← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

لو أنها يوما وقد ولعت بهم … قالت: ألست بربكم قالوا بلى (١) نظر إلى قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (٢) وقال أيضا: [الرمل] نزل اللاهوت (٣) في ناسوتها (٤) … كنزول الشمس في أبراج يوح قال فيها بعض من هام بها … مثل ما قال النصارى في المسيح هي والكاس وما ما زجها … كأب متّحد وابن روح وقال أيضا: [الطويل] شربنا على الصوت القديم قديمة … لكل قديم أول هي أول ولو لم تكن في حيّز قلت إنها … هي العلة الأولى التي لا تعلل وقال أيضا وقيل إنها للطغرائي [الكامل] عجبا لقوم يحسدون فضائلي … ما بين عانيّ إلى عذّال عتبوا على فضلي وذمّوا حكمتي … واستوحشوا من نقصهم وكمالي إني وكيدهم وما عتبوا به … كالطّود يحقر نطحة الأوعال وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه … هانت عليه ملامة الجهّال (٥)

стр. 3537

وقال أيضا: [الكامل] أشكو إلى الله الزمان بصرفه … أبلى جديد قواي وهو جديد محن إليّ توجّهت فكأنني … قد صرت مغناطيس وهي حديد (١) وقال أيضا: [الطويل] عطارد قد - والله - طال ترددي … مساء وصبحا كي أراك فأغنما فها أنت فامددني كي أدرك المنى … بها والعلوم الغامضات تكرما ووقتي والمحذور والشر كله … بأمر مليك خالق الأرض والسما (٢) ومنهم: ١٩ - أبو الفرج عبد الله بن الطيب (١٣) كاتب الجاثليق (٣).

стр. 3538

كان مع توسعه في الحكمة، وتتبعه لسرجها المضيئة في كل ظلمة، مصرّا على نصرانيته (١)، معظّما لأمور رهبانيته، ينقاد إلى خدعها، ولا يخفى عليه أنها ضلال، ويتردّد إلى بيعها (٢)، ولا يعتريه ملال، ويعظم صورها الممثلة، ويظل عليها عاكفا، وإليها عاطفا، وهو على يقين من أنها لا تنطق، ولا تمسك عليه من خزائن رزقها ولا تنفق. على أنه كان إماما في الطبيعي لا يعدو علمه، ولا يخاف عدمه، فأما من ذكر سواه فكثيرا ما يجد من واساه. ذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: " هو الفيلسوف الإمام العالم [أبو الفرج عبد الله ابن الطيب، وكان كاتب الجاثليق] ومتميزا بين النصارى ببغداد، ويقرئ الطب في البيمارستان العضدي، .... جليل المقدار، واسع العلم، شرح كثيرا من كتب أرسطو، وأبقراط، وجالينوس، وكانت له قوة في التصنيف، وأكثر ما كانت تؤخذ عنه إملاء من لفظه، [وكان معاصرا للشيخ الرئيس ابن سينا]. وكان الرئيس يحمده في الطب، ويذمه في الحكمة، وقال فيه: "وكان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج ابن الطيب، في الطب، ونجدها صحيحة مرضية، خلاف تصانيفه في المنطق والطبيعيات، وما يجري معها". وحكى ابن القفّ (٣): أن رجلين أتيا من بلاد العجم للقراءة على ابن

стр. 3539

الطيب، فقيل لهما إنه في الكنيسة للصلاة، فأتيا عليه، فوجداه لابسا ثوب صوف، مكشوف الرأس، وبيده مبخرة فيها بخور، وهو يدور في الكنيسة، يبخرها؛ فتأملاه، وتحدّثا بالفارسية، وأداما النظر إليه، والتعجب من فعله! وهو من أجلّ الحكماء، فكأنه رآهما، وفهم عنهما ما هما فيه. فلما فرغ من شأنه، لبس ثيابه المعتادة، وقرّبت له البغلة، فركبها، ومشت الغلمان حوله. فتبعاه، وسألاه أن يقرئهما. فقال لهما: أحججتما قط؟. فقالا: لا. فقال: لا أقرئكما حتى تحجّا. فحجّا، ثم أتياه وقد علاهما الشحوب، ورؤوسهما محلّقة، فسألهما عن مناسك الحج، وما فعلاه فيها؟. فأخبراه بها. فقال لهما: لما رميتما الجمار بقيتما عراة موشحين، وبأيديكما الحجارة وأنتما تهرولان وترميان بها؟. قالا: نعم. فقال: هكذا الأمور الشرعية، تؤخذ نقلا لا عقلا!. فعرفا قصده، وعجبا منه، ثم اشتغلا عليه، وكانا من أجلّ تلامذته (١).

стр. 3540

ومنهم: ٢٠ - أبو المؤيد محمد بن محمد بن المجلي الجزري، المعروف بابن الصايغ (١٣) أثرى بالفضائل وما كنزها، وأثار علوم الأوائل وما ركزها، هذا مع أدب وشعر هو شعاع بنت الزرجون (١)، وشعاع الفجر المتفرق تحت أزر الدجون. قال ابن أبي أصيبعة: "كان إماما مشهورا، وعالما مذكورا، وفيلسوفا مميزا، وأديبا مبرّزا، ويعرف بالعنتري، لأنه كان في صباه يكتب أحاديث عنترة العبسي". ومن كلامه قوله: "تعلّم العلم، فإنه لو لم ينل به من الدنيا إلا الغنى عمّن يستعبدك بحق أو باطل". وقوله: " [بنيّ! إن الحكمة العقلية] (٢) تريك العالم يقادون بأزمّة الجهل إلى

стр. 3541

الخطأ والصواب". وقال: " الجاهل عبد لا يعتق إلا بالمعرفة". وقال: " الحكمة سراج النفس فمتى عدمتها عميت علن الحق". وقال: " الحكمة دواء من الموت الأبدي". وقال: " [كون] الشخص بلا علم كالجسد بلا روح". وقال: " من أحب أن ينطق (١) باسمه فليكثر من العناية بعلمه". وقال: " العالم المحروم أشرف من الجاهل المرزوق". وقال: " الجاهل يطلب المال، والعالم يطلب الكمال". وقال: " الغمّ ليل القلب، والسرور نهاره، وشرب السم أهون من معاناة الهم". ومن شعره قوله: [الكامل] لو كنت تعلم كل ما علم الورى … حقا لكنت صديق كلّ العالم لكن جهلت فصرت تحسب كل من … يهوى خلاف هواك، ليس بعالم استحي أن العقل أصبح ضاحكا … مما تقول وأنت مثل النائم لو كنت تسمع ما سمعت، وعالما … ما قد علمت، خجلت خجلة نادم وضع الإله الخلف في كل الورى … بالطبع حتى صار ضربة لازم (٢)

стр. 3542

وقوله: [الخفيف] أبلغ العالمين عني بأني … كل علمي تصور وقياس (١) قد كشفت الأشياء بالفعل حتى … ظهرت لي وليس فيها التباس وعرفت الرجال بالعلم لما … عرف العلم بالرجال الناس وقوله: [الكامل] لا تدنينّ فتى يودّك ظاهرا … منه وضد وداده في طبعه واهجر صديقك إن تنكّر ودّه … فالعضو يحسم داؤه في قطعه (٢) وقوله: [الكامل] عدّل مزاجك ما استطعت ولا تكن … كمسوّف أودى به التخليط واحفظ عليك حرارة برطوبة … تبقى، فتركك حفظها تفريط واعلم بأنك كالسراج بقاؤه … ما دام في طرف الذبال (٣) سليط (٤) وقوله - في مليح تنقّل بالرمّان على الخمر: [السريع] [وشادن أبلج كالبدر … نادمته ليلا إلى الفجر بات به يصرف عنه الأذى … بنهل كاسات من الخمر] (٥) ينتقل الرمان في أثرها … مخافة من ضرر السكر كأنه وهو خبير به … يكسّر الياقوت بالدرّ (٦)

стр. 3543

وقوله: [مخلع البسيط] رأيت فوق الرئيس علجا … أسود يعلوه كالحمار يدفن في العاج آبنوسا (١) … ويولج الليل في النهار وقوله: في المرأة: [مخلع البسيط] قد أقبلت غولة الصبايا … تنظر من معلم النقاب فقلت: من أعظم الرزايا … قفل على منزل خراب أحسن ما كنت في عباة … ملفوفة الراس في جراب (٢) وقال: [الكامل] احفظ بنيّ وصيّتي واعمل بها … فالطب مجموع بنصّ كلامي: قدّم على طب المريض عناية … في حفظ قوّته مع الأيام بالشبه تحفظ صحة موجودة … والضد فيه شفاء كل سقام أقلل نكاحك ما استطعت فإنه … ماء الحياة يراق في الأرحام واجعل طعامك كل يوم مرة … واحذر طعامك قبل هضم طعام لا تحقر المرض اليسير فإنه … كالنار يصبح وهي ذات ضرام وإذا تغير منك حال ظاهر … فاحتل لرجعة حل عقد نظام لا تهجرنّ القيء واهجر كل ما … كيموسه (٣) سبب إلى الأسقام

стр. 3544

إن الحمى عون الطبيعة مسعد … شاف من الأمراض والآلام لا تشربنّ عقيب أكل عاجلا … أو تأكلنّ عقيب شرب مدام والقيء يقطع والقيام كلاهما … بهما وليس بنوع كل قيام وخذ الدواء إذا الطبيعة كدّرت … بالاحتلام وكثرة الأحلام إياك تلزم أكل شيء واحد … فتقود نفسك للأذى بزمام وإذا الطبيعة منك نقّت باطنا … فدواء ما في الجلد بالحمّام وتزيد في الأخلاط إن نقصت به … زادت فنقص فضلها بقوام والطب جملته إذا حقّقته … حلّ وعقد طبيعة الأجسام ولعقل تدبير المزاج فضيلة … يشفى المريض بها وبالأوهام وهي تروى للرئيس ابن سينا، ولابن بطلان، والصحيح أنها لأبي المؤيد (١).

стр. 3545

ومنهم: ٢١ - ابن الخطيب الرّازيّ، ابن خطيب الرّيّ، وهو: محمّد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله - الإمام فخر الدّين (١٣) حبر الأعلام، وبحر الكلام، طالما أغضّ المناظر، وخصّ بالعجب كل ناظر، وقطف الكلام منوّرا، وجلا سدف (١) الظلام منورا، ونظر في كل فنّ، وحضر له تحقيق في كل ظن، وجاء بحلية المناقب، وزينة النجوم الثواقب، وطاب بذكره

стр. 3546

كل سمر، وصدق منه حديث ابن عمر. هذا إلى توقير الملوك لجنابه، وتوفير خاطره الذي لو شاء لجنى به، وتعظيم حلّ به الذّرى، وحلّي ببعضه الورى، وخلى سهلا ما بين الثريا والثرى، لعلم قصّر من لببه، ومسك الناس بسببه، وجال ما بين الخافقين وجاب به، فامتدت الجداول من منبعه، وعدّت يد الأنواء دون إصبعه، وسرى صيته والرياح رواكد، وشرّق في البلاد وغرّب والنجوم إلى الصباح رواصد، وقطع في التصانيف النافعة شقق الأيام العريضة، وجعل جناح النسر في الليالي الطوال مثل جناح البعوضة، حتى طافت الأقطار وطارت في كل مطار، وهاهي الآن ملتزمة في الأيدي مثل خطوط الراح، وفي نظر العيون مثل فلق الصباح. وحدّثني شيخنا قاضي القضاة جلال الدين القزويني (١) - وقد جرى ذكره - قال: كانت الملوك تتقي حدّ لسانه، حتى احتاج صاحب الألموت إلى إعمال الحيلة في مداراته، وتسبب لمال قبله منه، وأخافه لاستصلاح خاطره، لأنه كان لا يزال يبحث في فساد عقيدته، وتزييف أقواله، فينفر الناس عن دعاته، ويرد بالحرمان مساعي سعاته. وإذا كان هذا فعله بصاحب الألموت، وهو الذي كان من عاداه يموت، فكيف

стр. 3547

كان من يتهيّب الآجال، وما عنده إلا نساء في زيّ رجال؟!. ذكره ابن أبي أصيبعة فقال: "أفضل المتأخرين، وسيد الحكماء المتقدمين (١)، قد أشرعت سيادته، واشتهرت في الآفاق مصنفاته وتلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله ثلاثمائة تلميذ من الفقهاء، وغيرهم. وكان خوارزم شاه يأتي إليه. وكان ابن الخطيب شديد الحرص على تحصيل العلوم الشرعية والحكمية. جيد الفطرة، حادّ الذهن، حسن العبارة، كثير البراعة، قويّ النظر في منازع الطب (٢) ومباحثه، عارفا بالأدب وشعوبه، وله شعر بالعربي والفارسي. وكان عبل (٣) البدن، ربع القامة، كبير اللحية، وكان في صوته فخامة. وكان يخطب في بلده الري، وغيرها من البلاد، ويتكلم على المنبر بأنواع من الحكمة. وكان الناس يقصدونه من البلاد، ويهاجرون إليه من كل ناحية على اختلاف مطالبهم في العلوم، وتفننهم فيما يشتغلون به، فكان كل منهم يجد عنده النهاية القصوى فيما يرومه (٤) وكان الإمام فخر الدين قد قرأ الحكمة على مجد الدين الجيلي، بمراغة، وكان مجد الدين هذا من الأفاضل العظماء في زمانه، وله تصانيف جليلة (٥) وحكى لنا القاضي شمس الدين الخوئي، عن الشيخ فخر الدين ابن الخطيب أنه قال: والله إني لأتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز (٦)

стр. 3548

وحدثني محيي الدين قاضي مرند (١) قال: كان الشيخ فخر الدين بمرند أقام بالمدرسة التي كان أبي مدرّسها، وكان يشتغل عنده بالفقه، ثم اشتغل بعد ذلك لنفسه بالعلوم الحكمية، وتميّز حتى لم يكن أحد يضاهيه، واجتمعت به أيضا بهمدان [وهراة] (٢)، واشتغلت عليه. قال: وكان لمجلسه جلالة عظيمة، وكان يتعاظم حتى على الملوك، وكان إذا جلس للتدريس يكون قريبا منه جماعة من تلاميذه الكبار، مثل: زين الدين الكشي، والقطب [المصري] (٣)، وشهاب الدين النيسابوري، ثم يليهم بقية التلامذة، وسائر الخلق على قدر مراتبهم، فكان من يتكلم في شيء من العلوم يباحثونه أولئك التلامذة الكبار، فإن جرى بحث مشكل أو معنى غريب شاركهم الشيخ فيما هم فيه، ويتكلم في ذلك المعنى بما يفوق الوصف (٤) وحدّثني شمس الدين محمد الوتار الموصلي قال: كنت في بلد هراة (٥) في سنة ست وستمائة، وقد كان قصدها فخر الدين ابن الخطيب من بلد "باميان" (٦) وهو في أبّهة عظيمة، وحشم كبير، فلما ورد إليها تلقّاه السلطان

стр. 3549

بها، وهو حسين بن خرمين، وأكرمه إكراما كثيرا، ونصب له بعد ذلك منبرا وسجادة في صدر الإيوان (١) ليجلس في ذلك الموضع، ويكون له يوم مشهود يراه فيه سائر الناس، ويسمعون كلامه. وكنت ذلك اليوم حاضرا مع جماعة من الناس، وإلى جانبي شرف الدين ابن عنين (٢)، الشاعر ﵀، وذلك المجلس حفل جدا بكثرة الناس، والشيخ فخر الدين في صدر الإيوان، وعن جانبيه يمنة ويسرة صفان من مماليكه الترك متكئين على السيوف، وجاء إليه السلطان حسين بن خرمين - صاحب هراة - فسلّم، وأمره الشيخ بالجلوس إلى جانبه، أو قريبا منه، وجاء إليه أيضا السلطان محمود ابن أخت شهاب الدين الغوري صاحب فيروز كوه (٣) فسلّم، وأشار إليه الشيخ بالجلوس في موضع آخر قريبا

стр. 3550

منه من الناحية الأخرى، وتكلم الشيخ في النفس بكلام عظيم، وفصاحة بليغة. قال: وبينما نحن عنده في ذلك الوقت، وإذا بحمامة تدور في الجامع، وخلفها صقر يكاد أن يقتنصها، وهي تطير في جوانب الجامع، إلى أن أعيت، فدخلت الإيوان الذي فيه الشيخ، ومرت طائرة بين الصفين إلى أن رمت بنفسها عنده. فذكر لي شرف الدين ابن عنين أنه عمل شعرا على البديهة، ثم نهض لوقته واستأذنه في أن يورد ما قاله في المعنى. فأمره الشيخ [بذلك] فقال: [الكامل] جاءت سليمان الزمان بشكوها (١) … والموت يلمع من جناحي خاطف من نبّأ الورقاء أن محلّكم … حرم (٢) وأنك ملجأ للخائف؟ فطرب لها الشيخ فخر الدين، وأدناه وأجلسه قريبا منه، وبعث إليه بعد ما قام من مجلسه خلعة كاملة، ودنانير كثيرة، وبقي دائما يحسن إليه. قال لي شمس الدين الوتّار: لم ينشد قدامي لابن خطيب الري سوى هذين البيتين، وإنما بعد ذلك زاد فيها أبياتا أخر، هذا قوله. وقد وجدت هذه الأبيات المزادة في ديوانه على هذا المثال: [الكامل] يا ابن الكرام المطعمين إذا شتووا … في كل مخمصة وثلج خاشف (٣) العاصمين إذا النفوس تطايرت … بين الصوارم والوشيج الراعف

стр. 3551

من نبّأ الورقاء أن محلّكم … حرم وأنك ملجأ للخائف وفدت إليك وقد تدانى حتفها … فحبوتها ببقائها المستأنف ولو انها تحبى بمال لانثنت … من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان بشكوها … والموت يلمع من جناحي خاطف قرم (١) لواه القوت حتى ظلّه … بإزائه يجري بقلب واجف (٢) قال: ومما حكاه شرف الدين ابن عنين أنه حصل من جهة فخر الدين ابن خطيب الري، وبجاهه، في بلاد العجم نحو ثلاثين ألف دينار. وقال: ومن شعره فيه قوله، وسيّرها إليه من نيسابور إلى هراة: [الكامل] ريح الشمال عساك أن تتحمّلي … خدمي إلى صدر الإمام الأفضل وقفي بواديه المقدس وانظري … نور الهدى متألّقا لا يأتلي (٣) من دوحة فخرية عمرية … طابت مغارس مجدها المتأثّل (٤) مكيّة الأنساب زاك أصلها … وفروعها فوق السماك الأعزل (٥) واستمطري جدوى لديه فطالما … خلف الحيا في كل عام ممحل (٦) تغدو سحائبها تعمّ كما بدت (٧) … لا يعرف الوسمي منها والولي (٨)

стр. 3552

بحر تصدّر للعلوم ومن رأى … بحرا تصدّر قبله في محفل؟ ومتيم (١) في الله يسحب للتقى … والدين سربال (٢) العفاف المسبل ماتت به بدع تمادى عمرها … دهرا وكان ظلامها لا ينجلي فعلا به الإسلام أرفع هضبة … ورسا سواه في الحضيض الأسفل غلط امرؤ بأبي عليّ (٣) قاسه … هيهات قصّر عن مداه أبو علي لو أن رسطاليس (٤) يسمع لفظة … من لفظه لعرته هزّة أفكل (٥) ويحار بطليموس لو لاقاه من … برهانه في كل شكل مشكل (٦) فلو انهم جمعوا لديه تيقّنوا … أن الفضيلة لم تكن للأول وبه يبيت الحلم معتصما إذا … هزّت رياح الطيش صفحة (٧) يذبل (٨) يعفو عن الذنب العظيم تكرما … ويجود مسئولا وإن لم يسأل أرضى الإله بفضله ودفاعه … عن دينه وأقرّ عين المرسل يا أيها المولى الذي درجاته … ترنو إلى فلك الثوابت من عل ما منصب إلا وقدرك فوقه … فبمجدك الساميّ يهنى ما تلي فمتى أراد الله رفعة منصب … أفضى إليك فنال أشرف منزل

стр. 3553

لا زال ربعك (١) للوفود محطة (٢) … أبدا وجودك كهف كل مؤمّل (٣) وحدثني نجم الدين يوسف بن شرف الدين علي بن محمد الأسفراييني قال: وكان الشيخ الإمام ضياء الدين عمر - والد الإمام فخر الدين - من الري، وتفقّه، واشتغل بعلم الخلاف (٤) والأصول، حتى تميّز تميّزا كثيرا، وصار قليل المثل. وكان يدرّس بالري، ويخطب في أوقات معلومة هنالك، ويجمع عنده خلق كثير من حسن ما يورده في نطقه وبلاغته، حتى اشتهر بذلك بين الخاص والعام في تلك النواحي، وله تصانيف عدة توجد في الأصول، والوعظ، وغير ذلك. وخلّف ولدين أحدهما الإمام فخر الدين، والآخر: هو الأكبر سنا كان يلقب بالركن، وكان هذا الركن قد قرأ شيئا من الخلاف، والفقه، والأصول، إلا أنه كان أهوج كثير الاختلال، فكان أبدا لا يزال يسير خلف أخيه الإمام فخر الدين، ويتوجه إليه في أي بلد قصده، ويشنّع عليه، ويسفّه المشتغلين بكتبه، والناظرين في أقواله، ويقول: ألست أكبر منه؟ وأكثر معرفة بالخلاف والأصول؟، فلم يقول الناس فخر الدين، فخر الدين!!. ولا أسمعهم يقولون: ركن الدين، ركن الدين؟. وكان ربما صنف شيئا بزعمه، ويقول: هذا من كلام فخر الدين، والجماعة يعجبون منه، وكثير منهم يصفونه ويهزؤون منه. وكان الإمام فخر الدين كلما بلغه شيء من ذلك صعب عليه، ولم يؤثر أن

стр. 3554

أخاه بتلك الحالة، ولا أحد يسمع قوله. وكان دائم الإحسان إليه، وربما يسأله المقام في الري، أو في غيره، وهو يتفقده، ويصله بكل ما يقدر عليه، فكان كلما سأله ذلك يزيد في فعله، ولا ينقص من حاله، ولم يزل كذلك لا ينقطع عنه، ولا يسكت عما هو فيه إلى أن اجتمع الإمام فخر الدين بالسلطان خوارزم شاه، وأنهى إليه حال أخيه، وما يقاسي منه، والتمس منه أن يتركه في بعض المواضع، ويوصي عليه أن لا يمكّن من الخروج والانتقال عن ذلك الموضع، وأن يكون له ما يقوم بكفايته من كل ما يحتاج. فجعله السلطان في بعض القلاع التي له، وأطلق له إقطاعا يقوم به كل سنة بما مبلغه ألف دينار، ولم يزل هناك مقيما حتى قضى الله فيه أمره (١). قال: وكان الإمام فخر الدين علاّمة وقته في كل العلوم، وكان الخلق يأتون إليه من كل ناحية، وكان الخطيب أيضا بالري، وكان له مجلس عظيم للتدريس، فإذا تكلم بزّ القائلين، وكان عبل البدن باعتدال، عظيم الصدر والرأس، كثّ اللحية، ومات وهو في سن الكهولة، أشمط (٢) شعر اللحية، وكان كثيرا ما يذكر الله تعالى ويستغفره، ويسأله الرحمة والقبول، والتجاوز عن لله، ويقول: إنني حصلت من العلوم ما يمكن تحصيله بحسب الطاقة البشرية، وما بقيت أوثر إلا لقاء الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم. قال: وخلّف فخر الدين ولدين ذكورا؛ أكبرهما: يلقب بضياء الدين، وله اشتغال ونظر في العلوم. والآخر: - وهو الصغير - لقبه: شمس الدين، وله فطرة فائقة، وذكاء حاذق، وكان كثيرا ما يصفه الإمام فخر الدين بالذكاء ويقول: "إن عاش هذا فإنه يكون أعلم مني! ". وكانت النجابة تتبين فيه من الصغر.

стр. 3555

ولما توفي الإمام فخر الدين بقيت أولاده مقيمين في هراة، ولقب ولده الصغير بعد ذلك فخر الدين، لقب والده. وكان الوزير علاء الملك العلوي متقلدا لوزارة السلطان خوارزم شاه، وكان علاء الملك عالما فاضلا متقنا لعلوم الأدب، ويشعر (١) بالعربية والفارسية، وكان قد تزوج بابنة الشيخ فخر الدين، ولما جرى أن "جنكيز خان" ملك التتار قهر خوارزم شاه، وكسره، وقتل أكثر عسكره، وفقد خوارزم شاه، توجه علاء الملك قاصدا إلى جنكيز خان، ومعتصما به، فلما وصل إليه أكرمه، وجعله من جملة خواصّه. وعند ما استولى التتار على بلاد العجم، وخربوا قلاعها ومدنها، وكانوا يقتلون في كل مدينة من بها، ولا يبقون أحدا بها. تقدم علاء الملك إلى جنكيز خان، وقد توجّهت فرقة من عساكره إلى مدينة هراة، ليخربوها، ويقتلوا من بها. فسأله أن يعطيه أمانا لأولاد الشيخ فخر الدين ابن خطيب الري. وأن يجيئوا بهم مكرّمين إليه. فوهب لهم ذلك وأعطاهم أمانا. ولما ذهب أصحابه إلى هراة وشارفوا أخذها، نادوا فيها بأن لأولاد فخر الدين ابن الخطيب الأمان، فلينعزلوا ناحية في مكان، ويكون هذا الأمان معهم. وكان في هراة دار الشيخ فخر الدين هي دار السلطنة، كان خوارزم شاه قد أعطاها له، وهي أعظم دار تكون وأكبرها، وأبهاها زخرفة واحتفالا. فلما بلغ أولاد فخر الدين ذلك أقاموا بها مأمونين، والتحق بهم خلق كثير من أهاليهم، وأقربائهم، وأعيان الدولة، وكبراء البلد، وجماعة كثير من الفقهاء، وغيرهم، ظنا أن يكونوا في أمان لاتصالهم بأولاد فخر الدين، ولكونهم خصيصين بهم، وفي دارهم، وكانوا خلقا عظيما. فلما دخل التتار إلى البلاد وقتلوا من وجدوا بها، وانتهوا إلى الدار، نادوا بأولاد فخر الدين أن يروهم. فلما شاهدوهم أخذوهم

стр. 3556

وهم: ضياء الدين، وشمس الدين، وأختهم. ثم شرعوا بسائر من كان في الدار، فقتلوهم عن آخرهم بالسيف، وتوجهوا بأولاد الشيخ فخر الدين من هراة إلى سمرقند، لأن ملك التتار جنكيز خان في ذلك الوقت بها، وعنده علاء الملك. قال: ولست أعلم ما تم لهم بعد ذلك. قال: وكان أكثر مقام الشيخ - رحمه الله تعالى - بالري، وتوجه أيضا إلى بلد خوارزم، ومرض بها، وتوفي في عقابيله ببلدة هراة. وأملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني، وذلك في يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة ست وستمائة، وامتدّ مرضه إلى أن توفي يوم العيد غرة شوال من السنة المذكورة. وانتقل إلى جوار ربه - رحمه الله تعالى -، وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو في آخر عمره وعهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجّه إلى مولاه كل آبق: إني أحمد الله تعالى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم (١)، بل أقول كل ذلك من نتائج الحدوث والإمكان. فأحمده بالمحامد التي تستحقها إلاهيته (٢)، ويستوجبها لكمال ألوهيته،

стр. 3557

عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب. وأصلي على الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين، ثم أقول بعد ذلك: اعلموا إخواني في الدين، وإخواني في طلب اليقين!، أن الناس يقولون إن الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين: الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببا للدعاء، والدعاء له أثر عند الله تعالى. والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال، والأولاد، والمعارف، وأداء المظالم والجنايات. أما الأول: فاعلم أنني كنت رجلا محبا للعلوم، فكنت أكتب في كل شيء شيئا لا أقف على كميته، وكيفيته، سواء كان حقا أو باطلا، أو غثا، أو سمينا. إلا أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة لي أن هذا العالم محسوس تحت تدبير مدبّر منزّه عن مماثلة المتحيزات، والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. وقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن [العظيم]، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك الأودية العميقة، والمناهج الخفية، فلهذا أقول: - كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم، والأزلية، والتدبير، والفعالية، فذاك هو الذي أقول به، وألقى الله تعالى به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في

стр. 3558

القرآن، والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأمة، المتبعين للمعنى الواحد، فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين! إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلك ما مرّ به قلمي (١)، وخطر ببالي، فأستشهد علمك، وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل، أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله. وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما اعتقدت أنه هو الحق، وتصوّرت أنه هو الصدق، فلتكن رحمتك معي، فذلك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة. فأعني، وارحمني، واستر زلتي، وامح حوبتي، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينتقص بخطإ المجرمين!. وأقول: ديني متابعة سيد المرسلين محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. وكتابي: هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما. اللهم! يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات، ويا قيّام المحدثات والممكنات!!، أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: (أنا عند ظن عبدي بي) (٢)

стр. 3559

وأنت قلت: [أمّن يجيب المضطر إذا دعاه] (١) وأنت قلت: [وإذا سألك عبادي عني فإني قريب] (٢). وهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم، وأعلم أنه ليس لي أحد سواك، ولا أجد أكرم منك، ولا أجد محسنا سواك، وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيب رجائي، ولا تردّ دعائي، واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهّل عليّ سكرات الموت، ولا تضيّق عليّ سبب الآلام والأسقام، فأنت أرحم الراحمين". وأما الكتب العلمية التي صنفتها، أو استكثرت من إيراد السؤالات على المتقدمين فيها؛ فمن نظر في شيء منها، فإن طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وليحذف القول السيئ، فإني ما أردت إلا تكثير البحث، وتشحيذ الخواطر، والاعتماد في الكل على الله تعالى. وأما المهم الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال، والعورات، والاعتماد فيه على الله تعالى، ثم على نائبه في أرضه السلطان محمد - اللهم اجعله قرين محمد الأكبر في الدين والعلو - إلا أن السلطان الأعظم لا يمكنه أن يشتغل بمهمات الأطفال، فرأيت أن أفوّض وصاية ولديّ إلى - فلان - وأمرته بتقوى الله تعالى، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" وسرد الوصية إلى آخرها (٣)

стр. 3560

ثم قال: وأوصيه، ثم أوصيه، ثم أوصيه بأن يبالغ في تربية ولدي أبي بكر، فإن آثار الذكاء والفطنة ظاهرة عليه، ولعلّ الله تعالى يوصله إلى خير. وأمرته وأمرت تلامذتي وكل من لي عليه الحق، أني إذا متّ يبالغون في إخفاء موتي، ولا يخبرون أحدا به، ويكفنوني، ويدفنوني على الوجه الشرعي، ويحملونني إلى الجبل المصاقب لقرية مزداخان (١)، ويدفنوني هناك، وإذا وضعوني في اللحد قرؤوا عليّ ما قدروا عليه من الهبات القرآن، ثم ينثرون عليّ التراب بعد الإتمام، ويقولون: يا كريم! جاءك الفقير المحتاج إليك، فأحسن إليه". وهذا منتهى وصيتي من هذا الباب، والله تعالى الفعّال لما يشاء وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة وبالإحسان جدير". ومن شعر فخر الدين ابن الخطيب: أنشدني بديع الدين البندهي مما سمعه من الشيخ فخر الدين ابن خطيب الري لنفسه، فمن ذلك قال: [الطويل] نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في غفلة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها … فزالوا جميعا والجبال جبال (٢)

стр. 3561

وقال [الطويل] فلو قنعت نفسي بميسور بلغة … لما سبقت في المكرمات رجالها ولو كانت الدنيا مناسبة لها … لما استحقرت نقصانها وكمالها ولا أرمق الدنيا بعين كرامة … ولا أتوقّى سوءها واختلالها وذلك أني عارف بفنائها … ومستيقن ترحالها وانحلالها أروم أمورا يصغر الدهر عندها … وتستعظم الأفلاك طرا وصالها وقال أيضا [البسيط] أرواحنا ليس ندري أين مذهبها … وفي التراب توارى هذه الجثث كون يرى وفساد جاء يتبعه … الله أعلم، ما في خلقه عبث (١)

стр. 3562

ومنهم: ٢٢ - القطب المصريّ وهو: إبراهيم بن عليّ بن محمّد السّلميّ أبو إسحاق (١٣) الإمام قطب الدين، وكان قطب دائره، ومركز شهب سائره، ومظهر عجائب، ومشهر غرائب، ومبين فضائل، ومفنن خمايل، وآية فضل تدرس ومعالمها واضحة، وعلومها ناضحة، وهو - وإن كان من الغرب مرماه - فإن في المشرق منماه وهكذا صاحب تاريخ الأطباء سماه، وما عدا في هذا واجبا، ولا نكب عن الحق جانبا، إذ كان إنما استفاد المشرق، وغاية العلم الذي به ذكر، والفضل الذي عليه قصر. قال ابن أبي أصيبعة: "أصله مغربي، وأتى مصر، وأقام بها مدة، ثم سافر إلى بلاد العجم، ولقي الإمام الرازي فلزمه، واشتغل عليه، واشتهر هناك، وكان من أجلّ تلاميذ ابن الخطيب وأميزهم. وصنف كتبا كثيرة في الطب والحكمة، وشرح الكليات بأسرها (١)، قال: "ووجدته في كتابه هذا يفضّل المسيحي وابن الخطيب على ابن سينا". وهذا نص قوله، [قال] " والمسيحي أعلم بصناعة الطب من أبي علي، فإن مشايخنا كانوا يرجحونه على جمع عظيم ممن هم أفضل من أبي علي في هذا الفن". وقال أيضا: " عبارة المسيحي أوضح وأبين مما قاله الشيخ، وغرضه في كتبه

стр. 3563

تقييد العبارة من غير فائدة". وقال في تفضيل ابن الخطيب على ابن سينا: " فهذا مما تنخّل من كلام الإمامين الفاضلين العظيمين، الإمام المتقدم، والإمام المتأخر عنه زمانا، الراجح عليه علما وعملا، واعتقادا، ومذهبا". وقتل القطب المصري في نيسابور فيمن قتله التتار بها (١) «رحمه الله تعالى». ومنهم: ٢٣ - عبد اللّطيف البغدادي (١٣) هو ابن يوسف محمد بن علي بن أبي سعد (٢)، عرف بابن اللبّاد، موفق الدين، أبو محمد، الموصلي الأصل، البغدادي المولد، ويعرف بالجدي المطجّن (٣)

стр. 3564

مسرح أمل، ومطمح علم وعمل، وزينة أرض ما هي في السماء لجدي ولا حمل، ناجح جديه الكباش فكسرها، ومزّقها بظلفه (١) ونشرها، إلى أن أخلى منها المظان، وأبدل بسواد المعز بياض الضّان. وأعطاه أهل زمانه حقه في التعظيم، وناظر كل قرين، وهو الجدي، وغيره الذي سمط (٢)، فهادنته جناة الذئاب، وهابته جناة القرظ (٣)، وطال عليهم الإياب. وجال في الجيل الأول وقد شمخ بقرنه، وسمج لقرنه، وجلّ فلم ينتسب إليه كل عنزي من عنزة، ولا حسب كفؤا لقرنه كبش كتيبة ولا جديد عنزة، وأنسي كل من تقدمه هديا، وفخر به كل بلد قدمه وقدمت دمشق جديا، وعلم العلم أنه له منتصب، وقامت قامة بلده وقد قيل لها حدبا لأنها تصحيفه إذا نصب. قال ابن أبي أصيبعة: " كان مشهورا بالعلوم، متحليا بالفضائل، مليح العبارة، جيد (٤) التصنيف، وكان متميزا في النحو واللغة، والعربية، عارفا بعلم الكلام، والطب. وكان قد اعتنى كثيرا بصناعة الطب لما كان بدمشق، واشتهر بعلمها، وكان يتردد إليه جماعة من التلاميذ، وغيرهم من الأطباء، للقراءة عليه، وكان والده قد أشغله بصناعة (٥) الحديث في صباه. وكان يوسف والد الشيخ موفق الدين مشتغلا بعلم الحديث، بارعا في علوم

стр. 3565

القرآن، والقراءات، محمودا في المذهب والخلاف، والأصول. وكان سليمان عم الشيخ موفق الدين [فقيها مجيدا، وكان الشيخ موفق الدين] (١) عبد اللطيف كثير الاشتغال، لا يخلي وقتا من أوقاته من النظر في الكتب، والتصنيف والكتابة. والذي وجدته من خطّه أشياء كثيرة جدا، بحيث أنه يكتب من مصنفاته نسخا متعددة، وكذلك أيضا كتب كتبا كثيرة من تصانيف الفقهاء. وكان صديقا لجدّي، وبينهما صحبة أكيدة بالديار المصرية لما كان بها، وكان أبي وعمي اشتغلا عليه بعلم الأدب، واشتغل عليه عمي أيضا بكتب أرسطوطاليس، وكان الشيخ موفق الدين كثير العناية بها، والفهم لمعانيها. وأتى إلى دمشق من الديار المصرية، وأقام بها مدة، وكثر انتفاع الناس بعلمه. ورأيته في آخر مرة بدمشق وهو شيخ نحيف الجسم، ربع القامة، حسن الكلام، جيد العبارة، وكانت مسطرته أبلغ من لفظه. وكان - رحمه الله تعالى - ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه. وكان يتنقّص الفضلاء الذين في زمانه، وكثيرا من المتقدمين. وكان وقوعه كثيرا جدا في علماء العجم ومصنفاتهم، وخصوصا الشيخ الرئيس ابن سينا ونظرائه. ونقلت من خطّه في سيرته التي ألّفها ما هذا مثاله، قال: "إني ولدت بدار لجدي في درب الفالوذج، في سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وتربيت في حجر الشيخ [أبي النجيب] لا أعرف اللهو واللعب، وأكثر زماني مصروف في سماع الحديث، وأخذت لي إجازات من مشايخ بغداد، وخراسان، والشام، ومصر. وقال لي والدي يوما: قد سمّعتك جميع عوالي بغداد، [وألحقتك في الرواية

стр. 3566

بالشيوخ، وكنت في أثناء ذلك] أتعلم الخط، وأحفظ القرآن، والفصيح، والمقامات، وديوان المتنبي، ونحو ذلك، ومختصرا في الفقه، ومختصرا في النحو. فلما ترعرعت، حملني والدي إلى كمال الدين عبد الرحمن الأنباري (١)، وكان يومئذ شيخ بغداد، وله بوالدي صحبة قديمة أيام التفقه بالنظامية (٢)، فقرأت عليه خطبة الفصيح (٣)، فهذّ (٤) كلاما كثيرا متتابعا لم أفهم منه شيئا، لكن التلاميذ حوله تعجبوا منه. ثم قال: أنا أجفو عن تعليم الصبيان. احمله إلى تلميذي الوجيه

стр. 3567

[الواسطي، يقرأ عليه، فإذا توسطت حاله يقرأ عليّ. وكان الوجيه] (١) عند بعض أولاد الرؤساء، وكان رجلا أعمى من أهل الثروة والمروءة، فأخذني بكلتي يديه، وجعل يعلمني من أول النهار إلى آخره بوجوه كثيرة من التلطف. وكنت أحضر بحلقته بمسجد المظفرية، ويجعل جميع الشروحات لي، ويخاطبني بها. وفي آخر الأمر أقرأ درسي، ويخصني بشرحه، ثم نخرج من المسجد فيذاكرني في الطريق، فإذا بلغنا منزله، أخرج الكتب التي يشتغل بها مع نفسه، فأحفظ له، وأحفظ معه، ثم يذهب إلى الشيخ كمال الدين فيقرأ درسه، ويشرح له، وأنا أسمع. وتخرّجت إلى أن صرت أسبقه في الحفظ والفهم، وأصرف أكثر الليل في الحفظ والتكرار. وأقمنا على ذلك برهة، كلما جاء حفظي كثر وزاد، وفهمي قوي واستنار، وذهني احتدّ واستقام، وأنا ألازم الشيخ، وشيخ الشيخ. وأول ما بدأت حفظت: " اللمع " (٢) في ثمانية أشهر، أسمع كل يوم شرح أكثرها، مما يقرؤه غيري، وأنقلب إلى بيتي فأطالع شرح [الثمانيني]، الفارسي، وشرح الشريف عمر بن حمزة، وشرح ابن برهان، وكل ما أجد من شروحها، وأشرحها لتلاميذ يختصون بي (٣)، إلى أن صرت أتكلم على كل باب كراريس، ولا ينفد ما عندي. وحفظت: " أدب الكاتب "لابن قتيبة (٤)، حفظا متقنا، أما النصف الأول؛

стр. 3568

ففي شهور. وأما تقويم اللسان: ففي أربعة عشر يوما، لأنه كان أربع عشرة كراسة. ثم حفظت: " مشكل القرآن "له، و" غريب القرآن "له. وكان ذلك في مدة يسيرة. ثم انتقلت إلى: " الإيضاح "لأبي علي الفارسي (١)، فحفظته في شهور كثيرة، ولازمت شروحه، وتتبعته التتبع التام، وتبحّرت فيه، وجمعت ما قال الشّرّاح. وأما" التكملة " (٢) فحفظتها في أيام يسيرة، كل يوم كراسا. وطالعت الكتب المبسوطة، والمختصرات. وواظبت على" المقتضب " (٣) للمبرد، وكتاب ابن درستويه (٤) في أثناء

стр. 3569

ذلك، لا أغفل عن سماع الحديث والفقه على شيخنا ابن فضلان، بدار الذهب، وهي مدرسة معلقة بناها فخر الدولة بن المطلب. قال: " وللشيخ كمال الدين مائة تصنيف وثلاثون تصنيفا، أكثرها في النحو، وبعضها في الفقه، والأصولين، وفي التصوف، والزهد، وأتيت على أكثر تصانيفه؛ سماعا وقراءة، [وحفظا]. وشرع في تصنيفين كبيرين؛ أحدهما في اللغة، والآخر في الفقه، ولم يتفق له إتمامهما. وحفظت عليه طائفة من كتاب سيبويه، وأكببت على المقتضب فأتممته (١) وبعد وفاة الشيخ تجرّدت لكتاب سيبويه، ولشرحه للسيرافي (٢) ثم قرأت على أبي عبيدة الكرخي كتبا كثيرة، منها: كتاب "الأصول" لابن السراج (٣)، والنسخة في وقف ابن الخشاب برباط المأمونية. وقرأت عليه الفرائض، والعروض، للخطيب التبريزي (٤)، وهو من خواص تلاميذ ابن

стр. 3570

الشجري. وأما ابن الخشّاب (١): فسمعت بقراءته "معاني الزجّاج"، على الكاتبة شهدة بنت الأبري، وسمعت منه الحديث المسلسل وهو: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٢) وقال أيضا موفق الدين البغدادي: "إن من مشايخه الذين انتفع بهم - كما زعم - ولد أمين الدولة ابن التلميذ، وبالغ في وصفه، وكثر. وهذا لكثرة تعصبه للعراقيين وإلا فولد أمين الدولة لم يكن بهذه المثابة، ولا قريبا منها". وقال: "إنه ورد إلى بغداد رجل مغربي طوال في زي التصوف، له أبّهة وليس بمقبول الصورة، عليه مسحة الدين، وهيئة السياحة، ينفعل لصورته من رآه [قبل أن يخبره]، يعرف بابن نائلي، يزعم أنه من أولاد المتلثمة، خرج من

стр. 3571

المغرب لما استولى عليها عبد المؤمن، فلما استقرّ ببغداد واجتمع عليه جماعة من الأكابر والأعيان، وحضره الرضي القزويني (١)، وشيخ الشيوخ [ابن سكينة (٢)] (٣). وكنت واحدا ممن حضره فأقرأني مقدمة الحساب، ومقدمة ابن بابشاذ في النحو، وكان له طريق في التعليم عجيب، ومن يحضره يظن أنه متبحر، وإنما كان متطرفا، لكنه قد أمعن في كتب الكيمياء، والطّلسمات (٤)، وما جرى

стр. 3572

مجراها. وأتى على كتب جابر (١) بأسرها، وعلى كتب ابن وحشية (٢) وكان يجلب القلوب بصورته ومنطقه، وإيهامه. فملأ قلبي شوقا إلى العلوم كلها، واجتمع بالإمام الناصر لدين الله، وأعجبه، ثم سافر، وأقبلت على الاشتغال، وشمّرت ذيل الجد والاجتهاد، وهجرت النوم واللذات، وأكببت على كتب الغزالي (٣): " المقاصد، والمعيار، والميزان، ومحك النظر". ثم انتقلت إلى كتب ابن سينا؛ صغارها وكبارها، وحفظت كتاب" النجاة "، وكتبت" الشفاء "، وبحثت فيه. وحصلت كتاب" التحصيل "لبهمنيار - تلميذ ابن سينا -. وحصلت كثيرا من كتب جابر بن حيان الصوفي، وابن وحشية، وباشرت عمل (٤) الصنعة الباطلة، وتجارب الضلال الفارغة، وأقوى من أضلّني ابن سينا

стр. 3573

بكتابه في الصنعة، الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا! ". قال: "ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ، دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال ابن يونس (١) جيدا في الرياضيات، والفقه، متطرفا في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله وحسه حب (٢) الكيمياء، وعملها، حتى صار يستخف ما عداها. واجتمع إليّ جماعة كثيرة، وعرضت عليّ مناصب؛ فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة، ودار الحديث [التي] تحتها. وأقمت بالموصل سنة كاملة في اشتغال دائم متواصل ليلا ونهارا، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا أحدا من قبلي مثل ما رأوا مني، في سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر، وسكون الطائر. وسمعت الناس يلهجون في حديث الشهاب السهروردي (٣) المتفلسف،

стр. 3574

ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء، فهممت لقصده، ثم أدركني التوفيق وطلبت من ابن يونس شيئا من تصانيفه، وكان أيضا معتقدا عليه؛ فوقفت على: " التلويحات، واللمحة، والمعارج "، فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا [الأنوك (١)] (٢).! وفي أثناء كلامه يثبت حروفا مقطعة يوهم بها أمثاله أنها أسرار إلهية! ". قال: "ولما دخلت دمشق وجدت فيها من أعيان بغداد والبلاد ممن جمعهم الإحسان الصلاحي، جمعا كثيرا، منهم: - جمال الدين عبد اللطيف، ولد الشيخ أبي النجيب (٣)، وجماعة بقيت من بيت رئيس الرؤساء. وابن طلحة الكاتب (٤)، وبيت ابن جهير (٥)، وابن العطار المقتول الوزير.

стр. 3575

واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي (١)، وجرى بيننا مباحثات، وكان شيخا ذكيا، مثريا، له جانب من السلطان (٢)، لكنه كان معجبا بنفسه، مؤذبا لجليسه، وجرت بيننا مباحثات فأظهرني الله تعالى عليه في مسائل كثيرة، ثم إني أهملت جانبه، فكان يتأذى بإهمالي له أكثر مما يتأذى الناس منه. وعملت بدمشق تصانيف جمّة، منها: " غريب الحديث " الكبير، جمعت فيه غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب ابن قتيبة، وغريب الخطابي، وكنت ابتدأته بالموصل، وعملت له مختصرا سميته: " المجرّد "، وعملت كتاب: " الواضحة في إعراب الفاتحة " نحو عشرين كرّاسا. وكتاب: " ربّ " وكتابا في [الذات] والصفات الذاتية الجارية على ألسنة المتكلمين، وقصدت بهذه المسألة الرد على الكندي. ووجدت بدمشق الشيخ عبد الله بن بابلي (٣)، نازلا بالمئذنة الغربية، وقد عكف عليه جماعة. وتحدث الناس فيه؛ له، وعليه. وكان الخطيب الدولعي (٤)
следующие страницы →