وقوله: " أشرف الناس من شرّفته الفضائل لا من تشرف بالفضائل (١) ".
وقوله: " الأمل خدّاع النفوس".
وقوله: " المشورة تريك طبع المستشار".
وقوله: " اطلب في حياتك العلم، والمال، والعمل الصالح، فإن الخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة بما تملك، والجميع بما تعمل".
وقوله - وقد سئل عند موته عن الدنيا؟ فقال -: " خرجت إليها مضطرا، وعشت فيها متحيرا، وها أنا أخرج منها كارها، ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم!! ". وعاش ثمانين سنة.
ومنهم:
٧ - أرسطوطاليس (١٣)
وهو ابن نيقوماخس (٢)، ذهب مذهب فيثاغورس.
رجل لا يقاس به أحد، ولا يقال إن مثله البحر فيخصّ بحد. أنواع العلماء
стр. 3467
عليه ضيوف، وأقوال الحكماء لديه زيوف. طلع صباحه، فطمي جدوله على الكواكب وطمسها، وطمّ جرف نهاره المنهار حفر الغياهب ودمسها. وعرف فضله بالضرورة، وفعله بالمآثر المبرورة، وعني بمداواة الأفهام، فأبرأ سقيمها، وأنتج عقيمها، فشفى من لمم، وأسمع من صمم، وحاز بانضواء الاسكندر الذي هو أحد ملوك العالم إليه فخرا، أصبح به نده يفخم، وضده يرغم، إذ كان لا تناط لديه إشاراته بإهمال، ولا تنال عنده إلا بالتعويل عليه أعمال.
ذكره أبو القاسم بن صاعد وقال: " إليه انتهت فلسفة اليونان، وكان خاتم حكمائهم، وسيد علمائهم، وهو أول من خلّص صناعة البرهان من الصناعات المنطقية، وصوّرها بالأشكال الثلاثة، وجعلها آلة العلوم النظرية، حتى لقّب بصاحب المنطق، وله في جميع العلوم الفلسفية كتب شريفة؛ كلية وجزئية " (١).
قال ابن جلجل: " كان فيلسوف الروم، وعالمها، وجهبذها (٢)، ونحريرها (٣)، وخطيبها، وطبيبها، وكان أوحد في الطب، وغلب عليه علم الفلسفة " (٤).
قال المبشر بن فاتك: " كان أرسطو كثير التلاميذ، من الملوك وأبناء الملوك، وغيرهم، وعدّ منهم أناسا منهم: الاسكندر - وسماه الاسكندروس - " (٥).
стр. 3468
قال ابن أبي أصيبعة: " كان نيقوماخس أبو أرسطوطاليس طبيب [أمنطس أبي فيليبس، وفيلبس هذا هو أبو الاسكندر] وكان كل من أبيه وأمه من ولد اسقليبيوس، وكان خليفته على دار التعليم (١) ".
ولما قدم أفلاطون من صقلية انتقل أرسطو إلى لوقيون، واتخذ هناك دار التعليم المنسوبة إلى [الفلاسفة] المشائين، ثم رجع إلى مدينة الحكماء (٢)، ثم صار إلى مقدونيا يعلّم، إلى أن تجاوز الاسكندر بلاد آسيا، ثم استخلف في مقدونيا، فسعى إليه (٣) بعض الكهنة في أرسطو، ونسبه إلى الكفر، لكونه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد!، فشخص أرسطو إلى بلاده، وبقي بها إلى أن مات وهو ابن ثمانين سنة" (٤).
"ثم إن أهل أسطاغيرا نقلوا بدنه وصيّروه في الموضع المعروف بالارسطوطاليسي، وصيّروا مجتمعهم للمشاورة في جلائل الأمور، وإذا صعب عليهم شيء من فنون العلم أتوا إلى مكان قبره فتناظروا ما بينهم فيظهر لهم ما أشكل، وكانوا يرون اجتماعهم عنده يذكي عقولهم، ويصحح فكرهم، وكانوا لا يزالون في أسف لفراقه، وحزن لما فقدوه من ينابيع حكمته" (٥).
وذكر المسعودي: أنه في ملرم (٦) من صقلية، وكان جليل القدر في الناس، مكرما عند ملوك زمانه، وكان يحسن السفارة عندهم للرعية، حتى اتخذوا
стр. 3469
عمودا ونقشوا عليه اسمه، وحسن ما كان يصنعه معهم، إلا فرد رجل غاب عن رأيهم في هذا العمود، وعاب أرسطو، وهمّ بإزالة نقش العمود، فأمسك وقتل، ثم عمدوا إلى عمود آخر [ .... ] (١) بالبناء عليه كالأول، وذكروا المتعرض المخالف الذي قتل، ولعنوه، وتبرأوا منه.
قال ابن أبي أصيبعة: "إن الاسكندر لما ملك صار أرسطو إلى التبتل والتخلي مما كان فيه من الاتصال بالملوك والملازمة لهم، ولزم موضع التعليم، وهو رواق المشائين، وأقبل على العناية بمصالح الناس، ورفد الضعفاء، وأهل الفاقة، وتزويج الأيامى، وعول اليتامى، ورفد طلبة العلم والتأدب (٢) من كانوا، وأي نوع من العلم والأدب طلبوا، والصدقة على الفقراء، ولم يزل في غاية لين الجانب والتواضع، وحسن اللقاء للصغير والكبير، والقوي والضعيف، وأما قيامه بأمر أصدقائه فلا يوصف" (٣).
قال المبشر بن فاتك: "إن أرسطو لما بلغ ثماني سنين حمله أبوه إلى بلد الحكماء (٤)، وضمّه أبوه إلى الشعراء، والبلغاء، والنحويين، فأقام متعلما منهم تسع سنين، وكان اسم هذا العلم عندهم: المحيط - أعني علم اللسان، لحاجة جميع الناس إليه، لأنه المؤدي لكل حكمة، وبه يتحصل كل علم.
ثم بلغه أن قوما من الحكماء أزروا (٥) بعلم البلغاء واللغويين، وعنّفوا
стр. 3470
المتشاغلين به، وزعموا أنه لا تحتاج إليه الحكمة، لأن النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب تمحّل ومراء (١)، فأدركته الحفيظة (٢) لهم، فناضل عنهم، واحتج لهم، وقال: إن فضل الإنسان على البهائم بالنطق، وأحقهم بالإنسيّة أبلغهم في منطقه، وإذا كانت الحكمة أشرف الأشياء فينبغي أن تكون العبارة عنها بأشرف المنطق لأن العيّ يذهب بنور الحكمة، ويقطع عن الأداء، ويقصر عن الحاجة، ويلبس على المستمع، ويفسد المعاني، فيورث الشبهة. ثم انتقل أرسطو إلى أفلاطون لتعلم العلوم الأخلاقية، والسياسية، والطبيعية، والتعليمية، والإلهية. وكان أفلاطون إذا استدعي منه الكلام يقول: اصبروا حتى يحضر الناس! فإذا جاء أرسطو قال: تكلموا، فقد حضر العقل! " (٣).
وقال حنين (٤): "كان منقوشا على [فص] خاتم أرسطو: المنكر لما يعلم أعلم من المقرّ بما لا يعلم! " (٥).
стр. 3471
ومن كلامه:
قوله: "بالفكر الثاقب يدرك الرأي العازب (١)، وبالتأني تسهل المطالب، وبلين الكلم تدوم المودة في الصدور، وبخفض الجناح تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش، ويكمل السرور، وبالإنصاف يحب التواصل، وبالتواضع تكثر المحبة، وبالعفاف تزكو الأعمال، وبالعدل يقهر العدو، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب (٢)، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتم الفضل، ومن الساعات تتولد الآفات، وبالعافية يوجد طيب الطعام والشراب، وبحلول المكاره تتكدر النعم، وبالمنّ يدحض الإحسان، وبالجحود يستوجب الحرمان، والبخيل ذليل وإن كان غنيا، والجواد عزيز وإن كان مقلا، والطمع الفقر الحاضر، واليأس الغنى الظاهر.
"لا أدري نصف العلم، والأدب يغني عن الحسب، والتقوى شعار العالم، والرياء لباس الجاهل، ومقاساة الأحمق عذاب الروح، والاشتغال بالفائت يضيع الأوقات، والتمني سبب الحسرة، والصبر تأييد العزم".
"صديق الجاهل مغرور، والمخاطر خائب".
"من عرف نفسه لم يضع. المجرب أحكم من الطبيب. إذا فاتك الأدب فالزم الصمت. من لم ينفعه العلم لم يأمن من ضرر الجهل. من افتخر ارتطم. من عجل تورّط. من تفكّر سلم. من سأل علم. للعادة على كل أحد سلطان. كل شيء يستطاع نقله إلا الطباع. كل شيء يحتال له إلا القضاء. من عرف الحكمة لحظته العيون بالوقار. لا يؤتى الناطق إلا من سوء فهم السامع. الجزع عند
стр. 3472
مصايب الأحزان أحمد من الصبر. وصبر المرء على مصيبته أحمد من الجزع.
ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم. من طلب خدمة السلطان بلا أدب خرج من السلامة إلى العطب.
"إذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإن من لم يكن له قناعة لا يغنيه المال وإن كثر. لا تبطل لك عمرا في غير نفع، ولا تضع لك مالا في غير حق، ولا تصرف لك قوة في غنى، ولا رأيا في غير رشد".
"العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما. اطلب الغنى الذي لا يفنى، والحياة التي لا تتغير، والملك الذي لا يزول، والبقاء الذي لا يضمحل".
"أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعا لك، واقترض من عدوك الفرصة، واعمل على أن الدهر ذو دول. لا تصادم من كان على الحق، ولا تجاذب من كان متمسكا بالدين".
"لا فخر فيما يزول، ولا غنى فيما لا يثبت. لا تغفل فإن الغفلة تورث الندامة.
لا ترج السلامة لنفسك حتى يسلم الناس من جورك (١)، ولا تعاقب غيرك على أمر ترخص فيه لنفسك".
"اعتبر ممن تقدم، واحفظ ما مضى، والزم الصحة يلزمك النصر. الصدق قوام أمر الخلائق. الكذب داء لا ينجو من نزل به. من تجبّر على الناس أحب الناس ذلّته.
من أفرط في اللوم كرهت حياته. من مات محمودا كان أحسن حالا ممن عاش مذموما".
"من نازع السلطان مات قبل يومه. أي ملك نازع السوقة (٢) هتك شرفه. من
стр. 3473
مات قلّ حاسده. الحكمة شرف من لا قديم له. سوء الأدب يهدم ما بناه الأب.
الجهل شر الأصحاب. النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء. ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك. الجاهل عدوّ لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره؟. الوفاء نتيجة الكرم. لسان الجاهل مفتاح حتفه. الحاجة تفتح باب الحيلة. بترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل. ليس زيادة القوة بكثرة ما يرد البدن من الغذاء ولكن بكثرة ما يقبل منه".
"امتحن المرء في وقت غضبه لا في وقت رضاه، وفي وقت قدرته لا في وقت ذلته. خير الأشياء أجدّها إلا المودّات خيرها أقدمها " (١).
وكتب إلى الاسكندر: " إذا أعطاك الله الظفر فافعل ما أحبّ من العفو".
وكتب إليه: " الأردياء (٢) ينقادون بالخوف، والخيار ينقادون بالحياء، فميّز بين الطبقتين، واستعمل في أولئك البطش والخوف، وفي هؤلاء الإفضال والإحسان".
وكتب إليه: " ليكن غضبك بين المنزلتين لا شديدا فاشيا، ولا فاترا ضعيفا، فإن هذه من أخلاق السباع، وهذه من أخلاق الصبيان ".
стр. 3474
ومنهم:
٨ - يعقوب بن إسحاق الكنديّ (١٣)
أبو يوسف، فيلسوف العرب (١).
من ولد الأشعث بن قيس (٢)، والأشعث من ولد معاوية الأكبر ابن الحارث الأصغر، ابن معاوية ابن الحارث الأكبر.
وكان الأشعث ملكا على كندة، وله صحبة، وللأعشى فيه مدائح (٣).
стр. 3475
وكان من آبائه ملوك [على معبد] (١) بالمشقر، واليمامة، والبحرين.
وكان [أبوه] إسحاق بن الصباح [أميرا] على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان ابنه يعقوب هذا عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم، و [عند] ابنه أحمد.
أملاكه بالبصرة (٢). وتأدب ببغداد، وكان عالما بالطب والفلسفة، والحساب، والمنطق، واللحون (٣)، والهندسة، وطبائع الأعداد، والنجوم، ولم نجد في الإسلام فيلسوفا خلف أرسطو سواه!.
له تصانيف كثيرة في فنون العلم (٤).
خدم الملوك، وترجم كثيرا من كتب الفلسفة، وبين ما جمجم (٥) على أهل المعرفة، وأحجم عن مثاورته كل قسورة، وخاتل (٦) دون مساورته كل ابن بهماء مقفرة، وأثرى بعلمه كل مملق، وأربى في يمه كل محملق، وقصّر لديه حجة كل مناظر، ودرس محجة كل خاطر، وردّ من عادى كندة من كنود الأبطال، وأكبد بفضلها كبود أهل المطال، حتى خشي من كاد كندة، وخزي بالقبيح لحسن ما عنده، فلو نشر ملكها الضلّيل لما فخر بلسانه قدر ما فخر بإحسانه، ولما حمل
стр. 3476
راية الشعراء بيده إلا بعد أخذ أمانه، ولا طلب ثأر أبيه ولو قدر عليه إلى زمانه.
ذكره ابن أبي أصيبعة، وذكر من كلامه قوله في وصية:
[قوله] ": وليتق الله المتطبب، ولا يخاطر، فليس عن الأنفس عوض".
وقوله: "وكما يحب أن يقال له: إنه كان سبب عافية العليل وبرئه، [كذلك فليحذر] أن يقال: إنه كان سبب تلفه وموته".
وقوله - مما أوصى به ولده -: "يا بني! الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب، وقول: " لا "يصرف البلا (١)، وقول: نعم، يزيل النعم، وسماع الغناء برسام (٢) حاد، لأن الإنسان يسمع فيطرب، وينفق (٣) فيسرف، فيفتقر، فيغتم، فيعتل، فيموت!.
والدينار محموم، فإن صرفته مات، والدرهم محبوس فإن أخرجته فرّ. والناس سخرة، فخذ شيئهم واحفظ شيئك، ولا تقبل ممن قال اليمين الفاجرة [فإنها] تذر الديار بلاقع (٤) ".
قلت: وهذا الكندي هو الذي حضر أبا تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم
стр. 3477
قوله فيه:
ما في وقوفك ساعة من باس (١)
وهو صاحب الواقعة معه فيها، وهي في موضعها من ذكر أبي تمام أشبه.
ومنهم:
٩ - أحمد بن الطّيّب السّرخسيّ (١٣)
أبو العباس.
مفنّن جليل المفاخر، متقن لعلوم الأوائل وطرف من علوم الأواخر، هذا إلى خشن مناظرة، وحسن محاضرة، وبوادر أجوبة حاضرة، ونوادر ما أتت بحرازها أهل بادية ولا حاضرة، ومع هذا كله يزن عقله الجبال، ويوقر فضله الجمال، ويقتدي بفيضه البحر إلا أنه لا يمر، والسحاب إلا أنه الذي ينسكب ولا يدر.
قال ابن أبي أصيبعة: "هو ممن ينتمي إلى الكندي، وعليه قرأ، [ومنه أخذ]، وكان متفننا في علوم القدماء والعرب، حسن المعرفة، جيد القريحة، بليغ اللسان، مليح التصنيف [والتأليف]، أخذ في النحو والشعر، أوحد في [علم]
стр. 3478
النحو والشعر، فصيح الشعر، مليح النادرة، وسمع الحديث. وكان خليعا ظريفا" (١).
"وولي حسبة بغداد أيام المعتضد، وكان قبل هذا يعلّمه، وينادمه، وكان يفضي إليه بأسراره، ويستشيره في أمور ملكه، وكان يغلب علم السرخسي على عقله، وقتله (٢) بحيلة دبّرها الوزير عليه، حتى أخذ خط المعتضد بقتل رجال دسّه بينهم، فلما قتل سأل عنه المعتضد، فأخبره القاسم أنه قتل، فأنكر، فأراه خطّه، فسكت، ومضى بعد أن بلغ السماء رفعة".
ومنهم:
١٠ - كنكه الهندي (١٣)
من أقدم الحكماء، وأقوم القوم، يبث ما أنزل في الأرض من خير السماء، وأعلم الكل بما ينبت من العقاقير ذوات الأسماء.
أخذ عنه الحكماء أصحاب النواميس، واستمد اليونان مما وصل من كتبه إلى
стр. 3479
أرسطوطاليس، وهو الذي لا يرتفع معه ذكر نابه، ولا يقاومه قدر مشابه.
قال ابن أبي أصيبعة: " إنه حكيم بارع من متقدمي حكماء الهند وأكابرهم، وله نظر في صناعة الطب، وقوى الأدوية والطبائع المولدات، وخواص الموجودات، وكان من أعلم الناس بهيئة العالم، وتركيب الأفلاك وحركات النجوم".
وقال أبو معشر (١): " إن كنكه هو المتقدم في علم النجوم عند جميع علماء الهند في سالف الدهر".
قلت: ومنها كتاب في " أحداث العالم والدور في القرآن ". وهذا كتاب مجد لو وجد، وهيهات!! (٢).
ومنهم:
١١ - صنجهل الهندي
وهو ثانيه في الرتبة، وثالثه في صعود الهضبة، فلو نطقت النجوم لما عدّت شكره، أو العلوم لما عدّت إلا برّه.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان من علماء الهند وفضلائهم، الخبيرين بعلم الطب والنجوم " (٣).
стр. 3480
ومنهم:
١٢ - أبو نصر الفارابيّ (١٣)
محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان (١).
من أهل مدينة فاراب (٢) من مدن الترك في أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش وهو فارسي المنتسب، وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام، وأقام به إلى
стр. 3481
حين وفاته.
وكان ﵀ فيلسوفا كاملا، وإماما فاضلا، بحرا منه يغرف، وحبرا له يعرف، قد أتقن العلوم الرياضية، زكي النفس، قويّ الذكاء، متجنّبا عن الدنيا، مقتنعا منها بما يقوم به أوده (١)، ويسير سيرة الفلاسفة المتقدّمين، وكان له قوة في صناعة الطب، وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها.
قال ابن أبي أصيبعة: " وحدّثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي (٢) - رحمه الله تعالى -: أن الفارابي كان في أول أمره ناطورا في بستان بدمشق، وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال، حتى إنه كان في الليل يسهر بالمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي كذلك مدة.
ثم إنه عظم شأنه، وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه، وعلاّمة وقته. واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن
стр. 3482
عبد الله بن حمدان التغلبي (١)، وأكرمه إكراما كثيرا، وعظمت منزلته عنده، وكان له مؤثرا.
ونقلت من خط بعض المشايخ، أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، [ورجع إلى دمشق، وتوفي بها سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة]، عند سيف الدولة علي بن حمدان، وفي خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلا من خاصته (٢).
ويذكر أنه لم يكن يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم، يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه، ولم يكن معتنيا بهيئة، ولا [منزل] ولا مكسب. ويذكر أنه كان يغتذي بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط. ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيا، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعليمها، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة.
ويذكر أنه كان يخرج إلى الحرّاس في الليل من منزله، يستضيء بمصابيحهم فيما يقرؤه، وكان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غاياتها، وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه. ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحان بديعة، يحرك بها الانفعالات.
ويذكر أن سبب قراءته للحكمة أن رجلا أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس، فاتفق أنه نظر فيها، فوافقت منه قبولا وتحرك إلى قراءتها، ولم يزل
стр. 3483
إلى أن أتقنها فهما، وصار فيلسوفا بالحقيقة.
ونقلت من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى [اسم] الفلسفة، قال: "اسم الفلسفة: يوناني، وهو دخيل إلى العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفا، ومعناه إيثار الحكمة. وهو مركب من: " فيلا "ومن: " سوفيا ". ف: " فيلا "الإيثار.
و" سوفيا ": الحكمة.
والفيلسوف مشتق من: " الفلسفة "وهو على مذهب لسانهم: " فيلسوفوس ". فإن هذا التغيير هو تغيير كثير من الاشتقاقات عندهم، ومعناه:
المؤثر للحكمة. والمؤثر للحكمة هو الذي يجعل الوكد (١) من حياته، وغرضه من عمره الحكمة.
وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه، قال: " إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين، بعد وفاة أرسطوطاليس بالاسكندرية إلى آخر أيام المرأة. وأنه لما توفي بقي التعليم بحاله فيها، إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكا، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلما أحدهم المعروف ب "أندرو نيقوس". وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة، فغلبها أو غسطس الملك من أهل رومية، وقتلها، واستحوذ على الملك، فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعتها، فوجد فيها نسخا من كتب أرسطوطاليس، قد نسخت في أيامه، وأيام ثاوفرسطس، ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبا في المعاني التي عمل فيها أرسطو [فأمر أن تنسخ تلك الكتب، التي كانت نسخت في أيام أرسطو] (٢) وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن الباقي.
стр. 3484
وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك، وأمره أن ينسخ نسخا يحملها معه إلى رومية، [ونسخا يبقيها في موضع التعليم بالاسكندرية، وأمره أن يستخلف معلما يقوم مقامه بالاسكندرية، ويسير معه إلى رومية]. فصار التعليم في موضعين، وجرى الأمر على ذلك، إلى أن جاءت النصرانية، فبطل التعليم من رومية، وبقي بالاسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا العلم وما يبطل. فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية، ولا يعلّم ما بعده، لأنهم رأوا أن في ذلك ضررا على النصرانية، وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان (١) به على نصرة دينهم، فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، وما ينظر فيه من الباقي مستورا، إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة، فانتقل التعليم من الاسكندرية إلى أنطاكية، وبقي بها زمنا طويلا، إلى أن بقي معلم واحد، فتعلم منه رجلان، وخرجا ومعهما الكتب، وكان أحدهما من أهل حران، والآخر من أهل مرو.
فأما الذي من أهل مرو: فتعلم منه رجلان، أحدهما: [إبراهيم] المروزي.
والآخر: يوحنا بن جيلان.
وتعلم من الحراني: [إسرائيل] الأسقف وقويري، وساروا إلى بغداد، فتشاغل إبراهيم بالدين، وأخذ قويري في التعليم. وأما يوحنا بن جيلان: فإنه تشاغل أيضا بدينه.
وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد، فأقام بها، وتعلم من المروزي متى بن يونان. وكذلك الذي يتعلم في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية.
وقال أبو النصر الفارابي عن نفسه: إنه تعلم من يوحنا بن جيلان، إلى آخر
стр. 3485
كتاب البرهان. وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ، إلى أن قرئ بعد ذلك، وصار الرسم بعد ذلك حيث صار الأمر إلى معلمي الإسلام أن يقرأ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر الإنسان أن يقرأ. فقال أبو نصر: إنه قرأ إلى آخر كتاب البرهان.
وحدّثني عمي رشيد الدين أبو الحسن علي بن خليفة ﵀: أن الفارابي توفي عند سيف الدولة بن حمدان في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أخذ الصناعة عن يوحنا بن جيلان، ببغداد، وكان في أيام المقتدر، وكان في زمانه أبو البشر متى بن يونان، وكان أسنّ من أبي نصر، وكان أبو نصر أحدّ ذهنا منه، وأعذب كلاما، وتعلم أبو البشر متى من إبراهيم المروزي، وتوفي أبو البشر في خلافة الراضي فيما بين سنة ثلاث وعشرين إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وكان يوحنا بن جيلان، وإبراهيم المروزي قد تعلما جميعا من رجل من أهل مرو.
وقال الشيخ أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني في معلقاته:
إن يحيى بن عدي أخبره أن متّى قرأ إيساغوجي (١) على إنسان نصراني. وقرأ قاطيغورياس وبارمينياس على إنسان يسمى روبيل، وقرأ كتاب القياس على أبي يحيى المروزي (٢).
стр. 3486
وقال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد، في كتاب" التعريف بطبقات الأمم ": إن الفارابي أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلان (١)، المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبزّ (٢) جميع أهل الإسلام فيها، وأربى عليهم في التحقيق بها، وشرح غامضها، وكشف سرّها، وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، منبّهة على ما أغفله الكندي وغيره، من صناعة التحليل، وإيحاء التعاليم. وأوضح القول فيها عن موادّ المنطق الخمس، وإفادة وجوه الانتفاع بها، وعرّف طرق استعمالها، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها. فجاءت كتبه في ذلك الغاية القصوى، الكافية، والنهاية الفاضلة.
ثم له بعد ذلك كتاب شريف في إحصاء العلوم، والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه، ولا ذهب أحد مذهبه فيه، لا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، وتقديم النظر فيه.
وله كتاب في " أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس ". يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة والتحقيق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر، وتعرّف وجوه الطلب، اطّلع فيه على أسرار العلوم، وثمارها علما [علما]، وبين كيف التدرج من بعضها إلى بعض [شيئا فشيئا].
ثم بدأ بفلسفة أفلاطون، فعرف غرضها منها، وسمّى تواليفه (٣) فيها.
ثم أتبع ذلك بفلسفة أرسطو، فقدّم له مقدّمة جليلة، عرف فيها بتدرجه إلى
стр. 3487
فلسفته، ثم بدأ بوصف أغراضه في تواليفه المنطقية والطبيعية، كتابا كتابا، حتى انتهى به القول في النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهي، والاستدلال بالعلم الطبيعي عليه. ولا أعلم كتابا أجدى على طالب الفلسفة منها، فإنه يعرّف بالمعاني المشتركة لجميع العلوم، والمعاني المختصة بعلم علم منها. ولا سبيل إلى معاني قاطيغورياس وكيف هي (١) الأوائل الموضوعة لجميع العلوم.
ثم له بعد ذلك في العلم الإلهي والعلم المدني كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف ب: " السياسة المدنية ". والآخر المعروف ب: " السيرة الفاضلة ". عرّف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي، على مذهب أرسطوطاليس، في [المبادئ الستة] الروحانية، وكيف يؤخذ عنها الجواهر الجسمانية، على ما هي عليه من النظام، واتصال الحكمة. وعرّف فيها مراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرّق بين الوحي والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة، واحتياج المدينة إلى السيرة الملكية، والنواميس النبوية (٢).
أقول (٣): وفي التاريخ: أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج (٤)،
стр. 3488
يقرأ عليه صناعة المنطق. وكان الفارابي يشعر أيضا.
وسأل بعضهم أبا نصر: أيما أعلم أنت أم أرسطو؟.
فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته! (١).
ويذكر عنه أنه قال: قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة، وأرى أنني محتاج إلى معاودته.
ومن شعر أبي نصر: [البسيط]
لمّا رأيت الزّمان نكسا … وليس في الصّحبة انتفاع
كلّ رئيس به ملال … وكلّ رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضا … به من العزّة اقتناع
أشرب مما اقتنيت راحا … لها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامى … ومن قراقيرها سماع
وأجتني من حديث قوم … قد أقفرت منهم البقاع
وقال أيضا: [المتقارب]
أخي خلّ حيّز ذي باطل … وكن للحقائق في حيّز
فما الدّار دار خلود لنا … ولا المرء في الأرض بالمعجز
وهل نحن إلا خطوط وقعن … على كرة وقع مستوفز
ينافس هذا لهذا على … أقل من الكلم الموجز
محيط السّماوات أولى بنا … فكم ذا التزاحم في المركز
стр. 3489
ومنهم:
١٣ - يحيى بن عدي (١٣)
أبو زكرياء المنطقي. حكيم علمه والودق (١) شيئان، وقلمه والبرق سيّان.
كان أول حاله علما في ملته، ومعلما لأهل قبلته، وعرف بالمنطق مع أنه بعض علومه، ومن جملة ما دخل من الخصائص في عمومه، وأضاءت له من الأدب لمع تمّمت فضائله، ونمّت هلاله، والبدور الكوامل متضائلة.
قال ابن أبي أصيبعة: " انتهت إليه الرياسة ومعرفة العلوم الحكمية في وقته، وكان أوحد دهره في مذهب النصارى اليعقوبية، وكان كثير الكتابة، وكتب تفسير الطبري مرتين. وقال: لعهدي بنفسي أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة، وأقل!!.
وأوصى أن يكتب على قبره (٢): [الخفيف]
ربّ ميت قد صار في العلم حيّا … ومبقّى قد مات جهلا وعيّا
فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودا … لا تعدّوا الحياة في الجهل شيّا (٣)
стр. 3490
ومنهم:
١٤ - أبو بكر محمّد بن زكريّاء الرّازيّ (١٣)
لم يبق علم ما أتى منه بجذوة، ولا عالم إلا ولديه حبوة، تفنن في أنواع العلوم، فقرأ منها ما أوقر حمل خاطره، وملأ إناء ماطره. وكان فكره المقترح شرر زناد، ونظره الملتمح شرك ازدياد، وفضله المنوّع جمّ المذاهب، وجماع المحاسن الذواهب. وأكثر النقل يقف عنده سلسلته، وأعمق المشكل به تعرف مسألته.
قال ابن أبي أصيبعة: " مولده ومنشؤه بالري (١)، وسافر إلى بغداد وأقام بها مدة، وكان نهما في العلوم العقلية، مشتغلا بها، وتعلم الأدب، ونظم الشعر".
قال: " وكان سبب تعلمه الطب أنه لما أتى مدينة السلام دخل البيمارستان العضدي (٢)، فرأى الصيدلاني به، فسأله عن الأدوية ومن كان المظهر لها؟ فقال
стр. 3491
له: إن أول ما عرف منها: "حي العالم" (١)، وذلك أن رجلا كان به ورم حار في ذراعه، فلما أشفى منه ارتاح إلى الخروج إلى شاطئ نهر، فحمل إليه، وكان عليه نباته، فوضع يده عليه تبرّدا به، فخفّ ألمه بذلك، فاستطال وضعها عليه، ثم أصبح ففعل ذلك، فبرأ، فلما رأى الناس سرعة برئه، علموا أنه إنما كان بما وضع يده عليه، فسموه: "حياة العالم" [وتداولته الألسن وخففته وسمي: حي العالم "]. ثم جففوه، ثم لم يزل الرازي يسأل حتى حسن له التعليم فتعلّم".
قال: "والذي صحّ عندي أن الرازي كان أقدم زمانا من عضد الدولة بن بويه، وإنما كان تردده إلى المارستان قبل أن يجدد" (٢).
وقال ابن جلجل: "إن الرازي كان في ابتداء أمره يضرب بالعود، ثم أكب على النظر في الفلسفة والطب، فبرع براعة المتقدمين".
وقال ابن صاعد: "إنما لم يوغل في العلم الإلهي ولا فهم غرضه الأقصى، فاضطرب رأيه وتقلّد آراء سخيفة، وانتحل مذاهب خبيثة، وذمّ أقواما لم يفهم
стр. 3492
عنهم، ولا اهتدى لسبيلهم " (١).
وكان يتنقل في البلدان، وكان كريما متفضلا بارّا بالناس، محسنا إلى الفقراء، يجري عليهم الجرايات الواسعة، ويمرّضهم، وكان لا يفارق التسويد والتبييض، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكل الباقلاء، ثم عمي آخر عمره".
قال التنوخي (٢): "إن غلاما قدم الري وهو ينفث الدم، فأحضر إليه الرازي، فلم تظهر له علائم سل (٣) ولا قرحة (٤). فسأله: متى بدأ به المرض؟. فقال: من الطريق. فسأله: عن المياه التي شربها في طريقه؟. فأخبره أنها من الصهاريج (٥)، ومستنقعات الأرض. فوقع في نفس الرازي أنه ابتلع علقة، وأن نفث الدم منها.
فقال له: إذا كان في غد، جئتك فداويتك، ثم لا أنصرف عنك حتى تبرأ، بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم. فقال: نعم. فلما أصبح أتاه بطحلب (٦) كثير، وقال له: ابتلع هذا!، فابتلع يسيرا، ثم قال: لا أستطيع.
стр. 3493
فأمر الغلمان بأن ينيّموه على قفاه، ويفتحوا فاه، ثم جعل يبلعه الطحلب كرها، ويطالبه ببلعه، والرجل يستغيث!، والرازي لا يكف، إلى أن ذرع (١) الرجل القيء، فقذف ما في جوفه، وإذا به قد اعتلقت به علقة، لأن الطحلب لما وصل إليها قرمت (٢) إليه بالطبع، والتفّت عليه. ثم قام الرجل معافى.
وقال ابن معرّف (٣): " كان الرازي يقول: أنا لا أسمي فيلسوفا إلا من علم صناعة الكيمياء، لأنه يكون قد استغنى عن [التكسب من أوساخ] الناس، وتنّزه عما في أيديهم، [ولم يحتج إليهم]. "
وحكي أن الوزير أكل عند الرازي أطعمة استطابها، فتحيّل في مشتري طباخته ثم لم يجد بطبيخها له ما في نفسه، فسألها عن السبب؟ فأخبرته أن قدور الرازي، وما عونه كله ذهب وفضة!. فسأله أن يعلمه علم الكيمياء.
فأنكره، فخنقه بوتر (٤).
ومن كلامه قوله:
"الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج [بما تنصه] الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه خطر".
وقوله: " العمر يقصر عن الوقوف على فعل كل نبات في الأرض، فعليك بالأشهر مما أجمع عليه، [ودع الشاذ]، واقتصر على ما جرّبت".
стр. 3494
وقوله: " الأمراض الحارة أقتل من الباردة لسرعة حركة النار".
وقوله: " ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا الصحة، وإن كان غير واثق بها، فمزاج البدن تابع لأخلاق النفس".
وقوله: " ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يوثق به من الأطباء، فخطؤه في جنب صوابه يسير جدا".
وقوله: " من يتطبب عند كثير من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم".
وقوله: " بانتقال الكواكب الثابتة في الطول والعرض تنتقل الأخلاق والمزاجات".
وقوله: " إن استطاع الحكيم أن يعالج [بالأغذية] دون الأدوية فقد وافق السعادة ". ومن شعره [الطويل] (١)
لعمري ما أدري وقد آذن البلى … بعاجل ترحال؛ إلى أين ترحالي؟
وأين محلّ الرّوح بعد خروجه … من الهيكل المنحلّ والجسد البالي؟
ومنهم:
١٥ - أبو سليمان السّجستاني (١٣)
حكيم حكي من فضله العجائب، وجيء من سجله بالسحائب، ويعد في العلم الجم قليبه، وسعد بالسقيا به بعيده وقريبه، انبعث طبه في العلل انبعاث
стр. 3495
النفوس في الأبدان، والشموس في البلدان، ولم يزل حتى اطلع بعلم، واضطلع من كل مهم، فاستعطفت الأجسام أرواحها، واستكفت المنايا رماحها، فأضحت به الصحة مضمونة، والسلامة محققة وكانت مظنونة، اللهم إلا ما آن لبقية أنظرت، وآجال بها علمت نفس ما أحضرت، وتلك العقرب التي لا يتوقى لها دبيب، والداء الذي أعيا دواؤه كل طبيب.
قال ابن أبي أصيبعة: " هو أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي. كان متقنا للعلوم الحكمية، مطّلعا على دقائقها. واجتمع بيحيى بن عدي (١)، وأخذ عنه وكان له نظر في الأدب، وشعر، ومنه قوله (٢): [الكامل]
لا تحسدن على تظاهر نعمة … شخصا تبيت له المنون بمرصد
أو ليس بعد بلوغه آماله … يفضي إلى عدم كأن لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري … حسد النجوم على بقاء مرصد
وقوله: [الكامل]
الجوع يدفع بالرغيف اليابس … فعلام أكثر حسرتي ووساوسي
والموت أنصف، حين ساوى حكمه … بين الخليفة والفقير البائس
قوله: [الخفيف]
لذة العيش في بهيمية اللذة … لا ما يقوله الفلسفي
حكم كاس المنون أن يتساوى … في حساها الغبي والألمعي (٣)
ويحل البليد تحت ثرى الأر … ض كما حل تحتها اللوذعي (٤)
стр. 3496
أصبحا رمة (١) تزايل عنها … فصلها الجوهري والعرضيّ
وتلاشى كيانها الحيواني … وأودى تمييزها المنطقي
والحواس الخمس التي كنّ فيها … ولإدراكهن فعل وحي
فاسأل الأرض عنهما إن أزال الش … ك والمرية (٢) الجواب الخفي
بطلت تلكم الصفات جميعا … ومحال أن يبطل الأزلي (٣)
стр. 3497
ومنهم:
١٦ - ابن الخمّار (١٣)
وهو أبو الخير الحسن بن سوار بن بابا [بن بهنام] (١).
طبيب شفى طبّه الأمراض، وكفى قربه منافيا للأعراض، لم يوجد في كلامه الفضول، ولم يوجد إلا الفصول، وقع بحدسه الصائب على الوجع، واستعاد ذاهب الصحة وارتجع، وأحسن الاستدلال بالعلامات، والاستقلال بعلاج من حيي ومات، ولم يزل وما إن طرّ شاربه (٢)، ولا استقل بحبله غاربه (٣)، مكبا على الطلب، وقد وكّل به منه طرفا لا يهجع، وإنسان عين بسوى فقد النظر لا يفجع، حتى انتقلت إلى أحناء صدره تلك الأوقار (٤)، وبقي على هذا حتى تقضّت تلك اللبانات والأوطار (٥).
стр. 3498
قال ابن أبي أصيبعة: "كان نصرانيا (١) عالما بأصول صناعة الطب وفروعها، خبيرا بغوامضها، كثير الدراية لها، ماهرا في الحكمة، وكان في نهاية الذكاء والفطنة".
قال ابن رضوان في "حل شكوك الرازي على جالينوس" ما هذا نصه: كما فعل في عصرنا هذا الحسن بن بابا، المعروف بابن الخمار، فإنه وصل بالطب إلى أن قيل له: محمود الملك للأرض. وكان محمود عظيما جدا، وذلك أن هذا الرجل فيلسوف حسن العقل، حسن المعرفة، حسن السياسة لفقهاء الناس، ورؤساء العوام، والعظماء، والملوك، وكان إذا دعاه زاهد مشى إليه راجلا، وقال له: جعلت هذا المشي كفارة لمروري إلى أهل الفسق والجبابرة. وإذا دعاه السلطان ركب إليه في زي الملوك والعظماء، حتى ربما حجبه ثلاث مائة غلام، يركب الخيل الجياد بالملابس البهية، ووفى الصناعة حقها في اللين للضعفاء، والتعاظم على العظماء، وهذه كانت طريقة أبقراط وجالينوس، وغيرهما من الحكماء (٢).
стр. 3499
ومنهم:
١٧ - أبو الفرج بن هندو (١٣)
منقب عن البيان، يكشف خباءه ويبعث له في كل معنى نشاءه، وينفث فيه روحا كأنه يحس لكل فكرة نباءه، ويفتق أكمام الأدب فقل كزرع أخرج شطأه، له سرّ دقيق فتن الناس، وخمر رحيق يذهب بالباس، لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس، وسحر يستلذه الذوق وينقطع عنده القياس، لو أن للدهر رقته لان قاسيه، أو للجافي ذكر العهد ناسيه، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه، وما أعيره شهاده، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزياده.
وكانت بضاعته من الطب غير مزجاة، وصناعته تحقق للمتطبب ما يترجاه، لفضل تجلبب بشعاره، وجلب زيادة الحكمة إلى إشعاره، وعلو همته إلى علومها، وقراءة مادة كل علم على عليمها، إلى أن جنى ثمر الفنون، وجرّب كل شيء ولم يقدر على دفع المنون، وكان له في صناعة الكتابة ارتزاق، وبئست بضاعة أرزاق، إلا أنه لم يقدر عليه بها قوته، وما كان للمرء لا يفوته، وبقي على تعلاّته واختلاف علاّته، إلى أن أتاه هادم الأعمار، ووافاه قادم الموت مبسوط الأعذار.
قال ابن أبي أصيبعة: "هو الأستاذ السيد الجليل (١) أبو الفرج علي بن الحسين ابن هندو. من الأكابر المتميزين في علوم الحكمة، والأمور الطبية، والفنون
стр. 3500
الأدبية. له الألفاظ الرائقة، والأشعار الفائقة، والتصانيف المشهورة، والفضائل المذكورة، وكان يخدم بالكتابة، واشتغل على ابن الخمّار، وكان من أفضل المشتغلين عليه".
وقال الثعالبي في "تتمة اليتيمة" (١) فيه: هو من ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفائزة، وملكه رق البراعة في البلاغة، فرد الدهر في الشعر، وواحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد وترصيع الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، تذكير الذين يسمعون ويروون: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾.
وأنشد له قوله [الطويل]
يقولون لي: ما بال عينيك مذ رأت … محاسن هذا الظبي أدمعها مطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجهه … فكان لها من صوب أدمعها غسل (٢)
وقوله: [البسيط]
قوّض خيامك عن دار ظلمت بها … وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان منقصة … فالمندل الرطب في أوطانه حطب (٣)
وقوله: [المنسرح]
إن رحت عن بلدة غدوت إلى أخ … رى فما تستقر أحمالي
стр. 3501
كأنني فكرة الموسوس لا يبقى … مدى لحظة على حال
وقوله: [الكامل]
ما للمعيل (١) وللمعالي إنما … يسعى إليهنّ الوحيد الفارد
فالشمس تجتاب السماء وحيدة … وأبو بنات النعش فيها راكد (٢)
وقوله: [البسيط]
قالوا اشتغل عنهم حينا بغيرهم … وخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبي على مقدر حبهم … فما لحب سواهم فيه متسع (٣)
وقوله: [المنسرح]
عارض ورد الغصون (٤) وجنته … فاتفقا في الجمال واختلفا
يزداد بالقطف ورد وجنته … وينقص الورد كلما قطفا (٥)
وقوله: [الطويل]
تمنيت من أهوى فلما لقيته … بهتّ فلم أملك لسانا ولا طرفا
وقد كان في قلبي أمور كثيرة … فلما التقينا ما نطقت ولا حرفا
وقوله: [مخلّع البسيط]
عابوه لما التحى فقلنا … عبتم وغبتم عن الجمال
стр. 3502
هذا غزال وما عجيب … تولد المسك من الغزال (١)
وقوله: [البسيط]
لا يوحشنك (٢) من مجد تباعده … فإن للمجد تدريجا وتدريبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها … تني وتصعد أنبوبا فأنبوبا (٣)
وقوله: [المنسرح]
تقول: لو كان عاشقا دنفا … إذا بدت صفرة بخديه
لا تنكريه فإن صفرته … غطّت عليها دماء عينيه (٤)
وقوله [مخلع البسيط]
كم من ملحّ على أذاه … يسلّ من فكه حساما
صبّ قذى القول في صماخي … فصار حلمي له فداما (٥)
وقوله [الطويل]
يسر زماني أن أناط (٦) بأهله … وآنف أن أعزى إليه بجهله
ويعجبني أن أخّرتني صروفه … فتأخيرها الإنسان برهان فضله
فإنا رأينا قائم السيف كلما … تقلّده الأبطال قدام نصله (٧)
стр. 3503
وقوله: [الكامل المرفل]
أرخى لعارضه العذار فما … أبقى على ورعي ولا نسكي (١)
فكأن نملا قد دببن به … غمست أكارعهنّ في مسك
وقوله (٢): [المنسرح]
يا شعرات جميعها فتن … تتيه في وصف كنهها الفتن
ما عيّروا من عذاره سفها … قد كان غصنا فأورق الغصن
وقوله (٣): [الرمل]
ربّ روض خلت آذري … ونه (٤) لما توقد
ذهبا أشعل مسكا … في كوانين زبرجد (٥)
стр. 3504
وقوله (١): [المتقارب]
عجبت لقولنج هذا الوزي … رأنى ومن أين قد جاءه؟
وفي كل يوم له حقنة … تنظف بالزيت أمعاءه
ومنهم:
١٨ - الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا (١٣)
رجل الدنيا وواحدها، وعديم النظراء وواجدها، ولّد المعاني وولدها، وعقم
стр. 3505
القرائح ووأدها، لا يجيء أرسطو منه سينه، ولا أفلاطون في جبلته طينه، لو أنه في زمن اليونان لجلس في صدر الرواق، ولا ستقلت طرائف المشائين حوله المشي على الأحداق، لعلم جمع بين علوم الإسلام واليونان، ووقع على ما يلقط مثله من الأفنان، ولم يقنع إلا بكل عباب، ولا رضي من جنات التصانيف حتى دعي إليها من كل باب، لو قرن به الفارابي لفر، أو الكندي لما كدّ نفسه ولا كر، بل لو تقدم في عصور الأوائل لتكلم وسكت كل قائل، وأقرّ كل طائر الصيت بأنه ما هو عنده طائل.
علم أعلام، ومملي كلام، ومالئ طروس (١) وأقلام. شعلة ذكاء، لم يبق شرق ولا غرب حتى أضاء فيه شعاعها، وامتدّ إليه شراعها، وأشرقت عليه شمسها، وانبسطت به شمسها، وغلب عليه صيتها، وغلّ به عفريتها، ومشت فيها الحكماء على قانونه (٢)، ورأت الشفاء بمضمونه، وعرفت الحكماء بإشاراته،