كأنني فكرة الموسوس لا يبقى … مدى لحظة على حال
وقوله: [الكامل]
ما للمعيل (١) وللمعالي إنما … يسعى إليهنّ الوحيد الفارد
فالشمس تجتاب السماء وحيدة … وأبو بنات النعش فيها راكد (٢)
وقوله: [البسيط]
قالوا اشتغل عنهم حينا بغيرهم … وخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبي على مقدر حبهم … فما لحب سواهم فيه متسع (٣)
وقوله: [المنسرح]
عارض ورد الغصون (٤) وجنته … فاتفقا في الجمال واختلفا
يزداد بالقطف ورد وجنته … وينقص الورد كلما قطفا (٥)
وقوله: [الطويل]
تمنيت من أهوى فلما لقيته … بهتّ فلم أملك لسانا ولا طرفا
وقد كان في قلبي أمور كثيرة … فلما التقينا ما نطقت ولا حرفا
وقوله: [مخلّع البسيط]
عابوه لما التحى فقلنا … عبتم وغبتم عن الجمال
стр. 3502
هذا غزال وما عجيب … تولد المسك من الغزال (١)
وقوله: [البسيط]
لا يوحشنك (٢) من مجد تباعده … فإن للمجد تدريجا وتدريبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها … تني وتصعد أنبوبا فأنبوبا (٣)
وقوله: [المنسرح]
تقول: لو كان عاشقا دنفا … إذا بدت صفرة بخديه
لا تنكريه فإن صفرته … غطّت عليها دماء عينيه (٤)
وقوله [مخلع البسيط]
كم من ملحّ على أذاه … يسلّ من فكه حساما
صبّ قذى القول في صماخي … فصار حلمي له فداما (٥)
وقوله [الطويل]
يسر زماني أن أناط (٦) بأهله … وآنف أن أعزى إليه بجهله
ويعجبني أن أخّرتني صروفه … فتأخيرها الإنسان برهان فضله
فإنا رأينا قائم السيف كلما … تقلّده الأبطال قدام نصله (٧)
стр. 3503
وقوله: [الكامل المرفل]
أرخى لعارضه العذار فما … أبقى على ورعي ولا نسكي (١)
فكأن نملا قد دببن به … غمست أكارعهنّ في مسك
وقوله (٢): [المنسرح]
يا شعرات جميعها فتن … تتيه في وصف كنهها الفتن
ما عيّروا من عذاره سفها … قد كان غصنا فأورق الغصن
وقوله (٣): [الرمل]
ربّ روض خلت آذري … ونه (٤) لما توقد
ذهبا أشعل مسكا … في كوانين زبرجد (٥)
стр. 3504
وقوله (١): [المتقارب]
عجبت لقولنج هذا الوزي … رأنى ومن أين قد جاءه؟
وفي كل يوم له حقنة … تنظف بالزيت أمعاءه
ومنهم:
١٨ - الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا (١٣)
رجل الدنيا وواحدها، وعديم النظراء وواجدها، ولّد المعاني وولدها، وعقم
стр. 3505
القرائح ووأدها، لا يجيء أرسطو منه سينه، ولا أفلاطون في جبلته طينه، لو أنه في زمن اليونان لجلس في صدر الرواق، ولا ستقلت طرائف المشائين حوله المشي على الأحداق، لعلم جمع بين علوم الإسلام واليونان، ووقع على ما يلقط مثله من الأفنان، ولم يقنع إلا بكل عباب، ولا رضي من جنات التصانيف حتى دعي إليها من كل باب، لو قرن به الفارابي لفر، أو الكندي لما كدّ نفسه ولا كر، بل لو تقدم في عصور الأوائل لتكلم وسكت كل قائل، وأقرّ كل طائر الصيت بأنه ما هو عنده طائل.
علم أعلام، ومملي كلام، ومالئ طروس (١) وأقلام. شعلة ذكاء، لم يبق شرق ولا غرب حتى أضاء فيه شعاعها، وامتدّ إليه شراعها، وأشرقت عليه شمسها، وانبسطت به شمسها، وغلب عليه صيتها، وغلّ به عفريتها، ومشت فيها الحكماء على قانونه (٢)، ورأت الشفاء بمضمونه، وعرفت الحكماء بإشاراته،
стр. 3506
وسلكت مثل النحل سبلها ذللا بعباراته، وعلمت أنه فيلسوف الإسلام، والمسلّم إليه في كل علم بسلام، والمقدم في سائر الطبقات، والمعظّم على الأوقات، والمحرّم من العلم المحرم إليه في الميقات.
كان ندرة في العالم، وزهرة في بني آدم، والمفاض عليه من العلوم ما تزجر بحاره، ولا يزخر إلا لج فوائد فرائده، وصدره محاره، منبع العلم، وموضع الحلم، ومرتع الفضائل، ومربع الكرم، ووسمي (١) الربيع متضائل، أعجوبة الزمان وغريبة آل سامان (٢).
فخرت دولة ما وراء النهر منه بوزير شرف دستها (٣)، وصرف بجمعه لجهات
стр. 3507
الممالك شتها، وتقلد أمورها، وقلد المنة بولايته أميرها، وتزيّا بزيّ أرباب الدول، وأصبح في أصحاب الخول (١)، واقتنى الغلمان الأتراك، ووقع بالحب في الأشراك، وكان غلمانه يلبسون الديباج المنسوج بالذهب، ويشدون مناطق الذهب المرصعة بالجواهر، ويزهر بهم جلوته، وتعمر خلوته، يبيت معهم الليالي في الحمام، ويبادر بتنعمه بهم صروف الحمام (٢)، حتى قال له ملكه: كيف تنهانا عن الإتيان في الحمام؟ فقال: لأن الملك يحب أن يعيش طويلا، وأنا أحب أن أعيش طيبا. وكان لا يملك صبرا عن غلمانه، ولا يشغل إلا بهم فراغ زمانه، حتى كانوا سبب حمامه، وجلب سمامه. وكان السبب في فعلتهم، ومرشدهم في هذا إلى ضلّتهم، أنهم سرقوا له مالا جليلا، ثم خافوه، وسئموا فعله الطويل بهم وعافوه، فشابوا له درياق (٣) مثرود يطوس، كان يستعمله بسمّ أبى إلا أن يقتله، فتعلّل (٤) به عامه حتى ساق الأجل إليه حمامه. وكانت الوزارة نقصا عيب به، وأطلقت الحكماء ألسنتها فيه بسببها، وقالوا: أذلّ العلم، ورضي من الفانية بالاستكثار!. فقال: لي أسوة بأرسطو في صحبة الاسكندر. وفيما قاله نظر، لأن أرسطو كان معلما للاسكندر ومشيرا، وابن سينا كان مكلّفا ووزيرا.
قال ابن أبي أصيبعة: " هو [إن كان] أشهر من أن يذكر، وفضائله أعظم من أن تسطر، ونحن نقتصر من وصفه على قدر ما ذكره عن نفسه. ووصفه أبو عبيد الجوزجاني (٥) صاحبه من أحواله والذي ذكره هو قال: كان أبي رجلا من أهل
стр. 3508
بلخ (١)، وانتقل إلى بخارى (٢)، في أيام نوح بن منصور (٣)، واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية يقال لها "خرميثن" من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها "أفشنة" وتزوج منها بوالدتي، وقطن بها، وسكن، وولدت منها بها، ثم أولدت أخي بها، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن والأدب، وأكملت العشرة من العمر، وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقتضي مني العجب (٤).
وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين، ويعدّ من الإسماعيلية، وقد سمع منهم
стр. 3509
ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي، وربما كانوا يذكرونه بينهم وأنا أسمع وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي، وابتدؤوا يدعونني إليه ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة، وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتليّ (١) وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي إلى دارنا، رجاء تعليمي منه، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد إلى إسماعيل الزاهد (٢)، وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة (٣)، ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به.
ثم ابتدأت بكتاب" إيساغوجي "على البابلي. ولما ذكر لي أن حد الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجّب مني كل التعجب، وحذّر والدي من شغلي بغير العلم (٤).
وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه،
стр. 3510
وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر (١).
ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب "أقليدس" (٢)، فقرأت من أوله إلى خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حلّ بقية الكتاب بأسره.
ثم انتقلت إلى "المجسطي" (٣) ولما فرغت من مقدماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسية قال الناتلي: تولّ قراءتها وحلها بنفسك ثم اعرضها عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب، فأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلا وقت ما عرضته عليه، وفهّمته إياه (٤).
ثم فارقني الناتلي متوجها إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب في الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح عليّ.
ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب الصعبة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أني برّزت فيه في أقل مدة، حتى بدأ فضلاء الطب يقرءون عليّ علم الطب. وتعاهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات
стр. 3511
المقتبسة من التجربة ما لا يوصف (١)، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه، وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة، ثم توفرت على العلم والقراءات سنة ونصف، فأعدت قراءة المنطق، وسائر أجزاء الفلسفة، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت في النهار بغيره، وجمعت بين يدي ظهورا فكل حجة أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية (٢)، ورتبتها في تلك الظهور، ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت، وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر المتعسر (٣).
وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والدرس، والكتابة، فمهما غلبني النوم، أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب، ريثما تعود إليّ قوّتي، ثم أرجع إلى القراءة، ومهما أخذني أدنى نوم، أحلم بتلك المسائل [بأعيانها] اتضح لي وجوهها في المنام (٤).
وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني. وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن ولم أزدد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي، والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب" ما بعد الطبيعة "فما كنت أفهم ما فيه، والتبس عليّ غرض
стр. 3512
واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة (١)، وصار لي محفوظا. وأنا مع ذلك لا أفهم المقصود به، وأيست من نفسي، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه.
وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الورّاقين وبيد دلاّل مجلّد ينادي عليه، فعرضه عليّ، فرددته [ردّ] متبرّم!، معتقد أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص! أبيعكه بثلاثة دراهم!، وصاحبه محتاج إلى ثمنه (٢).
فاشتريته؛ وإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في: " أغراض كتاب ما بعد الطبيعة "!. فرجعت إلى بيتي، فأسرعت قراءته، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظا على ظهر القلب. وفرحت بذلك، وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء، شكر الله .
وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض [أتلج] (٣) الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على العلم والقراءة، فأجروا ذكري بين يديه، وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته، وتوسمت بخدمته، فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم، ومطالعتها، وقراءة ما فيها من كتب الطب. فأذن لي؛ فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة (٤)، في كل بيت صناديق من الكتب منضّدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد.
стр. 3513
وطالعت فهرست (١) كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط. وما كنت رأيته من قبل، ولا رأيته أيضا من بعد. فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه (٢).
فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدّد لي بعده شيء! (٣).
وكان في جواري رجل يقال له: أبو الحسن العروضي (٤)، فسألني أن أصنف له كتابا جامعا في هذا العلم، فصنّفت له: المجموع، وسميته به، وأتيت فيه على سائر العلوم، سوى الرياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري!.
стр. 3514
وكان في جواري أيضا رجل يقال له: أبو بكر البرقي (١) الخوارزمي (٢)، فقيه النفس، متوجه في الفقه والتفسير، والزهد، مائل إلى هذه العلوم، فسألني شرح الكتب [له]، فصنفت له كتاب: " الحاصل والمحصول "في قريب من عشرين مجلدا، وصنفت له في الأخلاق كتابا سميته: " كتاب البر والإثم "وهذان الكتابان لا يوجدان إلا عنده، ولم يعر أحدا أن ينسخ منه (٣).
ثم مات والدي، وتصرّفت بي الأحوال، وتقلدت شيئا من أعمال السلطان، ودعتني الضرورة إلى الإحلال ببخارى (٤)، والانتقال إلى" كركانج " (٥)، وكان أبو الحسن السهلي، المحب لهذه العلوم بها وزيرا. وقدمت على الأمير بها وهو علي بن المأمون، وكنت على زي الفقهاء، إذ ذاك بطيلسان (٦) تحت الحنك، وأثبتوا
стр. 3515
لي مشاهرة (١) دارّة تقوم بكفاية مثلي.
ثم دعت الضرورة إلى الانتقال إلى "نسا" (٢) ومنها إلى "باورد" (٣)، ومنها إلى "طوس" (٤)، ومنها إلى "سمنيقان" ومنها إلى "جاجرم" (٥)، رأس حد خراسان، ومنها إلى جرجان، وكان قصدي الأمير قابوس. فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه في بعض القلاع، وموته هناك.
ثم مضيت إلى "دهستان" (٦)، ومرضت به مرضا صعبا، وعدت إلى جرجان، فاتصل [بي] أبو عبيد الجوزجاني (٧).
стр. 3516
وأنشدت في حالي قصيدة فيها بيت القائل: [الكامل]
لمّا عظمت فليس مصرّ واسعي … لمّا غلا ثمني عدمت المشتري
قال أبو عبيد (١) الجوزجاني: فهذا ما حكاه لي الشيخ من لفظه (٢)
ومن هاهنا شاهدت أنا من أحواله كان بجرجان رجل يقال له: أبو محمد الشيرازي، يحب هذا العلم، وقد اشترى للشيخ دارا في جواره، أنزله بها، وأنا أختلف إليه في كل يوم، أقرأ" المجسطي "واستملي المنطق.
وصنف لأبي محمد الشيرازي كتاب: " المبدأ والمعاد "، وكتاب" الأرصاد الكلية".
وصنف هناك كتبا كثيرة: كأول القانون، و" مختصر المجسطي "، وكثيرا من الرسائل. ثم صنف في أرض الجبل بقية كتبه (٣).
كتاب: " المجموع " مجلد، " الحاصل والمحصول " عشرون مجلدا، " الإنصاف " عشرون مجلدا، " البر والإثم " مجلدان، " الشفاء " ثمانية عشر مجلدا، "
стр. 3517
" الأرصاد الكلية " مجلد. " النجاة " ثلاث مجلدات. " الهداية " مجلد. " المختصر المتوسط " مجلد. " العلائي " مجلد. " القولنج " مجلد. " لسان العرب (١) " عشر مجلدات. " الأدوية القلبية " مجلد. " بعض الحكم المشرقية " مجلد. " بيان ذوات الجهة " مجلد. " كتاب المبدأ والمعاد " مجلد.
ومن رسائله:
"القضاء والقدر "، " الآلة الرصدية "، " غرض قاطيغورياس "، " المنطق بالشعر "، " قصائد في العظة والحكمة " في الحروف، " تعقب المواضع الجدلية "، " مختصر أوقليدس "، " مختصر في النبض " بالعجمية، " الحدود "، " الأجرام السماوية "، " الإشارة إلى علم المنطق "، " أقسام الحكمة في النهاية "، " وأن لا نهاية "، و" عهد " كتبه لنفسه، " حي بن يقظان "، " في أن أبعاد الجسم غير ذاتية له "، " خطب الكلام في الهندباء "، " في أن الشيء الواحد لا يكون جوهريا وعرضيا "، " في أن علم زيد غير علم عمرو "، و" رسائل له إخوانية وسلطانية "، " مسائل جرت بينه وبين بعض الفضلاء ".
ثم انتقل إلى الري بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة (٢)، وعرفوه بسبب كتب وصلت معه، تتضمن تعريف قدره. وكان مجد الدولة إذ ذاك قد غلبته السوداء، فاشتغل بمداواته، وصنف كتاب: " المبدأ والمعاد "وأقام بها إلى أن قصد شمس الدولة (٣) بعد قتل هلال بن زيد بن حسنويه، وهزيمة عسكر بغداد.
стр. 3518
ثم اتفقت له أسباب أوجبت بالضرورة خروجه إلى قزوين (١)، ومنها إلى همذان، واتصاله بخدمة "كدبانويه" والنظر في أسبابها.
ثم اتفق معرفة شمس الدولة وإحضاره مجلسه بسبب قولنج قد أصابه، وعالجه حتى شفاه الله، وفاز من ذلك المجلس بخلع كثيرة، ورجع إلى داره بعد ما أقام هناك أربعين يوما بلياليها، وصار من ندماء الأمير.
ثم اتفق نهوض الأمير إلى قرمسين، لحرب عناز، وخرج الشيخ في خدمته، ثم توجه نحو همذان، منهزما راجعا.
ثم سألوه تقلد الوزارة، فتقلدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه، وإشفاقهم منه على أنفسهم، فكبسوا داره، وأخذوه إلى الحبس، وأغاروا على أسبابه، وأخذوا جميع ما كان يملكه، وسألوا الأمير قتله، فامتنع منه، وعدل إلى عز الدولة طلبا لمرضاتهم، فتوارى في دار الشيخ أبي سعيد بن دخدوك (٢) أربعين يوما، فتعاود الأمير شمس الدولة القولنج، وطلب الشيخ يحضر مجلسه، فاعتذر الأمير إليه بكل الاعتذار، فاشتغل بمعالجته، فأقام عنده مكرما مبجلا، وأعيدت الوزارة إليه ثانيا.
ثم سألته أنا (٣) - شرح كتب أرسطو طاليس. فذكر أنه لا فراغ له في ذلك الوقت، ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب أورد فيه ما صحّ عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين، ولا الاشتغال بالرد عليهم، فعلت ذلك. فرضيت به، فابتدأ بالطبيعيات من كتاب سماه: "كتاب الشفاء". وكان قد صنف
стр. 3519
الكتاب الأول من "القانون". وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم (١)، وكنت أقرأ من "الشفاء" نوبة، وكان يقرأ غيري من "القانون" نوبة، فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهيئ مجلس الشراب بآلاته، وكنا نشتغل به، وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ بالنهار (٢) خدمة للأمير.
فقضينا على ذلك زمنا، ثم توجه شمس الدولة إلى طارم لحرب الأمير بهاء الدولة، وعاوده القولنج قريب ذلك الموضع، واشتدّ عليه وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبير وقلة القبول من الشيخ، فخاف العسكر وفاته، فرجعوا طالبين به همذان في المهد، فتوفي في الطريق في المهد.
ثم بويع ابن شمس الدولة، وطلبوا استيزار الشيخ فأبى عليهم، وكاتب علاء الدولة (٣) سرا يطلب خدمته والمصير إليه، والانضمام إلى جوانبه، وأقام في دار أبي غالب العطار (٤) متواريا، وطلبت منه إتمام كتاب "الشفاء" فاستحضر أبا غلب، وطلب الكاغد (٥) والمحبرة، فأحضرهما. وكتب الشيخ في عشرين جزءا على الثمن بخطه رؤوس المسائل، وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل كلها بلا كتاب يحضره، ولا أصل (٦) يرجع إليه، بل من حفظه وعن ظهر قلبه.
стр. 3520
ثم ترك الشيخ تلك الأجزاء بين يديه، وأخذ الكاغد فكان ينظر في كل مسألة ويكتب شرحها، وكان يكتب في كل يومين خمسين ورقة، حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات، ما خلا كتابي: "الحيوان"، و"النبات" (١).
وابتدأ بالمنطق، فكتب منه جزءا، ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبته علاء الدولة فأنكر عليه ذلك، وحثّ في طلبه، فدلّ عليه بعض أعدائه، فأخذوه، وأدوه إلى قلعة يقال لها: "فردجان" (٢).
وأنشد هناك قصيدة، منها: [الوافر]
دخولي باليقين كما تراه … وكلّ الشّكّ في أمر الخروج (٣)
وبقي فيها أربعة أشهر، ثم قصد علاء الدولة همذان فأخذها، وانهزم تاج الملك، ومرّ إلى تلك القلعة بعينها.
ثم رجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان، ونزل في دار العلوي، واشتغل هناك بتصنيف "المنطق" من كتاب: "الشفاء".
وكان قد صنف بالقلعة كتاب: "الهدايات" (٤)، ورسالة "حي بن يقظان"، وكتاب "القولنج".
وأما الأدوية القلبية؛ فإنه صنفها أول وروده إلى همذان، وكان قد تقضى
стр. 3521
على هذا زمان، وتاج الملك في أثناء هذا يمنّيه بمواعيد جميلة.
ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان (١)، فخرج متنكرا، وأنا وأخوه غلامان له في زي الصوفية، إلى أن وصلنا طبران (٢)، على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة، وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في محلة يقال لها كون كبير. في دار عبد الله بن بابي، وفيها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه، وحضر مجلس علاء الدولة فصادف من منزلة الإكرام والإعزاز اللذين يستحقه مثله (٣).
ثم رسم الأمير علاء الدولة ليأتي الجماعات مجلس النظر بين يديه، بحضرة سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم، والشيخ في جملتهم، فما كان يطاق في شيء من العلوم.
واشتغل بأصفهان بتتميم كتاب: " الشفاء "، ففرغ من المنطق، والمجسطي، وكان قد اختصر أوقليدس، والأرثماطيقي، والموسيقى، وأورد في كل كتاب من الرياضات زيادات رأى أن الحاجة إليها داعية.
أما في" المجسطي ": فأورد عشرة أشكال في اختلاف القطر (٤)، وأورد في
стр. 3522
آخر المجسطي في علم الهيئة أشياء لم يسبق إليها.
وأورد في" أوقليدس "شبها، وفي" الأرثماطيقي "خواصّ حسنة. وفي الموسيقى مسائل غفل عنها الأولون، وتم الكتاب المعروف ب" الشفاء "ما خلا كتابي: " النبات "، و" الحيوان "، فإنهما صنفهما في السنة التي توجّه فيها علاء الدولة إلى سابور خواست في الطريق (١).
وصنف أيضا في الطريق كتاب: " النجاة "، واختص بعلاء الدولة، وصار من ندمائه، إلى أن عزم علاء الدولة قصد همذان، وخرج الشيخ في الصحبة، فجرى ليلة بين يدي علاء الدولة ذكر الخلل الواقع في التقاويم المعمولة بحسب الأرصاد القديمة، فأمر الأمير الشيخ بالاشتغال برصد هذه الكواكب، وأطلق له من الأموال ما يحتاج إليه. وابتدأ الشيخ به، وولاني اتخاذ آلاتها، واستخدام صناعها، حتى ظهر كثير من المسائل، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار وعوائقها.
وصنف الشيخ بأصفهان: " الكتاب العلائي " (٢).
وكان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته، وخدمته خمسا وعشرين سنة، فما رأيته إذا وقع له كتاب مجدّد ينظر فيه على الولاء (٣)، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه، والمسائل المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه، فيتبين مرتبته في العلم، ودرجته في الفهم.
وكان الشيخ جالسا يوما من الأيام بين يدي الأمير، وأبو منصور الجبائي (٤)
стр. 3523
حاضر، فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ وقال له: أنت تقول أنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها!.
فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفّر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب" تهذيب اللغة "من خراسان، تصنيف أبي منصور الأزهري (١)، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلّ ما يتفق مثلها.
وأنشأ (٢) ثلاث قصائد، وضمّنها ألفاظا غريبة في اللغة. وكتب ثلاثة كتب؛ أحدها: على طريقة ابن العميد (٣)، والآخر: على طريقة الصاحب (٤)
стр. 3524
والآخر: على طريقة الصابي (١) وأمر بتجليدها، وإخلاق (٢) جلدها.
ثم أوعز الأمير فعرض تلك المجلّدة على أبي منصور الجبائي، وذكر أنّا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد، فنحبّ أن تتفقدها، وتقول لنا ما فيها.
فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثير مما فيها!.
فقال الشيخ: إن ما تجهله من هذا الكتاب فهو مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيرا من الكتب المعروفة في اللغة.
ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما جبهه به ذلك اليوم، فتنصّل واعتذر إليه.
ثم صنف الشيخ كتابا في اللغة سماه: " لسان العرب " (٣).، لم يصنف في اللغة مثله، ولم ينقله إلى البياض حتى توفي، فبقي على مسوّدته، لا يهتدي أحد إلى ترتيبه.
стр. 3525
وكان قد حصل للشيخ تجارب كثيرة فيما باشر من المعالجات، عزم على تدوينها في كتاب "القانون" (١).
من ذلك: أنه صدع يوما؛ فتصور أن مادة تريد النزول إلى حجاب رأسه، وأنه لا يأمن من ورم يحصل فيه، فأمر بإحضار ثلج كثير، ودقّه ولفّه في خرقة، وأمر بتغطية رأسه بها.
ففعل ذلك حتى قوي الموضع وامتنع عن قبول تلك المادة، وعوفي.
ومن ذلك: [أن] امرأة مسلولة بخوارزم أمرها أن لا تتناول من الأدوية سوى الجلنجبين السكري (٢)، حتى تناولت على الأيام نحو مائة منّ، وشفيت المرأة.
وكان الشيخ قد صنف بجرجان: "المختصر الأصغر" في المنطق، وهو الذي وضعه بعد ذلك في: "النجاة". ووقعت نسخة إلى شيراز (٣)، فنظر فيها جماعة من أهل العلم هناك، فوقعت لهم الشبهة في مسائل منها؛ فكتبوها على جزء، وكان القاضي بشيراز من جملة القوم؛ فأنفذ بالجزء إلى أبي القاسم الكرماني،
стр. 3526
صاحب إبراهيم بن بابا الديلمي، المشتغل بعلم التناظر، وأضاف إليه كتابا إلى الشيخ أبي القاسم، وأنفذها على يدي ركابي قاصد، وسأله عرض الجزء على الشيخ أبي القاسم، فدخل على الشيخ عند اصفرار الشمس في يوم صائف، وعرض عليه الكتاب والجزء. فقرأ الكتاب ورده عليه، وترك الجزء بين يديه، وهو ينظر فيه، والناس يتحدثون. ثم رجع أبو القاسم وأمرني الشيخ بإحضار البياض، وقطع أجزاء منها، فشددت خمسة أجزاء كل واحد منها عشرة أوراق بالربع الفرعوني، وصلينا العشاء فأمر بإحضار الشراب وأجلسني وأخاه، وأمرنا بتناول الشراب، وابتدأ هو بجواب تلك المسائل. وكان يكتب ويشرب إلى نصف الليل، حتى غلبني وأخاه النوم، فأمرنا بالانصراف.
فعند الصباح قرع الباب؛ فإذا رسول الشيخ يستحضرني فحضرته، وهو على المصلّى، وبين يديه الأجزاء الخمسة؛ فقال: خذها، وصر بها إلى الشيخ أبي القاسم الكرماني، وقل له: استعجلت في الإجابة عنها لئلا يتعوّق الركابي.
فلما حملته، تعجب كل العجب، وصرف الفيج (١)، وأعلمهم بهذه الحالة، وصار هذا الحديث تاريخا بين الناس.
ووضع في [حال] الرصد آلات ما لم يسبق إليه، وصنّف فيها رسالة، وبقيت أنا ثماني سنين مشغولا بالرصد، وكان غرضي تبين ما يحكيه بطليموس عن قصته في الأرصاد؛ فتبين لي بعضها.
стр. 3527
وصنف الشيخ كتاب "الإنصاف"، واليوم الذي قصد فيه السلطان مسعود إلى أصفهان، نهب عسكره [رحل] الشيخ، وكان الكتاب في جملة النهب، وما وقف له على أثر.
وكان الشيخ قويّ القوى كلها، وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب، [وكان كثيرا ما يشتغل به فأثر في مزاجه] وكان الشيخ يعتمد على قوة مزاجه حتى صار أمره في السنة التي حارب فيها علاء الدولة تاش فراش على باب الكرخ، إلى أن أخذه الشيخ قولنج. ومن حرصه على برئه إشفاقا من هزيمة يدفع إليها، ولا يتأتى له المسير فيها مع المرض، حقن نفسه في يوم واحد ثمان مرات، فتقرح بعض أمعائه، وظهر به سحج (١)، وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة، فأسرعوا نحو إيذج (٢)، فظهر به هناك الصرع الذي كان يتبع علة القولنج، ومع ذلك كان يدبر نفسه، ويحقن نفسه لأجل السحج (٣)، ولبقية القولنج.
فأمر يوما باتخاذ دانقين (٤) من بزر الكرفس (٥)، في جملة ما يحتقن به،
стр. 3528
وخلطه به طلبا لكسر الرياح؛ فقصد بعض الأطباء الذين كان يتقدم هو إليه بمعالجته، فطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم - لست أدري عمدا فعله أم خطأ؟ لأنني لم أكن معه - فازداد السحج به، من حدة ذلك البزر (١) ..
وكان يتناول" المثرذيطوس " (٢) لأجل الصرع، فقام بعض غلمانه وطرح شيئا كثيرا من الأفيون (٣) فيه وناوله، فأكله. وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزائنه، فتمنوا هلاكه، ليأمنوا عاقبة أعمالهم. فنقل الشيخ كما هو إلى أصبهان، فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة، لكنه مع ذلك لا يتحفظ، ويكثر التخليط في أمر المعالجة (٤)، ولم يبرأ من العلة كل البرء، فكان ينتكس ويبرأ كل وقت.
стр. 3529
ثم قصد علاء الدولة همذان، فسار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان، وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه، وأخذ يقول: المدبر الذي كان يدبرني (١) قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أياما، ثم انتقل إلى جوار ربه.
وكان عمره: ثلاثا وخمسين سنة (٢). وكان موته في سنة ثمان وعشرين وأربع مائة. وكانت ولادته: في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.
هذا آخر ما ذكره أبو عبيد (٣) من أحوال الشيخ الرئيس ﵀.
وقبره تحت سور من جانب القبلة من همذان، وقيل: إنه نقل إلى أصبهان، ودفن في موضع على باب" كونكنبد " (٤)
ولما مات ابن سينا من القولنج الذي [عرض له] (٥) قال فيه بعض أهل زمانه: [المتقارب].
رأيت ابن سينا يعادي الرّجال … وبالحبس مات أخسّ الممات
فلم يشف ما ناله بالشّفا … ولم ينج من موتة بالنّجاة
وقوله: " بالحبس "يعني: انحباس البطن من القولنج الذي أصابه.
стр. 3530
و" الشفاء "و" النجاة ": يريد الكتابين من تأليفه، وقصد بهما [الجناس في الشعر].
[وصية ابن سينا]
[ومن كلام الشيخ الرئيس وصية أوصى بها] (١) بعض أصدقائه، - وهو سعيد ابن أبي الخير الصوفي الميهني (٢). ومن كلامه قال:
"ليكن الله تعالى أول فكرك وآخره، وباطن اعتبارك وظاهره (٣)، ولتكن عين نفس الرجل مكحولة بالنظر إليه (٤)، وقدمها موقوف على المثول بين يديه، مسافرا بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى، وإذا انحطّ إلى قراره، فلينزه الله تعالى في آثاره، فإنه باطن ظاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء. [المتقارب]
ففي كلّ شيء له آية … تدلّ على أنّه واحد
فإذا صارت هذه الحال له ملكة، تنطبع فيها نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذه عن نفسه من هو بها أولى (٥)، وفاضت عليه السكينة، وحقت له الطمأنينة (٦)، وتطلّع على
стр. 3531
العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله، مستوهن لحبله، مستخفّ لثقله، مستحسن (١) به لعقله، مستضل لطرقه، وتذكر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بهجة، فيعجب منها ومنهم تعجبهم منه، وقد ودّعها، وكان معها كأن ليس معها.
وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة، وأزكى العمل الاحتمال (٢)، وأبطل السعي المراءاة (٣)، ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفت إلى قيل وقال، ومنافسة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال.
وخير العمل ما صدر عن خالص نية، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم، والحكمة أم الفضائل، ومعرفة الله - تعالى - أول الأوائل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَاَلْعَمَلُ اَلصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤).
ثم يقبل على هذه النفس المؤمنة بكمالها الذاتي، فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية، للنفوس الموادية، التي إذا بقيت في النفس المزينة كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال، إذ جوهرها غير مشاوب ولا مخالط، وإنما يدنسها هيئة الانقياد لتلك الصواحب بل تفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء والرياسة.
وكذلك يهجر الكذب قولا وفعلا، حتى يحدث للنفس هيئة صدوقة، فتصدق الأحلام والرؤيا، وأما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة، وإبقاء الشخص والنوع، والسياسة.
стр. 3532
أما المشروب: فإنه يهجر شربه تلهيا بل تشفيا وتداويا، ويعاشر كل فرقة بعادته ورسمه، ويسمح بالمقدور والتقدير من المال، ويركب لمساعدة الناس كثيرا مما هو خلاف طبعه، ثم لا يقصر في الأوضاع الشرعية، ويعظم السنن الإلهية، والمواظبات على التعبدات البدنية، ويكون دوام عمره إذا خلا وخلص من المعاشرين تطربه الزينة في النفس، والفكرة في الملك الأول وملكه، وكيس النفس عن عثار (١) الناس من حيث لا يقف عليه الناس، عاهد الله أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذه الديانة، والله ولي الذين آمنوا، وحسبنا الله ونعم الوكيل".
ومن شعر الشيخ الرئيس قاله في النفس
"وهي من أحسن قصائده وأشرفها " [الكامل]
هبطت إليك من المحلّ (٢) الأرفع … ورقاء ذات تعزّز وتمنّع
محجوبة عن كلّ مقلة عارف … وهي الّتي سفرت فلم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربّما … كرهت فراقك وهي ذات تفجّع
أنفت وما أنست (٣) فلمّا واصلت … ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنّها نسيت عهودا بالحمى … ومنازلا بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتّصلت بهاء هبوطها … من ميم مركزها بذات الأجرع
стр. 3533
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت (١) … بين المعالم والظلول الخضّع
تبكي إذا ذكرت ديارا بالحمى … بمدامع تهمي ولمّا تقطع (٢)
وتظل ساجعة على الدّمن التي … درست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدّها … قفص عن الأوج الفسيح الأرفع (٣)
حتى إذا قرب المسير من الحمى … دنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وهجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت … ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت مفارقة لكل مخالف … عنها حليف الترب غير مشيع
وبدت (٤) تغرّد فوق ذروة شاهق … والعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شاهق … سام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أرسلها (٥) الإله لحكمة … طويت عن الفطن اللبيب الأروع
فهبوطها إن (٦) كان ضربة لازب (٧) … لتكون سامعة بما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفية … في العالمين فخرقها لم يرقع
стр. 3534
وهي التي قطع الزمان طريقها … حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألّق بالحمى … ثم انطوى فكأنه لم يلمع (١)
وقال في الشيب، والحكمة، والزهد: [الوافر]
أما أصبحت عن ليل التصابي … وقد أصبت عن ليل الشباب
تنفس في عذارك صبح شيب … وعسعس ليله فكم التصابي
شبابك (٢) كان شيطانا مريدا … فرجّم من مشيبك بالشهاب
وأشهب من بزاة الدهر خوّى … على فودي فألمأ بالغراب
عفا رسم الشباب ورسم دار … لهم عهدي بها مغنى رباب
فذاك ابيضّ من قطرات دمعي … وذاك اخضرّ من قطر السحاب
فذا ينعى إليك النفس نعيا … وذلكم نشور للروابي
كذا دنياك ترأب لانصداع … مغالطة وتبني للخراب
ويعلق مشمئز النفس عنها … بأشراك تعوق عن اضطراب (٣)
فلولاها لعجلت انسلاخي … عن الدنيا وإن كانت إهابي
عرفت عقوقها فسلوت عنها … فلما عفتها أغريتها بي (٤)
بليت بعالم يعلو أذاه … سوى صبري ويسفل عن عتابي
وسيل للصواب خلاط قوم … وكم كان الصواب سوى الصواب
أخالطهم ونفسي في مكان … من العلياء عنهم في حجاب
стр. 3535
ولست بمن يلطخه خلاط … متى اعتبرت أبان عن تراب
إذا ما لحت الأبصار نالت … خيالا واشمأزت عن لباب (١)
وقال أيضا: [الكامل]
خير النفوس العارفات ذواتها … وحقيق كيمياتها ماهيّاتها
وبم الذي حلّت ومم تكونت … أعضاء بنيتها على هيئاتها
نفس النبات ونفس حس ركبا … هلاّ كذاك سماته كسماتها
يا للرجال لعظم رزء لم تزل … منه النفوس تخب (٢) في ظلماتها
وقال أيضا: [الخفيف]
هذّب النفس بالعلوم لترقى … وذر الكلّ فهي للكلّ بيت
إنما النفس كالزجاجة والعل … م سراج وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنك حي … وإذا أظلمت فإنك ميت (٣)
وقال أيضا: [مجزوء الرمل]
صبّها في الكاس صرفا … غلبت ضوء السراج
ظنّها في الكاس نارا … فطفاها بالمزاج (٤)
وقال أيضا: [الكامل:
قم فاسقنيها قهوة كدم الطلا … يا صاح بالقدح الملا بين الملا
خمرا تظل لها النصارى سجّدا … ولها بنو عمران أخلصت الولا
стр. 3536
لو أنها يوما وقد ولعت بهم … قالت: ألست بربكم قالوا بلى (١)
نظر إلى قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (٢)
وقال أيضا: [الرمل]
نزل اللاهوت (٣) في ناسوتها (٤) … كنزول الشمس في أبراج يوح
قال فيها بعض من هام بها … مثل ما قال النصارى في المسيح
هي والكاس وما ما زجها … كأب متّحد وابن روح
وقال أيضا: [الطويل]
شربنا على الصوت القديم قديمة … لكل قديم أول هي أول
ولو لم تكن في حيّز قلت إنها … هي العلة الأولى التي لا تعلل
وقال أيضا وقيل إنها للطغرائي [الكامل]
عجبا لقوم يحسدون فضائلي … ما بين عانيّ إلى عذّال
عتبوا على فضلي وذمّوا حكمتي … واستوحشوا من نقصهم وكمالي
إني وكيدهم وما عتبوا به … كالطّود يحقر نطحة الأوعال
وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه … هانت عليه ملامة الجهّال (٥)
стр. 3537
وقال أيضا: [الكامل]
أشكو إلى الله الزمان بصرفه … أبلى جديد قواي وهو جديد
محن إليّ توجّهت فكأنني … قد صرت مغناطيس وهي حديد (١)
وقال أيضا: [الطويل]
عطارد قد - والله - طال ترددي … مساء وصبحا كي أراك فأغنما
فها أنت فامددني كي أدرك المنى … بها والعلوم الغامضات تكرما
ووقتي والمحذور والشر كله … بأمر مليك خالق الأرض والسما (٢)
ومنهم:
١٩ - أبو الفرج عبد الله بن الطيب (١٣)
كاتب الجاثليق (٣).
стр. 3538
كان مع توسعه في الحكمة، وتتبعه لسرجها المضيئة في كل ظلمة، مصرّا على نصرانيته (١)، معظّما لأمور رهبانيته، ينقاد إلى خدعها، ولا يخفى عليه أنها ضلال، ويتردّد إلى بيعها (٢)، ولا يعتريه ملال، ويعظم صورها الممثلة، ويظل عليها عاكفا، وإليها عاطفا، وهو على يقين من أنها لا تنطق، ولا تمسك عليه من خزائن رزقها ولا تنفق. على أنه كان إماما في الطبيعي لا يعدو علمه، ولا يخاف عدمه، فأما من ذكر سواه فكثيرا ما يجد من واساه.
ذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: " هو الفيلسوف الإمام العالم [أبو الفرج عبد الله ابن الطيب، وكان كاتب الجاثليق] ومتميزا بين النصارى ببغداد، ويقرئ الطب في البيمارستان العضدي، .... جليل المقدار، واسع العلم، شرح كثيرا من كتب أرسطو، وأبقراط، وجالينوس، وكانت له قوة في التصنيف، وأكثر ما كانت تؤخذ عنه إملاء من لفظه، [وكان معاصرا للشيخ الرئيس ابن سينا].
وكان الرئيس يحمده في الطب، ويذمه في الحكمة، وقال فيه: "وكان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج ابن الطيب، في الطب، ونجدها صحيحة مرضية، خلاف تصانيفه في المنطق والطبيعيات، وما يجري معها".
وحكى ابن القفّ (٣): أن رجلين أتيا من بلاد العجم للقراءة على ابن
стр. 3539
الطيب، فقيل لهما إنه في الكنيسة للصلاة، فأتيا عليه، فوجداه لابسا ثوب صوف، مكشوف الرأس، وبيده مبخرة فيها بخور، وهو يدور في الكنيسة، يبخرها؛ فتأملاه، وتحدّثا بالفارسية، وأداما النظر إليه، والتعجب من فعله! وهو من أجلّ الحكماء، فكأنه رآهما، وفهم عنهما ما هما فيه. فلما فرغ من شأنه، لبس ثيابه المعتادة، وقرّبت له البغلة، فركبها، ومشت الغلمان حوله. فتبعاه، وسألاه أن يقرئهما. فقال لهما: أحججتما قط؟.
فقالا: لا.
فقال: لا أقرئكما حتى تحجّا.
فحجّا، ثم أتياه وقد علاهما الشحوب، ورؤوسهما محلّقة، فسألهما عن مناسك الحج، وما فعلاه فيها؟. فأخبراه بها.
فقال لهما: لما رميتما الجمار بقيتما عراة موشحين، وبأيديكما الحجارة وأنتما تهرولان وترميان بها؟.
قالا: نعم.
فقال: هكذا الأمور الشرعية، تؤخذ نقلا لا عقلا!.
فعرفا قصده، وعجبا منه، ثم اشتغلا عليه، وكانا من أجلّ تلامذته (١).
стр. 3540
ومنهم:
٢٠ - أبو المؤيد محمد بن محمد بن المجلي الجزري، المعروف بابن الصايغ (١٣)
أثرى بالفضائل وما كنزها، وأثار علوم الأوائل وما ركزها، هذا مع أدب وشعر هو شعاع بنت الزرجون (١)، وشعاع الفجر المتفرق تحت أزر الدجون.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان إماما مشهورا، وعالما مذكورا، وفيلسوفا مميزا، وأديبا مبرّزا، ويعرف بالعنتري، لأنه كان في صباه يكتب أحاديث عنترة العبسي".
ومن كلامه قوله: "تعلّم العلم، فإنه لو لم ينل به من الدنيا إلا الغنى عمّن يستعبدك بحق أو باطل".
وقوله: " [بنيّ! إن الحكمة العقلية] (٢) تريك العالم يقادون بأزمّة الجهل إلى