← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وكان يقول للفقيه محمد: فيّ وفيك نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبارِ وَاَلرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلنّاسِ بِالْباطِلِ﴾ (١) أنا من الرهبان، وأنت من الأحبار! (٢) وقال كمال الدين ابن العديم في "تاريخ حلب" (٣): أخبرني الشيخ محمد اليونيني، قال: سمعت الشيخ عبد الله اليونيني ينشد: شفيعي إليكم طول شوقي إليكم … وكلّ كريم للشفيع قبول وعذري إليكم أنني في هواكم … أسير ومأسور الغرام ذليل فإن تقبلوا عذري فأهلا ومرحبا … وإن لم تجيبوا فالمحبّ حمول سأصبر، لا عنكم ولكن عليكم … عسى لي إلى ذاك الجناب وصول وأخبرني الشيخ محمد قال: كان الشيخ يصلي بعد العشاء الآخرة وردا إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب ربه ، ويقول: يا رب! الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية، والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضيتها، فهكذا يكون؟. ويبكي ليله وينتحب. وليلة يتمثل بهذه الأبيات، وكان يتمثل بها كثيرا. (٤) قال: وأخبرني القاضي شمس الدين عبد الله الحنفي النائب بدمشق، قال: حكى رجل من الفقراء كان قد صحب الشيخ عبد الله اليونيني، وكان في صباه حماميا، قال: دعتني نفسي إلى معاشرة النساء، فبينا أنا عند امرأة، وإذا زوجها قد جاء، فدقّ الباب، فحرت، وكان بيتها صغيرا، فصعدت السطح، فدخل زوجها، فرآها متغيرة، فقال: مالك؟. قالت: لا شيء. فارتاب، وصعد السطح.

стр. 3257

قال: ونظرت والله إلى عمامته وهو في السلّم صاعد. فقلت: "يا سيدي الشيخ عبد الله!، أنا في حسبك". فطلع، فلم يرني، ونزل، وبقي في بيته ساعة، وخرج. فنزلت، ومضيت إلى الشيخ، فقال: ويلك يا مدبر! تتستّر بنا، وتستعين بنا على المعاصي؟!. قال ابن العديم: وقد صحبته، ووهب لي قميصا له أزرق، وقال لي يوما ببيت المقدس: يا أبا القاسم! اعشق تفلح!. فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وستمائة. وعدت مع والدي. ثم بعد مدة سارّني بجامع دمشق، وقال: عشقت بعد؟. فقلت: لا. قال: شه عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذلك بسنة، وملت إلى الزوجة ميلا عظيما، فما كنت أصبر عنها. (١) قال لي الفقيه محمد (٢): كنت عند الشيخ، فالتفت إلى داود المؤذّن، فقال: وصيّتك بي غدا، فظنّ المؤذن أنه يريد يوم القيامة. وكان ذلك يوم الجمعة، وهو صائم، فلما جاء وقت الإفطار، قال لجاريته: يا درّاج! أجد عطشا. فسقته ماء لينوفر، فبات تلك الليلة، وأصبح وجلس على حجر، موضع قبر، مستقبل القبلة، فمات وهو جالس، ولم يعلم بموته، حتى حرّكوه، فوجدوه ميتا، فجاء المؤذّن وغسّله، رحمه الله تعالى (٣).

стр. 3258

قال الفقيه (١): كنت عند الشيخ يوما؛ فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟. قال: لا. فذهب أحدهما وجلس الآخر، فقال الشيخ: ﴿فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ اَلنّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ﴾ (٢)، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أياما، فقال له الشيخ: تحب أن أريك قبرك؟. قال: نعم. فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك!. فأقام بعد ذلك اثني عشر يوما، أو أربعة عشر يوما، ثم مات، فدفن في ذلك المكان!. وكان له زوجة، ولها بنت، فطلبت أن يزوجني بها، فتوقّفت أمها، وقالت: هذا فقير ما له شيء. فقال: والله إني أرى دارا قد بنيت له، وفيها ماء جار، وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟. قال لها: نعم. فزوّجتنيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سنجار. وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي، وتشفّعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرت عليّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طوّل روحك يومين، ثلاثة، ما تعود تراها. قال: فقدم ابن عمها من مصر أمير كبير بعد أيام، فتزوّج بها، وما عدت رأيتها. قال ابن العديم: توفي في عشر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وستمائة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. وكان رحمه شيخا طوالا، مهابا، كأنه نار، وكان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه

стр. 3259

نائما ضربه، وكان له عصاة اسمها "العافية" (١). وكان شجاعا في الله، وبالله، كثير الأذكار والحضور، يغار ممن يذكر اسم "الجبّار" بغير استحضار، وله هيبة على المشايخ والفقراء، لا يستطيع الإنسان أن يطيل النظر إليه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. وقال الشيخ شمس الدين محمد بن العماد نزيل مصر: ما سمي أحد بأسد الشام إلا الشيخ عبد الله اليونيني. وقال الشيخ علي القصار: كنت إذا رأيت الشيخ عبد الله أهابه كأنه أسد، فإذا دنوت منه، وددت أني أشق قلبي وأجعله فيه (٢). رحمه الله تعالى.

стр. 3260

ومنهم: ٥٥ - الشّيخ يونس بن يوسف بن مساعد الشّيبانيّ، المخارقيّ، المشرقيّ، القنيّيّ (١٣) شيخ الفقراء اليونسية. رجل لم يكن في التقوى محرّجا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (١)، توالت عليه العصب، وقام له العدو وانتصب فردّ خائبا، وفرّ دون لقائه آئبا، فتوكل له ربه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، فكشف له الغطاء، ووكف له العطاء، وأنافت له غدر المواهب، وأشرقت به غدائر الغياهب، وكانت لياليه مشكاة لأنوار، ومشكاة لأوار، وعزائمه تسعّر لجج السيوف وتوقدها، وطائفته شاكية السلاح، شافية في أهل الصلاح، طالما حلّوا الدهر همما، وأشبهوا الصحاب دمما، واتّزروا بزيّ غريب من طرّة عجيب نظره، ولم يكن من انتموا إليه وارتموا عليه على طريقتهم التي سلكوها، وحقيقتهم التي ضيّعوها بعد أن ملكوها. قال ابن خلّكان: [وسألت جماعة] من أصحابه عن شيخه من كان؟. فقالوا: لم يكن له شيخ؛ بل كان مجذوبا، وهم يسمون من لا شيخ له ب "المجذوب"، يريدون بذلك أنه جذب إلى طريق الخير والصلاح، ويذكرون له كرامات.

стр. 3261

وقال ابن خلّكان (١): أخبرني الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد، كان قد رآه وهو صغير، وذكر أن أباه أحمد كان صاحبه، فقال: كنا مسافرين والشيخ يونس معنا، فنزلنا في الطريق على عين بوار، وهي التي يجلب منها الملح البواري، وهي بين سنجار وعانة، قال: وكانت الطريق مخوفة، فلم يقدر أحد منا أن ينام منشدة الخوف، ونام الشيخ يونس، فلما انتبه قلت له: كيف قدرت تنام؟. فقال لي: والله ما نمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وتدرّك الفعل (٢). فلما أصبحنا رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس. (٣) قال: وعزمت مرة على دخول نصيبين، وكنت عند الشيخ يونس في قريته، فقال: إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفنا، قال: وكانت في عافية، وهي أم ولده، فقلت له: وما بها حتى نشتري لها كفنا؟. فقال: ما يضر، فذكر أنه لما عاد وجدها قد ماتت! (٤). وذكر له غير هذا من الأحوال والكرامات. وأنشدني له مواليا، وهو (٥): أنا حميت الحمي وانا سكنتو فيه … وأنا رميت الخلايق في بحار التيه من كان يبغي العطا مني أنا اعطيه … أنا فتى ما أداني من به تشبيه قال ابن خلّكان: وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي سنة تسع

стр. 3262

عشرة وستمائة في قريته، وهي" القنيّة " (١)، من أعمال" دارا "، وقبره مشهور بها يزار، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره. رحمه الله تعالى. ومنهم: ٥٦ - السّاوجي شيخ القلندريّة جمال الدّين محمد الزّاهد (١٣) أليف حال لو صبّ على الصخر لتصدّع، ولو استوقف به المفارق لما ودّع، هام بالحب فتيّمه، وأنكله مذ أحبّ وأيّمه، شهدت البصائر من حاله ما أعجب، ومن فرط بكائه وانهماله ماء لولا النار لأعشب، فحمّل إنسان عينيه ما لم يطق، وسقي بكأس مذ شرب منه لم يفق. وكان في مبدأ أمره إذ قدم دمشق بطلب العلم مشتغلا، وفي لهب الجد مشتعلا، ثم شمّر للزهد إزاره، وانقطع سواء من هجره أو زاره، وأقام مجاورا لمحلّة الأموات، وجارا للأعظم الرّفات، ثم حلق شعر لحيته ورأسه، واتخذه شعارا لأناسه، فلم يزل ريا لأتباعه، وحلية لضباع قاعه وسباعه، وربما أتى هو وبعض ذويه بمخاريق وكرامات، للإنكار فيها طريق، وأصحابه يرمون باستعمال المسكر، إلا أنه الذي لا يعصر، والمسكر الذي يفعل فعل المدام، ولا يعرف وينكر. قدم دمشق، وقرأ القرآن والعلم، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرومي، وصلى به مدة. ثم حصل له زهد، وفراغ عن الدنيا، فترك الزاوية وانملس (٢)، وأقام بمقبرة الباب الصغير، قريبا من الموضع الذي بني فيه القبة لأصحابه، وبقي مدة في قبّة زينب بنت زين العابدين، فاجتمع فيها بالجلال الدركزيني، والشيخ عثمان كوهي الفارسي، الذي دفن بالقنوات، بمكان القلندرية. ثم إن السّاوجي حلق وجهه ورأسه، فانطلى على أولئك حاله، فوافقوه، وحلقوا.

стр. 3263

ثم فتّش أصحاب الشيخ عثمان [الرومي] على السّاوجي فوجدوه بالقبة فسبّوه، وقبّحوا فعله، فلم ينطق ولا ردّ عليهم. ثم اشتهر وتبعه جماعة وحلقوا، وذلك في حدود العشرين وستمائة. ثم لبس دلق شعر، وسافر إلى دمياط، فأنكروا حاله وزيّه، فرنق بينهم ساعة، ثم رفع رأسه، وإذا هو بشيبة - فيما قيل - كبيرة بيضاء. فاعتقدوا فيه (١)، وضلّوا به، حتى قيل: إن قاضي دمياط وأولاده، وجماعة حلقوا لحاهم، وصحبوه، والله أعلم بصحة ذلك. (٢) وتوفي بدمياط بعد العشرين وستمائة. وقبره بها مشهور، وله هناك أتباع. وذكر شمس الدين الجزري في تاريخه (٣): أنه رأى كراريس من "تفسير" القرآن الكريم للشيخ جمال الدين السّاوجي، وبخطه. وجلس في المشيخة بعده بمقبرة الباب الصغير، جلال الدين الدركزيني، وبعده: الشيخ محمد البلخي، وهو - أعني البلخي - من مشاهير القوم، وهو الذي شرع لهم الجولق الثقيل، وأقام الزاوية، وأنشأها، وكثر أصحابه. وكان للملك الظاهر فيه اعتقاد، فلما تسلطن طلبه، فلم يمض إليه. فبنى لهم السلطان هذه القبة من مال الجامع. وكان إذا قدم يعطيهم ألف درهم وشقتين من البسط، ورتّب لهم ثلاثين غرارة قمح، في السنة، وعشرة دراهم في اليوم. وكان السويداوي منهم يحضر سماط السلطان الملك الظاهر ويمازح السلطان. ولما أنكروا في دولة الأشرف موسى على عليّ الحريري أنكروا على القلندرية - وتفسيرها بالعربيّ المحلّقين - ونفوهم إلى قصر الجنيد. (٤) وذكر ابن إسرائيل الشاعر: أن هذه الطائفة ظهرت بدمشق سنة نيّف عشرة وستمائة. ثم أخذ يحسّن حالهم.

стр. 3264

ومنهم: ٥٧ - الشّيخ عبد الله بن يونس الأرمني (١) الحنفيّ (١٣) الشيخ، الزاهد، القدوة. قدوة لمّا عصم، وأسوة فيما علم، فطفق يفيض المواهب، وطفح جدوله ليغيض الغياهب، ولم يزل منتابا، ومؤملا يهدي مرتابا، وكشف لبصيرته، وأشرف بسريرته، وأدلج إلى الآخرة يحدي به مطايا النفوس، حتى زف إلى لحده زفاف العروس، وأطبق ملحده عليه، وعلى ما تبعه من النفوس، ثم خلا بعمله، وخلف المحلف خاليا بعد له، وذهب لم يطمس له منار، ونزل الجنة، والقلوب بعد في نار. أصله من أرمينية الروم، وجال في البلاد، ولقي الصلحاء والزهّاد، وكان صاحب أحوال ومجاهدات، وكان سمحا، لطيفا، متعفّفا، لازما لشأنه، مطّرح التكلف. ساح مدة وبقي يتقنّع بالمباحات، وكان متواضعا، سيّدا، كبير القدر، له أصحاب ومريدون، ولا يكاد يمشي إلا وحده، ويشتري الحاجة بنفسه، ويحملها. وكان قد حفظ القرآن، وكتاب القدوري، فوقع برجل من الأولياء فدلّه على الطريق إلى الله (٢) توفي تاسع عشرين شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكانت له جنازة مشهودة. وزاويته مطلة على قبر الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون، ودفن جوار الزاوية (٣) رحمه الله تعالى.

стр. 3265

ومنهم: ٥٨ - شهاب الدّين السّهرورديّ (١٣) أبو حفص، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن [عمر بن] عمّويه. واسمه عبد الله بن سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر بن القاسم بن سعد ابن النضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق الملقب: شهاب الدين السّهروردي. (١) رأس سنّة وجماعة، ورحا سنة ذات مجاعة. كان الغيث يستهلّ من فروج أصابعه، وتستقي البحار من منابعه، مع اعتزائه إلى نسب صدّيقيّ، واعتزازه منه بحسب حقيقي، وإجلال الخلفاء لمحله، وانتساب الوفاء إلى حرمه وحلّه، ونظره في العلم نظرا يعدّ به من الفقهاء، وشغل أوقاته شغلا ما قرّ للالتهاء. وكان في أول أمره ومقتبل عمره - على شدة فاقته، وعدم قدرته على الدنيا وطاقته - يعطي عطاء المكثرين، ويهب هبات المثرين، مع فقر يعضّ عليه، ويغضّ بصر أمله لديه، لعفّة ما زالت تحل له رتاجا، وتوسع عليه فلا تدعه محتاجا، إلى أن صار من ذوي الثراء، والنعم والإثراء، وعلا مقاما كان له سعدا، وتمّ تماما كان له إرثا من آبائه حتى يعد معدّا. وكان فقيها شافعي المذهب، شيخا صالحا ورعا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرّج عليه خلق كثير، من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. (٢)

стр. 3266

وصحب عمّه أبا النجيب (١)، وعنه أخذ التصوف والوعظ، والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وغيرهما، وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد، ورأى غيرهم من الشيوخ، وحصّل طرفا صالحا من الفقه والخلاف، وقرأ الأدب، وعقد مجلس الوعظ سنين. وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير، وله نفس مبارك. حكى من حضر مجلسه أنه أنشد يوما على الكرسي: لا تسقني وحدي فما عوّدتني … أني أشحّ بها على جلاسي أنت الكريم ولا يليق تكرّما … أن يعبر الندماء دور الكاس فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير. (٢) قال ابن خلّكان (٣): ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه - كجاري عادة الصوفية - فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولا إلى إربل، من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته لصغر السن. وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم. سمعت أن بعضهم كتب إليه: "يا سيدي! إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيهما أولى؟ ".

стр. 3267

فكتب جوابه: "اعمل واستغفر الله تعالى من العجب". (١) وحكى الوداعي عن الشيخ قطب الدين بن القرطبي قال: حضرت مجلس الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة، وهو يعظ، فأنشد في خلال وعظه: هو الحمى ومغانيه مغانيه … فانزل وعاين بليلى ما تعانيه ما في الصحاب أخو وجد أطارحه … حديث نجد ولا صبّ أجاريه فقام إليه فقير فقال: أنا أطارحك أيها الواعظ!، وجلس ووضع رأسه بين ركبتيه، فقال الشيخ: جهّزوا أخاكم فإنه قد مات!. فقاموا إليه فوجدوه قد مات، فجهّزوه، وواروه. وله كتاب: "عوارف المعارف" ذكر فيه أبياتا لطيفة منها: أشمّ منك نسيما لست أعرفه … أظنّ لمياء جرّت فيك أذيالا وذكر فيه أيضا: إن تأمّلتكم فكلّي عيون … أو تذكّرتكم فكلي قلوب ومن شعره أيضا قوله: تصرّمت وحشة الليالي … وأقبلت دولة الوصال وصار بالوصل لي حسودا … من كان في هجركم رثى لي وحقّكم بعد إن حصلتم … بكل ما فات لا أبالي أحييتموني وكنت ميتا … وبعتموني بغير غالي تقاصرت عنكم قلوب … فيا له موردا حلالي عليّ ما للورى حرام … وحبّكم في الحشا حلالي ترّبت أعظمي هواكم … فما لغير الهوى وما لي فما على عادم أجاجا … وعنده أعين الزلال (٢)

стр. 3268

وقوله: ربع الحمى مذ حللتم معشب نضر … يروق أكنافه يزهو بها النظر لا كان وادي الغضالا تنزلون به … ولا الحمى سحّ في أرجائه المطر ولا الرياح وإن رقّت نسائمها … إن لم تفد نشركم لا ضمّها سحر ولا رقت عبرتي حتى يكون لمن … ذاق الهوى وصبّا في عبرتي عبر (١) وقوله: يطوي اللبيب صحائف الأمل … قبل اقتحام طلائع الأجل قد شاب مشوب حظه [ … ] (٢) … ذهب الكلال بلذة الكلل وقوله: أيا صاحي وقد سئمت السرى فمن … إليّ بعين تذوق الكرى أرى نارهم والهوى سائقي … وقد هيّج الشوق من أسهرا وقد دار في القلب كأس الهوى … وذو الوجد لا بدّ أن يسكرا ولوعي بسكان دار العقيق … رخيص بروحي أن يشترى مولده: بسهرورد، في أواخر رجب، أو أوائل شعبان، الشك منه، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وتوفي: في مستهلّ المحرم سنة اثنين وثلاثين وستمائة، ببغداد، ودفن من الغد بالوردية. رحمه الله تعالى.

стр. 3269

ومنهم: ٥٩ - غانم بن عليّ بن إبراهيم بن عساكر بن الحسين (١٣) الشيخ، القدوة، الزاهد، أبو عليّ، الأنصاريّ، السّعديّ، المقدسيّ، النّابلسيّ. أحد مشايخ الطرق. باب من حضرة القدس، وآب ولم يطأ غير الكواكب ولم يدس، ففاء ظلالا، وأضاء هلالا، وورد مشرعة، وحمل حمل السحاب المقبل مسرعة، ورمى بمريديه على الشريعة حتى سقاهم زلالها، ووقاهم فرق الفرقة وضلالها، وتألّقت له الأنوار فمشى في أضوائها، وتألقت له الأنواء فسرى في أنوائها، ولم يعدل بليلى حبيبة، ولا عدى نجدا وكتيبة، خبا لرامة وسفوحها، وآرام وحرّة وسنوحها، فهمى وهام، ودلّ على وقته السهام. ولد بقرية بورين، من عمل نابلس، سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وسكن القدس، عام أنقذه السلطان من الفرنج سنة ثلاث وثمانين، وساح بالشام، ورأى الصالحين. وكان زاهدا، عابدا، مخبتا، قانتا لله، مؤثرا للخمول والانقباض، صاحب أحوال وكرامات. حكى ابنه الشيخ عبد الله: أنّ أباه أخبره أن رجلا من الصدّيقين اجتمع به ساعة، قال: فلما وقعت يدي في يده انتزعت الدنيا من قلبي، ولما نهضت قال لي: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى * فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى﴾. (١) فجعلت هذه الآية قدوتي إلى الله تعالى، وسلكت بها في طريقي، وجعلتها نصب

стр. 3270

عيني لكلّ شيء قالته لي نفسي. فإن قالت لي: كل. أجوع، وإن قالت: نم، سهرت، وإن قالت: استرح، أتعبتها. قال ابنه عبد الله: انقطع أبي رحمه الله تعالى تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي، بقية عمره، وعاشا جميعا مصطحبين. قال: وحجّ ثلاث مرات محرما من القدس، فقال: رجعت من الحج، وأنا مريض، لا أستطيع الكلام، فانطرحت في البرّيّة، فجاءني مغربي، فسلّم عليّ، فأومأت له، فقال: قم. فأقامني، وجعل يده تحت جناحي، ثم سار بي يحدّثني بما أنا فيه، وبما يكون مني، لا أشكّ أني سائر في الهواء، غير أني قريب من الأرض مقدار ساعة، ثم قال: اجلس!، ونم، فنمت ونام معي، فاستيقظت، فلم أجده!. ووجدت نفسي قريبا من الشام، وأنا طيّب، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعام ولا شراب حتى دخلت بيت المقدس. قال: [ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكّله وفناءه ومحبّته ورضاه، ومقاماته، وأن أخلاقه كريمة، وهيبته عظيمة، وأنه] (١) بقي عشرين سنة بقميص واحد، وطاقية على رأسه، ثم سأله الفقراء أن يلبس جبّة، فلبس، وأنه ما لقي أحدا إلا ابتسم له. قال: ورأيت ابن شير المغربيّ، وحجّ سنة، ثم قدم وحضر عند الفقراء، فقال: كيف كان وصول الشيخ؟. قالوا: الشيخ ما حجّ. فقال: والله لقد سلّمت عليه على الجبل وصافحته. ثم أتى إليه وسلّم عليه، وقال: يا شيخ غانم! أما سلّمت عليك بالجبل؟. فتبسّم وقال: يا شمس الدين! هذا يكون بحسن نظرك، والسكوت أصلح. وحكى الشيخ القدوة إبراهيم [بن عبد الله] الأرمويّ قال: حضرت مع والدي سماعا حضره الشيخ غانم، والشيخ طيّ، والشيخ علي الحريري، فلما تكلم الحادي حصل للشيخ غانم حال، فحملني وقام بي، ودار مرارا، فنظرت، فإذا بي في غير ذلك الموضع، ورأيت

стр. 3271

شخصا خارجا من باب حديقة، وهو يسوق بقرة، فهالني ذلك. فلما جلس بي الشيخ، قال له الشيخ طيّ أو غيره: أيش كانت وظيفة ولد الشيخ عليك في هذه القومة؟. فلم ينطق. فقال والدي: الشيخ عبد الله فرّج ولدي في إقليم الهند وجاء!. فسكت الشيخ غانم. هذه الحكاية يرويها قاضي القضاة أبو العباس بن صصرى، والشيخ علاء الدين علي ابن شيخنا شمس الدين محمد سبط الشيخ غانم. (١) وتوفي الشيخ غانم في غرة شعبان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن في الحضرة التي فيها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي، بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ومنهم: ٦٠ - عبد الله بن عبد العزيز اليونينيّ (١٣) من أصحاب الشيخ عبد الله اليونيني الكبير. قمر طلع منيرا تماما، واقتلع ثبيرا وشماما، من قوم رفعوا عقوق الأعذار، ورقعوا خروق الأعمار، وطبعوا الكلام زبرا، وطمعوا بقول ربهم: ﴿وَسِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً﴾ (٢)، فقدّموا لأيديهم، وتقدّموا والله يهديهم، وسعوا للآخرة سعيها، وسقوا رياض الأماني الفاخرة، فأحسنوا سقيها ورعيها، فأزلفت لهم الغرف ورضوان بوّابها، حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها. كان صاحب كرامات ومجاهدات.

стр. 3272

قال أبو العباس أحمد ابنه: عنّفني والدي مرة، وقال لما انزعج: والك أنا قضيت إلى يومي هذا صلاة أربعين سنة!. قال ابنه: وحدّثني فقير قال: اقتات أبوك سنة بثلاثة دراهم، اشترى بدرهم دقيق، وبدرهم سمن، وبدرهم عسل (١)، ولتّه وجعله ثلاثمائة وستين كبّة، كان يفطر كل ليلة على كبّة. وقيل: إنه عمل مرة مجاهدة تسعين يوما، يفطر كل ليلة على حمّصة، حتى لا يواصل. قال [الشيخ] إسرائيل بن إبراهيم: كان إذا دخل شهر رجب يتمارض الشيخ عبد الله ابن عبد العزيز، ويأكل في كل عشرة أيام أكلة!. وقال الشيخ إبراهيم البطائحي (٢): كان في المزّة شابّ، وكان يشرب الخمر، وكان يحسن إلى جماعة المزة، فسألوا الشيخ عبد الله لعلّه يتوب، فقال الشيخ عبد الله: أحضروه [لعلّه يتوب، وكان يحسن إلى جماعة المزّة]. (٣) فدعا بعض الجماعة الشيخ وأصحابه، وحضر الشاب وأنشد بعضهم أبياتا، وطاب الشيخ، وكان ثمة شمعة، فجعل الشيخ لحيته عليها، وبقيت النار تخرج من خلالها، وكان الشيخ كثّ اللحية، فلما رأى الشاب ذلك الحال، وقع على رجل الشيخ وتاب، وجاء منه رجل صالح، وكان كثير العبادة والخير. قال: وأخبرني جماعة من أهل المزة: أنهم شاهدوا الشيخ والنار تخرج من خلال لحيته، وأن الشاب تاب. (٤) وقال مري بن أبي الفضل: أخبرني علي الشبلي، قال: احتاجت زوجتي إلى مقنّعة،

стр. 3273

وطالبتني، فقلت: عليّ دين خمسة دراهم، فمن أين أشتري لك؟. فلما كان الليل نمت، فرأيت كأنّ قائلا يقول: إن أردت أن تنظر إلى إبراهيم الخليل فانظر إلى الشيخ عبد الله ابن عبد العزيز. فلما أصبحت أتيته بقاسيون، فقال لي: والك يا علي! اجلس. وقام إلى منزله، وعاد ومعه مقنّعة، وفي طرفها خمسة دراهم. فرجعت، وكان عندنا ورد، فجمعته المرأة وأتت به إلى بيت الشيخ عبد الله، فوجدت زوجته وما على رأسها سوى مئزر معقود تحت حنكها، ﵂. (١) وحكى خادمه عباس، فقال: سافرت صحبة الشيخ إلى العراق، ومعنا جماعة، فلما أتينا ميافارقين، دخل الشيخ عبد الله مسجدا وكان ثمّ دكان فيها خياط سامري، فلما رأى السامريّ الشيخ دخل وقعد في رواق المسجد، فأنكر عليه بعض الجماعة، وأراد أن يخرجه، فقال له الشيخ: دعه، وإذا برجل قد دخل على الشيخ ودعاه إلى منزله، فقام الشيخ وأصحابه، والسامريّ، فلما صاروا في بيت الرجل أنشد بعض الجماعة أبياتا، قال: فضرب السامريّ بيده على رأسه، وقام إلى الشيخ، وأسلم، وصحبه. وقال الشيخ يوما لزوجته: ما فرغ هذا الدقيق المشؤوم؟. قالت: ليس هو مشؤوم!، وقد رأينا فيه البركة. فقال: ويلك، وإلا دقيق ما يأكل منه فقير ما هو مشؤوم؟. وكان إذا رأى فقيرا يقول: ما تجيء تعمل عندي في جبّ. فإذا أجاب قال: على شرط أي شيء جاءنا فتوح تأخذه. فكان إذا عمل الفقير عمق شبرين فإن أتي الشيخ بشيء دفعه إليه. فإذا راح عمد الشيخ فطمّ ما حفره الفقير. توفي: في ثامن رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بقاسيون بالقرب من التربة المعظّمة. رحمه الله تعالى.

стр. 3274

ومنهم: ٦١ - الشّيخ عليّ بن [أبي الحسن بن منصور] المعروف بالحريري (١٣) عشق فتاه، وكلف بغير فتى ولا فتاه، وكان صاحب خوارق لا بتكيف، ولا يدري أهي أو سانحات الطير أعيف، أخذ القلوب عنوة، وكشف الغطاء وقال علوة، وكان لا ينام والعيون رقود، ولا يسام إليه خطا القود، وكانت له أذكار بها النجوم تتألف، وأفكار لو سرت مسراها الريح كادت تتلف، إلى خلب الألباب، وسلب للقلوب يفعل فعل الأعداء بالأحباب، وسكون إلى الدّعه، وإنفاق من سعه، وتأنق في رفاهية، وعيشة راضيه، لعيشة الملوك مضاهيه، هذا مع جهاد كان عليه في أول حاله. حكي أنه كان يركب حائطا في داره لحاجة يريدها ثم يغلب عليه حال ينسى بها نفسه ولا يعود يعرف يومه من أمسه، حتى يبقى مدة على الجدار منتصب، ومرفقه بالشمس متوّج أو بالثريا معتصب، لا يعرف ضجرا ولا هجيرا، ثم كثر بالناس ائتلافه، وطال تردده إلى المدينة واختلافه، فأطلقت فيه الفقهاء الألسنة، ومرقت الفقراء له السيئة بالحسنة، فطائفة مقرّة، وأخرى جاحدة، ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ (١).

стр. 3275

أصله من "بسر" (١)، وتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء. قال أبو شامة: وهم المعروفون بالحريرية، أصحاب الرأي المنافي للشريعة، وباطنهم شرّ من ظاهرهم. (٢) قال: وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون بها، ومن إظهار شعار أهل الفسوق والعصيان شيء كثير. وانفسد بسببه جماعة كثيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغناء الدائم، والرقص، والمردان، وترك الاحتجاز على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات، وكثرة النفقات، فأضلّ خلقا كبيرا، وأفسد جماعة. ولقد أفتى في قتله جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله منه. (٣) وتوفي: في رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، في زاويته بقرية "بسر". هذا قول أبي شامة في الحريري، وهو أحد القولين فيه.

стр. 3276

والقول الآخر: أنه من الأولياء أصحاب الأحوال والكرامات، وقد حكي لي من أحواله ما أذكره والسرائر عند الله تعالى. حدثني عمي الصاحب شرف الدين رحمه الله تعالى قال: سافرت وأنا صبي صغير إلى بلاد حوران، فلما كنت بزرع دخلت الحمام، فإذا أنا بالشيخ علي الحريري؛ فقال لي بعض من كان معي: قبّل يد الشيخ، فقمت إليه، وقبّلت يده، فرأيته جالسا على جانب الحوض يصب الماء على أصحابه، فقال له بعض أصحابه، يا سيدي! هذا ابن فضل الله، فقال: ونعم - والله - من ابن رجل جيد، اقعد!، فقعدت، فأمر شخصا من أصحابه، فغسّلني، والشيخ يصبّ عليّ بيده الماء، إلى أن فرغت، ثم أتاني بمناشف من عنده مبخرة، ما رأيت أطيب منها ريحا!، ثم أتاني بقماش كأنه قد هيّ ء لي، فلبّسني، ثم قال: يا سعيد! يا طويل العمر!، يا طويل الذيل!، فأنا كلما تذكّرت ما أنعم الله به علي علمت أنها كانت بشرى من الشيخ. وحدّثني الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي الطيب، عن أبيه الشيخ نجم الدين أبي حفص عمر قال: خرج مرة إلى محجّة قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل ابن الزكي، ومعه نائبه قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، ومعه ابنه القاضي نجم الدين، وكان الفصل شتاء، فلما أردنا العود، وجّه ابن الزكي وجهه إلى: " بسر "لزيارة الشيخ علي الحريري، فلما قاربنا" بسر "قال ابن الزكي: أشتهي أن يطعمنا الشيخ بسيسة حورانية، فقال صدر الدين بن سني الدولة: وأنا أشتهي طبيخ كشك بدجاج، فقال ابنه: وأنا أشتهي درّاقن لوزي. فقالوا: وأنت؟. فقلت: أنا رجل فقير مهما حضر قنعت. قال: فلما وصلنا ونزلنا بالزاوية، سلّمنا على الشيخ، فجلس إلينا جلسة ثم قام، وغاب عنا إلى أن كاد وقت الظهر يفوت، ثم أتى ومعه قصعة فيها بسيسة، وقصعة فيها كشك دجاج، وبيده شيء آخر، فقال لخادمه: ضع البسيسة بين يدي قاضي القضاة محيي الدين، وضع الكشك بين يدي القاضي صدر الدين، ثم التفت إلى نجم الدين وقال: يا ثقيل!، يا متعنّت!، من أين يلتقي في بلاد حوران في زمان الشتاء درّاقن لوزي؟ والله ما تأخّرنا إلا بسبب عنتك، ثم وضع الذي كان بيده قدّامه، فإذا هو سلّة صغيرة فيها درّاقن، ثم طلع إليّ وقال: يا نجم

стр. 3277

الدين! أنت رجل فقير مهما حضر قنعت به، شارك الكل وكل معهم. وحدّثني شيخنا نجم الدين موسى بن علي الكاتب المجوّد، عرف بابن البصيص، فيما يحكي عن أبيه قال: كان شخص من أبناء الأمراء عند أبي في المكتب، يتعلم الخط، فلما خرج من المكتب، سمع الحديث، وتفقّه، وكان له ذكاء، وعنده قابلية واستعداد، فبرع، ثم إنه جاء يوما إلى أبي إلى المكتب ليزوره ويوصيه بأخ له صغير، كان قد أتى به إليه ليعلّمه، فجلس إلى أبي، وشرع يحدّثه، فجرى ذكر الشيخ الحريري، فأخذ ذلك الشاب يقع فيه ويقول: رجل مبتدع صفته نعته، وبالغ في ذكره بالسوء، فما أتم كلامه إلا وقد أقبل الشيخ في خلق من أصحابه، فوقف على المكتب، ونظر إلى ذلك الشاب ثم قال له: دع كل شيء كنت فيه، وخلّ هذا الفشار من رأسك، وقم انزل. فقام الشاب إلى الشيخ، وقبّل يده، فطلب الشيخ مقصا ثم قصّ شعره، وألبسه طاقية على رأسه، وثوبا من ثياب الفقراء، ثم مشى الشيخ، فمشى الشاب معه، ثم صحبه صحبة كانت إلى آخر العمر. ومنهم: ٦٢ - عيسى بن أحمد بن إلياس بن أحمد اليونينيّ (١٣) جلا الرتب ومزّقها، ومحا بصباح جبينه الأهلّة ومحقها، صام الهواجر، وقام الليالي الطوال مغرورق المحاجر، وأنينه أنيسه، وجلوسه منفردا جليسه، فأنس بالله دون خلقه، وجلس في كسر بيته لأداء حقه، وعمل لجنّة يدوم نعيمها، وتهبّ بحياة النفوس نسيمها، وفرّ من النار فرار الآبق، وقرّ به القرار ودمعه السابق.

стр. 3278

قال أبو محمد عبد الله بن عمر المقدسي - فيما جمعه من أخبار الشيخ عبد الله اليونيني وأصحابه -: ومنهم ذو المنظر المهول، والسيف المسلول، لم يكن بالكلام قوول، ولا في العمل ملول، رئيس القوم، ومحيي الليل بالتهجّد والنهار بالصوم، سلاّب الأحوال (١)؛ الشيخ عيسى. فروى بسنده عن إبراهيم بن مسمار قال: صحبت الشيخ عيسى أربعين سنة، ما رأيته أكل فيها بالنهار. وقال محمد بن عبد القادر اليونيني: جاء الملك الصالح إسماعيل إلى عند الشيخ واستأذن عليه ثلاث مرار، فلما اجتمع به قال له: يا سيدي! أشتهي أن أوقف عليك يومين، فامتنع من ذلك، فقال: أبني ها هنا رواقا، فقال له: ما أشتهي يكون عندي من يصدّعني. وقال أحمد بن عثمان بن إلياس: صحبت الشيخ عيسى خمسين سنة، فحدّثنا يوما قال: ورد إليّ جماعة وتحدّثوا في كرامات الأولياء، فقلت: أعرف رجلا لو قال لهذه الحجارة: صيري ذهبا وفضة، صارت. فقلت: يا سيدي!، ذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه ورد إلى عنده جماعة، وتحدّثوا بمثل هذا، فقال إبراهيم: أعرف رجلا لو قال لهذا الجبل: زل، لزال!. فاهتزّ الجبل، فقال له إبراهيم: اسكن!، فسكن. فأنت لما قلت هذه المقالة صارت الحجارة ذهبا. قال: فاحمرّ وجهه، ودخل فحصل عندي مثل أني أسأت الأدب قدّامه، فلما كان بعض الليالي، توضّأ، ووقف على حجر ينشف وجهه، ويحرك الحجر برجليه، فالتفت إليّ وقال: يا أحمد! أيش كنت تقول؟. فقلت: يا سيدي! أنا أستغفر الله. قال: قال إبراهيم: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢) فنظرت، وإذا بالحجر يلمع ذهبا!. فصحت وأغمي عليّ، فأراد الفقراء يقيموني، فقال: خلوه، فلما أفقت، اجتمعت ببعض أصحاب الشيخ، وقلت: يا فلان! ما يعرف أحد الشيخ، فقد رأيت منه كذا وكذا. ثم دخلت على الشيخ فعنّفني، ولا مني لكوني حكيت ما رأيت. وقال: يا ما فاتك مني؟.

стр. 3279

وقال إسماعيل بن إبراهيم بن سلطان: كنت قرأت نصف الختمة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، ونسيتها، فسألني الشيخ عيسى: أيش قرأت؟. قلت: كذا وكذا، ونسيتها، فلما أردت أن أفارقه ضمّني إلى صدره، فحفظت بعدها القرآن. وقال عبد الولي بن عبد الرحمن الخطيب: لما دخل الخوارزمية جاء وال لهم إلى "يونين"، وطلب من الفلاحين شيئا ما لهم به قوة، فشكى الفلاحون إلى الشيخ ما يقاسونه من الوالي. فاتّفق أن الوالي طلع إلى عند الشيخ، فقال له: ارفق، فهؤلاء فقراء. فقال: ما لي إلى هذا سبيل. فبقي الشيخ يردد عليه ويقول: مالي إلى هذا سبيل. فنظر إليه الشيخ وأطال النظر، فخبط الأرض، وأزبد، فلما أفاق، انكبّ على رجلي الشيخ، واعتذر، ونزل، فقال للخوارزمية: من أراد أن يموت يطلع إلى الضيعة، أو ما معناه (١). ولما مرض الشيخ مرض الوفاة جاء فقير إلى السياج الذي عند زاويته، وقال له: يا عيسى تعال فقام إليه فقال: هات أذنك، فقدّم إليه أذنه، فشاوشه، وراح. فلما رجع الشيخ سأله الجماعة عما قال له؟. فقال: أيش تريدون؟ فلما ألحّوا عليه، قال لهم: قال لي: يقول لك رسول الله ﷺ : تهيّأ للقدوم. فمات بعد اثني عشر يوما، والجماعة خبّروني بهذا. توفي في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وستمائة. وقد ذكره ابن اليونيني (٢)، ورفع نسبه إلى كرز بن وبرة، وكرز في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة. وكان زاهدا عابدا، [خائفا مجتهدا] يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فيضربونه حتى يغشى عليه. وكان يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات (٣). ولم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة، حياء من الله تعالى.

стр. 3280

وقال أبو سليمان (١) المكتب: صحبت كرزا إلى مكة، فكان ينزل فيصلي، فرأيت يوما سحابة تظلّه، وكان يوما شديد الحر، فقال: اكتم علي. وقد ذكره أبو نعيم (٢) وغيره. عدنا إلى ذكر الشيخ صاحب هذه الترجمة: قال ابن اليونيني: صحب الشيخ الكبير عبد الله اليونيني، وانتفع به، وكان من أعيان أصحابه، وانقطع بزاويته بقرية "يونين" من عمل بعلبك، معرضا عن الدنيا وأهلها. يقوم الليل، ويسرد الصوم، [وبقي على ذلك سنين كثيرة، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في زاويته بقرية يونين، في رابع ذي القعدة، ودفن بها، وهو في عشر الثمانين تقريبا] (٣)، وكان من الأولياء الأفراد، ولم يتزوّج لاستغراق أوقاته بذلك، لكنه عقد عقدا على عجوز كانت تخدمه، لاحتمال أن تمس يده يدها (٤)، والناس عنده سواء في المعاملة. قال: وبلغني أن البادرائي قصد زيارته، فجاءه عند صلاة المغرب، فصلى الشيخ، وقام ليدخل إلى خلوته على عادته، فاستوقف له حتى أتاه فسلّم عليه، وسأله الدعاء، ثم أخذ في محادثته، فقال له الشيخ: رحم الله من زار وخفّف. وتركه ودخل [إلى خلوته]. (٥) قال: وكانت شفاعاته عند ولاة الأمور مقبولة، وله الحرمة العظيمة عند سائر الناس، والمهابة في الصدور، مع لطف أخلاقه، ولين كلمته. وله الكرامات الظاهرة، وإذا حضر له أحد من [المشايخ و] (٦) أرباب القلوب [إلى يونين، قصد زيارته و] تأدّب معه غاية الأدب، وأما هو فلا يمشي إلى أحد البتة. ومن سلك منهم معه غير الأدب سلب. (٧)

стр. 3281

قال: وكانت بينه وبين والدي صداقة، وكنت آتيه مع أبي فيقبل علي، ويتلطّف بي، فلما كانت السنة التي مات فيها، كان والدي يأمرني بكثرة التردد إليه، [كأنه استشعر قرب أجله وأحس به، فكنت بعد كل يوم أتردد إليه فقصدته مرة في أول شوّال من هذه السنة، ومعي ناصر الدين علي بن فرقين، والشمس محمد بن داود رحمهما الله، فدخلنا عليه وليس عنده غيرنا، وشرع] (١) فحدّثنا، ثم استغرق عن غير قصد منه لذلك، ثم أفاق من غشيته، وقد انقطع الحديث، فسألناه إتمامه وألححنا في السؤال فقال: من سارروه فأبدى السرّ مشتهرا … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم يحظ بقربهم … وبدّلوه مكان الأنس إيحاشا قال: وكان مضمون ذلك الحديث: أنه أنذر بدنو أجله، ثم لم يلبث أن مرض ومات، ودفن إلى جانب الشيخ عبد الخالق، وكان من أبر الصلحاء. (٢) قال: حدثني أبو طالب بن أحمد اليونيني: أن الشيخ عيسى أخبره بما يكون من زوال ملك بني أيوب، وأن الترك تملك بعدهم، ويفتح الساحل كله (٣). قال: وحكى لي أيضا: أن عبد الله بن إلياس النصراني قال: جئت طرابلس، فقال لي بعض الخيّالة (٤): عندي أسير من بلادكم - وعرض عليّ مشتراه - فوجدته رجلا اسمه: سهل، من قرية "رعبان (٥) " [فحين رآني تشبّث بي وقال: لا تخلى عني اشترني وأنا أعطيك ثمني حال وصولي إلى رعبان] (٦)، فاشتريته بستين دينارا صورية، وجبته (٧) إلى قريته، فلم

стр. 3282

يكن له ولأولاده تلك الليلة ما يتعشون، فندمت، فقال لي أهل القرية: نحن في أيام البيدر نجمع لك ثمنه، فضقت لذلك، وجئت إلى يونين، فصادفت الشيخ عيسى خارجا من الطهارة، وما كنت رأيته قبل ذلك، فقال لي: أنت الذي اشتريت [سهل] الرعباني؟. فقلت: نعم. فشرع يحدّثني عنه، [ويسألني عن الصورة وهو متوجه إلى زاويته، وأنا معه، فلما وصل إلى السياج الذي على ظاهر الزاوية، طلب فقيرا من داخل السياج، وقال له:] (١) أبصر في الزاوية ورقة تحت اللباد الذي لي، أحضرها. قال النصراني: فتوهّمت أنها ورقة كتبها إلى من يعطيني شيئا من وقف الأسرى، أو غيره، فلما ناولني الورقة وجدتها ثقيلة، ففتحتها، فوجدت فيها الستين دينارا التي وزنتها في الأسير بعينها!، فتحيّرت، وأخذتها، وانصرفت (٢). قال أبو طالب: فقلت له: فلم لا أسلمت؟. فقال: ما أراد الله. قال قطب الدين: وشكوا إليه التفاح وأمر الدودة، وسألوه كتابة حرز، فأعطاهم ورقة فشمّعوها، وعلّقوها على شجرة، فزالت الدودة عن الوادي بأسره، وأخصبت أشجار التفاح بعد يبسها، وحملت حملا مفرطا. وبقوا على ذلك سنين في حياته، وبعد وفاته، ثم خشينا من ضياع الحرز، فقلنا ننسخه عندنا، فأزلنا الشمع عنه، وفتحناه، فوجدناه قطعة من كتاب جاء إلى الشيخ من حماه، فندمنا على فتحه، ثم أعدناه، فلم يفد. وجاءت الدودة فركبت الأشجار، وأعطبتها، واستمرّ الحال على ذلك (٣). وقال: حكى لي الحاج علي بن أبي بكر عن بعض أقاربي أنهم قصدوا عمارة حمام في "يونين" وحصّلوا بعض آلاته، فنهاهم الشيخ عيسى، فقالوا: السمع والطاعة، فلما قاموا وأبعدوا، قال أحدهما للآخر: كيف نعمل؟. فقال له: الشيخ عيسى رجل كبير [ما يخلد، نصبر]، ومتى مات عمّرناه. فبعث الشيخ بطلبهم، فلما جاؤوه قال: كأني بكم وقد قلتم

стр. 3283

كذا وكذا؟، [وأنكم تعمرون الحمام بعد موتي]. وهذا ما يصير، ولا يعمّر هذا الحمام لا في حياتي، ولا بعد موتي، فاعتذروا إليه. قال ابن اليونيني: وأنا والله رأيت التجيبي (١) وهو نائب الشام وكان معظم يونين وقد همّ بعمارة حمام يونين، واشترى القدور، وسائر الآلات، [ولم يبق إلا عمارته]، ثم اتفق ما صرفه عن ذلك، ثم [انتقل الخبر إلى الأمير عز الدين أيدمر الظاهري متولي نيابة السلطنة بالشام بعده، فشرع في ذلك] (٢)، واهتم به أعظم ممن تقدّمه، وحفر الأساس، ثم بطل بموانع سماوية! (٣). ومنهم: ٦٣ - يوسف القمّيني (١٣) رجل كان لا يريد في الأرض علوّا، ولا فيما لم يرض غلوّا، فاتخذ الذلّ عزّا، والفقر كنزا، وجعل الدنيا مسافة جدّ في قطعها، وشجرة خبيثة جهد في قلعها، وباغية جرّد عزائمه لقمعها، وعلة ضارية جلد نفسه على منعها، فعوّض بالأعلى عن الأدنى، وبدل له اللفظ بالمعنى، وتوقد منه أي جذوة، وأدلج ليلا وأوّب، وأبهج لألاء والنجم في غرته قد صوّب. كان مأواه القمامين (٤) والمزابل بدمشق، وغالب أوقاته يكون بقمّين حمام نور الدين الشهيد، بسوق القمح بدمشق.

стр. 3284

وكان يلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف، مكشوف الرأس، طويل الصمت، قليل استعمال الماء، ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة، ويحكون عنه أنه يكاشفهم في كثير من الأوقات. وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئا من المأكول والمشروب، ويجتهد فيه، فيتناول منه قدرا يسيرا. ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة، بدمشق. ودفن بتربة المولّهين، بقاسيون، ولم يتخلّف عن جنازته إلا القليل من الناس. وكان من غرائب العالم، يترنّح في مشيته، ولا يلتفت إلى أحد ولا يعبأ به. (١) ومنهم: ٦٤ - الأكّال: محمّد بن خليل بن عبد الوهّاب بن بدر. أبو عبد الله البيطار (١٣) حبّب إلى الناس حسن منظره، ويمن محضره، فكانوا يغشونه، وكادوا بهدب الأجفان يعشونه، لأنهم كانوا للنصح لا يستغشونه، ولخالص الودّ معه لا يغشونه، فكان لا يزال مجلسه معمورا، ومجالسه معذورا، رغبة في أنسه، ومحبة لنوعه الغريب في جنسه. وكان يقصد من السلطان فمن دونه بأطايب الطعام، ومواهب الإنعام، وتنوع له تلك الأطعمة، وتبذل في النفقات عليها الأيدي المنعمة، ولا يأكل إلا بالأجرة تلك المآكل، ثم يجعل تلك الجعالة للأرمل والثاكل، فما جاءه منها بالأجرة مقربا أكل منه، وأطعم، وفضّ ختام ذلك المبلغ وأنعم، وما جاءه بغير شيء ردّه، وتركه ما مدّ يده إليه ولا مدّه.

стр. 3285

ويحكى عنه في هذا حكايات غرائب ونوادر: حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب ﵀، قال: اجتمع طائفة من الأمراء يوما، فتحدّثوا في طريقة الشيخ محمد، فقالوا: نريد نغلبه، ونتحيل حتى يأكل شيئا بغير أجرة!. فقال واحد منهم: أنا أفعل هذا، فبعث، فاشترى رأسين سمان من الغنم، ثم عمد إلى خرجين لطيفين، فملأ عين كل واحد منهما أرزا والآخر سكرا، ثم شدّهما عليهما، وبعث بهما رجلا استغفل الشيخ محمد، حتى أتى من الجامع، وفتح باب بيته، ودخل، فلما علم أنه قد صار داخل الدار، ساق الرأسين إلى داخل الدار، ثم ردّ الباب عليهما وسكّره، فلما شعر الشيخ محمد بدخولهما، خرج فرآهما!، فقال: نعم، يريدون أن آكل هذا بلا أجرة!، لا كيد، ولا كرامة، والرجل الذي أحضرهما خارج الباب يسمع، فانطلق إلى أصحابه، وأخبرهم. ثم إن الشيخ محمدا لم يزل بالباب حتى فتحه، وأخرج الغنم إلى الزقاق بما عليهما وطردهما، وجعل يقول: يا غنم! إن كان لهم حاجة يبعثوا معك الأجرة حتى آكل، وإلا ما آكل. فلما أبعدت الغنم رجع الشيخ محمد إلى داره، وتمت الغنم جارية تشق الأسواق، والطرقات، حتى أتت دار القيامرة، فدخلت إلى الموضع الذي بعثت منه، بما عليها، لم يتعرّض لها أحد!. فلما رأوا ذلك أكبروه، ثم ركب بعض أولئك الجماعة لزيارة الشيخ على عادتهم، فلما دخل عليه قال: إنكم شطّار ملاح، أردتم أن آكل لكم بالسخرة، وما كفاكم هذا حتى أردتم أن أطبخ لكم بالسخرة، وأن أذبح لكم، وأسلخ بالسخرة، وأنا هذا ما أفعله، ولا آخذ إلا طعاما مطبوخا، لا يكون عليّ في آكله كثير تعب، وبعد هذا ما آكله إلا بالأجرة، قم عني، قم!. فقام، وأتى أصحابه، وأعلمهم، فعملوا له أطعمة فاخرة، ثم بعثوا معها مائة دينار، حتى أكل من الطعام، وفرّق الذهب بأجمعه في سبيل الخير. قال شيخنا شهاب الدين: وكان هذا دأب الشيخ محمد، ومهما جاءه، فرّقه على المستحقين، لا يدّخر شيئا منه، وكان عنده لكل طعام أجره، وكل ما كان الطعام أفخر، كانت أجرته على أكله أكثر، حتى سمّي بالأكّال لذلك، وكان من أقلّ الناس أكلا. هذا ما حكاه لي.

стр. 3286

وأصله من جبل بني هلال، ومولده بقصر حجاج، خارج دمشق، سنة ستمائة (١) وكان رجلا صالحا، كثير الإيثار، وحكاياته مشهورة في أخذه الأجرة على ما يأكله وما يقبله من برّ الأمراء والملوك وغيرهم، مشهورة، ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ولا اقتفى أثره من بعده. قال اليونيني في "الذيل" (٢): ولا شك أنه كان له حال ينفعل له بها ذلك، وجميع ما يفتح به على كثرته يصرفه في القرب، وتفقّد المحابيس وغيرهم من المحاويج، والأرامل، والمنقطعين. وكان بعض الناس ينكر على من يعامله بهذه المعاملة، وينسبه في فعله، فإذا اتفق اجتماعه به انفعل له انفعالا كليا، ولا يستطيع الامتناع من إعطائه كل ما يروم، وكان مع هذا حسن الشكل، مليح العبارة، حلو الحديث، له قبول تام من سائر الناس. قال قطب الدين اليونيني: وكان كثير المحبة في والدي، والتردد إليه، لما نزل دمشق في سنة خمس وخمسين وستمائة، والأكل عنده بغير أجرة، وهو مطلق عنده دون غيره (٣) توفي بدمشق في خامس شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة.

стр. 3287

ومنهم: ٦٥ - عبد العزيز بن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف الأنصاريّ، الأوسيّ، أبو محمد شرف الدين (١٣) شيخ الشيوخ بحماه. علم زهد، ومجنى شهد، وسلالة أجداد جادوا، وآباء فعلوا فعل آبائهم وزادوا. من جرثومة سجعت، وأرومة سبقت، ومجد لم يقنع، باق منه لوارثه بل لبس برده حتى أبلاه، وأنفق رفده حتى أفناه، تمتع بمفاخره، وجمع فضله ثم ذهب عن آخره. وكان له عند ملوك حماة جد مقبل، وسعد ذيله عليه مسبل، وتبع طريقه المسلوك. وأخذ بالأدب والتأديب عنه الملوك، وكانت قريحته غمامة مطر، وكمامة زهر، ونظام درر، وغرر أيام وطرر ليال في سالفة غلام (١)

стр. 3288

وله شعر ما طرزت مثل سطوره الخدود، ولا نقشت شبه طروسه الرداح الرود، أرقّ من دمعه الدلال، ومعاتبة الأحباب للملال. كان كأنه إيماء اللحاظ المراض، وسقيط الطل على الرياض، ومنه قوله: ولو سلّمت ليلى غداة لقيتها … بسفح اللوى كادت لها النفس تخشع ولكن جرمي ما علمت ولو به … البداوة تأبى أن ألين وتمنع ولست امرءا أشكو إليك صبابة … ولا مقلة إنسانها الدهر يدمع ولكنني أطوي الضلوع على الجوى … ولو أنها مما بها تتقطّع وقوله: أحدّث النفس أحيانا فأطمعها … زورا وتأيس أحيانا وتكتئب وأستريح إلى صهباء صافية … كأنها شعلة في الكاس تلتهب ولي كتائب أشواق أجهّزها … إلى جنابك إلا أنها كتب ولي أمانيّ من نفس أسرّ بها … إذا ذكرتك إلا أنها كذب

стр. 3289

وقوله: عاينت إنسان عيني في تسرّعه … فقال لي: ﴿خُلِقَ اَلْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ يا عاذلي ليس مثلي من تخادعه … فليس مثلك مأمونا على عذلي ما دمت خلوا فلا تنفك مرتهنا … فاعشق وقولك مقبول عليّ ولي وقوله: لها معاطف تغريني برقّتها … ولينها أن أقاسي قلبها القاسي باتت موسّدة رأسي على يدها … عطفا وكانت يدي منها على راسي وقوله: وليلة راح ساعدتني عجوزها … على نوم بين لا ينادي وليده خلوت بها أبكي الأسى وأجده … وأصبغ بالدمع الثرى وأجوده وأشربها صرفا كأن حبابها … لها من جبيني ثغرة وعقوده فمن مال نجد أو زر ورد محله … فدعه فقلبي بحده ووروده وقوله: عذب شربي في حياتي أجاج … فرماني والعلى في ضجاج كلما حاولت من صرفه حاجة … يصرّفني باحتجاج لأطيلنّ لجاجي وقد ينفع … الإنسان طول اللجاج ساليا رشف رضاب الدّمى … قاليا حب حباب اللجاج ساحبا في الدار سمر القنا … واهبا للجو كدر العجاج قائدا نحو الغنى جحفلا … برءوس الأكم منه شجاج راجيا إيقاعه بالعدة وقعة … للأرض منها ارتجاج خاطبا بكر الغلى خاطرا … بين خرصان الغنى والزجاج كارها للعيش ما لم أنل … سالكا للعز خير الفجاج وقعة ترضى بها ذو الحجى … أو مماتا قاطعا للحجاج

стр. 3290

وقوله: قد طال بالحلم عن أعدائك الأمد … فاعمد لعزم مزيل ما له عمدوا وكن على رأيك الميمون معتمدا … فليس غيرك للعلياء معتمد لا تصرفن عن بني همدان واقرهم … ضربا إذا ما تغشى أمة همدوا ضربا تجمد موار الدماء إذا … ما مار منه هامهم في الماقط الجمد هم من علائك في هم وفي كمد … فدام للقوم ذاك الهمّ والكمد وليس تخمد نار في قلوبهم … من الحقود الألى إلا إذا خمدوا في ليل يقع لهنيض الظبي شهب … كسقف دجن له سمر القنا عمد وقد مددت له حبلا إلى أمد … والآن حين يداني ذلك الأمد فانهض تعب المعالي غير متئد … وارع الأنام رعاك الواحد الصمد وقوله: متيم في عينيه لو جاك … ما ذا يضرك لو عرفته نباك لله درّك ما ألهاك عن دنف … ما ردّ أمرك في حال ولا دراك بريت جسمي بالإعراض منك و … عطفت أبراني سبحان من براك أدميت خدك إذ أدميت لي كبدي … أنصف وقل لي ترى من بالسر بداك قد قلت للسجف لما أن حجبت به … يا سجف لبيك قد أحميت أمراك ويا منمنم خطي عارضيه لقد … قراك مهجته الرائي وما قراك وأنت يا من يساميني إلى شرفي … لقد وسعت إذن أضعاف ما ملاك هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي … فلا رعى سرحك الباري ولا كلاك جحدت حق فتى ما زلت ترزؤه … فيما يحل وفيما مل ما رزاك من وهن رأيك أصبحت منتصرا … بمن [ … ] (١) لم يدر قدرك من قد يرى ولا … عرفت جهلك النامي ولا ملاك قل ما بدا لك من لوم لذي كرم … فلم تجب طوال الدهر ما حساك

стр. 3291

وقوله: يا رشا لم يطق فؤادي … تخلفا عنه وهو داعي إن كان لا بد من فراق … فاسمح بتقبيلة الوداع وقوله: قد فؤادي بحسن قدّ … كالغصن في بانه الرطيب ووجنة ما أتم ربحي وقد … غدا وردها نصيبي وقوله: تقنّع بالكفاف من المعيشه … ودرع شرها يذل أسود بيشه ولا تهتمّ في الدنيا برزق … ليوم لا تؤمّل أن تعيشه وقوله: وأرماح نفت مهج الأعادي … كما ينفي الزيوف الصيرفيّ تكن صدورها منهم صدور … تضيق بها فتظهرها القفيّ وقوله: ونحن معاشر نأبى الدنايا … ونلبس من صوان العرض سردا نعانق من رماح الحظ بانا … وننشق من سيوف الهند وردا وقوله: إذا قنع الملوك بدون عيش … فدون مرامك الأمد القصيّ أبوك محمد داعي البرايا … إلى الجدوى وأنت له وصيّ

стр. 3292

وقوله: مهّد لجنبك قبل مضجعك … وانظر طريقك قبل منتجعك راجع فؤادك في فوارطه … تجد الإبانة قبل مرتجعك واصبر لإنجاع النصيح ففي عقب … اه ما يشفيك من وجعك وقوله: ضحك العوادي إذ بكيتك … فشغلني عنهم فديتك لا كان من يلحى عليك وع … اش عيشي إذ نأيتك أطمعتني بلطيف وعدك … في وصالك فاقتصيتك وصرفت عن كل الورى عين … ي فكيف دنت رأيتك ومتى ذكرت بصالح أحدا … سواك فقد عنيتك ونزلت قلبي فاحتكم فيه ف … إن البيت بيتك أخشى سطاك ولو أطع … ت وارتجيتك وإن عصيتك ما كان أربح صفقتي مذ بع … ت روحي واشتريتك وقوله: جنح اللئيم إلى العناد … وغرّه مني السكون والراح عند وقارها … في الدنّ أبرق ما تكون وقوله: "ويروى للبهاء زهير وهي بقوله أشبه، وعبقها أنسب بزهير إذا تنبّه": رفقا بروحي فهي لك … وعلى السخي بما ملك إني أغار إذ الأراك … دنا إليك فقبّلك ويروعني واشي النسيم … إذا ثناك وميّلك ما أقبح الصبر الجمي … ل بعاشقيك وأجملك

стр. 3293

وقوله: يمهل من عارضه … لكنّه لا يهمل كم للعفاة نحوه … في السد حرف يعمل وقوله: من منصفي من عاذل جاهل … يخون باللوم من لا يخون إن قلت ما يضحك إلا إذا … قال وما عشقك إلا جنون وقوله: سيندم الملحد في دينه … يوما إذا صار إلى اللاحد أقررت بالرب وخالفته … ما أشبه المثبت بالجاحد وقوله: لا تنس وجدي بك يا شادن … ا بحبه أنسيت أحبابي مالي على هجرك من طاقة … فهل إلى وصلك من باب؟ وقوله: سألته من ريقه شربة … يطفى بها من ظمئي حره فقال أخشى يا شديد الظما … أن تتبع الشربة بالجره وقوله: مات أبو بكر ومن لي بأن … لو متّ من قبل أبي بكر أخ تحللت له أنعما … تفضل عن حمدي وعن شكري وقوله مما كتبه على جرن حمام كان يدخله السلطان بحماة: كملت لطفا ووقارا على … ما حزت من أوصافي الحلوه من أجل هذا صرت أهلا … لأن أجالس السلطان في الخلوه

стр. 3294

وقوله: قالوا فلان من القضاة فما بال … ك في سبّ عرضه مجاهد فقلت لا تحفلوا به أبدا … فذاك قاض يقول بالشاه وقوله: إن قوما يلحّون في حب سعدى … لا يكادون يفقهون حديثا سمعوا وصفها ولاموا عليها … أخذوا طيبا وأعطوا خبي وقوله: انظر بصائب رأي … مستكسب وعزيزي ولا تعيش ذليلا … وأنت عبد العزيز وقوله: تيقّظ بفكرك فيما إليه … عواقب كل الورى آيله ولا تتعرضن لخزي الجحيم … ومالك صبر على القابله وقوله: وقاض تصدّى لإسخاطنا … فليس لنا عيشة راضيه يجور وقد عدلت غرسه … فيها فيا ليتها كانت القاضيه وقوله: ولي صاحب لست أكفى أذاه … إلا إذا ما حواه الجدث له لحية لا سقاها الحيا … إليها يساق حديث الحدث وقوله: تقرب إلى إله السما بما يرضى … ودع عرض الدنيا تعش وافر العرض ووفّ بني الدنيا الوداد فإن وفوا … وإلا فقد أقرضتهم أحسن القرض

стр. 3295

وقوله: قذفت صميم فؤاده بشواظ … شعل أرته نصائح الوعاظ وأطلت في ليل الشبيبة رقدتي … فأجد صبح الشيب في إيقاظي وقوله: لعلك ترثي لذي لوعة … إذا ضحك العاذلون انتحب أآمل من عبرتي نصرتي … متى كشفت كرب بالكرب ولو لم أدع في هواك الوقار … لما صار يأخذني الطرب ولا صرت أفهم عنك الحدي … ث بنقر الدفوف ونفخ القصب وقوله: وكم لائم يلحي إلي أن … تأمل من هويت فما تنحنح نفى عني المنام بسحر عين … إلى سلم المتيم ليس يجنح له حدق بقول الحرب أولى … ولي قلب يقول الصلح أصلح وقوله: يا سلم الله جيرانا بذي سلم … لبينهم بان خسراني بعد أرباحي كانوا شموسي وأقماري وقد حجبوا … عني فأظلم إمسائي وإصباحي إذا خشيت مزيد البعد زدت جوى … مباعدا بين أجساد وأرواح وقوله: أرقت لبارق مزنا أضاء على … الأثلات بذات الأضا فأذكرني حبره بالغضا تولوا … وأصليت جمر الغضا وطول في جهنم لائمي … فعرض قلبي لما عرّضا فلم يجد نفعا سوى أنه … على النفع إذ لامني حرّضا
следующие страницы →