← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

لي، وهو إلى جانبي، فقال: ما جئت تماشي إلا هذا الخربندا؟ (١). فقلت له: اسكت، هذا سيد الوقت شهاب الدين السهروردي. فتعاظم قولي، وتعجّب، ومضى. وحدّثني بعض أهل حلب قال: لما توفي شهاب الدين السهروردي - رحمه الله تعالى - ودفن بظاهر مدينة حلب، وجد مكتوبا على قبره، والشعر قديم [البسيط] قد كان صاحب هذا القبر جوهرة … مكنونة قد براها الله من شرف فلم تكن تعرف الأيام قيمته … فردّها غيرة منه إلى الصّدف ومن كلامه: قال في دعاء: " اللهم يا قيّام الوجود، وفائض الجود، ومنزل البركات، ومنتهى الرغبات، منور النور، ومدبّر الأمور، وواهب حياة العالمين، امددنا بنورك، ووفقنا لمرضاتك، وألهمنا رشدك، وطهّرنا من رجس الظلمات، وخلّصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك، ومعاينة أضوائك، ومجاورة مقرّبيك، وموافقة سكان ملكوتك، واحشرنا اللهم مع الذين أنعمت عليهم من الملائكة والصديقين، والأنبياء والمرسلين " (٢). ومن شعره قوله [الكامل] أبدا تحنّ إليكم الأرواح … ووصالكم ريحانها والرّاح وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم … وإلى لذيذ وصالكم ترتاح وإذا هم كفّوا تحدّث عنهم … عند الوشاة المدمع السّحّاح

стр. 3607

فإلى لقاكم نفسه مشتاقة … وإلى رضاكم طرفه طمّاح عودوا بنور الوصل من غسق الدجا … فالهجر ليل والوصال صباح وتمتّعوا فالوقت طاب لكم وقد … رقّ الشراب ودارت الأقداح مترنّحا وهو الغزال الشارد … وبخدّه الصّهباء والتفاح وبثغره الشهد الشهي وقد بدا … في أحسن الياقوت منه أقاح وقوله (١): [الوافر] أقول لجارتي والدمع جاري … ولي عزم الرحيل عن الديار ذريني أن أسير ولا تنوحي … فإن الشهب أشرفها السواري فإني في الظلام رأيت ضوءا … كأن الليل زيّن بالنهار إلى كم أجعل الحيّات صحبي … إلى كم أجعل التّنّين جاري؟ (٢) وكم (٣) أرضى الإقامة في فلاة … وفوق الفرقدين (٤) رأيت داري ويأتيني من الجرعاء (٥) برق … يذكرني بها قرب الديار وقوله (٦): [الرمل] قل لأصحاب رأوني ميتا … فيكوني إذ رأوني حزنا لا تظنوني بأني ميت … ليس ذاك الميت - والله - أنا

стр. 3608

أنا عصفور وهذا قفصي … طرت عنه فتخلى رهنا وأنا اليوم أناجي ملأ … وأرى الله عيانا بهنا (١) فاخلعوا الأنفس عن أجسادها … لتروا للحق حقا بيّنا لا ترعكم سكرة الموت فما … هي إلا انتقال من هنا قلت: حدثني شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي - رحمه الله تعالى - عن أشياخه: أن الشهاب السهروردي كان لا يقرّ للملك الظاهر بمعرفة السيمياء (٢)، وينكر ذلك، وكان الملك الظاهر لا يشك في أنه يعرف ذلك، ويحب أن يراه، وكان لا يزال يقول له عن ذلك وهو ينكره، ويجحد. فلما كان ذات يوم قال له: بالله يا مولانا! أرني شيئا من السيمياء. فقال له: بسم الله - وكان الملك الظاهر واقفا على بركة يريد أن يغتسل فيها - ثم إن الملك الظاهر نزل فغطس، ثم طلع ومملوكه واقف بيده منشفة، فلما خرج ناوله المنشفة، فتنشّف ثم قال: أين أنا؟.

стр. 3609

فقال له ذلك المملوك: هنا في دارك، وملكك بحلب. فقال: ولك! كم لي غائب عنكم؟. فقال: قدر ما غطست في الماء. فقال: ويلك أنا لي غائب عنكم سنين، وغرقت فما طلعت إلا من ساحل بحر عدن، وتزوّجت امرأة هناك، بنت خطّاب، وأولدتها أولادا. فقال المملوك: أعيذك يا خوند (١) بالله، وأعيذ عقلك. وكلما قال هذا يغتاظ الملك الظاهر ويقول: ويلك تغالطني، وتدهيني في عقلي؟. والمملوك يعيد قوله. فضحك السهروردي. ففطن الملك الظاهر، وقال له: هذه عملاتك (٢) معي!. فقال له السهروردي: لا والله، بل هذه عملاتك أنت مع نفسك. وأجريت ذكره مرة مع الشيخ العارف جمال الدين الحويزاوي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، فقال: كان رجلا جليل القدر من أفراد العالم، وفضلاء الدهر، وأعيان أهل التصوف، وأخذ نفسه في أول حاله بالتجريد، واجتهد فيه، ولكن غلبت عليه شقاوته وجهل صباه؛ فقتل بسيف الشرع. ثم أنشد: وذاك قتيل لا يطل له دم (٣)

стр. 3610

ومنهم: ٢٧ - الخسروشاهيّ: عبد الحميد بن عيسى، بن عمّويه، بن يونس، ابن خليل شمس الدّين، أبو محمّد، التبريزيّ، الشّافعيّ (١٣) نسبة إلى قرية تعرف ب: "خسرو شاه" (١)، من قرى تبريز. سمر حديث مغرب، وقمر مشرق ومغرّب، قدم الشام فكان أزين له من

стр. 3611

هشام، وحلّ في أم بلدانه حلول ابن ذي يزن في غمدانه، ونزل بالكرك. وأناخ نزوله بالشاذياخ (١) فأسعف وأعان، وذكر المنازل أهلها بين البلقاء (٢) ومعان (٣)، وأفاض في تلك المعالم الإحسان فوق آل غسان. استقدمه الناصر داود، وقدّمه تقديم الودود، فنشر علم علمه، وشرّع مورد يمّه، وجعل حوضه لمن يمتاح (٤)، وروضه لمن يرتاح، فغدت حضرته محطّا للركائب، ومحلا للرغائب، فكثر من عنده الممتار (٥)، ورجع يشهده

стр. 3612

المشتار (١)، ونمى عدد الفضلاء، وطمي (٢) مدد الفضل في ذلك الفضاء، وتزاحمت الملوك على خطبته، واستزارته من خطته، وهو بذروة ذلك الجبل ممتنع، وبيسير ذلك البلل مقتنع، ودأبه في زيادة علوم، وإفادة خصوص وعموم، وأيامه بالفضائل مشحونة، ولياليه من الرذائل مصونة. ثم أتاه أجله، وحل عليه من دين البقاء مؤجّله، فاتّصلت تلك الروم الزكية بعالمها، وخلصت من ظلم الدنيا ومظالمها. قال ابن أبي أصيبعة (٣): "هو إمام العلماء، وسيد الحكماء، قدوة الأنام، شرف الإسلام. قد تميّز في العلوم الحكمية، وحرّر الأصول الطبية، وأتقن الأحكام الشرعية، ولم يزل دائم الاشتغال، جامعا للفضل والإفضال. وكان شيخه الإمام فخر الدين ابن خطيب الري (٤)، وهو من أجلّ تلامذته، ومن حين وصل الشام اتصل بخدمة الملك الناصر [صلاح الدين] داود بن المعظّم (٥)، وأقام عنده بالكرك، وكان عظيم المنزلة عنده، وله من الإحسان

стр. 3613

الغزير، والإنعام الكثير. ثم أتى دمشق وتوفي بها في شوّال سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن بجبل قاسيون". قال: "رأيته يوما وقد أتاه بعض فقهاء العجم بكتاب دقيق الخط، ثمن البغدادي، معتزلي التقطيع. فلما نظر فيه صار يقبّله ويضعه على رأسه، فسألته عن ذلك فقال: هذا خطّ شيخنا الإمام فخر الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -". قلت (١): ولما كان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي عند الملك الناصر داود بالكرك، كان جدّي الصاحب جمال الدين أبو المآثر فضل الله وزيرا عنده. واتحدت له صحبة بالشيخ، فأخذ معه ولده عمّي الصاحب شرف الدين أبا محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - وقدّمه للشيخ، وقال هذا ولدي، وأعزّ ما أقدر عليه، وقد قدّمته لك. فقبله منه قبولا حسنا، وأقرأه: "الأربعين في أصول الدين" (٢)، وانتفع به. ثم لما أتى الأمير الكبير الكافل جمال الدين أبو الفتح موسى بن يغمور لزيارة الشيخ طلب منه عمي أن يكون عنده، فآثره به. ثم اتصل بالملك الصالح أيوب بسببه على ما ذكرت ذلك في ترجمة عمي في "فواصل السمر" (٣).

стр. 3614

ورثى الخسروشاهي جماعة منهم العز الضرير، منها: [الطويل] بموتك شمس الدين مات الفضائل (١) … وأردى ببدر الفضل والبدر كامل فتى بزّ كل القائلين (٢) بصمته … فكيف إذا وافيته وهو قائل أتدري المنايا من رمت بسهامها … وأي فتى أودى وغال الغوائل رمت أوحد (٣) الدنيا وبحر علومها … ومن قصرت في الفضل عنه الأوائل ولو كان بالفضل الفتى يدفع الردى … لما غيّبت عبد الحميد الجنادل (٤) فبعدك شمس الدين أعوز عالم … وأبدى الدعاوى في المحافل (٥) جاهل (٦) ومنهم: ٢٨ - السّيف الآمديّ: عليّ بن [أبي (٧)] عليّ بن محمّد بن سالم، سيف الدّين أبو الحسن التّغلبيّ الآمديّ (١٣) سيف لا يعرف التقليد، وسيل يشيب لهو له الوليد، توقّى كل مناظر حدّ

стр. 3615

مضربه، وعاد كل صادر بريق مشربه، ساحل قطع غمار اللجج، وجادل فقطع حجاج الحجج، ولم يخل منهله من زحام، ولا تصرّفه من زمام، فكم جاءت إليه الأفواج، وتزاحمت في بحره الأمواج، ونداه يسع، وجداه لا يدع. وجعل مدينة حماه سوقا لفوائده، ومعدنا لفرائده، وكان قصدها لا يعدّ إلا في معالي الرتب، ولا يزال يرحل إليه على كور (١) وقتب (٢)، وهو على هذا الازدحام، وكثرة من حلّق عليه وحام، لا يودع الحكم غير أهلها، ولا يدع للشّفة إلا قدر نهلها (٣)، فكان لا يزال لديه شفيع لطالب، ومتوسل بخلائقه الأطايب، فلم يكن مثله سيف لا يزال يخدمه القلم، وينشر لعلمه على جناح الجوزاء العلم.

стр. 3616

وكانت ملوك زمانه تجلّه، ولو قدرت عرفت من نجاد ممالكها أين تحلّه، فقد كان سيفا مشرفيا، ومثقّفا (١) سمهريّا (٢)، طالما طال المفارق والطلاء (٣)، وطاب معدنه فلم يحتج إلى تنميق الحمائل (٤) والحلى، هذا … وليس به فلول من قراع الكتائب (٥)، ولا ذهول وبحره جمّ العجائب. قال ابن أبي أصيبعة (٦): "كان أذكى أهل زمانه، وأكثرهم معرفة بالحكمة والشريعة، والمبادئ الطبية. بهيّ الصورة، فصيح اللسان، جيّد التصنيف. خدم الملك المنصور (٧) صاحب حماة، وأقام عنده سنين، ورتّب له الرواتب السنيّة، [والإنعام الكثير. وكان من أكابر الخواص عنده، ولم يزل في خدمته]،

стр. 3617

فلما توفي أتى الملك المعظم عيسى (١) فبالغ في الإنعام عليه وإكرامه، وولاه التدريس. وكانت الناس تتعجب له في المناظرة والبحث، وقلّ أن كان يشتغل في العلوم الحكمية، وتشفّع العماد السلماسي بابن بصاقة (٢) ليقرئه، فكتب إليه: [البسيط] يا سيدا جمّل الله الزمان به … وأهله من جميع العجم والعرب العبد يذكر مولاه بما سبقت … وعوده لعماد الدين عن كثب ومثل مولاي من جاءت مواهبه … من غير وعد وجدواه بلا طلب فأصف من بحرك الفيّاض مورده … وأغنه من كنوز العلم، لا الذهب! واجعل له نسبا يدلي إليك به … فلحمة العلم تعلو لحمة (٣) النسب ولا تكله إلى كتب تنبئه … ف: " السيف أصدق أنباء من الكتب (٤)

стр. 3618

ومنهم: ٢٩ - البديع الاصطرلابيّ: وهو بديع الزّمان أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن أحمد البغداديّ (١٣) حكيم فاق بتفنّن علمه الحكماء، ولم يكفّ نظره فسيح الأرجاء حتى شق السماء، ولم يقنع باستقصاء أمزجة البشر حتى سأل عن أمزجة النجوم، وميّز ذوات البشر منها والوجوم. وأتقن عمل الاصطرلاب (١) ليقوم تحريكه للعضادة

стр. 3619

مقام جسّه للنبض، ونظره لما بين المشارق والمغارب بمحيط ما يجمع الأرض. هذا مع إتقان بقية فنون الحكمة، وما في غضون ذلك من الأمور المهمّة. على أنه لم يخل الأدب من لطيف نظر، وشريف ذكاء وقف به على ما لا تنافر من محاسن كل نفر. قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): "من الحكماء الفضلاء، والأدباء النبلاء، [طبيب] عالم، وفيلسوف متكلم، غلبت عليه الحكمة وعلم الكلام، والرياضي، وكان متقنا لعلم النجوم والرصد". وكان أوحد أهل زمانه في علم الاصطرلاب، وعمله، فعرف به (٢). ومن بديع شعر البديع قوله: [السريع] قام إلى الشمس بآلاته … لينظر السعد من النحس فقلت: أين الشمس؟، قال الفتى: … في الثور، قلت: الثور في الشمس وقوله [الخفيف] قيل لي: قد عشقته أمرد الخد … وقد قيل: إنه نكريش (٣) وقوله [أيضا في غلام معذّر - أي طلع عذاره [مجزوء الكامل] كن كيف شئت فإنني … قد صغت قلبا من حديد

стр. 3620

وقعدت أنتظر الكسو … ف وليس ذلك بالبعيد وقوله في جرع دان (١) - وهو الذي يوضع في مجالس الكبراء لصبّ تكعيب القدح: [المنسرح] إني إذا ما قعدت في ملأ … عددت من بعض آلة الفرح إذا تصدّرت في مجالسهم … تنغّصوا لي بفاضل القدح وقوله [السريع] هل عثرت أقلام خط العذار … في مشقها (٢)، فالخال نقط العثار؟ أم استدار الخط لما غدت … نقطته مركز ذاك المدار؟ (٣) ومنهم: ٣٠ - ابن الشّبل البغداديّ: [محمّد بن (٤)] الحسين بن عبد الله بن يوسف أبو عليّ، بن أسامة السّاميّ (٥)، البغداديّ الحريميّ (١٣)

стр. 3621

حكيم رأى الدنيا بعين الاحتقار، ونظر كل ما فيها بذلّ الافتقار، وزخرت له بحار الحكم، فخاض لججها الغمار، وأذكت له سرجها فجني له من غصونها المهل له الثمار، وتناهى نظره في المآل فلم يزد بصيرة في الاعتبار، ولم يرد زيادة للاختبار، إلا أنه كان جريء اللسان، مسيء الإحسان، خرجت به الفلسفة إلى مهامهها (١) العريضة، فضلّ في فجاجها (٢) الفيح (٣)، وضلّ في ذيل انفراجها الفسيح، ودام يخبط في سماء سماواتها، ويخطب ولا يلج خطبه أسماع أهل مداواتها، وأغرب مساع نطقه، ومسالك باطله المموّه بحقه، تأدب بأدب الحياء في الوجنات، وذو الإغفاء في المقل السّنات، ولكنه لم يجد أذنا ولم يلق من يعير بصيرته فطنا. قال ابن أبي أصيبعة (٤): "مولده ومنشؤه ببغداد، وكان حكيما فيلسوفا، متكلما فاضلا، وأديبا بارعا، وشاعرا مجيدا".

стр. 3622

ومن شعره (١): [الوافر] بربك أيها الفلك المدار … أقصد ذا المسير أم اضطرار مدارك قل لنا في أي شيء … ففي أفهامنا عنك انبهار (٢) وفيك نرى الفضاء فهل فضاء … سوى هذا الفضاء به تدار؟ وعنك ترفع الأرواح أم هل … مع الأجسام يدركها البوار (٣)؟ وموج، ذي المجرة أم فرند (٤) … على لجج الدروع (٥) له أوار (٦) وفيك الشمس رافعة شعاعا … بأجنحة قوادمها (٧) قصار وطوق للنجوم إذا تبدّى (٨) … هلالك أم يد فيها سوار؟

стр. 3623

وشهب ذا الخواطف أم ذبال (١) … عليها المرخ (٢) يقدح والعفار (٣) وترصيع نجومك أم حباب (٤) … يؤلف بينه اللجج الغزار؟ تمدّ رقومها ليلا وتطوي (٥) … نهارا، مثلما طوي الإزار فكم بصقالها (٦) صدئ البرايا … وما يصدا لها أبدا غرار (٧) تباري ثم تخنس (٨) راجعات … وتكنس (٩) مثلما كنس الصّوار (١٠) فبينا الشرق يقذفها صعودا … تلقّاها من الغرب انحدار على ذا ما مضى وعليه يمضي … طوال منى وآجال (١١) قصار وأيام تفرّقنا مداها (١٢) … لها أنفاسنا أبدا شفار (١٣) ودهر ينثر الأعمار نثرا … كما للورد في الروض انتثار (١٤)

стр. 3624

ودنيا كلما وضعت جنينا … غذاه من نوائبها ظؤار (١) هي العشواء (٢) ما خبطت هشيم … هي العجماء (٣) ما جرحت جبار (٤) فمن يوم بلا أمس ويوم … بغير غد إليه بنا (٥) يسار ومن نفسين في أخذ وردّ … لروح المرء في الجسم انتشار وكم من بعد ما ألفت نفوس … جسوما عن مجاثمها تطار وتنتظر الرزايا (٦) والبلايا … وبعد، فبالوعيد لنا انتظار ونخرج كارهين كما دخلنا … خروج الضّبّ أخرجه الوجار (٧) ألم تك بالجوارح آنسات … فأعقب ذلك الأنس النفار (٨) فإن يك آدم أشقى بنيه … بذنب ما له منه اعتذار (٩) ولم ينفعه بالأسماء علم … وما نفع السجود ولا الجؤار (١٠)

стр. 3625

فأخرج ثم أهبط ثم أودى … فترب السافيات (١) له شعار (٢) فأدركه بعلم الله فيه … من الكلمات للذنب اغتفار ولكن بعد غفران وعفو … يعيّر ما تلا ليلا نهار (٣) لقد بلغ العدو (٤) بنا مناه … وحلّ بآدم وبنا الصّغار وقفنا تائهين كقوم موسى … ولا عجل أضلّ ولا خوار فيا لك لقمة (٥) قد كان منها … علينا نقمة وعليه عار نعاقب في الظهور وما ولدنا … ويذبح في حشا الأم الحوار (٦) فماذا الامتنان على وجود … لغير الموجدين به الخيار؟ وكان وجودنا خيرا لو انّا (٧) … نخيّر قبله أو نستشار أهذا الداء ليس له دواء … وهذا الكسر ليس له انجبار؟ تحيّر فيه كلّ دقيق فهم … وليس لعميق جرحهم انسبار (٨) إذا التكوير غال (٩) الشمس عنا … وغال كواكب الأفق انتشار (١٠)

стр. 3626

وبدّلنا بهذي الأرض أرضا … وطوّح بالسماوات انفطار (١) وأذهلت المراضع عن بنيها … لدهشتها وعطّلت العشار (٢) وغشّى البدر من فرق وذعر … خسوف ليس يجلى أو سرار (٣) وسيّرت الجبال فكنّ كثبا (٤) … مهيلات وسجّرت البحار (٥) فأين ثبات ذي الألباب منا … وأين مع الرجوم (٦) لنا اصطبار؟ وأين عقول ذي الأفهام مما … يراد بنا وأين الاعتبار؟ وأين يغيب لبّ كان فينا … ضياؤك من سناه مستعار؟ وما أرض عصته ولا سماء … ففيم يغول (٧) أنجمها انكدار؟ وقد وافته طائعة (٨) وكانت … دخانا ما لقاتره (٩) شرار

стр. 3627

قضاها سبعة والأرض مهدا … دحاها فهي للأموات دار فما لسموّ ما أعلى انتهاء … ولا لسمو ما أرسى قرار ولكن كل ذا التهويل فيه … لذي الألباب وعظ وازدجار (١) ومنه قوله: [الكامل] وكأنما الإنسان فيه عبرة … متلونا والحسن فيه معار متصرفا وله القضاء مصرّف … ومكلّفا وكأنه مختار وقوله [الكامل] ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا … حتى إذا ملئت بصرف الرّاح خفّت فكادت أن تطير بما حوت … وكذا الجسوم تخف بالأرواح (٢) وقوله [البسيط] قالوا: القناعة عزّ والكفاف (٣) غنى … والذل والعار حرص المرء والطمع صدقتم، من رضاه سد جوعته … إن لم يصبه بما ذا عنه يقتنع؟ (٤) وقوله: [البسيط] تلقّ بالصبر ضيف الهمّ حيث أتى … إن الهموم ضيوف أكلها المهج فالخطب ما زاد إلا وهو منتقص … والأمر ما ضاق إلا وهو منفرج (٥)

стр. 3628

فروح النفس بالتعليل ترض به … عسى إلى ساعة من ساعة فرج (١) وقوله: [البسيط] بنا إلى الدير من درتا صبابات … فلا تلمني فما تغني ملامات فكم قضيت لبانات (٢) الشباب بها … غنما وكم بقيت عندي بقيات (٣) ما أمكنت دولة الأفراح مقبلة … فانعم ولذّ فإن العيش تارات قم فاجل في فلك الظلماء (٤) شمس ضحى … بروجها الدهر (٥) طاسات (٦) وكاسات تلوح في أذرع الساقين أسورة … تبرا وفوق نحور الشرب جامات (٧) قد وقّع الدهر سطرا في صحيفته … لا فارقت شارب الخمر المسرات (٨) خذ ما تعجّل واترك ما وعدت به … وكن لبيبا فللتأخير آفات (٩)

стр. 3629

ومنهم: ٣١ - النّصير الطّوسيّ: محمد بن محمد بن الحسن، نصير الدّين، أبو عبد الله، الطّوسيّ الفيلسوف (١٣) رجل ما عرف أياما، ولا تبرقع بالحياء لثاما، أقدم على خالقه، وحصل من السعي على خافقه، وتجاهر بالفسوق، وتظاهر بالتبضّع من السوق، ولم يخف عاقبة التهور، ولا التدلي على الشريعة والتسوّر، فلم يزل في قبح أحدوثة، وطريق سبيل عهود منكوثة، على توسّعه في العلم، ومعرفته بما به يستهم، فقد كان ذا فضائل غزيرة، وفواضل غريرة، واستيلاء على عقول السلاطين، واستخفاء في كيد ولا تبلغه الشياطين، مع كرم عميم، وكرّ على مال لا يبقي معه عديم،

стр. 3630

وتظاهر بفراغ، وطلب فصل رام مثله وراغ، ولكن الله إذا أراد لامرء أمرا يسّره لفعله وقدّره على فعله، ليمضي سابق إرادته، ويقضي بشقاء العبد أو سعادته، ولهذا لجّ في عمهه، ولم يبصر، ودام على غيّه ولم يقصر، فما أقبل على اعتذار، ولا أسمعه المشيب الإنذار. كان رأسا في علم الأوائل، لا سيما في الأرصاد، والمجسطي، فإنه فاق الكبار. قرأ على المعين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي، وغيره. وكان ذا حرمة وافرة، ومنزلة عالية عند هولاكو، وكان يطيعه فيما يشير به عليه، والأموال في تصريفه، فابتنى في مدينة مراغة (١) قبة، ورصدا عظيما. واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء، وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمّع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد!!. وقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة، والفضلاء، وجعل لهم الجامكية (٢). وكان سمحا كريما، جوادا حليما، حسن العشرة، غزير الفضائل، جليل القدر، داهية. حكى لي شيخنا الأصفهاني أنه أراد العمل للرصد، فرأى هولاكو كثرة ما ينصرف عليه، فقال: هذا العلم المتعلق بالنجوم ما فائدته؟ أيدفع ما قدّر أن يكون؟. فقال: أنا أضرب لمنفعته مثالا: [يأمر] (٣) القان (٤) يأمر من يطلع إلى أعلى

стр. 3631

هذا المكان، ويدع يرمي من أعلاه طست نحاس كبيرا، من غير أن يعلم به أحد، ففعل ذلك. فلما وقع كانت له وقعة عظيمة هائلة روّعت [كلّ] من هناك، وكاد بعضهم يصعق. وأما هو وهولاكو فإنهما ما تغير عليهما شيء، لعلمهما بأن ذلك واقع. فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة. يعلم المتحدّث فيه ما يحدث، فلا يحصل له من الروعة والاكتراث ما يحصل للذاهل الغافل عنه. فقال [له] لا بأس بهذا، وأمره بالشروع فيه، أو كما قيل (١). ومن دهائه: ما حكى لي شيخنا الأصفهاني أيضا قال: إنه حصل له (٢) غضب على الجويني (٣) صاحب الديوان، وأظنه قال: علاء الدين. فأمر بقتله فجاء أخوه إليه، وذكر له ذلك، وطلب منه إبطال ذلك. فقال: هذا القان، وهؤلاء القوم إذا أمروا بأمر ما يمكن رده، خصوصا إذا برز إلى الخارج، فقال [له] لا بدّ من الحيلة في ذلك.

стр. 3632

فتوجّه إلى هولاكو، وبيده عكاز، وسبحة، واصطرلاب، وخلفه من يحمل مبخرة، والبخور يضرم. فرآه خاصة هولاكو الذين على باب المخيم، فلما وصل أخذ يزيد في البخور، ويرفع الاصطرلاب، ينظر فيه ويضعه، ويسأل عن هولاكو ويقول: هو سالم هو سالم. يكرر ذلك ويقولون: نعم. فيحمد الله ويسجد؛ فلما رأوه يفعل ذلك دخلوا إلى هولاكو، وأعلموه، وخرجوا إليه. فقالوا: ما الذي أوجب هذا؟. فقال: القان، أين هو؟. قالوا له: جوّا (١). قال: طيب معافى موجود في صحة؟. قالوا: نعم. فسجد شكرا لله تعالى، وقال لهم: هو طيب في نفسه؟. قالوا: نعم. وكرر هذا ومثله، وقال: أريد أرى وجهه بعيني، إلى أن دخلوا إليه وأعلموه بذلك. وكان [في] وقت لا يجتمع فيه [به] أحد، فأمر بإدخاله، فلما رآه سجد وأطال السجود فقال له: ما خبرك؟ قال: اقتضى الطالع في هذا الوقت أن يكون على القان قطع عظيم إلى الغاية (٢)؛ فقمت وعملت هذا، وبخّرت هذا البخور، ودعوت بأدعية أعرفها، أسأل الله صرف ذلك عن القان. والطالع يقتضي أن يحقن القان دماء كثيرة، ويفرج عن نفوس كثيرة ليحقن دمه، ويفرج عنه، ويتعين الآن أن القان يكتب إلى [سائر] ممالكه، ويجهز الألجية في هذه الساعة إليها بإطلاق من في الحبوس (٣) والاعتقال، والعفو عمن له جناية أو أمر بقتله. لعل الله أن يصرف هذا الحادث العظيم، ولو لم أر وجه القان ما صدّقت. فأمر هولاكو في ذلك الوقت بما قال، وأطلق صاحب الديوان في جملة الناس، ولم يذكره النصير الطوسي. وهذا غاية في الدهاء بلغ به مقصده ودفع عن الناس أذاهم، وعن بعض الناس إزهاق

стр. 3633

أرواحهم. قال أبو الصفاء: ومن حلمه ما وقفت على ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما يقول فيها: يا كلب!، يا ابن الكلب!!. فكان الجواب: وأما قوله كذا وكذا، فليس بصحيح. لأن الكلب من ذوات الأربع، وهو نابح طويل الأظفار، وأنا فمنتصب القامة، بادي البشرة، عريض الأظفار، ناطق، ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص!. وأطال في نقض كل ما قاله، هكذا برطوبة (١) وتأنّ غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة!. ومن تصانيفه: كتاب" المتوسطات بين الهندسة والهيئة "وهو جيد إلى الغاية. و" مقدمة في الهيئة ". وكتاب وضعه للنصيرية، وأنا أعتقد أنه ما يعتقده، لأن هذا فيلسوف وأولئك يعتقدون ألوهية علي. واختصر" المحصّل " للإمام فخر الدين، وهذّبه، وزاد فيه. وشرح" الإشارات "ورد فيه على الإمام فخر الدين في شرحه، وقال: هذا جرح وما هو شرح!. وقال فيه: إني حرّرته في عشرين سنة، وناقض فخر الدين كثيرا. ولقد ذكره قاضي القضاة جلال الدين القزويني (٢) ﵀ يوما وأنا حاضر وعظّمه - أعني الشرح -، فقلت: يا مولانا! ما عمل شيئا لأنه أخذ شرح الإمام وكلام سيف الدين الآمدي (٣)، وجمع بينهما، وزاده يسيرا. فقال: ما أعرف للآمدي في الإشارات شيئا. قلت: نعم. كتاب صنفه وسماه: " كشف التمويهات عن الإشارات والتنبيهات".

стр. 3634

فقال: هذا ما رأيته. ومن تصانيفه: " التجريد "في المنطق. و" أوصاف الأشراف " (١)، و" قواعد العقائد "، و" التلخيص في علم الكلام ". و" العروض "بالفارسية. و" شرح الثمرة "لبطليموس. و" كتاب مجسطي ". و" جامع الحساب في التخت والتراب ". و" الكرة والأسطوانة (٢) ". و" المغطيات (٣) "و" الظاهرات ". و" المناظر ". و" الليل والنهار ". و" الكرة المتحركة ". و" الطلوع والغروب ". و" تسطيح الكرة ". و" المطالع ". و" تربيع الدائرة ". و" المخروطات ". و" الشكل المعروف بالقطائع ". و" الجواهر ". و" الأسطوانة ". و" الفرائض على مذهب أهل البيت ". و" تعديل المعيار في نقد (٤) تنزيل الأفكار ". و" بقاء النفس بعد بوار البدن ". و" الجبر والمقابلة ". و" إثبات العقل الفعّال ". و" شرح مسألة العالم ". و" رسالة الإمامة "و" رسالة إلى النجم الدين الكاتبي (٥) في إثبات واجب الوجود ". و" حواشي على كليات القانون ". و" رسالة ثلاثون فصلا في معرفة التقويم ". وله شعر كثير بالفارسية. وقال الشمس ابن المؤيد العرضي: أخذ النصير العلم عن الشيخ كمال الدين ابن يونس الموصلي (٦)، والمعين سالم بن بدران المصري، المعتزلي، وغيرهما.

стр. 3635

قال: وكان منجما لأبغا (١) بعد أبيه، وكان يعمل الوزارة لهولاكو من غير أن يدخل يديه في الأموال، واحتوى على عقله حتى إنه لا يركب ولا يسافر إلا في وقت يأمره به. ودخل عليه مرة ومعه كتاب مصور في عمل الدرياق (٢) الفاروق، فقرأه عليه وعظّمه عنده، وذكر منافعه. وقال: إنّ كمال منفعته أن تسحق مفرداته في هاون (٣) ذهب، فأمر له بثلاثة آلاف دينار لعمل الهاون، وولاه هولاكو جميع الأوقاف في سائر بلاده، وكان له في كل بلد نائب يستغل الأوقاف، ويأخذ عشرها، ويحمله إليه ليصرفه في جامكيات المقيمين بالرصد، ولما يحتاج إليه من الأعمال بسبب الأرصاد، وكان للمسلمين به نفع خصوصا الشيعة والعلويين (٤)، والحكماء وغيرهم. وكان يبرّهم، ويقضي أشغالهم، ويحمي أوقافهم، وكان مع هذا كله فيه تواضع وحسن ملتقى (٥) قال حسن بن أحمد الحكيم (٦): سافرت إلى مراغة، وتفرّجت في هذا الرصد، ومتوليه صدر

стр. 3636

الدين علي بن خواجا نصير (١)، وكان شابا فاضلا في التنجيم، والشعر بالفارسية، وصادفت الشمس ابن المؤيد العرضي، والشمس الشرواني، وكمال الدين الأيكي، وحسام الدين الشامي، فرأيت فيه من آلات الرصد شيئا كثيرا، منها: ذات الحلق، وهي خمس دوائر متخذة من نحاس: الأول دائرة نصف النهار، وهي مركوزة على الأرض، ودائرة معدّل النهار، ودائرة منطقة البروج، ودائرة العرض، ودائرة الميل، رأيت الدائرة الشمسية [التي] يعرف بها سمت الكواكب، [واصطرلابا يكون سعة قطره ذراعا، واصطرلابات كثيرة، وكتبا كثيرة] (٢) قال: وأخبرني شمس الدين ابن العرضي أن النصير أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله، وأقل ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإفراغها وإصلاحها عشرون ألف دينار، خارجا عن الجوامك (٣) للحكماء والقومة (٤). وقال الخواجا نصير الدين في" الزيج الإيلخاني (٥) ": إني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء، منهم المؤيد العرضي من دمشق، والفخر المراغي

стр. 3637

الذي كان بالموصل، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس (١)، والنجم دبيران القزويني، وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وستمائة، في جمادى الأولى بمراغة، والأرصاد التي بنيت قبلي وعليها كان الاعتماد دون غيرها هو رصد برجيس (٢)، وله مبنيّ ألف وأربعمائة سنة، وبعده رصد بطليموس، وله ألف ومائتا سنة، وخمس وثمانون سنة. وبعده في ملة الإسلام رصد المأمون ببغداد، وله: أربعمائة سنة، وثلاثون سنة. والرصد البناني في حدود الشام، والرصد الحاكمي بمصر، ورصد بني الأعلم، ببغداد. وأوفقها الرصد الحاكمي ورصد ابن الأعلم، ولهما مائتان وخمسون سنة. وقال الأستاذون: إن أرصاد الكواكب السبعة لا يتم في أقل من ثلاثين سنة (٣)، لأن فيها يتم دور هذه السبعة. فقال هولاكو: اجتهد أن يتم رصد هذه السبعة في اثنتي عشرة سنة. فقلت له: أجهد في ذلك. وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه جماعة كثيرة من تلامذته، وأصحابه. فأقام بها مدة أشهر ومات، وخلف من أولاده: صدر الدين علي،

стр. 3638

والأصيل [حسن] (١)، والفخر أحمد. وولي صدر الدين علي بعد أبيه غالب مناصبه، فلما مات ولي مناصبه أخوه الأصيل، وقدم الشام مع غازان وحكم تلك الأيام في أوقاف دمشق، وأخذ منها جملة، ورجع مع غازان، وولي ولاية (٢) بغداد مديدة، فأساء السيرة، فعزل وصودر، وأهين، فمات غير حميد، وأما أخوهما الفخر أحمد فقتله غازان لكونه أكل أوقاف الروم وظلم (٣). ومنهم: ٣٢ - القطب الشّيرازيّ: [محمود بن مسعود بن مصلح الفارسيّ (٤)] (١٣) رجل يرجع إلى خير، وينتجع (٥) في أول وأخير، فلم يخل واديه من

стр. 3639

منتجع، ولا واديه من جفل (١) قوم مجتمع، وكان له من بني جنكيز خان محلّ حلي بالحلل ترائبه، وخلّي كمد داء الأنواء راتبه، حتى اصطفاه السلطان أحمد، فبعثه إلى الحضرة المنصورية رسولا، وبلّغه من تلك المشاهد سولا (٢)، فحالت الأقدار دون مراده، وأحلّت له السمام في مراده، فلم يبلغ الرسالة، ولا سوّغ له زمنه الذي أساله. وحدّثني شيخنا الأصفهاني قال: كان لا يزال بينه وبين خواجا رشيد الوزير بغضاء تفرّق اللحم، وتدبّ دبيب النار في الفحم، وكان لا يزال ينغّص عليه مقرّه، ولا يريه موارده إلا مكدّره، فكانت جدته (٣) لا تقوم بتكاليفه، وموادّه لا تنهض بمصاريفه. على أنه كان ينسب إلى هنات ومعايب بيّنات، على فضل ينتاب، وكرم لا يرد بعتاب (٤).

стр. 3640

ومنهم: ٣٣ - الشّيخ صفيّ الدّين الهنديّ: [محمد بن عبد الرّحيم بن محمد الأرمويّ، أبو عبد الله، صفي الدين (١)] (١٣) إمام لم يبق إلا من اعترف بسؤدده، واغترف منه بيده، واشترف به على ما أعيا العيان وأخفى البيان، وقرب البعيد ولم يان. وكان بحرا يطفح (٢)، وقطرا (٣) يسفح، يرجع إلى كرم سجايا، لو قذف بها النار لما اضطرمت، أو سجرت بها البحار لما التطمت، إلا أنه كان لا تطيعه العبارة إذا نطق، ولا يحدر صيّب سيله إذا اندفق. أخذ عنه أكابر العلماء بدمشق، كابن المرحّل، وابن الزملكاني، وبلغوا به فوق الأماني، وحصّل به ابن المرحّل علوما كانت نجايا الصدر، وأمن ابن الزملكاني أن يعرو النقص كماله كما يعرو البدر. ولولاه لما اتسع بالشام مجال

стр. 3641

الكلام، ولا طلعت للمعقول شمس تمحق الظلام. وكان على تدفق بحره وتأنق سحره لا ينفث سحره في عقد الأقلام، ولا يكتب في" نهايته " (١) إلا ما لا يرضى به في بدايته من الغلام (٢). ومنهم: ٣٤ - علي بن إسماعيل بن يوسف الإمام العلامة القدوة العارف ذو الفنون الشيخ علاء الدين قاضي القضاة شيخ الشيوخ أبو الحسن القونوي التبريزي (١٣) جمع الطريقين، ونفع الفريقين، ولي المنصبين، ورعى في جانبيهما المخصبين،

стр. 3642

فعلا على الألى، وأرتقة أهل النقا، وعلا على مجد ما وصل إليه ذو مجد، ودرّس في الإقليمين (١) فأعجب، وغرس فيهما كل غرس فأنجب، ولم يرد أهل العلم والصلاح إلا بقيته، ولا شهد أهل مصر والشام إلا أولويته، ذلّلت له فيهما الرتب، وسهّلت عليه الأماني فبلغ أقصى علاهما، وطاب به الواديان كلاهما. ولد سنة ثمان وستين وستمائة، وتوفي بدمشق سنة تسع وعشرين وسبعمائة، في ذي القعدة، ودفن بسفح جبل قاسيون، بتربة اشتريت له. تفقّه وتفنّن، وبرع وناظر. قدم دمشق أول سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فرتّب صوفيا (٢)، ثم درّس بالإقبالية (٣). وسمع من أبي حفص ابن القوّاص، وأبي الفضل ابن عساكر، وجماعة بمصر من الأبرقوهي، وطائفة (٤). واستوطن مصر، وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقام عشرين سنة يصلي

стр. 3643

الصبح ويقعد للاشتغال (١) إلى أذان الظهر، وتخرّج به الأصحاب، وانتفع به الطلبة خصوصا في الأصول. وكان ساكنا وقورا، حليما، مليح السمت والوجه، تام الشكل، حسن التعليم، ذكيا، قوي اللغة والعربية، كثير التلاوة والخير. درّس بالشريفيّة بالقاهرة، وبها كان سكنه واشتغاله، ثم لما حضر قاضي القضاة القزويني إلى الديار المصرية عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، عيّنه السلطان لقضاء قضاة الشام، فأخرج كارها، وكان يقول لأصحابه الأخصّاء سرا: أخملني السلطان كونه لم يولّني قضاء الديار المصرية، وليت كان عيّنني لذلك، وكنت سألته الإعفاء. ولما خرج إلى الشام حمل كتبه على البريد معه، وأظنها كانت وقر خمسة عشر فرسا أو أكثر!. وباشر المنصب أحسن مباشرة، بصلف زائد (٢)، وعفة مفرطة، ولم يكن له نهمة في الأحكام بل رغبته وتطلّعه إلى الأشغال والإفادة. وطلب الإقالة أولا من السلطان فما أجابه، وكان منصفا في بحوثه، ريّضا، معظّما للآثار، ولم يغيّر هيئة التصوف. خرّج له ابن طغريل، وابن كثير، ووصلهما بجملة. وشرح" الحاوي " (٣) في أربع مجلدات، موجودة. وله: " مختصر المنهاج "

стр. 3644

للحليمي، سمّاه: "الابتهاج" (١). وله: "التصرّف شرح التعرّف في التصوف" (٢). وكان - رحمه الله تعالى - يعرف الأصلين، والمنطق، وعلوم الحكمة، ويعرف الأدب، وكان مع مخالفته لابن تيمية وتخطئته له في أشياء كثيرة يثني عليه ويعظّمه، ويذبّ عنه، إلا أنه لما توجّه من مصر إلى دمشق، قال له السلطان: إذا وصلت، خلّ نائب الشام يفرج عن ابن تيمية. قال: يا خوند! (٣)، على ما ذا حبستموه؟. فقال: لأجل ما أفتى به في تلك المسألة. فقال: إنما حبس للرجوع عنها، فإن كان قد رجع أفرجنا عنه. فكان ذلك سبب تأخيره في السجن. وكان له ميل إلى - سيدي - محيي الدين بن عربي ﵁ وأرضاه وعنّا به - إلا أن له ردودا على أهل الإلحاد. وكان يتحدّث على حديث أبي هريرة: "كنت سمعه الذي يسمع به" (٤)،

стр. 3645

ويشرحه شرحا حسنا، ويبينه بيانا شافيا. وكان يكتب مليحا، قويا، جاريا (١). قال أبو الصفاء: ورأيته يكتب بخطه على ما يقتنيه من الكتب التي فيها مخالفة السّنّة من اعتزال أو غيره: [الهزج] عرفت الشر لا للشّ … رّ لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الشرّ … من الخير يقع فيه (٢) وكان يترسّل جيدا من غير سجع، ويستشهد بالآيات المناسبة والأحاديث والآيات اللائقة بذلك المقام. ومات بورم الدماغ، بقي به أحد عشر، ومات في بستان ضمنه، وتأسف الناس لموته أسفا كثيرا: [الكامل] عمّت فواضله (٣) فعمّ مصابه … فالناس فيه كلهم مأجور (٤) وكتب إلى ناصر الدين شافع وقد طلب منه شيئا من شعره: [الخفيف] غمرتني المكارم الغرّ منكم … وتوالت عليّ منها فنون شرط إحسانكم تحقّق عندي … ليت شعري، الجزاء كيف يكون؟
следующие страницы →