← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

المغرب لما استولى عليها عبد المؤمن، فلما استقرّ ببغداد واجتمع عليه جماعة من الأكابر والأعيان، وحضره الرضي القزويني (١)، وشيخ الشيوخ [ابن سكينة (٢)] (٣). وكنت واحدا ممن حضره فأقرأني مقدمة الحساب، ومقدمة ابن بابشاذ في النحو، وكان له طريق في التعليم عجيب، ومن يحضره يظن أنه متبحر، وإنما كان متطرفا، لكنه قد أمعن في كتب الكيمياء، والطّلسمات (٤)، وما جرى

стр. 3572

مجراها. وأتى على كتب جابر (١) بأسرها، وعلى كتب ابن وحشية (٢) وكان يجلب القلوب بصورته ومنطقه، وإيهامه. فملأ قلبي شوقا إلى العلوم كلها، واجتمع بالإمام الناصر لدين الله، وأعجبه، ثم سافر، وأقبلت على الاشتغال، وشمّرت ذيل الجد والاجتهاد، وهجرت النوم واللذات، وأكببت على كتب الغزالي (٣): " المقاصد، والمعيار، والميزان، ومحك النظر". ثم انتقلت إلى كتب ابن سينا؛ صغارها وكبارها، وحفظت كتاب" النجاة "، وكتبت" الشفاء "، وبحثت فيه. وحصلت كتاب" التحصيل "لبهمنيار - تلميذ ابن سينا -. وحصلت كثيرا من كتب جابر بن حيان الصوفي، وابن وحشية، وباشرت عمل (٤) الصنعة الباطلة، وتجارب الضلال الفارغة، وأقوى من أضلّني ابن سينا

стр. 3573

بكتابه في الصنعة، الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا! ". قال: "ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ، دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال ابن يونس (١) جيدا في الرياضيات، والفقه، متطرفا في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله وحسه حب (٢) الكيمياء، وعملها، حتى صار يستخف ما عداها. واجتمع إليّ جماعة كثيرة، وعرضت عليّ مناصب؛ فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة، ودار الحديث [التي] تحتها. وأقمت بالموصل سنة كاملة في اشتغال دائم متواصل ليلا ونهارا، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا أحدا من قبلي مثل ما رأوا مني، في سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر، وسكون الطائر. وسمعت الناس يلهجون في حديث الشهاب السهروردي (٣) المتفلسف،

стр. 3574

ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء، فهممت لقصده، ثم أدركني التوفيق وطلبت من ابن يونس شيئا من تصانيفه، وكان أيضا معتقدا عليه؛ فوقفت على: " التلويحات، واللمحة، والمعارج "، فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا [الأنوك (١)] (٢).! وفي أثناء كلامه يثبت حروفا مقطعة يوهم بها أمثاله أنها أسرار إلهية! ". قال: "ولما دخلت دمشق وجدت فيها من أعيان بغداد والبلاد ممن جمعهم الإحسان الصلاحي، جمعا كثيرا، منهم: - جمال الدين عبد اللطيف، ولد الشيخ أبي النجيب (٣)، وجماعة بقيت من بيت رئيس الرؤساء. وابن طلحة الكاتب (٤)، وبيت ابن جهير (٥)، وابن العطار المقتول الوزير.

стр. 3575

واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي (١)، وجرى بيننا مباحثات، وكان شيخا ذكيا، مثريا، له جانب من السلطان (٢)، لكنه كان معجبا بنفسه، مؤذبا لجليسه، وجرت بيننا مباحثات فأظهرني الله تعالى عليه في مسائل كثيرة، ثم إني أهملت جانبه، فكان يتأذى بإهمالي له أكثر مما يتأذى الناس منه. وعملت بدمشق تصانيف جمّة، منها: " غريب الحديث " الكبير، جمعت فيه غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب ابن قتيبة، وغريب الخطابي، وكنت ابتدأته بالموصل، وعملت له مختصرا سميته: " المجرّد "، وعملت كتاب: " الواضحة في إعراب الفاتحة " نحو عشرين كرّاسا. وكتاب: " ربّ " وكتابا في [الذات] والصفات الذاتية الجارية على ألسنة المتكلمين، وقصدت بهذه المسألة الرد على الكندي. ووجدت بدمشق الشيخ عبد الله بن بابلي (٣)، نازلا بالمئذنة الغربية، وقد عكف عليه جماعة. وتحدث الناس فيه؛ له، وعليه. وكان الخطيب الدولعي (٤)

стр. 3576

عليه، وكان من الأعيان، له منزلة، وناموس. ثم خلط ابن بابلي على نفسه، فأعان عدوه عليه، وصار يتكلم في الكيمياء والفلسفة، وكثر التشنيع عليه، واجتمعت به، وصار يسألني عن أعمال أعتقد أنها خسيسة، نزرة، فيعظمها، ويحتفل بها، ويكتبها مني، فكاشفته فلم أجده كما كان في نفسي، فساء به ظني، وبطريقته. ثم باحثته في العلوم، فوجدت عنده منها أطرافا نزرة، فقلت له يوما: لو صرفت زمانك الذي ضيّعته في طلب الصنعة إلى بعض العلوم الشرعية، أو العقلية، كنت اليوم فريد عصرك. مخدوما طول عمرك، وهذا هو الكيمياء، لا ما تطلبه. ثم اعتبرت بحاله، وانزجرت بسوء مآله، والسعيد من وعظ بغيره، فأقلعت و [لكن] لا كلّ الإقلاع. ثم إنه توجّه إلى صلاح الدين بظاهر عكا، وشكا إليه الدولعي، وعاد مريضا، وحمل إلى البيمارستان، فمات [به]. وأخذ كتبه المعتمد مشيخة دمشق، وكان متيّما بالصنعة. ثم إني توجّهت إلى زيارة البيت المقدس، ثم إلى صلاح الدين بظاهر عكا، واجتمعت ببهاء الدين ابن شداد (١) قاضي العسكر يومئذ، وكان قد اتصل به

стр. 3577

خبري بالموصل، فانبسط إليّ وأقبل عليّ، وقال: نجتمع بعماد الدين الكاتب، [فقمنا إليه] وخيمته إلى خيمة بهاء الدين، فوجدته يكتب كتابا إلى الديوان العزيز، بقلم الثلث من غير مسوّدة، وقال: هذا كتاب إلى بلدكم. وذاكرني في مسائل من علم الكلام، وقال: قوموا بنا إلى القاضي الفاضل (١)، فدخلنا عليه، فرأيت شيخا ضئيلا كله رأس وقلب، وهو يكتب ويملي على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام. وكان يكتب بجملة أعضائه. وسألني القاضي الفاضل عن قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ (٢)، أين جواب إذا؟.

стр. 3578

وأين جواب "لو" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبالُ﴾ (١) وعن مسائل كثيرة، ومع هذا فلا يقطع الكتابة ولا الإملاء. وقال لي: ترجع إلى دمشق، وتجري عليك الجرايات. فقلت: أريد مصر. فقال: السلطان مشغول القلب بأخذ الفرنج عكا، وقتل المسلمين بها. فقلت: لا بدلي من مصر. فكتب لي ورقة صغيرة إلى وكيله بها. فلما دخلت القاهرة، جاء وكيله (٢)، وكان شيخا جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني دارا قد أزيحت عللها، وجاءني بدنانير، وغلة. ثم مضى إلى أرباب الدولة، وقال: هذا ضيف القاضي الفاضل، فدرّت الهدايا والصّلات (٣) من كل جانب. وكان كل عشرة أيام أو نحوها تصل تذكرة القاضي إلى ديوان مصر بمهمات الدولة، وفيها فصل يؤكد الوصية في حقي. فأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ (٤) أقرئ الناس. وكان قصدي في مصر ثلاث أنفس: ياسين السيميائي، والرئيس موسى بن ميمون اليهودي (٥)، وأبو القاسم الشارعي، وكلهم جاؤوني.

стр. 3579

أما ياسين فوجدته محاليا كذابا، يشهد للشاقاني بالكيمياء، ويشهد له الشاقاني بالسيمياء، ويقول عنه: إنه يعلم أعمالا يعجز موسى بن عمران ﵇ عنها، وأنه يحضر الذهب المضروب متى شاء، وبأي مقدار شاء، وبأي سكة شاء، وأنه يجعل ماء النيل خيمة ويجلس فيها وأصحابه تحتها. وكان ضعيف الحال. وجاءني موسى فوجدته فاضلا في الغاية، قد غلب عليه حب الرياسة، وخدمة أرباب الدنيا، وعمل كتابا في الطب جمعه من "الستة عشر" لجالينوس، ومن خمسة كتب أخر، وشرط أن لا يغير فيه حرفا، إلا أن يكون واو عطف أو فاء وصل (١)، وإنما ينقله فصولا يختارها. وعمل كتابا لليهود سماه: "كتاب الدلالة"، ولعن من يكتبه بغير القلم العبراني. ووقفت عليه، فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يظن أنه يصلحها. وكنت ذات يوم بالمسجد وعندي خلق كثير، فدخل شيخ رثّ الثياب، نيّر الطلعة، مقبول الصورة، فهابه الجمع، ورفعوه فوقهم، وأخذت في إتمام كلامي. فلما تصرّم المجلس، جاء إمام المسجد وقال: أتعرف هذا الشيخ؟. هذا أبو القاسم الشارعي. فاعتنقته، وقلت: إياك أطلب، فأخذته إلى منزلي، وأكلنا الطعام، وتفاوضنا الحديث، فوجدته كما تشتهي النفس، وتلذّ العين. سيرته سيرة الحكماء العقلاء، وكذا صورته، قد رضي من الدنيا بالقليل، لا يتعلق بشيء منها يشغله عن طلب الفضل، ثم لازمني، فوجدته قيما بكتب القدماء، وكتب أبي نصر الفارابي، ولم يكن لي اعتقاد في هؤلاء لأني كنت أظن أن الحكمة كلها حازها ابن سينا، وحشاها كتبه، فكنا إذا تفاوضنا الحديث أغلبه بقوة الجدل، وفضل اللسن، ويغلبني بقوة الحجة، وظهور المحجة. وأنا لا تلين قناتي لغمزه، ولا أحيد

стр. 3580

عن جادة الهوى والتعصب برمزه، فصار يحضرني (١) شيئا بعد شيء من كتب أبي نصر، والإسكندر، وثامسطيوس، يؤنس بذلك نفاري، ويلين عريكة شماسي (٢)، حتى عطفت عليه أقدّم رجلا وأؤخر أخرى. وشاع أن صلاح الدين هادن الفرنج، وعاد إلى القدس. فقادتني الضرورة إلى التوجه إليه، فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني، وتوجّهت إلى القدس، فرأيت ملكا عظيما يملأ العين روعة، والقلوب محبة، قريبا بعيدا، سهلا محببا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٣) وأول ليلة حضرته، وجدت مجلسا حفلا بأهل العلم، يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق. ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع، وكان مهتما في بناء سور بيت المقدس وحفر خندقه، يتولى ذلك بنفسه، ويحمل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الفقراء والأغنياء، والأقرباء والضعفاء، حتى العماد الكاتب، والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، فيأتي داره، فيمد السماط فيأكل ويستريح، ويركب العصر، ويرجع في المساء، ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهارا. فكتب لي صلاح الدين ثلاثين دينارا كل شهر، على ديوان الجامع، وأطلق لي أولاده رواتب حتى تقرّر لي في كل شهر مائة دينار. ورجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع، وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة، وفي كتب ابن سينا زهادة، واطّلعت

стр. 3581

على بطلان الكيمياء (١)، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومن وضعها، وكذب بها، وما كان قصده في ذلك، وخلصت من ضلالين عظيمين موبقين، وتضاعف شكري لله تعالى على ذلك، فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا، وبالكيمياء. ثم إن صلاح الدين دخل دمشق، وخرج يودّع الحاج. ثم رجع فحمّ، ففصده من لا خبرة عنده، فخارت القوى، ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيها بما يجدونه على الأنبياء (٢). وما رأيت ملكا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محبوبا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر. ثم تفرّق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزّقوا في البلاد كل ممزّق، وأكثرهم توجّه إلى مصر لخصبها، وسعة صدر ملكها. وأقمت بدمشق وملكها الملك الأفضل، وهو أكبر الأولاد في السن، إلى أن جاء الملك العزيز بعساكر مصر، يحاصر أخاه بدمشق، فلم ينل منه بغية، ثم تأخّر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له، فخرجت إليه بعد خلاصه منه، فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى عليّ من بيت المال كفايتي، وزيادة. وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباح مساء، إلى أن قضى نحبه، ولما اشتد مرضه وكان ذات الجنب عن نزلة من رأسه، وأشرت عليه بدواء؛ فأنشد: [المديد]

стр. 3582

لا أذود الطير عن شجر … قد بلوت المر من ثمره ثم سألته عن ألمه؟ فقال: ما لجرح بميت إيلام (١) وكان سيرتي في هذه المدة أنني أقرئ الناس في الجامع الأزهر إلى نحو الساعة الرابعة، ووسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره، وآخر النهار أرجع إلى الجامع، فيقرأ قوم آخرون. وفي الليل أشتغل مع نفسي، ولم أزل على ذلك إلى أن توفي الملك العزيز، وكان شابا كريما، شجاعا، كثير الحياء، لا يحسن قول: "لا"، وكان مع حداثة سنه وشرة شبابه كامل العفة عن الأموال والفروج (٢). أقول (٣): "ثم إن الشيخ موفق الدين أقام بالقاهرة بعد ذلك بمدة، وله الراتب والجرايات من أولاد الملك الناصر. وأتى إلى مصر ذلك الغلاء العظيم، والموتان (٤) الذي لم يشاهد مثله. وألّف الشيخ موفق الدين في ذلك كتابا ذكر فيه أشياء شاهدها أو سمعها ممن عاينها، تذهل العقل، وسمّى ذلك الكتاب: " كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر ".

стр. 3583

ثم لما ملك السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الديار المصرية، وأكثر الشام والشرق، وتفرّقت أولاد أخيه الملك الناصر صلاح الدين، وانتزع ملكهم، توجّه الشيخ موفق الدين إلى القدس، وأقام به مدة، وكان يتردّد إلى الجامع الأقصى، ويشتغل الناس عليه بكثير من العلوم، وصنّف هنالك كتبا كثيرة، ثم إنه توجّه إلى دمشق، ونزل بالمدرسة العزيزية (١)، وذلك في سنة أربع وستمائة. وشرع في التدريس والاشتغال، وكان يأتيه خلق كثير، يشتغلون عليه، ويقرءون أصنافا من العلوم، وتميّز في صناعة الطب بدمشق، وصنّف في هذا الفنّ كتبا كثيرة، وعرف به. وأما قبل ذلك فإنما كانت شهرته بعلم النحو. وأقام بدمشق مدة، وانتفع به الناس. ثم إنه سافر إلى حلب، وقصد بلاد الروم، وأقام بها سنين كثيرة، وكان في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام (٢) صاحب أرزنجان، وكان مكينا عنده، عظيم المنزلة، وله منه الجامكية (٣) الوافرة،

стр. 3584

والصلات المتواترة، وصنف باسمه عدة كتب. وكان هذا الملك عالي الهمة، كثير الحياء، كريم النفس، وقد اشتغل بشيء من العلوم، ولم يزل في خدمته إلى أن استولى على ملكه صاحب أرزن (١) الروم، وهو السلطان كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان، فقبض على صاحب أرزنجان ولم يظهر له خبر" (٢). قال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف: "ولما كان في سابع عشر ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وستمائة توجهت إلى أرزن الروم، وفي حادي عشر صفر من سنة ست وعشرين وستمائة رجعت إلى أرزنجان من أرزن الروم، وفي نصف ربيع الأول توجهت إلى كماخ (٣)، وفي جمادى الأولى توجهت منها إلى دير زكي (٤)، وفي رجب توجهت منها إلى ملطية (٥). وفي آخر رمضان توجهت

стр. 3585

منها إلى حلب". أقول: " وأقام الشيخ موفق الدين بحلب والناس يشتغلون عليه، وكثرت تصانيفه، وكان له من شهاب الدين طغريل الخادم أتابك حلب جار حسن، وهو متخلّ لتدريس صناعة الطب، ويتردد إلى الجامع يسمع الحديث، ويقرئ العربية، وكان دائم الاشتغال ملازما للكتابة والتصنيف. ولما أقام بحلب، قصدت أن أتوجّه إليه، وأجتمع به، فلم يتفق ذلك، وكانت كتبه أبدا تصل إلينا ومراسلاته، وبعث إليّ بأشياء من تصانيفه بخطه. وهذا نسخة كتاب كتبته إليه لما كان بمدينة حلب: "المملوك يواصل بدعائه وثنائه، وشكره وانتمائه إلى عبودية المجلس السامي، المولوي، السيّدي السندي، الأجلّيّ الكبيري، العالمي الفاضلي، موفق الدين، سيد العلماء في الغائبين والحاضرين، جامع العلوم المتفرقة في العالمين، ولي أمير المؤمنين، أوضح الله به سبل الهدى والهداية، وأنار ببقائه طرق الدراية، وحقق بحقائق ألفاظه صحيح الولاية، ولا زالت سعادته دائمة البقاء، وسيادته سامية الارتقاء، وتصانيفه في الآفاق قدوة العلماء، وعمدة سائر الأدباء والحكماء. المملوك يجدد الخدمة، ويهدي من السلام أطيبه، ومن الشكر والثناء أعذبه، وينهي ما يكابده من أليم التطلّع إلى مشاهدة أنوار شمسه المنيرة، وما يعانيه من الارتياح إلى ملاحظة شريف حضرته الأثيرة، وما تزايد القلق وتعاظم عند سماعه قرب المزار من الأرق: [الوافر] وأبرح ما يكون الشوق يوما … إذا دنت الديار من الديار (١) ولولا أمل قفول الركاب العالي، ووصول الجناب الموفّقيّ الجلاليّ، لسارع

стр. 3586

المملوك إلى الوصول، ولبادر المبادرة بالمثول، ولجاء إلى شريف خدمته، وفاز بالنظر إلى بهي طلعته. فيا سعادة من فاز بالنظر إليه، ويا بشرى من مثل بين يديه، ويا هناء من حظي بوجه إقباله عليه، ومن ورد بحار فضله، روي من نميرها، واستضاء بشمس علمه، فسرى في أضواء منيرها. نسأل الله تعالى تقريب الاجتماع وتحصيل الجمع بين مسرّتي الأبصار والأسماع، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى". ومن مراسلات الشيخ موفق الدين عبد اللطيف؛ أنه بعث إلى أبي في أول كتاب، وهو يقول فيه عني: "ولد الولد أعز من الولد، وهذا موفق الدين ولد ولدي، وأعز الناس عندي، وما زالت النجابة تتبين لي فيه من الصّغر". ووصف وأثنى كثيرا وقال فيه: "لو أمكنني أنّي آتي إليه بالقصد ليشتغل عليّ لفعلت". وبالجملة فإنه كان قد عزم أن يأتي دمشق، ويقيم بها، ثم خطر له أنه كان يحجّ قبل ذلك، ويجعل طريقه على بغداد، وأن يقدم بها للخليفة المستنصر بالله أشياء من تصانيفه. ولما وصل إلى بغداد مرض في أثناء ذلك، وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الأحد ثاني عشر المحرّم، سنة تسع وعشرين وست مائة. ودفن بالوردية (١) عند أبيه، وذلك بعد أن خرج عن بغداد، وبقي غائبا عنها خمسة وأربعين عاما!. ثم إن الله تعالى ساقه إليها وأماته بها. ومن كلام موفق الدين عبد اللطيف - مما نقلته من خطه - قال: "ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا أويت إلى فراشك (٢) وتنظر ما اكتسبت

стр. 3587

في يومك؛ من حسنة تشكر الله عليها، أو كانت سيئة تستغفر الله منها، وتقلع عنها. وترتب في نفسك ما تعمله من الحسنات، وتسأل الله الإعانة على ذلك". وقال: "أوصيك أن لا تأخذ العلوم من الكتب، وإن وثقت من نفسك بقوة الفهم، وعليك بالأستاذين (١) في كل علم تطلب اكتسابه، ولو كان الأستاذ ناقصا؛ فخذ عنه ما عنده حتى تجد أكمل منه. وعليك بتعظيمه، وتوجيبه (٢)، وإن قدرت أن تفيده من دنياك فافعل، وإلا بلسانك وثنائك. وإذا قرأت كتابا فاحرص كل الحرص على أن تستظهره وتملك معناه، وتوهّم أن الكتاب قد عدم (٣)، وأنك مستغن عنه، لا تحزن لفقده. وإذا كنت مكبّا على قراءة (٤) كتاب وتفهّمه، فإياك أن تشتغل بآخر غيره معه، واصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره إليه. وإيّاك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة، وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين، أو ما شاء الله، فإذا قضيت وطرك فانتقل إلى علم آخر، ولا تظنّ أنك إذا حصّلت علما فقد اكتفيت، بل تحتاج إلى مراعاته [لينمو ولا ينقص، ومراعاته تكون] (٥) بالذاكرة، والتفكر، [واشتغال المبتدئ بالتلفظ والتعلم، ومباحثة الأقران]. واشتغال العالم بالتعليم (٦)، والتصنيف.

стр. 3588

وإذا تصدّيت لتعلّم علم، أو للمناظرة فيه، فلا تمزج به غيره من العلوم، فإن كل علم مكتف بنفسه، مستغن عن غيره، فإن استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه، كمن يستعين [في لغة] بلغة أخرى إذا ضاقت عليه، أو جهل بعضها". وقال: "وينبغي للإنسان أن يقرأ التواريخ، وأن يطّلع على السير، وتجارب الأمم، فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية، وعاصرهم، وعاشرهم، وعرف خيرهم وشرّهم". وقال: "وينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فاقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وتتبّع أحواله، وأفعاله، واقتف آثاره ما أمكنك، وبقدر طاقتك. وإذا وقفت على سيرته في مطعمه، ومشربه، ومنامه، ويقظته، وتمرّضه، [وتطبّبه، وتمتّعه وتطيّبه] (١)، ومعاملته مع ربه، ومع أزواجه، وأصحابه، وأفعاله مع أعدائه، وفعلت اليسير من ذلك فأنت السعيد كل السعيد". قال: "وينبغي أن تكثر اتّهامك لنفسك، ولا تحسن الظن بها، وتعرض خواطرك على العلماء، وعلى تصانيفهم، وتثبّت ولا تعجل، ولا تعجب (٢)، فمع العجب العثار، ومع الاستبداد الزلل، ومن [لم يعرق جبينه إلى أبواب العلماء لم يعرق في الفضيلة]، ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس، ومن لم يبكّتوه (٣) لم يسد، ومن لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم، ومن لم

стр. 3589

يكدح لم يفلح. وإذا خلوت من التعلم والتفكر فحرّك لسانك بذكر الله تعالى، وبتسابيحه، وخاصة عند النوم، فيتشرّبه لبّك، ويتعجّن في خيالك، وتتكلم به في منامك. وإذا حدث لك فرح أو سرور ببعض أمور الدنيا، فاذكر الموت، وسرعة الزوال، وأصناف المنغّصات، وإذا حزبك أمر فاسترجع (١)، وإذا اعترتك غفلة فاستغفر، واجعل الموت نصب عينيك، والعلم والتقوى زادك إلى الآخرة، وإذا طلبت أن تعصي الله فاطلب مكانا لا يراك فيه!، واعلم أن الناس عيون الله على العبد، يريهم خيره وإن أخفاه، وشرّه وإن ستره، فباطنه مكشوف لله، والله يكشفه لعباده. فعليك أن تجعل باطنك خيرا من ظاهرك، وسرّك أصحّ من علانيتك، ولا تتألّم إذا أعرضت عنك الدنيا، فلو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل، وقلّ ما يتعلق في العلم ذو الثروة، إلا أن يكون شريف الهمة جدا. أو أن يثري بعد تحصيل العلم. وإني لا أقول إن الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها، لأن همته مصروفة إلى العلم، فلا يبقى له التفات إلى الدنيا، والدنيا إنما تحصل بحرص وفكر في وجودها، فإذا غفل عن أسبابها لم تأته. وأيضا فإن طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة، والمكاسب الدنية، وعن أصناف [التجارات] (٢)، وعن التذلل لأرباب الدنيا، والوقوف على أحوالهم. ولبعض إخواننا بيت شعر: [الكامل] من جد في طلب العلوم أفاته … شرف العلوم دناءة التحصيل (٣)

стр. 3590

" وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها، وحذق فيها، وصرف الزمان إليها، والمشتغل بالعلم لا يسعه شيء من ذلك، وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب، وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها، وهذا ظلم منه وعدوان. ولكن إذا تمكن الرجل من العلم، وشهر به، خطب (١) من كل وجه، وعرضت عليه المناصب، وجاءته الدنيا صاغرة، وأخذها وماء وجهه موفور، وعرضه ودينه مصون. "واعلم أن للعلم عقبة وعرفا ينادى على صاحبه، ونورا وضياء يشرق عليه، ويدلّ عليه، كتاجر المسك لا يخفى مكانه، ولا تجهل صناعته، وكمن يمشي بمشعل في ليل مدلهم (٢). والعالم مع هذا محبوب أينما كان، وكيفما كان. لا يجد إلا من يميل إليه، ويؤثر قربه، ويأنس به، ويرتاح بمداناته". "واعلم أن العلوم تغور ثم تفور في زمان، بمنزلة النبات أو عيون المياه، وتنتقل من قوم إلى قوم، ومن صقع إلى صقع (٣) ". وقال: "وإياك والهذر (٤)، والكلام فيما لا يعني. وإياك والسكوت في محل

стр. 3591

الحاجة، ورجوع النوبة إليك إما لاستخراج حق، أو اجتلاب مودّة، أو تنبيه على فضيلة. وإياك والضحك مع كلامك، كثرة الكلام وتبتيره (١)، بل اجمع كلامك سردا بسكون ووقار، بحيث يستشعر منك أن وراءه أكثر منه، وأنه عن خميرة سابقة (٢)، ونظر متقدم". وقال: "وإياك والغلظة في الخطاب، والجفاء في المناظرة، فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام، ويسقط فائدته، ويعدم حلاوته، ويجلب الضغائن، ويمحق المودّات، ويصيّر القائل مستثقلا، سكوته أشهى إلى السامع من كلامه، ويثير النفوس على معاندته، ويبسط الألسن بمخاشنته، وإذهاب حرمته". وقال: "لا تترفّع بحيث تستثقل، ولا تتنازل بحيث تستخسّ وتستحقر". ومن دعائه - رحمه الله تعالى - قال: "اللهم! أعذنا من شموس الطبيعة (٣)، وجموح النفس الرديئة (٤)، وأسلس لنا مقاد التوفيق، وخذ بنا في سواء الطريق، يا هادي العمي!، يا مرشد الضّلاّل!، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان!، يا منير ظلمة الضلالة بنور الإيقان!، خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، ونجّنا من ردغة (٥) الطبيعة، وطهّرنا من درن الدنيا (٦) الدنية بالإخلاص لك والتقوى، إنك مالك الآخرة والدنيا".

стр. 3592

وله تسبيح أيضا: "سبحان من عمّ بحكمته الوجود، واستحقّ بكل وجه أن يكون هو المعبود، تلألأت بنور وجهك وجلالك الآفاق، وأشرقت شمس معرفتك على النفوس إشراقا وأيّ إشراق! ". ومنهم: ٢٤ - ابن الخوييّ: أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الشّافعيّ، شمس الدّين، أبو العبّاس (١٣) قاضي القضاة، أوحد العلماء، مجموع الفضائل، دوحة مجد اخضرّ فرعها، ودرّ كالمعصرات (١) ضرعها، ومدّت الأفياء والظلال، وردّت الأحياء والضّال، طال على يد المجتني منعها، وطاب ثمرها المثمر ونبعها، جاءت له العلياء وفاقا،

стр. 3593

وجادت له السحب الرواء دفاقا، فطنّبت شمسه على السماء رواقا، وتطلّبت فواضله للنفاق أشواقا، ثم حلّ لدن المعظم شرف الدين عيسى فحل بيت شرفه، وحلّ مكانا في مقاعد غرفه، ثم لم يتحوّل من أفقه، ولا أضاء له ضوء نهار إلا بين أصيله وشفقه. قال ابن أبي أصيبعة: "كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وعلاّمة وقته في الأمور الشرعية. عارفا بأصول الطب وغيره، حسن الصورة، كريم النفس، كثير الحياء، محبّا لفعل الخير، ملازما للصلاة والصيام، وقراءة القرآن. اتصل بالملك المعظّم عيسى (١)، فعرف فضله، وقرّر له الراتب، وقرأ عليه الطلبة، وانتفعوا به، وكان حسن العبارة، قويّ البراعة، فصيح اللسان، بليغ البيان، وافر المروءة، ظاهر الفتوة. أخذ عن القطب المصري (٢)، وأخذ المصري عن الإمام الرازي. ثم ولاّه المعظّم قضاء الشام. وكان عظيم التواضع، لطيف الكلام، يمشي إلى الجامع الأموي لأداء فرائض الصلوات في أوقاتها، ولم يزل على هذا حتى توفي في سنّ الشباب (٣)، في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة.

стр. 3594

قلت (١): وحكى لي شيخنا الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب، قال: لحقت جماعة أدركوا شمس الدين الخويي، أيام قدومه دمشق، وحدّثوني أنه قدم في زيّ فقير صوفي، وكان يلعب ببعض آلات الطرب حتى عرف بذلك، وكان يستدعى به لأجل ذلك، والملك المعظّم صاحب دمشق إذ ذاك، فقيل له عنه، فأمر به فأحضر ولعب بين يديه، فأعجبه لعبه لإتقان صنعته، فجعله من ندمائه، فلما تردّد إليه ظهر له علمه، وتحقّق لديه فضله، فاختصّه بالمجالسة، وقرّبه منه، فلما خلا القضاء عيّنه له، فاستعفاه. فألزمه به حتى وليه. فلما ولي القضاء انقطع عن الملك المعظّم، ففقده في أوقات أنسه، فقال له: مالك انقطعت هذه الليالي؟. فجعل يعتذر، والملك المعظّم لا يقبل منه، ويحثّه على الملازمة على عادته. فقال له: مولانا يعلم ما بقي يتعلق بي وبذمّتى من أقضية المسلمين وعقودهم، وما يجمل بي أن أظهر العدالة وأبطن الفسق وقد صرت قاضيا!. ومولانا مخيّر إن شاء تركت القضاء وعدت إلى ما كنت عليه في خدمته، وإن شاء تركني على القضاء وأعفاني لأخلّص ذمّتي وذمّته. فقال: بل استمر على القضاء، ودع ما سواه. فكان في غاية الخير حتى كأنه لم يكن ذاك.

стр. 3595

ومنهم: ٢٥ - الرّفيع الجيليّ: أبو حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد ابن إسماعيل بن عبد الهادي (١٣) شجرة توقّدت نارا، وأوقدت شنارا، فحنظلت ثمراتها، وأبرت سمراتها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وينعها كأنه تلف لنفوس السلاطين، وذلك أنه والى عدوّ الدين، وتبعه في بعض ما يدين، صحب السامرة، وسحب في أنديتهم أذيال المسامرة، ولم يكن بزّه بالرفيع، ولا زمنه بالربيع، فجدّ السامري في غيّه، ومدّ له من حبال بغيه، وكان قد اتخذ له منه عجلا جسدا واتّحد به حتى تفقّأ منه حسدا، حتى سقط في مهواته، وسقى دمه الجبل بل لهواته (١).

стр. 3596

قال ابن أبي أصيبعة (١): "كان من الأكابر في الحكمة وأصول الدين، والفقه، والعلم الطبيعي، والطب. وكان فقيها بالعذراوية (٢)، يشتغل بها. ثم ولي القضاء ببعلبك، وأقام بها مدة، وكان صديقا لأمين الدولة وزير الصالح إسماعيل، فلما ملك الصالح دمشق وتوفي قاضيها شمس الدين الخويي، ولي عوضه، وارتفعت منزلته [وأثرى]، ووقع بينه وبين أمين الدولة، وكثر تظلّم الناس منه، وشكواهم من سوء سيرته، فانتهى إلى أن قبض عليه، وقتل. وبعث إلى هوّة عظيمة قريب بعلبك، لا يعرف لها قرار، تعرف بمغارة الدم، فكتّف ودفع فيها. وقال بعض الذين كانوا معه: إنه لما دفع في تلك الهوّة تحطّم في نزوله، وكأنه تعلّق في بعض جوانبها. قال: فبقينا نسمع أنينه نحو ثلاثة أيام، وكلما مر يضعف ويخفى حتى تحققنا موته، ورجعنا عنه". قلت: وقد حكى الثقات أنه كان يفتعل الحجة بشهود زور كان أعدّهم على الرجل ذي الجدة (٣) واليسار، ويكتبها لمن يطلب الرجل إلى مجلسه، ويدّعي بالمبلغ عليه، فإذا أنكر أقام تلك البينة عليه، ثم يلزمه بالمال، فإذا قبض كان للسلطان النصف، وله ولأمين الدولة، وللشهود والمدعي النصف!. وجرى على هذا مدة، ثم كان لا ينصف أمين الدولة، ففسد ما بينهما وقالوا: إنه لما كثر فعل

стр. 3597

مثل هذا من القاضي الرفيع، عرف عليه، فصار ذوو المال يأتونه قبل افتعال الحجج فيقدمون له ما يختص به، فيسكت عنهم، فإذا ذكرهم الأمين الخائن له دافع عنهم، فأوغر ذلك صدره، وكدّرله ورده وصدره، حتى حالت به الحال، وآل إلى ما آل". وحكى لي شيخنا الإمام أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال: " حدّثني شيخنا قاضي القضاة ابن خلكان قال: كان الرفيع ذا كرم وسخاء، وكان جاريه (١) لا يقوم ببعض كفايته، فكان يتجشم البلايا ولقد ألجأته الضرورة إلى أن باع مرة عمامته، وأنفق ثمنها؛ فلما أصبح وأراد الركوب إلى موكب السلطان، استعار ما لبسه وركب به. قلت: وقد رأيت كتبا كثيرة من كتب الأملاك والأوقاف، وفيها إسجالات على القاضي الرفيع، فلما اتصلت تلك الكتب بمن بعده من القضاة وصلوها إليهم بمن كان قبل الرفيع، وأضربوا عنه، فلم ينفذ له حاكم جاء بعده حكما إلا كتابا واحدا كان في وقف مدرسة بالمدينة الشريفة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التحية -، وأظن أنه إنما سومح فيه لتيقن براءته من غرض في ذلك، إذ كان جهة بر، ولم يكن هو أول من حكم به، ولا أول من نفذ حكم من حكم به، ومع هذا لم أر من كبار أهل هذا الشان إلا من عجب منه، وأحببت التنبيه على ذلك ليعرف عند الحاجة لئلا ينسى بتطاول المدد.

стр. 3598

ومنهم: ٢٦ - الشّهاب السّهرورديّ المقتول: يحيى بن حبش بن أميرك (١٣) المقتول، والردى المختول، جاء بما سحر أعين الناس، وحيّر الألباب، فحيّر الفطن، وحيز كل الأرض إلى محل الوطن، بخوارق حملت على المخاريق، وأحلّت دمه للمريق، فأرى ما لا يرى، وصوّر ما لم يوجد، وأتى بما ادّعاه بعض ذوي العقول [ … ] (١) من المتصوفة من طي الزمان والمكان، وجاء بما لم يكن في إمكان، فخيّل ما لم يكن، وهوّن ما لم يهن، وأضلّ جبلا كثيرا، واستزلّ حيلا كبيرا، ولو طال لبثه، وخلّي ماؤه الآجن (٢) حتى يطول مكثه، لأكثر الفساد، وأكبر البليّة وساد، لكن الله سلّم، وذبحه وكان لو كلّم جمادا لتكلّم.

стр. 3599

قال ابن أبي أصيبعة (١): "كان أوحدا في العلوم الحكمية، جامعا للفنون الفلسفية، بارعا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة، لم يناظر أحدا إلا بزّه، ولم يباحث محصّلا إلا أربى عليه. وكان علمه أكثر من عقله. حدّثني الشيخ سديد الدين محمود بن عمر (٢) قال: كان شهاب الدين السهرورديّ قد أتى إلى شيخنا فخر الدين المارديني، وكان [يتردد إليه في أوقات وبينهما صداقة، وكان الشيخ فخر الدين] (٣) يقول لنا: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه!، ولم أجد أحدا مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوّره واشتهاره، وقلّة تحفّظه أن يكون ذلك سببا لتلافه. قال: فلما فارقنا (٤) شهاب الدين السهروردي من الشرق، وتوجّه إلى الشام، وأتى إلى حلب، وناظر فيها الفقهاء، ولم يجاره أحد فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب، واستحضر الأكابر من المدرّسين والفقهاء والمتكلّمين، ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام، فتكلّم معهم بكلام كثير، وبان له فضل عظيم، وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر، وقرّبه، وصار مكينا عنده،

стр. 3600

مختصا به، فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وأرسلوها إلى دمشق، إلى الملك الناصر صلاح الدين، وقالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر!، وكذلك إن أطلق، فهو يفسد كل ناحية كان فيها من البلاد، وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك. فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقه، بخط القاضي الفاضل، وهو يقول فيه: إن الشهاب السهروردي لا بدّ من قتله، ولا سبيل أنه يطلق، ولا يبقى بوجه من الوجوه. ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وأيقن أنه يقتل، وليس له جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يترك (١) في مكان مفرد، ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى. ففعل به ذلك، وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة، بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين. قال الشيخ سديد محمود بن عمر: لما بلغ شيخنا فخر الدين المارديني قتله قال لنا: أليس كنت قلت لكم عنه هذا من قبل؟، وكنت أخشى عليه منه. أقول (٢): ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيمياء، وله فيه نوادر شوهدت عنه من هذا الفن. ومن ذلك: حدّثني الحكيم إبراهيم بن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به، وشاهد عنه ظاهر باب الفرج، وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير، ومعه جماعة من التلاميذ وغيرهم، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه، وما يعرف الشيخ منه. وهو يسمع، فمشى قليلا وقال: ما أحسن دمشق وهذه المواضع!. قال: فنظرنا وإذا من جهة الشرق جواسق (٣) عالية متدانية بعضها من بعض،

стр. 3601

مبيّضة، وهي من أحسن ما يكون بناء مزخرفا، ولها طاقات كبار، وفيها نساء أحسن ما يكون منهن، وأصوات المغاني والملاهي. ورأينا أشجارا ملتفّة بعضها على بعض، وأنهارا جارية كبارا، ولم نكن نعرف ذلك من قبل، فعجبنا من ذلك وانذهل الجماعة مما رأوا. قال: فبقي ذلك ساعة، ثم غاب عنا، وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان. قال: إلا أنني في رؤية تلك الحالة العجيبة، أحسن في نفسي كأنني في سنة (١) خفيفة لم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني. وحدّثني بعض الفقهاء العجم قال: كنا مع الشيخ شهاب الدين عند القابون (٢)، ونحن مسافرون عن دمشق، فوجدنا قطيع غنم مع تركمان، فقلنا للشيخ: يا مولانا! نريد من هذا الغنم رأسا نأكله. فقال: معي عشرة دراهم، خذوها واشتروا بها رأس غنم لكم. فأخذناها فاشترينا رأسا من التركماني، ومشينا، فلحقنا رفيق التركماني، وقال: ردّوا الرأس، وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يسوى هذا الرأس الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم. فتقاولنا نحن وإياه، ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا، وأنا أقف معه، وأرضيه. فتقدّمنا وبقي الشيخ يتحدّث معه، ويمنّيه (٣)، فلما أبعدنا قليلا، تركه

стр. 3602

وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه. ولما لم يكلّمه لحقه بغيظ، وجذب يده اليسرى، وقال: أين تروح، وتخليني؟. وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه، وبقيت في يد التركماني!، ودمه يجري من يده. فبهت التركماني، وتحيّر في أمره، ورمى اليد، وخاف. فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى، ولحقنا، وبقي التركماني راجعا وهو يلتفت إلينا حتى غاب، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير!! (١). وحدّثني صفيّ الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال: حدّثنا الشيخ ضياء الدين بن صقر (٢) - رحمه الله تعالى -: أن في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، قدم إلى حلب شهاب الدين السهروردي، ونزل في مدرسة الحلاوية، وكان مدرّسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين - رحمه الله تعالى - فلما حضر شهاب الدين وبحث مع الفقهاء كان لابس دلق (٣)، وهو مجرّد بإبريق وعكّاز خشب، وما كان أحد يعرفه، فلما بحث، تميّز بين الفقهاء، وعلم افتخار

стр. 3603

الدين أنه فاضل؛ فأخرج له منديلا فيه ثوب عتابي، وغلالة، ولباس، وبقيار (١)، وقال لولده: تروح إلى هذا الفقير، وتقول له: والدي يسلّم عليك، ويقول لك: أنت رجل فقير، وتحضر مجالس الفقهاء في الدرس، وقد أرسل إليك شيئا تلبسه إذا حضرت. فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين، وقال له ما أوصاه به. سكت ساعة وقال له: يا ولدي! حطّ هذا القماش، وتفضّل واقض لي حاجة. وأخرج له فصّ بلخش (٢) كالبيضة، رمّانيّ اللون، ما ملك أحد في قدره ولونه، وقال: تروح إلى السوق، وتنادي على هذا الفص، ومهما جلب لا تطلق بيعه حتى تعرّفني. فلما وصل إلى السوق، قعد عند العريف (٣)، ونادى على الفصّ، فانتهى ثمنه إلى خمس وعشرين ألف درهم، فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب، وقال: هذا الفصّ قد جاب هذا الثمن. فأعجب الملك الظاهر قدره، ولونه، وحسنه. فبلغ به إلى ثلاثين ألف

стр. 3604

درهم. فقال العريف: حتى أنزل إلى ولد افتخار الدين، وأقول له. وأخذ الفصّ ونزل إلى السوق، وأعطاه له، وقال له: تروح تشاور والدك على هذا الثمن. واعتقد العريف أن الفصّ من عند افتخار الدين. فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرّفه بالذي جاب الفصّ، صعب عليه، وأخذ الفصّ وجعله على حجر، وضربه بحجر آخر حتى فتّته، وقال لولد افتخار الدين: خذ يا ولدي هذه الأثواب، وارجع إلى والدك، وقبّل يده عني، وقل له: لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه. فمضى إلى والده، وعرّفه صورة ما جرى، فبقي حائرا في قضيّته. وأما الملك الظاهر فإنه طلب العريف وقال له: أريد الفصّ. فقال له: يا مولانا! أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرّس الحلاوية. فركب السلطان ونزل إلى المدرسة، فقعد في الإيوان، وطلب افتخار الدين إليه، وقال له: أريد الفصّ. فعرّفه أنه لشخص فقير نازل عنده!. قال: فأفكر السلطان ثم قال: يا افتخار الدين! إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السهروردي. ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة، وصار له شأن عظيم. وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب، وعجّزهم، واستطال على أهل حلب، وصار له شأن يكلمهم كلام من هو أعلى منهم قدرا. فتعصّبوا عليه، وأفتوا في دمه حتى قتل. وقيل: إن الملك الظاهر أرسل إليه [من] خنقه. قال: ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه، وقبض على

стр. 3605

جماعة منهم، واعتقلهم، وأهانهم، وأخذ منهم أموالا عظيمة (١). قال العدل بهاء الدين الديلمي: كنت أصحب الشيخ شهاب الدين السهروردي الحكيم بحلب، فلما اعتقل بقلعة حلب كنا نتردد إليه، وكان تحت القلعة شخص جزّار، وكان كلما رآنا متردّدين إلى الشيخ يسبّه ويسبّنا، فلما أكثر حكينا أمره للشيخ، فقال: احتالوا على أن تأخذوا طوله وتأتوني به. فاحتالوا لذلك وأحضروه إليه، فأمرهم أن يقطعوا عصا على مقدار طوله. فلما أحضروها، حزّ فيها حزا مثل الرأس، وأمر بعض تلامذته أن يأخذ معه سكينا، وإذا قال له: اضرب يضرب بها. فقعد الشيخ وجعل يقرأ شيئا في نفسه. ثم قال لحامل السكين: اقطع. فقطع من الموضع الذي حزّه. وإذا صيحة هائلة تحت القلعة!. فسألوا عنها؟ فقيل: إن الشخص الجزّار قد قتل!!، أو كما قال. حدّثني (٢) سديد الدين محمود بن عمر المعروف بابن زقيقة قال: كان الشيخ شهاب الدين السهروردي لا يلتفت إلى ما يلبسه، ولا له احتفال بأمور الدنيا. قال: وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميافارقين، وهو لابس جبة قصيرة مضرّبة زرقاء، وعلى رأسه فوطة مفتولة، وفي رجليه زربول (٣)، ورآني صديق

стр. 3606

لي، وهو إلى جانبي، فقال: ما جئت تماشي إلا هذا الخربندا؟ (١). فقلت له: اسكت، هذا سيد الوقت شهاب الدين السهروردي. فتعاظم قولي، وتعجّب، ومضى. وحدّثني بعض أهل حلب قال: لما توفي شهاب الدين السهروردي - رحمه الله تعالى - ودفن بظاهر مدينة حلب، وجد مكتوبا على قبره، والشعر قديم [البسيط] قد كان صاحب هذا القبر جوهرة … مكنونة قد براها الله من شرف فلم تكن تعرف الأيام قيمته … فردّها غيرة منه إلى الصّدف ومن كلامه: قال في دعاء: " اللهم يا قيّام الوجود، وفائض الجود، ومنزل البركات، ومنتهى الرغبات، منور النور، ومدبّر الأمور، وواهب حياة العالمين، امددنا بنورك، ووفقنا لمرضاتك، وألهمنا رشدك، وطهّرنا من رجس الظلمات، وخلّصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك، ومعاينة أضوائك، ومجاورة مقرّبيك، وموافقة سكان ملكوتك، واحشرنا اللهم مع الذين أنعمت عليهم من الملائكة والصديقين، والأنبياء والمرسلين " (٢). ومن شعره قوله [الكامل] أبدا تحنّ إليكم الأرواح … ووصالكم ريحانها والرّاح وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم … وإلى لذيذ وصالكم ترتاح وإذا هم كفّوا تحدّث عنهم … عند الوشاة المدمع السّحّاح

стр. 3607

فإلى لقاكم نفسه مشتاقة … وإلى رضاكم طرفه طمّاح عودوا بنور الوصل من غسق الدجا … فالهجر ليل والوصال صباح وتمتّعوا فالوقت طاب لكم وقد … رقّ الشراب ودارت الأقداح مترنّحا وهو الغزال الشارد … وبخدّه الصّهباء والتفاح وبثغره الشهد الشهي وقد بدا … في أحسن الياقوت منه أقاح وقوله (١): [الوافر] أقول لجارتي والدمع جاري … ولي عزم الرحيل عن الديار ذريني أن أسير ولا تنوحي … فإن الشهب أشرفها السواري فإني في الظلام رأيت ضوءا … كأن الليل زيّن بالنهار إلى كم أجعل الحيّات صحبي … إلى كم أجعل التّنّين جاري؟ (٢) وكم (٣) أرضى الإقامة في فلاة … وفوق الفرقدين (٤) رأيت داري ويأتيني من الجرعاء (٥) برق … يذكرني بها قرب الديار وقوله (٦): [الرمل] قل لأصحاب رأوني ميتا … فيكوني إذ رأوني حزنا لا تظنوني بأني ميت … ليس ذاك الميت - والله - أنا

стр. 3608

أنا عصفور وهذا قفصي … طرت عنه فتخلى رهنا وأنا اليوم أناجي ملأ … وأرى الله عيانا بهنا (١) فاخلعوا الأنفس عن أجسادها … لتروا للحق حقا بيّنا لا ترعكم سكرة الموت فما … هي إلا انتقال من هنا قلت: حدثني شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي - رحمه الله تعالى - عن أشياخه: أن الشهاب السهروردي كان لا يقرّ للملك الظاهر بمعرفة السيمياء (٢)، وينكر ذلك، وكان الملك الظاهر لا يشك في أنه يعرف ذلك، ويحب أن يراه، وكان لا يزال يقول له عن ذلك وهو ينكره، ويجحد. فلما كان ذات يوم قال له: بالله يا مولانا! أرني شيئا من السيمياء. فقال له: بسم الله - وكان الملك الظاهر واقفا على بركة يريد أن يغتسل فيها - ثم إن الملك الظاهر نزل فغطس، ثم طلع ومملوكه واقف بيده منشفة، فلما خرج ناوله المنشفة، فتنشّف ثم قال: أين أنا؟.

стр. 3609

فقال له ذلك المملوك: هنا في دارك، وملكك بحلب. فقال: ولك! كم لي غائب عنكم؟. فقال: قدر ما غطست في الماء. فقال: ويلك أنا لي غائب عنكم سنين، وغرقت فما طلعت إلا من ساحل بحر عدن، وتزوّجت امرأة هناك، بنت خطّاب، وأولدتها أولادا. فقال المملوك: أعيذك يا خوند (١) بالله، وأعيذ عقلك. وكلما قال هذا يغتاظ الملك الظاهر ويقول: ويلك تغالطني، وتدهيني في عقلي؟. والمملوك يعيد قوله. فضحك السهروردي. ففطن الملك الظاهر، وقال له: هذه عملاتك (٢) معي!. فقال له السهروردي: لا والله، بل هذه عملاتك أنت مع نفسك. وأجريت ذكره مرة مع الشيخ العارف جمال الدين الحويزاوي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، فقال: كان رجلا جليل القدر من أفراد العالم، وفضلاء الدهر، وأعيان أهل التصوف، وأخذ نفسه في أول حاله بالتجريد، واجتهد فيه، ولكن غلبت عليه شقاوته وجهل صباه؛ فقتل بسيف الشرع. ثم أنشد: وذاك قتيل لا يطل له دم (٣)

стр. 3610

ومنهم: ٢٧ - الخسروشاهيّ: عبد الحميد بن عيسى، بن عمّويه، بن يونس، ابن خليل شمس الدّين، أبو محمّد، التبريزيّ، الشّافعيّ (١٣) نسبة إلى قرية تعرف ب: "خسرو شاه" (١)، من قرى تبريز. سمر حديث مغرب، وقمر مشرق ومغرّب، قدم الشام فكان أزين له من
следующие страницы →