: لا بدّ من شرب دائر … ولم تعذرانى في مطال ولا حبس فمن قهوة حيريّة راهبيّة (١) … عتيقة خمس أو تزيد على خمس تجرّ على قرع المزاج إزارها … وتختال منه في مصبّغة الورس (٢) دير حنّة الكبير (٣): قال الخالدي: هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير (٤) حنة الذي قدّمنا ذكره. يقال إنه بنى حين بنيت الحيرة: وكان من أنزه الدّيرة، لكثرة بساتينه وتدفق مياهه. حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة، قال: اجتاز بنا عمر بن فرج الرّخجي (٥)، منصرفا من الحجّ. فتلقيناه وأعظمناه، وسرنا معه. فلما اجتاز بدير حنة، سألنا عنه فعرّفناه به. فقال، من ذا الذي يقول: (٦)

стр. 390

يا دير حنة من ذات الأكيراح! فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس. أفتحبّ أن أنشدك لشاعرنا الثّرواني شيئا يقرب من هذا المعنى، في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده (١): [الهزج] على الرّيحان والرّاح … وأيّام الأكيراح وإبريق كطير الما … ء في لجّة ضحضاح سلام يسكر الصاحي … وما فيه فتى صاح! ومن لي فيه بالسّلو … ة عن وجه ابن وضّاح؟ غزال صيغ من فتن … ة أبدان وأرواح! إذا راح إلى البيع … ة في أثواب أمساح ففي كفّيه إفسادي … وفي كفّيه إصلاحي! [٢٣٤] قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكتبها. وخلع على الحسين ابن هشام، وأجازه. وحكى جحظة قال: زرت إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يوما ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأحبّ أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حسنه! فأين هو من الحيرة؟ فدلّه إسحاق بن الحسين العلويّ عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يقصد. لأنها أيام ربيع ورياض معتمّة بالزهر، والغدران. والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيا فصيحا يصير (٢) إلينا، ونحن فيه، فيهدي إلينا بيض نعام، ويجني لنا الكمأة.
следующие страницы →