← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قلت له والنّجوم جانحة … في ليلة الفصح أوّل السّحر هل لك في مار فاثيون (١) وفي … دير ابن مزعوق غير مقتصر؟ يفيض هذا النّسيم من طرف الش … ام ودرّ النّدى على الشجر (٢) ونسأل الأرض عن بشاشتها … وعهدها بالرّبيع والمطر قال: ودير فاثيون (٣) أسفل النجف، ودير ابن (٤) مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح، بأعلى النجف. وفيه يقول الثرواني: (٥) [الوافر] تقرّ بفضل (٦) عينك لي بوصل … وفعلك لي مقرّ بالجحود تشكّكني، وأعلم أنّ هذا … هوى بين التعطّف والصّدود وقال أيضا: (٧) [البسيط] كرّ الشراب على نشوان مصطبح … قد هبّ يشربها والديك لم يصح والليل في عسكر جمّ بوارقه … من النّجوم وضوء الصبح لم يلح (٨) والعيش لا عيش إلا أن تباكرها … صهباء تقتل همّ النفس بالفرح

стр. 387

حتّى يظل الذي قد بات يشربها … ولا مراح (١) به يختال كالمرح دير مارت مريم (٢): هو بالحيرة، من بناء المنذر. وهما ديران متقابلان، وبينهما مدرجة الحاجّ وطريق السابلة إلى القادسية، وهما مشرفان على النجف. ومن أراد الخورنق عدل عن جادّتهما، ذات اليسار. ومن شعر الثّرواني فيهما (٣): [٢٣٢] [الوافر] دع الأيّام تفعل ما أرادت … إذا جادت بندمان وكاس! ومارت مريم والصحن فيه … حديقتان من ورد وآس وظبي في لواحظ مقلتيه … نعاس من فتور لا نعاس وخلّ لا يحول عن التّأبى … ذكور للمودّة غير ناسي ومحتضن لطنبور فصيح … يغنّيني بشعر أبي نواس وما اللذّات إلا أن تراني … صريعا بين باطية وكاس! وقد ذكره أبو الفرج وقال (٤): كان قسّ يقال له يحيى بن حمار، ويقال له

стр. 388

يوشع، تألفه الفتيان ويشربون على سطحه وفي قلايته، على قراءة النصارى وضرب النواقيس. وفيه قال بكر بن خارجة، أو غيره: (١) [مجزوء الكامل] بتنا بمارت مريم! … سقيا لمارت مريم! ولقسّها يحيى المهي … نم (٢) بعد نوم النّوم! وليوشع ولخمره … حمراء مثل العندم! ولفتية حفّوا به … يعصون لوم اللّوم! يسقيهم ظبي أغنّ … لطيف خلق (٣) المعصم! يرمي بعينيه القلو … ب كمثل رمي الأسهم! قلاية القسّ (٤): وهي بالحيرة، في موضع حسن. وكان القسّ الذي تنسب إليه من ملاح النصارى. وكان ناسكا، ثم صار فاتكا. وفيه قيل: (٥) [البسيط] قلاية القسّ! مالي عنك مصطبر! … ومن إلى من لحاه فيك يعتذر؟ فكم لديك نسيم ذيله عبق … وكم لديك هواء جيبه عطر! وتربة وغناء: ذي يزول بها … سقم السقيم، وذا يجلى به البصر! وماء مزن بكفّ الريح تصقله … وكالمرايا تلي الأوشال والغدر وقد ذكره أبو الفرج، وقال فيه الثرواني: (٦) [الطويل]

стр. 389

خليلي من تيم وعجل، هديتما! … أضيفا بحث الكأس يومي إلى أمسي! وإن أنتما حيّيتمانى تحيّة … فلا تعدوا ريحان قلاية القس! [٢٣٣] إذا مابه حيّيتمانى، فاخلوا … حميدين دوني بالخلوق وبالورس! وإن قلتما: لا بدّ من شرب دائر … ولم تعذرانى في مطال ولا حبس فمن قهوة حيريّة راهبيّة (١) … عتيقة خمس أو تزيد على خمس تجرّ على قرع المزاج إزارها … وتختال منه في مصبّغة الورس (٢) دير حنّة الكبير (٣): قال الخالدي: هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير (٤) حنة الذي قدّمنا ذكره. يقال إنه بنى حين بنيت الحيرة: وكان من أنزه الدّيرة، لكثرة بساتينه وتدفق مياهه. حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة، قال: اجتاز بنا عمر بن فرج الرّخجي (٥)، منصرفا من الحجّ. فتلقيناه وأعظمناه، وسرنا معه. فلما اجتاز بدير حنة، سألنا عنه فعرّفناه به. فقال، من ذا الذي يقول: (٦)

стр. 390

يا دير حنة من ذات الأكيراح! فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس. أفتحبّ أن أنشدك لشاعرنا الثّرواني شيئا يقرب من هذا المعنى، في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده (١): [الهزج] على الرّيحان والرّاح … وأيّام الأكيراح وإبريق كطير الما … ء في لجّة ضحضاح سلام يسكر الصاحي … وما فيه فتى صاح! ومن لي فيه بالسّلو … ة عن وجه ابن وضّاح؟ غزال صيغ من فتن … ة أبدان وأرواح! إذا راح إلى البيع … ة في أثواب أمساح ففي كفّيه إفسادي … وفي كفّيه إصلاحي! [٢٣٤] قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكتبها. وخلع على الحسين ابن هشام، وأجازه. وحكى جحظة قال: زرت إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يوما ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأحبّ أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حسنه! فأين هو من الحيرة؟ فدلّه إسحاق بن الحسين العلويّ عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يقصد. لأنها أيام ربيع ورياض معتمّة بالزهر، والغدران. والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيا فصيحا يصير (٢) إلينا، ونحن فيه، فيهدي إلينا بيض نعام، ويجني لنا الكمأة.

стр. 391

فتقدّم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يحتاج إليه. وخرج وخرجت حتى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضربت لنا خيم عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التّحف واللّطف. فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نواس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذا اجتاز بنا غلام حسن، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قدحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه وأمر له بمائة دينار. وعملت شعرا صنعت فيه صوتا. فما زال صوته طول مقامه. وهو (١): [السريع] فديت من مرّ بنا مسرعا … يسعى إلى الدير بأسفاره! خدمت ربّ الدير من أجله … حتّى كأنّي بعض أحباره حذّرني النار ولم يدر ما … في القلب والأحشاء من ناره [٢٣٥] حيّرني تفتير أجفانه … وحلّ عقدي عقد زنّاره وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه (٢) [الهزج] وبالحيرة لي يوم … ويوم بالأكيراح! إذا عزّ بنا الماء … مزجنا الراح بالراح!

стр. 392

وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنّة خمار يقال له مر عبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مر عبدا قال: ما شعرت يوما وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السّماوة في البرّ، حتّى وقفوا علي، وهم متلثمون بعمائم الخزّ وعليهم حلل القصب. فسلّموا عليّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مر عبدا، وهذا دير حنّة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدّنان ونظرت أصفاها فبزلته. فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدّنّ وذلك القدح والمنديل ونقرت دنّا آخر. فلما رضيت صفاءه، بزلت منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأوّل. ثم قال: اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته! فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبا إليّ جلوسي يومي هذا فيه. وولّى منصرفا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إلى أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتّى أعرف الرجل [٢٣٦]. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وصفت له، فأقبل من دمشق حتّى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار.

стр. 393

دير هند (١): (وهي بنت النعمان بن المنذر) بناه لها أبوها لتتعبد فيه. فلما فرغ منه، خرجت من قصر أبيها تريده. فأقامت في الطريق سنة تنزل المضارب في نزه وصيد. والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ. وشق له بشر بن مروان نهرا من الفرات. ولم يزل النهر يجري حتّى خرب الدير. وحكي أن النعمان كان يصلي به ويتقرّب فيه، وأنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة. وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلهما من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهنديّ والعنبر شيئا يجلّ عن الوصف. وفيما حكى (٢) الكلبيّ أن النعمان دخله في بعض أعياده، فرأى امرأة تأخذ قربانا، أخذت بقلبه. فدعا الراهب الذي قرّبها وسأله عنها. فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللّخميّ. فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد، كاتبه. وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غد وحضر الناس الباب، فابدأ به في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون. وانصرفوا. فقال النعمان لعديّ بن زيد: قد فعلت ما أشرت به، فمه؟ قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله. ففعل. ثم قال: اجعل حوائج العرب إليه. ففعل. ثم قال النعمان لعديّ بن زيد: قد طال هذا!

стр. 394

قال: إذا أصبحت، فإن عندك عشر نسوة، فطلق أبغضهنّ إليك. ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد ولا أخ. قد طلّقت لك فلانة، فتزوّجها. ففعل ذلك. وخرج وهو لابس من حلل النعمان، ولديه ما حمله عليه. فجلس وحكم بين العرب، وعديّ بن زيد بالباب جالس. فقال له اللخميّ: ما أدرى ما أكافئ به الملك؟ فعل معي وفعل. فقال له عديّ: [٢٣٧] ما أقدرك على مكافأته! قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته. قال: قد فعلت. فأنفذها إلى النعمان. وفي ذلك يقول الشاعر: [البسيط] علّقتها حرّة حوراء ناعمة … كأنها البدر في داج من الظلم ما في البريّة من أنثى تعادلها … إلا التي أخذ النّعمان من حكم! وقد ذكره أبو الفرج وقال (١): هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير، هي الحرقة. وهي التي دخلت على خالد بن الوليد. وآخر أمرها معه أنه أمر لها بمال ومعونة وكسوة. فقالت: مالي إليه حاجة. لي عبدان يزرعان مزرعة لي، أتقوّت بها ما يمسك رمقي. وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا. فاسمع منّي دعاء أدعو به لك. كنا ندعو به لأملاكنا: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه! قال: وهذا الدير يقارب دير بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق. وحكى الشابشتي (٢): أن الحجاج قدم الكوفة فبلغه أن بين الحيرة والكوفة دير هند بنت النعمان، وهي متمكنة من عقلها ورأيها، فانظر إليها فإنها بقية.

стр. 395

فركب، والناس معه، حتّى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب: فاطلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك. لا تغترّن يا حجاج بالدينا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي (١): [الطويل] رأيتك من تعقد له حبل ذمة … من الناس، يأمن سرجه حيثما ارتقى! (٢) ولم نمس إلا ونحن أذلّ الناس وقلّ إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأخرجت، ومعها ثلاث جوار من أهلها. فقالت إحداهنّ: [٢٣٨] [الخفيف] خارجات يسقن من دير هند … معلنات (٣) بذلّة وهوان! ليت شعري! أوّل الحشر هذا … أم محا الدّهر غيرة الفتّيان؟ فشدّ فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهنّ من رسل الحجاج. وتغيّب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمن؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاه. وكان سعد بن أبي وقّاص حين فتح العراق (٤)، أتى هندا، إلى ديرها. فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت

стр. 396

ملوكنا تحيّا بها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مسّتك يد استغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن كريم نعمة إلا جعلك سببا لردّها عليه!» قال: ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة (١). فاستأذن عليها. فقيل لها: الأمير على الباب! فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ فقال: لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ فقال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قالت: والصليب! ما جئتني رغبة في مال، ولا شغفا بجمال. ولكن أردت أن تقول: نكحت ابنة النعمان. وإلا فأيّ فخر في اجتماع شيخ أعور وعجوز عمياء؟ اذهب! فبعث إليها فقال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب. أمسينا وليس في العرب أحد إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان، أحدهما ينميها إلى إياد والآخر ينميها إلى بكر بن هوازن. فقضى بها للإيادىّ، وقال: [الرجز] إنّ ثقيفا لم تكن هوازنا … ولم تناسب عامرا ومازنا! [٢٣٩] قال المغيرة: أمّا نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء! دير اللّجّ (٢) وهو بالحيرة. مما بناه النعمان بن المنذر. وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناء: لما يطيف به من البساتين. وكان النعمان يأتيه يتعبّد فيه، ويستشفي به في مرضه. وفيه قيل: (٣) [السريع]

стр. 397

يا ليلتي أطيب بها ليلة … لو لم يكن قصّرها الطّيب! بتنا بدير اللّجّ في حانة … شرابها في الكاس مكبوب يديرها ظبيّ هضيم الحشا … يحبّه الشّبان والشّيب حتّى إذا ما الخمر مالت بنا … جرت أمور وأعاجيب فما ترى ظنّك في شادن … بات إلى جانبه ذيب وقد ذكره أبو الفرج (١)، فقال: كان النعمان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد. معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه. عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصصة بالجوهر. وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان الذهب. فإذا قضوا صلاتهم، انصرف إلى مستشرفة على النجف (٢). فيشرب فيه بقية يومه إلى أن يمسي، وخلع ووصل وحمل. وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه (٣). وأنشد فيه قول الشاعر (٤): [الطويل] سقى الله دير اللجّ خيرا فإنّه … على بعده منّي (٥) إلى حبيب! قريب إلى قلبى بعيد مكانه (٦) … وكم من بعيد الدار وهو قريب! دير بني علقمة (٧): وهو دير بناه علقمة بن عدي اللخمي، بالحيرة. وفيه

стр. 398

يقول عدىّ بن زيد، وفيه غناء (١): [السريع] نادمت في الدير بني علقما … عاطيتهم مشمولة عند ما! (٢) كأنّ ريح المسك في كأسها … إذا مزجناها بماء السّما [٢٤٠] دير هند الأقدم (٣): وهي هند الكبرى بنت الحارث بن عمرو بن حجر (٤)، الملك، أم عمرو بن المنذر، الملك. وحكى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه قال (٥): دخلت مع يحيى ابن خالد (٦)، لما خرجنا مع الرشيد، إلى الحيرة. وقد قصدها ليتنزه بها ويرى آثار آل المنذر. فدخل دير هند الأكبر. وهو على طرف النجف: فرأى في جانب حائطه شيئا مكتوبا. فدعا بسلم فأحضر. وأمر بعض أصحابه بأن يصعد إليه، فيقرأه. فإذا فيه مكتوب: [السريع]

стр. 399

إن بني المنذر عام (١) انقضوا … بحيث شاد البيعة الراهب تنفح بالمسك ذفاريهم … وعنبر يقطبه القاطب والقزّ والكتّان أثوابهم … لم يجلب الصوف لهم جالب (٢) والعزّ والملك لهم راهن … وقهوة ناجودها ساكب أضحوا وما يرجوهم طالب … خيرا ولا يرهبهم راهب (٣) كأنّهم كانوا بها لعبة … سار إلى بين بها راكب وأصبحوا في طبقات الثّرى … بعد نعيم لهم راتب (٤) شرّ البقايا من ترى (٥) منهم: … قلّ وذلّ جدّه خائب! فبكى الرشيد (٦)، حتى جرت دموعه على لحيته. وقال: هذه سبيل الدنيا وأهلها! وانصرف عن وجهه ذلك. قبة الشّتّيق (٧): وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاجّ. وبإزائها

стр. 400

قباب يقال لها السّكورة (١)، جميعها للنصارى. وعيد الشعانين بها نزه. يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زي، عليهم الصلبان وبأيديهم المجامر. والقسوس والشماسة على نغم واحد، متّفق في الألحان، إلى أن يقضوا بغيتهم (٢). ثم يعودون على هيئتهم. دير إسحاق (٣): وهو بين حمص وسلمية. [٢٤١] في موضع حسن نزه، على نهر جار. وحوله كروم ومزارع، إلى جانب ضيعة صغيرة، يقال لها جدر (٤). وهي التي ذكرها الأخطل في قوله: عتّقتها حمص أو جدر وفيه قال أبو عبد الرحمن الهاشمي السّلماني، من أهل سلمية (٥): [الكامل] وافق أخاك تجده خير رفيق … إن كنت لست عن الصّبا بمفيق! وإذا مررت بدير إسحاق فقل: … جادتك غرّ (٦) سحائب وبروق! دير يشبّه ماؤه بهوائه … وهواؤه بلطافة المعشوق

стр. 401

وكتب أبو عبد الرحمن إلى أخيه من دير إسحاق: (١) [البسيط] أما طربت لهذا العارض الطّرب؟ … أما رأيت الصّبا والجوّ في لعب؟ تعانقا فكأنّ القطر بينهما … من فضة، وكأنّ الزهر من ذهب ونحن في دير إسحاق ومجلسنا … يشكو مغيبك (٢) فاحضره ولا تغب لنجعل اليوم عيدا في ملاحته … ونقلب الهمّ بالأدوار في القلب (٣) وقال فيه: [المتقارب] سلام على ليلة بالدّوير … تقضّت كزائرة في الحلم! أتتني في طيلسان الضياء … ولم تتقنّع بنور الظلم يعارض فيها ابتسام البروق … بروق دنان بها تبتسم وصفراء لم تبق إلا النحي … ف منها الليالي وطول القدم تمزّزتها في ثياب الدّجى … إلى أن تجلّى الدّجى للهرم نزلنا بها وسط مكسوّة … مطارف من نسج أيدى الدّيم سقاني ابن قسّيسها كأسها … على زورة من حبيب ألم وقال فيه: [٢٤٢] [الطويل] أتظما رياض الدير من صوب ماطر … ولم أقر ضيف الليل أجفان ساهر؟ وقلت: سقى الصحراء بين عواقص … ذوائبها في سفحه ونواشر! رحيم بأطفال العروس يضمّها … إذا ما انثنت ضم الشّفيق المحاذر فكم قلت للساقي، وقد فتح النّدى … نواظرها: قم هاتها لا تناظر!

стр. 402

يحنّ إلى الدير اشتياقي كأنّما … يريني الصّبا فيه بموقع ناظري دير ميماس (١): وهو بين دمشق وحمص على نهر ميماس. وإليه نسب. وهو في رياض وبساتين، وعليه طواحين روميّة. ويزعم رهبانه أن به شاهدا من الحواريين. وحكى العسقلاني أنه كان لديك الجنّ غلام يهواه، وكان شديد الوجد به. فخدعه قوم ومضوا به إلى دير ميماس، وسقوه نبيذا. فبلغ ذلك الديك، فقلق. وقال (٢): [السريع] قل لهضيم الكشح ميّاس … ارتفع العهد من الناس! يا طاقة الآس التي لم تمد … إلا أذلّت قضب الآس! وثقت بالكاس وشرّابها … وحتف أمثالك في الكاس! في دير ميماس (٣)، ويا بعد ما … بين مغيثيك وميماس! لا بأس مولاي على أنّها … نهاية المكروه والباس! فاله ودع عنك أحاديثهم … سيصبح الذاكر كالناسي! وحكي أن أبا نواس، لما دخل حمص مارّا بها، دعاه فتى من أدبائها إلى دير ميماس. ودعا معه أشجع السلمّي. فجلسوا يشربون، وأبو نواس ينشدهم، له

стр. 403

ولغيره. فقال أشجع (١) [المنسرح] صبحت وجه الصّباح بالكاس … ولم تعقني مقالة الناس ونحن عند المدام أربعة … أكرم صحب وخير جلاس [٢٤٣] ندير حمصيّة معتّقة … على نسيم النّسرين والآس ولم نرد مطربا ومنشدنا … أبو نواس في دير ميماس دير محلّى (٢): وهو بساحل جيحان، قريب المصيصة. وحكى أبو نصر النحوي أن أبا خالد، الكاتب، اجتاز بهذا الدير، ومعه ابن أبي زرعة الدمشقيّ الشاعر. قال: فرأينا من حسن رياضه، وتدفّق مائه، وطيب هوائه، ونضرة أشجاره، منظرا حسنا. فقال ابن أبي زرعة: لقد حظر علينا أن نتجاوز هذا الموضع ولا نشرب فيه حتّى نموت سكرا. فقلت له: ويحك! أنا مبادر في مهمّ. فقال: ما قدّامك أهمّ من هذا. وثنى رجله، ونزل عن دابته. فنزلنا. ثم أتانا الرهبان بتحايا الورد والياسمين والتفّاح. وأخرجوا إلينا شرابا عتيقا، في نهاية الصفاء والرقة، فابتعناه منهم. وأقمنا يومنا هناك في أنعم عيش وأحسنه. فلما أصبحنا، غدونا. فأنشدني ابن أبي زرعة لنفسه (٣): [المنسرح]

стр. 404

دير محلّى محلّة الطرب … وصحنه صحن روضة الأدب والماء والخمر فيه قد سبكا (١) … للصفو من فضّة ومن ذهب لا ودموع الغمام روّق ذا … وتلك لم تعتصر من العنب وورده في الغصون تيمني … حسنا وتفّاحه يبرّح بي فلا تلمّني إذا جعلت إلى … حاناته ما حييت منقلبي رضيت أن أغتدي بلا نشب … ويغتدي وهو قد حوى نشبي دير مار مروثا (٢): وهو دير صغير، بظاهر حلب، في سفح جبل جوشن، على نهر العوجان (٣) وكان سيف الدولة محسنا إلى أهله. وقلّما مرّ به إلا نزله، ووهب لأهله هبة كبيرة. وكان يقول: رأيت أبي في النوم يوصيني به (٤). وله بساتين قليلة ومباقل. وفيه نرجس وبنفسج وزعفران. [٢٤٤] ويعرف بالبيعتين، لأنه فيه مسكنين: للرجال والنساء. قال الخالدي وإياه عنى الصنوبري بقوله: (٥) [المنسرح]

стр. 405

ما بال أعلى قويق ينشر من … وشي الربيع الجديد ما أدرح؟ كأنما اختيرت الفصوص له … بين عقيق وبين فيروزج أما ترى البيعتين أفردتا … بمفرد الأقحوان والمزوج؟ أثوابه المزن كيف ما اتصلت … وناره البرق كيف ما أجج دير الرّصافة (١): هو بالشام، قريب رصافة هشام بن عبد الملك. وموضعه حسن. وفيه قيل: [الوافر] نراك جزعت يا دير الرّصافة … غداة تحوّلت عنك الخلافة! فلا تجزع وتذري الدّمع حزنا … فإنّ لكلّ مجتمعين آفة! وحكي أن أبا نواس مرّ به، فبات فيه. فلما رحل عنه، قال (٢): [الخفيف] ليس إلا دير الرّصافة دير … فيه ما تشتهي النّفوس وتهوى بتّه ليلة فقضّيت أوطا … رأو يوما ملأت قطريه لهوا وقد ذكره أبو الفرج وقال: إن ابن حمدون حكى أن المتوكل لما أتى دمشق، ركب يوما إلى رصافة هشام، يزور دوره وقصوره. ثم خرج فأتى الدير. وهو من بناء الروم، حسن البناء، بين مزارع وأنهار. فبينا هو يدور، إذ بصر برقعة قد ألصقت في صدره. فأمر بها أن تقلع ويؤتى (٣) بها. فقلعت وإذا فيها: (٤) [الطويل]

стр. 406

أيا منزلا بالدير أصبح خاليا! … تلاعب فيه شمال ودبور! كأنّك لم تسكنك بيض أوانس … ولم تتبختر في فنائك حور وأبناء أملاك عباشم (١) سادة … أصاغرهم عند الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فضراغم … وإن لبسوا تيجانهم فبدور ليالي هشام بالرّصافة قاطن … وفيك ابنه يا دير وهو أمير إذ العيش غضّ والخلافة لدنة … وأنت طرير والزمان غرير وروضك فينان يذوب نضارة … وعيش بني مروان فيك نضير رويدك إنّ اليوم يتبعه غد … وإن صروف الدائرات تدور! فلما قرأها المتوكل، ارتاع وتطيّر. وقال أعوذ بالله من شرّ أقداره! ثم دعا بالدّيراني وقال: من كتب هذا؟ قال: والله لا أدري. لأني منذ نزل أمير المؤمنين هنا، لا أملك من أمور هذا الدير شيئا. يدخله الجند والشاكرية. وغاية قدرتي أنّي متوار في قلايتى. فهمّ بضرب عنقه وإخراب الدير. فلم يزل به الفتح بن خاقان حتّى كفّ. ثم ظهر أن الذي كتبها رجل من ولد روح بن زنباع، صاحب عبد الملك، وأمه مولاة لهشام. دير حمطورا (٢): هو في شرقي طرابلس، في جانب الوادي. الذي أسفل من

стр. 407

طرزيه والحدث. وهو بناء في سفح الجبل. من ذلك الجانب، قبالة الطريق السالك إلى طرابلس. وهو حصين جدّا. لا يسلك إليه إلا من طريق واحد. وظهر الجبل الذي له ممتنع. دير البنات: وهو دير أبيض البناء، مشرف على أرض طرابلس. له ذكر. حكي أنّ الطّيّبي (١) أتاه في يوم شعشعت شموسه، وأترعت كؤوسّه. وكان الفصل ربيعا قد استطال فيه النبات، وطلّ الحسن تلك البنات. وفيهنّ كل عذراء تدهش المتحيّر (٢)، وتحيّر المتخيّر. وكان قد صحبه غلام ذو عذار أخصب به البلد الماحل، وقذف موج الخدّ منه العنبر إلى الساحل. وطافت عليه قطائع المدام، وأمن شنائع الملام، وتقلّب بين غلامة وغلام. فقال: [السريع] دير البنات الزّهر أنت المنى! … وأنت من دون الأماني المرام! لم أنس يوما فيك أذهبته … تالله بل ذهّبته بالمدام! ونحن في غرّة أيّامنا … والعيش مثل الطّيف حلو اللّمام والدّوح ما جفّت له زهرة … والروض طفل ما جفاه الغمام وبيننا خود كشمس الضّحى … وأغيد قد فاق بدر التّمام لولا نبات الشّعر في خدّه … لم تدر أيّ الأغيدين الغلام (٣)

стр. 408

دير كفتون (١): وهو ببلاد طرابلس. مبنيّ على جبل. وهو دير كبير. وبناؤه بالحجر والكلس، في نهاية الجودة. وبه ماء جار. وله حوض كبير مملوء من شجر النارنج. يحمل نارنجه إلى طرابلس، يباع بها. ويرتفق بثمنه الرّهبان. وله مستشرف مطلّ على البلاد والمزارع. ومنه مكان يشرف، على بعد، على البحر. ولهذا الدير صيت جائل وسمعة مذكورة. وبه رهبان كثير والعدد. والنصارى تقصده، وتحمل إليه النذورة. ويقصده كثير من أهل البطالة واللهو للتفرج به والتنزه فيه. وفيه يقول الطيّبيّ: [البسيط] أدير كفتون تكفى كلّ نائبة … من الهموم وتلقى كلّ سرّاء! من كلّ خضراء في الأشجار مائسة … وكلّ صهباء في الكاسات حمراء حللت في دير كفتون فلا عجب … إذ متّ سكرا بحمراء وخضراء! دير القاروس (٢): على جانب اللاذقية [٢٤٦]، من شمالها. وهو في أرض مستوية. وبناؤه مربع. وهو حسن البقعة. وفيه يقول أبو علي حسن بن علي الغزّيّ (٣): [الكامل]

стр. 409

لم أنس في القاروس يوما أبيضا … مثل الجبين يزينه فرع الدّجى! في ظل هيكله المشيد وقد بدا … للعين معقود السّكينة أبلجا واللاذقيّة دونه في شاطئ … بلوره قد زيّن الفيروزجا ولدي من رهبانه متنمّس … أضحى لفرط جماله متبرجا أحوى أغنّ إذا تردّد صوته … في مسمع ردّ احتجاج ذوي الحجى لا شيء ألطف من شمائله إذا … حثّ الشمول ولفظه قد لجلجا فله ولليوم الذي قضيته … معه بكائي لا لربع شجاء دير فيق (١): وهو في ظهر فيق، بينها وبين بحيرة طبرية. في لحف جبل يتصل بالعقبة. منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه وبمن يرد عليه. والنصارى تقصده وتعظمه. قال الشابشتي (٢): ويزعم أنه أوّل دير عمل وأن المسيح ﵇ كان يأوي إلى ذلك الموضع الذي عمل به هذا الدير، ويجلس إلى ذلك الحجر. وكل من دخل من النصارى ذلك الموضع، كسر من ذلك الحجر: تبركا به. وعمل في هذا الدير موضع على اسم المسيح، ﵇. قال: ولأبي نواس قصيدة، يذكر فيها هذا الدير ويخاطب فيها غلاما نصرانيا كان يهواه. منها (٣): [الوافر]

стр. 410

بمعمودية الدّين العتيق (١) … بمر طبليطها (٢)، بالجاثليق! تخجّل (٣) قاصدا ماسرجسان … فدير النّوبهار فدير فيق! وبالصلب اللّجين وقد تبدّت (٤) … وبالزنّار في الخصر الدّقيق! وبالحسن المركّب فيك إلا … رحمت تحيّرى (٥) وجفوف ريقي! أما والقرب من بعد التّنائي … يمين فتى لقاتله عشيق! [٢٤٧] لقد أصبحت زينة كلّ بكر (٦) … وعيدا مع جفائك والعقوق! دير الطور (٧): والطور جبل مستدير، متسع الأسفل، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس له إلا طريق واحد، بين طبريّة واللّجّون. مشرف على الغور والمرج وطبرية. نزه. وفيه عين تنبع بماء غزير. والدير في القبلة، مبنىّ بالحجر. وحوله كروم كثيرة، يعترونها. ويعرف بدير التجلّي. لأنّهم بزعمهم أن عيسى تجلّى فيه لتلامذته، بعد أن رفع حتّى أراهم نفسه وعرفوه.

стр. 411

وللمهلهل بن يموت بن المزرّع فيه (١): [المتقارب] مضيت إلى الطّور في فتية … سراع النّهوض إلى ما أحب كرام الجدود، حسان الوجوه … كهول العقول، شباب اللّعب فأيّ زمان بهم لم يسرّ … وأي مكان بهم لم يطب؟ أنخت الرّكاب على ديره … وقضّيت من حقّه ما يجب وأنزلتهم وسط أعنابه … وأسقيتهم من عصير العنب وأحضرتهم قمرا مشرقا … تميل الغصون به في الكثب نحث الكؤوس بأهزاجه … ومرسوم (٢) أرماله بالعجب وما بين ذاك حديث يروق … وخوض لهم في فنون الأدب فياطيب ذا العيش لو لم يزل … ويا حسن ذا السعد لو لم يغب! وأنشد له الشابشتي في نحو من مثل هذا الأرب، وقد دعا نوار الربيع إلى شرب ابنة العنب (٣): [الخفيف] قد أبانت لي الرياض من الزّه … ر غريب الصّنوف والألوان وبدا النّرجس المفتّح يرنو … من جفون الكافور بالزّعفران وقف الطّلّ في المحاجر منها … ثم ماست فانهلّ مثل الجمان

стр. 412

[٢٤٨] يا غلام اسقني فقد ضحك الوق … ت وقد تمّ طيب هذا الزمان! أدن مني الدّنان! صبّ الأباري … ق! استحثّ الكؤوس! صفّ القناني! بادر الوقت واغتنم فرص العي … ش ولا تكذبّن فالعمر فان! وكذلك أنشد له قوله (١): [المتقارب] زمان الرّياض زمان أنيق … وعيش الخلاعة عيش رقيق! بهار بهير به غيرة (٢) … على نرجس وشقيق شقيق مداهن يحملن طلّ النّدى … فهاتيك تبر وهذي عقيق! فبادر بنا حادثات الزّمان … فوجه الحوادث وجه صفيق! وقوله في مثله (٣): [المنسرح] قد قدّمت للسرور أثقال … وحثّ شهر الصّيام شوّال وأقبل الليل (٤) لابسا حللا … مسكيّة ما لهنّ أذيال واهتزّ عود وحنّ من طرب … شوق وغنّت بالراح أرطال (٥) فاغتنموا فرصة الزّمان ولا … تفرّطوا فالزّمان مغتال! دير المصلّبة (٦): وهو بظاهر مدينة القدس الشريف، في شامها بغرب. وهو دير رومي قديم البناء، بالحجر والكلس. محكم الصنعة، مونق البقعة. في بحيرة

стр. 413

من أشجار الزيتون والكروم وشجر التين؛ بإزاء قرية، تجري على الدير بمرسوم السلطان. وهذا الدير دخلت إليه ورأيته. وفيه صور يونانية في غاية من محاسن التصوير، وتناسب المقادير. وصعدت إلى سطحه، فرأيت له حسن مشترف وسعة فضاء. ورهبانه من الكرج. وقد كان أخذ هذا الدير، وجعل مسجدا للمسلمين، وأعلن فيه بالأذان وأقيمت الصلاة. ثم أعيد ديرا للنصارى، وضرب فيه بالناقوس وأظهرت فيه كلمة الكفر وتوصّل إلى هذا بكتاب أحضر من ملك الكرج (١)، وأعانه [٢٤٩] عليه قوم آخرون. ورأيت عند الحافظ العلامة أبي سعيد العلائي (٢) وعند سائر العلماء والصلحاء ببلاد القدس، من إعادته إلى النصارى ما هو قذى عيونهم إلى أن يتخلى (٣)، وشجى حلوقهم إلى أن يستردّ. وعليّ لله نذر إن وصلت يدي إلى

стр. 414

هذا لارددتها حتّى يردّ! ولهذا القصد، شهد الله العظيم، قصدته. وحدثني رهبانه بأن على ديرهم وقوفا في بلادهم، منها خيول سائمة تحمل أثمان نتاجها إليهم، وأنه يجيء منها في كل سنة قدر جليل، وأنها تنفق في مصالح الدير وابن السبيل. وفيه يقول أبو علي حسن الغزّيّ (١): [الكامل] يا حسن أيام قطعت هنيئة … بالدير حيث التّين والزّيتون! دير المصلّبة الرفيع بناؤه … تفدي عبير ترابه دارين! في ظلّ هيكله وأسراب الدّمى … مجلوّة والمرمر المسنون ومزنّرين إذا تلوا إنجيلهم … وتعطّفوا فحمائم وغصون غزلان وجرة هم وبين جفونهم … لأسود بيشة إن عرضن عرين نزعوا القلانس والمسوح فزخرفت … منهن عن غرر الشّموس وجون وسعوا بكاسات المدام وما دروا … أن للكؤوس الدائرات جنون فقضيت بينهم زمانا لم يزل … عندي إليه تشوّق وحنين تلك المنازل قد سفحن مدامعي … لا مصر قاطبة ولا جيرون! دير السّيق (٢): قبلي البيت المقدّس. على نشز عال، مشرف على الغور، غور أريحا. يطلّ على البسائط الخضر ومجرى الشريعة. وبه رهبان ظراف أكياس، ولا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مارّ في مزارع الغور. تحتهم وفوقهم الطريق الآخذة إلى الكثيب الأحمر. وقبر موسى ﵇ في القبة التي بناها عليه الملك الظاهر بيبرس.

стр. 415

وفي هذا الدير ومشترفه، وأطلال قلاليه وغرفه، قلت: [٢٥٠] [الطويل] أرى حسن دير السّيق يزداد كلّما … نظرت إليه والفضاء به نضر! بنوه على نجد على الغور مشرف … كتخت مليك تحته بسط خضر وأشرق في سود الغمام كأنّما … تشقّق ليلا عن جلابيبه الفجر وقام على طود علىّ كأنما … مصابيحه تحت الدّجى الأنجم الزّهر وزفّت إليه الشمس من جنب خدرها … وناغاه جنح الليل في أفقه البدر وألقت إليه الريح فضل عنانها … وأحنى عليها لا تبلّ له عذر ولو كان كالنّسرين هان ارتقاؤه … ولكنّه قد حطّ من دونه النّسر علا نهر ريحا والمجرّة فوقه … فمن فوقه نهر ومن تحته نهر دير الدّواكيس (١): شرقي القدس. وهو دير حسن البناء. له بين النصارى سمعة وذكر. ولا أعرف بانيه، ولا وقفت له على اسم، ولا على السبب الذي سمّى به بهذا الاسم. غير أن له وقفا يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة ونفع. وقد مررت به غير مرة في أسفارى، وخرج إلىّ رهبانه بميسور ما عندهم. وفيه قلت: [البسيط] أنخ بليل على دير الدّواكيس … وانصت إلى قرع هاتيك النّواقيس! واحبس مع العيسوىّ الرّكب في طرب … طول الزمان ولا ترحل مع العيس! وانظر مع الصّبح هاتيك الشّموس ضحى … وخلّ عنك رباطات النواميس! واسبأ من الدير خمرا كلّها ذهب … كيلا نعدّك في حزب المفاليس!

стр. 416

وخلّ كلّ شحيح كنت تتبعه! … فكّر تر الكيس في الإنفاق للكيس! وانعم ولذّ بما قضّيت من وطر … وطر سرورا إلى تلك الطّواويس! وقلت: (١) [البسيط] دير الدواكيس أم ريش الطّواويس؟ … أم الشّموس سنا تلك الشّماميس؟ مأوى المياسير لكن بعد أوبتهم … منه يعدّون في حزب المفاليس! فأنزل به وأقم فيما تريد وقل … إملأ كؤوسي وفرّغ عندها كيسي! واقدح زناد سرور من مدامته … فهذه النار من تلك المقابيس! دير رمّانين (٢): قال الخالدي: [٢٥١] هو بالشام. ولا أدري في أيّ ناحية هو منها. ولكن قيل إنه كبير حسن عامر. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال (٣): خرجت في بعض أسفاري إلى الشام، فدخلت أنطاكية. فبينا أنا في بعض أسواقها، إذ قبض علىّ بطريق من بطارقتها. ولم يكلمني حتّى أتى دارا فيها تراب وجندل. وإذا مسحاة وزنبيل. فقال: انقل هذا من ههنا إلى ههنا. يشير في ذلك بيده. وتركني ومضى. فتقاصرت بي نفسي وخنقتني العبرة وقعدت، فلم أعمل شيئا. وكان أغلق علي باب الدار حين مضى. ثم عاد إلى بعد ساعة. وكان يوما شديد الحر. وإذا هو عريان، متّشح بسبنيّة (٤) يبين منها

стр. 417

جميع بدنه. فلما رأى التراب والجندل بحالهما، قبض علي وجمع يده وضرب بها لغدي، ضربة أقرح بها قلبي. فقلت: ثكلتك أمك، يا عمر! ما هذا الاستخذاء للعلج؟ وأقبض عليه فأطرحه تحتي وآخذ المسحاة. فأضرب بها رأسه، ضربة فلقت بها دماغه. فمات (١). وبادرت هاربا من المدينة. وسرت من يومي وليلتي، فصبّحت ديرا، فدخلته. فلما رآني راهبه قال: أضيف أنت؟ قلت: نعم. وكنت قد أعييت، فاضطجعت نائما ما شاء الله. ثم أيقظني الراهب وقال: من أين أنت؟ قلت: من مكة. فصعّد نظره وصوبه. ثم قال: ما اسمك؟ قلت: عمر. فأخرج كتابا عنده ونظر فيه، وأعاد في مرات. ثم وثب فقبل رأسي. فقلت: ما حملك على هذا؟ فقال: هل ظهر عندكم رجل يذكر أنه نبي؟ وقد كان وقع لي شيء من خبر النبي، ﷺ . فقلت: قد سمعت بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: اعلم أنك وحق المسيح ستملك أكثر الأرض، وتخرج هرقل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فقلت: يا هذا! ما أدري ما تقول. فقال: هو ما أقوله لك، وأنت هو لا محالة. فجعلت أعجب منه وأدفع قوله، وهو يلحّ عليّ في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال: كتابك. وأتاني بقطعة من أدم، فكتبت له ما أملاه عليّ من ترك الخراج والوصاة به. ولفّه مع كتابه ذلك. وأكرم مثوايّ. وبكّرت غاديا من عنده. فأسرج لي حمارة وقال اركبها. فإنك ما تمرّ [٢٥٢] بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك. وإذا بلغت آخر دير يلي بلدك، فخلّفها عند سكّانه. وزودني وانصرفت. فيقال إن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكّره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام.

стр. 418

ولا يحلّ لي تضييع فيء المسلمين. ولكنّي أقاطعك على خراجك بما فيه مصلحة لك ورفق بك. فقال: قد رضيت. فقاطعه على ما فيه رفق به. قال الخالدي: ويقال إن الرهبان يتوارثون الكتاب إلى وقتنا هذا، وإن الولاة تمضيه لهم. دير هزقل (١): قال الخالدي: هو بالشام، ولا أدري في قرب أي مدينة هو. وقد ذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عبّاد (٢)، كاتب المأمون، فقال (٣): [الكامل] فكأنّه من دير هزقل مفلت … حنق يجرّ سلاسل الأقياد وحكى المبرّد (٤) قال: دخلت دير هزقل (٥). وسألت رهبانه: هل فيه مجنون طيّب الكلام، نضحك أنا وصحبي منه؟ قالوا: هاهنا. وأومؤا إلى إيوان مرتفع في الدير. وقالوا: هم هناك. فإن أحببت النظر إليهم فامض ولا تدن من أحد. ففعلت. ورأيت مراتبهم على قدر بلاياهم. وكان معي وقت دنوي منهم المتولي

стр. 419

على أمورهم. فلما رأوه معي امتثلوا. فرأيت شيخا منهم على حصير نظيف، ووجهه إلى القبلة، كأنه يريد الصلاة. فجاوزته إلى غيره. فقال: سبحان الله! أين السّلام؟ من ترى المجنون؟ أنا أم أنت؟ فاستحييت منه وسلّمت. فقال: لو كنت بدأتنا، لأوجبت علينا حسن الردّ. على أنا نعتذر لك أن للداخل على القوم دهشة. اجلس، أعزك الله عندنا!. وأومأ إلى موضع من حصيره فنفضه، كأنه يوسّع لي. وعزمت على الدنو منه، فمنعني قيّمهم. فوقفت أستجلب مخاطبته. فسألني. فقال: من أين أنت؟ قلت: من البصرة. قال: أتعرف المازني؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الذي يقول فيه: [مجزوء الرمل] وفتى من مازن … ساد أهل البصره أمّه معرفة (١) … وأبوه نكره! قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر، معه دين. وله حفظ. وقد برّز في النحو، وصار يخلف صاحبه في مجلسه، يعرف بالمبرّد. قلت: أنا عين الخبير به. [٢٥٣] قال: فهل أنشدك من عبثات شعره؟ قلت: لا أعرفه قال شعرا. قال: بلى، هو القائل: [مجزوء الرمل] حبّذا ماء العناقي … د بريق الغانيات! بهما ينبت لحمي … ودمي أيّ نبات! أيّها الطالب شيئا … من لذيذ الشّهوات كلّ بماء الورد تفّا … ح الخدود الناعمات! قلت: أما تستحيي من إنشاد مثل هذا الشعر في الدير؛ فقال: سبحان الله. هل تستحيي أن تنشد مثل هذا، حول الكعبة، دع عنك هذا. إني سمعت

стр. 420

الناس يقولون في نسبه. ثمّ لم يزل بي حتّى عرفني. ثم قال: أحوجتني إلى الاعتذار إليك، ثم قام إليّ ليصافحني. فرأيت القيد في رجله قد شدّ إلى خشبة في الأرض. فأمنت غائلته. ثم قال لي: يا أبا العباس! صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع. فليس يتهيّأ لك كلّ وقت مصادفة مثلي على مثل هذه الحالة الجميلة! أنت المبرّد! أنت المبرّد! وجعل يصفّق، وقد انقلبت عيناه وتغيرت حليته، فبادرت مسرعا، وخرجت. دير يونس (١): حكى رجل من أهل أنطاكية قال: حدّثني أبي قال: نزلت مع الفضل بن إسماعيل بن صالح بن عبد الله بن العباس (٢) في دير يونس، ونحن خارجون إلى ناحية الرملة. فرأى فيه جارية حسناء، ابنة لقسّ كان فيه. فخدمته مدّة مقامه ثلاثة أيام، وجاءته بشراب صاف عتيق. فلما أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير ورحل. وقال في طريقه (٣): [الطويل]

стр. 421

عليك سلام الله يا دير من فتى … بمهجنه سوق إليك طويل! ولا زال من نوء السّماكين وابل … عليك بما يروى ثراك هطول! يعلّك منها برهة بعد برهة … سحاب بإحياء (١) الرياض كفيل! إذا بل أرضا دمعه بان منظر … بها لعيون الناظرين جميل كأنّ البروق الوامضات بجوه … صفائح تبر في السماء تجول [٢٥٤] ألا ربّ ليل حالك قد صدعته … وليس معي غير الحسام خليل ومشمولة أوقدت منها لصحبتي … مصابيح ما يخبو لهن فتيل تعللني بالراح هيفاء غادة … يخال عليها للقلوب كفيل تجول المنايا بينهنّ إذا غدت … ملاحظّها بين القلوب تجول أيا ابنة قس الدير قلبي مدله … عليك وجسمي مذ بعدت عليل! وفيه يقول أبو شاس (٢): [البسيط] يا دير يونس جادت سرحك الدّيم … حتّى ترى ناضرا (٣) بالنور يبتسم! لم يشف في ناجر ماء على ظمإ … كما شفى حر قلبي ماؤك الشبم ولم يحلّك محزون به سقم … إلّا تحلّل عنه ذلك السّقم أستغفر الله كم لي فيك ذو غنج … جرى عليّ به في ربعك القلم

стр. 422

ويقول أيضا (١): [الكامل المرفل] لا تعدلن عن ابنة الكرم … بأبي ففيها صحّة الجسم! لو لم يكن في شربها فرج … إلا تخلّص من يد الهمّ! (٢) ويقول أيضا أبو شاس: (٣) [الوافر] أعاذل ما على مثلي سبيل … وعذلك في المدامة مستحيل! اليس مطيّتي حقوي غلام … ورحل أناملي كأس شمول؟ إذا كانت بنات الكرم شربي … وقبلة وجهي الوجه الجميل (٤) أمنت بذين عاقبة الليالي … وهان علي ما نقل العذول! دير بصرى (٥) هو بالشام. وقيل هو الذي كان فيه بحيرا، الراهب. [٢٥٥] حكى المازنيّ، (٦) قال: نزلت بدير بصرى. فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب متنصّرة من طّيي، من بني الصادر. أفصح من رأيت. فقلت لهم: ما لي لا أرى فيكم شاعرا، مع فصاحتكم؟ فقالوا: والله! ما فينا رجل ينطق بالشعر، إلا أمة لنا كبيرة السّن. فقلت: جيؤوني بها. فجاءت، فاستنشدتها.

стр. 423

فأنشدتني لنفسها: (١) [الطويل] أيا رفقة من آل بصرى تحمّلت … تؤمّ الحمى لقيت من رفقة رشدا! إذا ما بلغتم سالمين فبلّغوا … تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا وقولوا: تركنا الصادري (٢) مكبّلا … بكبل هوى من حبكم مضمرا وجدا فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمى … وقد أنبتت أجراعه بقلا جعدا؟ (٣) وهل أردنّ الدهر ماء وقيعة (٤) … كأن الصّبا تسدي على متنه بردا؟ فوهبت لها دريهمات. وبتّ في ديرهم وأكرموا ضيافتي. دير الخمّان (٥): وهو دير ببلاد أذرعات (٦) مبني بالحجارة السّود، على نشز من الأرض. يشرف على بركة الفوار وهو من البناء الرومي القديم. أتيت عليه في أسفاري غير مرّة. ورأيت مرّة به غلاما قد خرج من كنيسته، كأنه الظبي الكانس. فقلت: [الكامل] يادير عزّة في ربى الخمّان … ذرّت عليك السّحب بالهملان! وسقتك كلّ غمامة هتّانة … تحنو مواطرها على الكثبان!

стр. 424

لم أنس في اللذّات ساعة منزل … برباك فوق صفائح الغدران! والصبح تحت ملاءة مرقومة … نشرت عليه غرائب الألوان وهناك كلّ كحيل طرف فاتر … تعزى لواحظه إلى الغزلان قمر مسيحيّ كأنّ جبينه … بدر الدّجى في النصف من شعبان [٢٥٦] في وجنتيه جنيّ ورد أحمر … قد سيّجوه بأخضر الرّيحان ما شدّ زنّارا له في بيعة … إلا وحلّ عزائم الرّهبان! يسقي الشّمول ولا كريقة ثغره … سكرى بها وبطرفه الفتّان! دير صليبا (١): ويعرف بدير السائمة. وهو بدمشق، مطلّ على الغوطة. ويليه من أبوابها، باب الفراديس. نزل دونه خالد بن الوليد، أيام محاصرة دمشق. وهو في موضع نزه، كثير البساتين. وبناؤه حسن عجيب. وإلى جانبه دير للنساء، فيه رهبان ورواهب. وإيّاه أراد جرير بقوله (٢): [البسيط] إذا تذكّرت بالديرين أرّقني … صوت الدّجاج وقرع بالنواقيس قال الخالدي: ومما يدلّ على أنه يلي باب الفراديس، قول جرير في هذا الشعر (٣): فقلت للرّكب إذ جدّ النّجاء بهم … يا بعد يبرين من باب الفراديس!

стр. 425

وأنشد فيه قول الآخر، وهو (١): [البسيط] يا دير باب الفراديس المهيج لي … بلابلا بقلاليه وأشجاره! (٢) لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحا … لما قضى منك قلبي بعض أوطاره! وحكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حرمه، استحسانا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مقامه فيه في صحنه كلّ يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبة حسنة. وحكى الخالدي عن أحد من كان ينادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حنين، المغني. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حنين! غنيتني البارحة في آخر المجلس - وقد أخذ الشراب منّي - بشعر صاحبكم، عدي بن زيد (٣)، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده علي الساعة. قال: فأخذ حنين رقاقه ووقع عليها وغنّى: (٤) [المديد] يا لبينى أوقدي النارا! … إنّ من تهوين قد حارا! (٥) [٢٥٧] ربّ ناربتّ أرمقها … تقضم الهندي والغارا! (٦) عندها ظبي يؤجّجها … عاقد في الخصر زنارا! قال: فطرب طربا عظيما، وأخذ رقاقه، وقام وترك الغداء، وجعل ينقر عليها مع حنين. وأخذ كلّ من على المائدة رقاقه، وجعلوا ينقّرون عليها مثله. ومضى
следующие страницы →