← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

الكلام، ولا طلعت للمعقول شمس تمحق الظلام. وكان على تدفق بحره وتأنق سحره لا ينفث سحره في عقد الأقلام، ولا يكتب في" نهايته " (١) إلا ما لا يرضى به في بدايته من الغلام (٢). ومنهم: ٣٤ - علي بن إسماعيل بن يوسف الإمام العلامة القدوة العارف ذو الفنون الشيخ علاء الدين قاضي القضاة شيخ الشيوخ أبو الحسن القونوي التبريزي (١٣) جمع الطريقين، ونفع الفريقين، ولي المنصبين، ورعى في جانبيهما المخصبين،

стр. 3642

فعلا على الألى، وأرتقة أهل النقا، وعلا على مجد ما وصل إليه ذو مجد، ودرّس في الإقليمين (١) فأعجب، وغرس فيهما كل غرس فأنجب، ولم يرد أهل العلم والصلاح إلا بقيته، ولا شهد أهل مصر والشام إلا أولويته، ذلّلت له فيهما الرتب، وسهّلت عليه الأماني فبلغ أقصى علاهما، وطاب به الواديان كلاهما. ولد سنة ثمان وستين وستمائة، وتوفي بدمشق سنة تسع وعشرين وسبعمائة، في ذي القعدة، ودفن بسفح جبل قاسيون، بتربة اشتريت له. تفقّه وتفنّن، وبرع وناظر. قدم دمشق أول سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فرتّب صوفيا (٢)، ثم درّس بالإقبالية (٣). وسمع من أبي حفص ابن القوّاص، وأبي الفضل ابن عساكر، وجماعة بمصر من الأبرقوهي، وطائفة (٤). واستوطن مصر، وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقام عشرين سنة يصلي

стр. 3643

الصبح ويقعد للاشتغال (١) إلى أذان الظهر، وتخرّج به الأصحاب، وانتفع به الطلبة خصوصا في الأصول. وكان ساكنا وقورا، حليما، مليح السمت والوجه، تام الشكل، حسن التعليم، ذكيا، قوي اللغة والعربية، كثير التلاوة والخير. درّس بالشريفيّة بالقاهرة، وبها كان سكنه واشتغاله، ثم لما حضر قاضي القضاة القزويني إلى الديار المصرية عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، عيّنه السلطان لقضاء قضاة الشام، فأخرج كارها، وكان يقول لأصحابه الأخصّاء سرا: أخملني السلطان كونه لم يولّني قضاء الديار المصرية، وليت كان عيّنني لذلك، وكنت سألته الإعفاء. ولما خرج إلى الشام حمل كتبه على البريد معه، وأظنها كانت وقر خمسة عشر فرسا أو أكثر!. وباشر المنصب أحسن مباشرة، بصلف زائد (٢)، وعفة مفرطة، ولم يكن له نهمة في الأحكام بل رغبته وتطلّعه إلى الأشغال والإفادة. وطلب الإقالة أولا من السلطان فما أجابه، وكان منصفا في بحوثه، ريّضا، معظّما للآثار، ولم يغيّر هيئة التصوف. خرّج له ابن طغريل، وابن كثير، ووصلهما بجملة. وشرح" الحاوي " (٣) في أربع مجلدات، موجودة. وله: " مختصر المنهاج "

стр. 3644

للحليمي، سمّاه: "الابتهاج" (١). وله: "التصرّف شرح التعرّف في التصوف" (٢). وكان - رحمه الله تعالى - يعرف الأصلين، والمنطق، وعلوم الحكمة، ويعرف الأدب، وكان مع مخالفته لابن تيمية وتخطئته له في أشياء كثيرة يثني عليه ويعظّمه، ويذبّ عنه، إلا أنه لما توجّه من مصر إلى دمشق، قال له السلطان: إذا وصلت، خلّ نائب الشام يفرج عن ابن تيمية. قال: يا خوند! (٣)، على ما ذا حبستموه؟. فقال: لأجل ما أفتى به في تلك المسألة. فقال: إنما حبس للرجوع عنها، فإن كان قد رجع أفرجنا عنه. فكان ذلك سبب تأخيره في السجن. وكان له ميل إلى - سيدي - محيي الدين بن عربي ﵁ وأرضاه وعنّا به - إلا أن له ردودا على أهل الإلحاد. وكان يتحدّث على حديث أبي هريرة: "كنت سمعه الذي يسمع به" (٤)،

стр. 3645

ويشرحه شرحا حسنا، ويبينه بيانا شافيا. وكان يكتب مليحا، قويا، جاريا (١). قال أبو الصفاء: ورأيته يكتب بخطه على ما يقتنيه من الكتب التي فيها مخالفة السّنّة من اعتزال أو غيره: [الهزج] عرفت الشر لا للشّ … رّ لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الشرّ … من الخير يقع فيه (٢) وكان يترسّل جيدا من غير سجع، ويستشهد بالآيات المناسبة والأحاديث والآيات اللائقة بذلك المقام. ومات بورم الدماغ، بقي به أحد عشر، ومات في بستان ضمنه، وتأسف الناس لموته أسفا كثيرا: [الكامل] عمّت فواضله (٣) فعمّ مصابه … فالناس فيه كلهم مأجور (٤) وكتب إلى ناصر الدين شافع وقد طلب منه شيئا من شعره: [الخفيف] غمرتني المكارم الغرّ منكم … وتوالت عليّ منها فنون شرط إحسانكم تحقّق عندي … ليت شعري، الجزاء كيف يكون؟

стр. 3646

يقبّل اليد الشريفة، لا زالت المكارم مستديمة، وفي سبل الخيرات مستقيمة، وينهي أن بضاعة المملوك من كل الفنون مزجاة، لا سيما من الأدب فإنه فيه في أدنى الدرجات، وقد وردت عليه إشارة مولانا - حرسه الله تعالى - في طلب شيء من الشعر الذي ليس للملوك منه في عير ولا نفير (١)، ولا حظي منه بنقير ولا قطمير، سوى ما نبذ من الهذيان الذي لا يصلح لغير الكتمان، ولا يحفظ إلا اللسان، والمسؤول من فضل مولانا وكرمه المبذول أن يتم إحسانا إليه بالستر عليه، فإنه وجميع ما لديه من سقط المتاع، ولا يعار لسقطاته ولا لنفاسته ولا يباع، والله يؤيد مولانا ويسعده، ويحرسه بالملائكة ويعضده. وكتب إليه وقد وقف على كتابه الذي سماه: "مخالفة المرسوم في حل المنثور والمنظوم": [الطويل] مخالفة المرسوم وافقت المنى … وحازت من الإحسان حصل المفاضل أثارت على بخل الأثير أثارة … من العلم مفتونا بها كل فاضل ومنهم: ٣٥ - القاضي جلال الدّين القزوينيّ، أبو المعالي محمد ابن القاضي سعد الدّين أبي القاسم عبد الرّحمن بن عمر بن أحمد الشّافعيّ الدّلفيّ (١٣)

стр. 3647

قاضي القضاة، خطيب الخطباء، أوحد الأئمة، مفيد العلماء، عمدة الطالبين، لسان المتكلمين. من ولد أي دلف، ومن مدد ذلك السلف، من بيت قضاء وإمامة، وضرائر بحر وغمامة، ولي أبوه وأخوه، وتشبّهت النظراء ولم يؤاخوه. قدم مع أخيه الشام، وناب عنه بمدينة دمشق واستوطنها، وولي الخطابة وسقي فتنها، ورقى أعواد المنابر وهزّ غصنها، وكان صدر المحافل إذا عقدت، وصيرفي المسائل إذا انتقدت، وإذا جمعت المجالس كان لسانها، وإذا نظرت المدارس كان إنسانها، وكان خرق (١) اليدين، وطلق الكرم وإن كان بالدّين. وكان له من سلطاننا نظرة عناية ترمقه، وتكبت به البحر إذا أشبهه تدفّقه، وكذلك كانت له من كافل الممالك تنكز، حتى اتّخذه في حجّة رفيقا، وجعله له إلى الله طريقا. ثم تنكّر له بحره، فكادت تنسفه أمواجه، وتلقيه في مهالكها فجاجه، ودام السلطان له على كرم سجيّته، وشيم أريحيّته، فكتب إلى تنكز في توليته قضاء القضاة بالشام حين خلا منصبه، وتخلى له مخصبه، فأظهر تنكز له المعايب، وأساء محضره وهو غايب، فأصرّ السلطان على ولايته وصمّم، وكمّل بادي رأيه فيه وتمّم، وطلبه إلى حضرته مكرّما، وأخمد عنه من نار الثائرة متضرّما، وأوفى

стр. 3648

عنه ما أثقل إصره من الديون التي اتخذها ذلك المنكر له عيبا، وانتهب له غيبا. ثم قدم دمشق جامعا بين الخطابة والقضاء، وتصرّف في الإنفاق والإمضاء. ثم لم تطل به المدة حتى طلبه السلطان إلى حضرته ثانيا، وولاه بحضرة القضاء، وأظهر به إذ كرهه نائبه الارتضاء، وكان له منه المنزلة الرفيعة، والمكانة التي ما ردت قط شفيعه، حتى حدثت هنات، وجنيت نيات، فأعاده إلى الشام على القضاء، فما لبث حتى حلّ به صرف القضاء. وكان ممن قدّم وحصّل جانبا صالحا من الفقه واللغة، وعلم المعاني والبيان، وعلم الكلام، واعتنى به، وبرع فيه، وأتقن علم الحكمة إتقانا قلّ فيه من كان يدانيه. واشتهر بحسن البديهة في المجالس والمدارس، ولم يك مقصرا في شان، ولا ثانيا من عنان. وتزيّد في دمشق إكبابه على الاشتغال وطلب العلم وتحصيله، وقراءة الكتب ومطالعتها، ومذاكرة العلماء ومباحثتهم. حكي لي أنه كان لشدة حرصه يحضر بعض خزائن الكتب المشهورة الموقوفة، وكان خازنها لا يرى إخراجها إلى عارية أحد (١)، فكان يقنع منه بأن يجلس عنده يومه كله لمطالعة ما يحتاج إليه منها، وأنه دام على هذا سنين كثيرة. ولما قدم قاضي القضاة إمام الدين أبو حفص عمر قدم معه أخوه جلال الدين هذا، فلما ولي الحكم بدمشق ناب عنه، وسد خلل أخيه لنقص علم كان فيه، ثم لما ولي ابن صصري (٢) القضاء استنابه، ثم خاف منه، وقيل له: إنه اتفق هو

стр. 3649

وجماعة من الفقهاء، والصاحب أبي يعلى حمزة ابن القلانسي (١)، وطائفة من الرؤساء بدمشق على عمل محضر عليه يحكم فيه بفسقه، وأنه كتب وهيّئ ليحكم به في صبيحة يومه، فسارع ابن صصري إلى عزله، وعجل إعلامه به مع العدول الثقات، فبطل ما عملوا، وذهب الصباح بما كانوا بيّتوا له، وبقي في قلب جلال الدين من هذا ما لم يكن له معه حيلة، إلا أنه اتفق مع ابن الزملكاني (٢) على إدامة تبكيته في المجالس، وإظهار جهله، وتزييف كلامه، وداما على هذا وكان يحتاج إلى أنه لا يزال يداريهما، ويصانعهما، ويضيّفهما، ويتفقّدهما بالعطايا، وهما على ما هما عليه من تتبع عثراته، وتقصد مساويه. حكى لي الأمين سليمان الحكيم المتطبب قال: حضرت مرة عنده في بستانه

стр. 3650

وهما عنده في يوم قد أضافهما فيه، واحتفل، فقال لي: أقم اليوم عندنا. فأقمت، فرأيت من تنويع إكرامه لهما ما يتجاوز الوصف، ورأيتهما يتغامزان عليه، ويتحدثان فيه - إذا قام - بأنواع القبائح، وينسبان إليه غرائب الفضائح، فلما انصرفا تقدّمت إليه وقلت له: قد كان من إكرامك لهذين الرجلين ما لا يحد، وهما يفعلان كذا، ويقولان كذا، فما الذي يحملك على إنفاق مالك على من تكون هذه أفعاله في حقك؟، وهذا باطنه في أمرك؟. فقال لي: يا أخي! أنا - والله - أعلم منهما ما قلت، وفوق ما قلت. وإنما كيف عملي؟ هذان رجلان إمامان عالمان، فاضلان، جريّان، وما عندهما تقوى، وهذا ابن القلانسي كما تعرف، وإذا أراد استشهد كل أهل دمشق بأن النهار ليل، والليل نهار فعل! ولم يعجز. وهذا قاضي القضاة التقي سليمان الحنبلي قاض بطّاش، ويرى ضرري، وضرر أمثالي من الشافعية قربة، ولولا هذا - والله - ما داريتهما، ولكن أحتاج مع وجود هذه البلايا إلى مداراتهما من خلف أذني. قال: فسكتّ وعلمت عذره. قلت: فلما مات ابن صصري وولي الزرعي، خاب أمل جلال الدين، وكان يظن أن المنصب لا يتخطاه، فكان هو وابن الزملكاني وابن القلانسي ممن حسّنوا في أمره ما حسّنوا، حتى سلقته الألسنة، وعزل. ثم صمم السلطان على ولاية جلال الدين، وتنكز يعيبه، وآخر ما عابه بما عليه من الدّين، وبولده عبد الله، وما هو عليه من سوء السيرة. فطلبه السلطان وأوفى دينه، وترك عبد الله مقيما بمصر، وأعاد جلال الدين إلى دمشق حاكما كما تقدّم، فشرع في معاداة الكبراء، وإسخاط قلوب الرؤساء. وأتاه رجل من الفقهاء بأبيات، فقال: الشعر للمجالس، والفقه للمدارس، وبقي النائب يعجبه وقوع مثل هذا منه ويظهر له الاستحسان له ليغري به الناس،

стр. 3651

ويملأ عليه الصدور، وكان يريد ذهاب روحه!، فبينا هو في هذا إذ سأل قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة (١) الإقالة، لكبر سنه وعجزه، فأقيل وصرف إلى بيته مكرّما، وطلب جلال الدين وولي قضاء القضاة بمصر عوضه، وولي ابنه بدر الدين محمد الخطابة بدمشق عوضه، مضافا إلى تدريس المدرسة الشامية الجوانيّة، فدخل جلال الدين في عين السلطان، ومساه الحظ من خاطره، وصار يحدّث السلطان في كثير من أمور الناس، وقضيت للناس على يده حوائج، ونجحت مطالب وبلغت مآرب، فكثر ولده عبد الله واقتنى كرائم الخيل الثمينة، وصار يسابق بها الأمراء، وخدام الإدارات السلطانية، ويخالط أولاد الأمراء، ويتوسع في الأبنية، واقتناء الجواري الحسان، والمطربات، ويتعرّض إلى أمور كثيرة، وكان يحمل حبّ أبيه له، على أنه لا يردّه عنها، إلى أن فاض خاطر السلطان، وامتلأ عليه، وطرد ابنه عنه، ثم توسّل في إعادته فأعيد، ثم طرده، ثم توسل في إعادته فأعيد، ثم سعى الناظر الخاص، وابن المرواني والي القاهرة عليه، وأطلقا فيه ألسنتهما وأوصلا به سعايتهما، وسدّدا فيه نكايتهما، فعزله السلطان، وأراد تعريضه للهوان، فنهض له فرد الدهر (٢) الأصفهاني، وقام معه قيام مثله من أفراد الدهر، وركب إلى سرياقوس (٣)، وكان السلطان قد خرج إليها

стр. 3652

بعد أن صرف جلال الدين عن القضاء، وأتى قوصون، وكان قوصون لا يرى إلا أنه ولد له، فلما أتاه قام له وأكرمه، وقال له: قد جئت إليكم لأجتمع بالسلطان في مصلحة له، ولكم، ما أمكنني إخفاؤها عنكم. فقام قوصون لوقته وعرّف السلطان بمجيئه، وبما قال، فأكبر السلطان مجيئه وقال: قل له يعرفنا بالمصلحة التي رآها. فقال له، فقال: اعلم أن هذا القاضي جلال الدين قاض كبير مشهور في الشرق والغرب، وقد زوج بناتكم، وزوّجكم، وأثبت كتب أملاككم وأوقافكم، وحكم لكم أحكاما كثيرة، ومتى عزل هكذا وخلّي بلا قضاء مع كونه لم يعجز، ولا بلغ به الكبر، حصل بهذا التطرق إليه، وإذا تطرّق إليه انتقض عليكم جميع ما حكم لكم به. وقال له من هذا ومثله ما بلغه إلى السلطان، فقال: صدق الشيخ، ولّوه قضاء الشام كما كان، فأمر له به، وجهّزه إليه، فأقام به مدة، وتنكز لا يبش به، ولا يمكنه منعه. ثم حصل له استرخاء وفالج أبطله؛ فاستناب ولده الخطيب عنه في كل ما ولاّه السلطان، وبقي يراجع في جلائل الأمور إلى أن مات، ودفن بمقابر الصوفية. وهو ممن أخذت عنه علم المعاني والبيان. وقلت أرثيه، وكتبت بها إلى ولده الخطيب بدر الدين محمد: [الطويل] أحقا بأن البحر خف معينه … وأن وقور الطود خف رزينه أحقا بأن السيف أغمد حدّه … بطيف كرى ليست تنام جفونه أحقا بأن الشمس غاب ضياؤها … وقد بان من بدر التمام جبينه أحقا بأن النوء أقلع نائيا … وآلى يمينا (١) لا تجود يمينه أحقا بأن الدّرّ آن ابتذاله … وأهوى من الجفن القريح (٢) ثمينه

стр. 3653

أحقا بأن العلم خفّ نباته … وأضحى فما فاءت عليه غصونه أحقا لقد غاض الندى بكماله … نعم ومضى تحت التراب خدينه (١) أحقا دعا داعي الردى علم الهدى … أم الدهر بالعلياء جنّ جنونه لقد خرّ في المحراب تقوى منيبة … وفي صدر إيوان القضاء (٢) مبينه مضى بجلال الدين كل فضيلة … وأعظمها عند المفاخر دينه مضى طاهر الأثواب ما شان عرضه … حسود إذا ما شاء شينا (٣) يريبه مضى وهو ملء الدست (٤) صدرا معظّما … يطول إليه شوقه وحنينه إذا ما يراع (٦) الخط صرّ صريره … فما ذاك إلا للعويل (٥) أنينه نعى باسمه الناعي فما شك سامع … بأن انقضاء الدهر قد حان حينه تغيّر ضوء الصبح يوم وفاته … فلم يبق في الآفاق من يستبينه كأن جلال الدين ما كان في الورى … إماما لهم حتى أتته منونه فتى دلفيّ في الأبوة جدّه … أبو دلف هل شبهه أو قرينه

стр. 3654

سقى قبره الوضّاح مثل بنانه … سكوب الغوادي لا تغيب هتونه (١) يضاحكه بالسفح بارق ليله … تغازله تحت الظلام جفونه فهل بعد هذا اليوم يدّخر الفتى … بكاء عزيزا عنده لا يهينه أرى الخطباء اليوم بعدك ألبسوا … حدادا عليهم في الملابس جونه (٢) أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت … معاليه وارفضّت عليك متونه أرى المنبر العالي استكنّ لما به … وكان به فوق السّها (٣) مستكينه أرى قلم الإفتاء قد فات وقته … وكان نظير الغصن تجبى فنونه أرى منطق التدريس أخرس نطقه … وأصبح إن قال، النهى (٤) لا تبينه أرى مجلس التصدير أقوت رحابه … ولم يرض إيداع الصدور حنينه لقد أغلق التصنيف أبواب كتبه … وأغفت لأحداث الزمان عيونه فمن للمرجّي خاب ما كان يرتجي … ومات أريحي كريم يعينه لعمرك ما يجدي الحنين على امرئ … تحطّ بأكناف القبور ظعونه تمهّل به يا حامل النعش إنه … يقطّع أصلاب الرجال شطونه (٥) وهل يعلم الآتي إلى لحده به … بأن الهلال المستنير دفينه لقد عطّل الدست الرحيب إمامه … وفارقه مأمونه وأمينه ووالله إن الموت أكرم نازل … بحرّ ولا يقضي عليه غبونه فهل ساكن في الدهر ليس يسوؤه … ومستأمن للدّهر ليس يخونه

стр. 3655

وذو غرر بالموت أن لا تغرّه … أمانيه في الدنيا، نعم وظنونه لتبك المعالي بالدماء سواكبا … أباها ويبكي للبكاء حزينه فيا أيها الناعي (١) رويدك إنه … يودّ بمن ينعي لنا لو تكونه غلطت، أهل قاضي القضاة قضى ردى … أم الشام بالزلزال هدّت حصونه ترفّق ولا تبغي العلى بوفاته … فذكراك ميعاد البكا وضمينه لعلّ حزينا يملك الصبر قلبه … يجود بصبر فاضل أستدينه فيا سائق الأظعان قدام جلّق (٢) … وفي التربة الفيحاء يلقى تريبه تعمّد بنا تلك القبور فإننا … نرود بها روضا جنيّا جنينه وقف بي على ذاك الضريح مسلّما … فإن فؤادي في التراب رهينه إليك وإلا لا يئنّ صبابة … كئيب ولا تبدو عليه شؤونه تولّى ابن إدريس وولّيت ذاهبا … فما عاد للتدريس حرز يصونه تضعضعت الدنيا فلم يبق مذهب … لعمري لقد هزّ الجبال سكونه فمن بعده هل في الطريقين سالك … وهل لاح في الوجهين بشر يزينه فكل طريق منه قد سدّ مذهب … وفي كل وجه بان عيب يشينه ولولا كرام من بنيه أعزّة … لأوحش منه سيفه ووضينه (٣) ومن مثل بدر الدين بل ليس مثله … فما غاض بحر العلم وهو معينه فما مثل من قد مات في الناس سيّد … ولا مثل هذا الحيّ تحمي عرينه ويعزّ عليه أن يكتب إلى مولانا معزّيا، او يسلّيه عمّن لم يجد هو ولا جميع أهل الدنيا عنه مسلّيا، وإنما هي عادة الأيام، وسنّة الدين والإسلام، فالله يعظم

стр. 3656

أجر مولانا، ويرحم ميته، ويحسن عزاء الإسلام فيمن شيد بجهاده بناءه وثبّته، فلقد كان - والله - من حماة الدين بسيفه وقلمه، وكماة الكلام في المدارس والمنابر بعلمه وعلمه، فرحم الله تلك المزايا الكرام، وفتح لها أبواب الجنة، وأدخلها إليها بسلام، والعزاء مشترك، ومن نظر بعين الحقيقة علم أن الدّهر أخذ أقلّ مما ترك. وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين (١)، عن أربع وسبعين سنة. قلت: ولما ولي كراي المنصوري (٢) كفالة الشام، أتاها وقد هبّت به ريح العدو المتنسّم، والثغور قد استطار برعب من جاورها قلب بارقها المتبسّم، طلب خيل الحجر التي جرت العادة بطلبها معونة من البلاد إذا قدم العدو، وعدم الهدوّ، ولم يكن الاضطرار قد بلغ إلى حد تطلب فيه المعونة، وتحمل به إلى البلاد المؤونة، وشرع النجم ابن هلال في توزيع ذلك الطلب، وتفريع ذلك الظلم الذي باء منه بسوء المنقلب، فطلب من جهات الملك والوقف ما كاد يكون لها ثمنا، واتّخذها له مأكلة حتى كاد يتفقّأ (٣) سمنا، وكان أخا بطنة، يأكل حتى يكاد يتبعّج، وجرأة لا يبالي من أي باب منه على النار يتولّج. فاجتمع أهل البلد إلى جلال الدين لأنه إمامهم المتّبع، ورأس المصلّين في

стр. 3657

الجماعة وهم له تبع، فقام هو والعلامة مجد الدين أبو بكر التونسي (١) في درء هذه المظلمة، وإخفاء نجم ابن هلال الطالع في هذه الليلة المظلمة. فجمعا أهل الجامع الأموي ومن انضمّ تحت أعلام الخطابه، وأسرع إلى هذه الدعوة المجابه، وخرجوا بالمصحف العثماني والأثر النبوي، وكراي راكب في موكبه، قد شمخ العجب بهامته، فحين رآهم سأل عنهم، فلما أخبر الخبر جنّ جنونه، وظنّ ظنونه، فأمر الحاجب أن يأتيهم فيأمرهم بالرجوع بالمصحف والأثر، ويتقشّع سواد ذلك الجمع الذي حضر (٢)، ثم يأتيه منهم من يعي عنه الخطاب، ويسمع منه الجواب، فأتاه الخطيب والتونسي، وقدّما إليه الإنذار، وأغلظا، ولا سيما التونسي في الإنكار، فأومأ إلى الخطيب ليضربه بيده، وأمر بالتونسي فرمي، وكشف عن جسده، ثم ضربه ضربا جاز أدنى الحد في عدده، فخرجا، والناس تتحرّق ولا ماء يطفي النار، وكان من العجب المقدر وغرائب الاتفاق التي تذكر أن السلطان كان قد أمر بإمساك كراي، وخرج المجهّز لإمساكه، ثم بقي في وثاق المحبس إلى حين هلاكه. ويقال: إن التونسي كتب في ذلك اليوم له من الحروف ما كان من أسباب ما حلّ به من الصروف، أتي كراي بخلعة السلطان فركب بها، وجلس في الإيوان، فأحضر محضر ذلك التشريف معه كتابا قرئ وهو في تلك الحال، وقد ظنّ أن الدهر عن طباعه قد استحال، فإذا فيه المرسوم إلى الأمراء بإمساكه، فأمسك،

стр. 3658

وقيّد، والخلعة عليه، ما حلّت أزرارها، ولا أرته عينه إلا ما كأنه غرارها، ولا أجدته الأيام إلا وفي نفعها ضرارها. وكان الخطيب قد كتب إلى السلطان كتابا مضمونه: (الحمد لله رافع السماء وبانيها، وساطح الأرض وداحيها، ومثبتها بالجبال وراسيها، ومزيح الملوك عن أسرّتها وكراسيها. أرسل - سيدنا - محمدا ﵌ إلى الخلائق جميعا دانيها وقاصيها. وبعد: ذلك لمّا تقدّم المرسوم الشريف العالي، المولوي السلطاني، الملكي الناصري، أدام الله أيامه، وجعل النصر وراءه وأمامه، بأن يستخرج من الأملاك التي بالبلاد الشامية حق أربعة شهور، ولا يعفى عن وقف، ولا عما يكون ليتيم أو مسكين. فأردنا أن ننبّه الذي رسم بأن الأوقاف لا تعفى، وأن يؤخذ من الجامع الشريف ما أخفى، فطلعنا في يوم الاثنين، في شهر الاستغفار (١)، جمع علماء المسلمين، وأئمة الدين، الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حقهم: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" (٢)، وقد حملنا على رؤوسنا كتاب

стр. 3659

الله المبين، وأثر سيد الأولين والآخرين، حتى نعلم أن الجامع لا يوجب لأن يؤخذ منه حبة، ولا يتعرّض إليه من في قلبه دين. فبدا إلينا حاجب الملك الذي ولاّه أمور الدين، وجعله بجهله حاكما على المسلمين، ولم يمكّنّا من الدخول إلى نائب السلطنة المعظّمة، حتى نشكو إليه ضرر المساكين، شهد الله العظيم أنهم ما استهابوا، ولا هابوا كلام ذي القوة المتين، إلا جوّدوا الضرب على الرءوس والأكتاف والمتين (١)، وقد طلع من كان قبلنا إلى الذي استفتح البلاد، وكان كافرا بالله العظيم، فنزل عن ظهر جواده، ومشى إليه خاضعا متذلّلا كالمسكين يتذلل وهو تذلّل مستكين، وعفا عن العباد والبلاد، وأوصى جيوشه أن لا يسعوا في الأرض مفسدين، احتراما لكتاب الله، ولأثر سيد الأولين والآخرين - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -. فلما طلعنا ورددنا خائبين، طلب نائب السلطنة إماما من أئمة المسلمين، وقد نفخ الشيطان في معاطسه (٢) حين خلاّه بما يحدث رهينا أيّ رهين، وجلد ذلك الإمام، وعمل شيئا ما سبقه إليه أحد من العالمين، وجعل يقول - بجهله وقلة عقله وقد أمر بقتله -: أحرقني إن كان لك برهان من البراهين!. فراقب ذلك الإمام مولاه، وناداه في سرّه ونجواه: "يا من لا يشغله شان عن شان، ولا تغلطه مسائل السائلين، اقض بالحق على الظالم يا ديّان يوم الدين". أيها العبد الصالح! إنا خشينا عليك أن تفتن كما فتن الذين من قبلك ثم تولّوا مدبرين، فإذا حكم ربّ السماء والأرض، ونادى يوم القيامة: أحضروا الظالمين. فكيف ينطق من قد افترى على العلماء والفقهاء وأئمة الدين؟، وما احترم كتاب الله الذي أنزل فيه ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ﴾

стр. 3660

﴿نَعِيمٍ﴾ (١). فهذا الكتاب يجتمع عليه فقهاء الديار المصرية، ويحكموا فيمن لا خاف يوم تنشر فيه الدواوين، وتحشر فيه الخلائق أجمعين، وينادي مناد من قبل الله هذا يوم يجزي الله المتقين، ويخسر فيه الظالمون. وقد علم سيدنا ومولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين (٢) - وهو أعلم بمن كان قبله من الملوك والسلاطين - بأن لا يوجب أن يؤخذ من العامة أموالهم، ولا يتعرّض إليهم من في قلبه دين، إلا إذا التقت الفئتان، ونودي: هذا يوم لا قبله ولا بعده، وكانت أمراء الدولة قد اضمحلّ ما عندهم من الأموال والسلاح والخيل، فهنالك عمّن تخلف عن ذلك اليوم فقد أمسى بما كسبت يداه وهو رهين. واعلم أن ما يسبق أحد من خلق الله إلى الجنة غير المجاهدين، فيجب عليك أن تنصر كتاب الله، وكلام الله، وتأخذ الحق ممن افترى وطغى، فيقف على هذا الكتاب فقهاء الديار المصرية، والسلام".

стр. 3661

ومنهم: ٣٦ - السّيد العبريّ: برهان الدّين عبيد الله بن محمّد [الشريف] الحسينيّ الشافعيّ [الفرغانيّ] [العاقوليّ] (١) العبريّ (٢) (١٣) الإمام العلاّمة، ابن الإمام العلامة. لسان جبل على الكلام، وبيان جعل لكشف الظلام، سلّ على الباطل حسامه (٣)، وجذب من يده خطامه (٤). ولي القضاء فأرضى، وأقام سنّة وفرضا، وهو - على ما بلغنا - حيّ يحيا به العوالم، وتجلى به العواتم، وبكف نداه وينهم، ويأمر الدهر فيأتمر، ويقف الجواد دون مداه ويستمر. قال الدهلي (٥): ولد بتبريز (٦)، وهو الآن قد جاوز الستين.

стр. 3662

إمام في العقليات، منطقها، وحكمتها، وطبّها، وله قوة عظيمة في الخلافيات والجدل، بحّاث مناظر في الغاية، لم نر أحدا يقدر على التدريس مثله. يلقي الدروس في علوم شتى، أكثر من ثلاثين علما في مشكلات الكتب لأفاضل الزمان في كل يوم في بيته، ولم يناظره أحد إلا وغلب معه. وكان فقيها في مذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، عريقا في أصوله وفروعه، مفتيا لهم. ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وحفظ الحاوي على ابن مصنّفه جلال الدين محمد، وصار إماما في مذهبه، أصلا وفرعا. يفتي في المذهبين. وولي قضاء القضاة بجميع مملكة إيران، شرح "الطوالع (١) "، و"المصباح (٢) "،

стр. 3663

و" المنهاج (١) "في أصول الفقه، و" إيلاقي "في الطب، و" نقد الصحائف "في الكلام. وعمل كتابا في المنطق في يوم، وأخذ العلوم عن القاضي محيي الدين أبي الحسن بن أبي الفضل بن عبد الحميد بن محمد القزويني قاضي القضاة. وأخذ العقليات عن قطب الدين الشيرازي (٢)، والعبيدي، ووالده. وكان من جملة المحققين. وروى" جامع الأصول "عن القطب الشيرازي، و" شرح السنة (٣) "عن محيي الدين القزويني. وروى عن أبيه، عن شيوخه، منهم: العلامة سيف الدين الباخرزي (٤). قال: وله نظم مليح، وخط حسن، وجاه عظيم، وحشمة في الغاية، وترجمته عند السلاطين: " أستاذ البشر العقد الحادي عشر "وله ابن هو: شمس الدين محمد. قال الدهلي: هو المشتهر [ببيرك] فاضل في أكثر العلوم، حسن الجد والخط والعبارة، ولد سنة عشر وسبعمائة، وأخذ عن السيد أكثر فضلاء الشرق، ومنهم: النصير الحلي، وروى المشارق عن الروي عن الصنعاني.

стр. 3664

ومنهم: ٣٧ - الشّيخ شمس الدّين الأصفهانيّ، وهو: محمود بن أبي القاسم بن أحمد، أبو الثّناء (١٣) الإمام العالم العلاّمة، قدوة العلماء والحكماء والفقهاء، والفقراء. وإرث العلم والحكمة، واحد الدهر، معلم الوجود. شمس أضاءت، وسماء على الدنيا فاءت، وإمام قدم دمشق وهي تحكي بغداد زمان عمارتها، وقرطبة حيث استقلّت بنو أمية بإمارتها، لكثرة نجوم العلماء الطالعة، وغيوم النعماء الهامعة، وابن تيمية ونباح قمره، وابن الزملكاني ولفيف سمره، والخطيب القزويني والإجماع عليه في المعقول معقود، وحلق المسجد والفقهاء بها قعود، فلم يبق إلا من اعترف بسؤدده (١)، واغترف منه بيده، فحلف في فنّ الأصول فننها (٢) الرطيب، ونسي به ابن خطيب الري فضلا عن القزويني الخطيب، ولم يعد يلتفت عليه بعد أن قدم في الأصول حلقة إقراء،

стр. 3665

ولا شكت الوجاء إليه أقدام القرّاء. طلع صباحا، وسطع مصباحا، وأتى في زيّ تاجر جاء بمتاع، فكانت فرائد الدرّ راهون أعلاقه (١)، وكتم نفسه وضوء الشمس لا تخفي لوامع إشراقه. نزل بدار ابن هلال، ودارة الهلال أحق بموضعه، وطلع دمشق وأفق السماء أولى بمطلعه، وتردّدت إليه العلماء، وسعت إليه العظماء، وأقام ينشر العلوم، ويمدّ جناح الفضائل على العموم، ويعلم في علم الأوائل أن القطب عليه دار، وأن الطوسي وإن نشر جناح الطاووس عجز عنه لما طار، وأن الآمدي امتدّ معه فقصّر في المضمار (٢)، وأن الفارابي لم ينجّه منه إلا الفرار، وأن ابن سينا ما يجيء سينة من حروفه، وهي حمل الفقار. هذا، إلى علوم شرعية، وفهوم لوذعية (٣)، ومعرفة بالفقه على مذهب الشافعي، يجمع بين قوليه، ووجوه للأصحاب ناضرة ناظرة إليه، واختلاف في طرف الخراسانيين والعراقيين تتفرق، وتجتمع عليه مع علم حديث ما ابن شهاب (٤) فيه عنده إلا .... كالأعمش (٥)، وعربية ما الجاحظ لديه فيها إلا كالأخفش، وحقيقة ما صاحب كل طريقة بالنسبة إليها معه إلا واقف في مجاز،

стр. 3666

وتبحّر في تفسير جاء فيه بالإعجاز (١)، وغير هذا من كرم ما البحر عنده إلا مبخّل، ولا السيل المنصبّ من مكانه العالي إلا مخلخل، ولا الغمام إلا وقد تقطّعت عراه، وغمض جفن لأنه كراه، وقيدت إذا همّ الليل عن سراه. كل هذا إلى خلق يتخلّق به الأبرار، ويتحقق صفات الأخيار، ويدلّ على ما وراءها من العمل لما فيه نعم عقبى الدار. كان في بلده جليلا، وفي عدده كثيرا، لا يجد مثله إلا قليلا، صحب السلطان محمد بن خذا بنده، وكان في سيارته من مدرّسي السيارة، وهم جماعة كان يقرر أن يكونوا حيث خيم السلطان. وكان من أنظار القطب الشيرازي وأمثاله، وأحسن حالا منه، عند خواجا رشيد، لما كان يجده في نفسه على الشيرازي، ويرمي به طرفه من الغضاضة (٢)، ويتقصّد به جناحه من الإهاضة (٣). وكان يعلي شمس شيخنا الأصبهاني ويرفعه، ويزين به أفق المجالس ويطلعه، وكان يحاضره ويسامره، ويفيده العلم ويذاكره. وكان يجزل له العطاء، ويدر له

стр. 3667

الصّلات (١)، وينوّه بذكره، وينبّه على جلالة قدره. وقرأ عليه ابنه الوزير الكبير آخر وزراء الشرق بل ملك الرياسة بحكم الحق: أمير محمد بن خواجا رشيد، وتخرّج به، وحصّل. وقدم الشيخ الأصفهاني دمشق واستوطنها فارغا من تلك البلاد (٢)، على عظم مكانته فيها، وامتلاء صدور أهلها بتعظيمه، وأقام والطلبة تتسامع به وتتواصل إليه، وتأتيه من كل جهة ومكان، وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه أحسن الثناء، ويصفه بالفضل الوافر والعلوم الجمّة (٣). قال لي: ما قدم البلاد علينا مثل الشيخ شمس الدين الأصفهاني. ورأيت شيخنا الأصفهاني قد زاره مرة، فقام إليه ومشى خطوات لتلقّيه، وعرض عليه أن يجلس مكانه فأبى. وكنا في ذلك الوقت نقرأ عليه. ودخل وأنا أقرأ في "المسح على الخفين من العمدة" في الأحكام الصغرى، فقال ابن تيمية للأصفهاني: ما نتكلّم وأنت حاضر!. فقال له الأصفهاني: الله، الله يا مولانا، مولانا شيخ السنة، وإمام العلماء. فقال لي ابن تيمية: ما في ها اليوم قراءة (٤). اليوم يوم فراغ لسماع فوائد الشيخ. وأشار إلى الأصفهاني. فلبثت ساعة رأيت فيها مجمع البحرين، ومطلع

стр. 3668

النيرين، فكانا فحلين يتصارعان، وسيفين يتقارعان، ثم تركتهما، وأنا أظنّ أن مكة قد انطبق أخشابها (١)، وأن المدينة قد تلاقت حرّتاها (٢)، ثم طفقت (٣) أستثبت هل دمشق قد [ .. ] (٤) شرفاها؟، أو الأرض قد اجتمع طرفاها؟. ثم كنت لا أزال أسمع ابن تيمية يعظّمه. وكذلك ابن الزملكاني، وأما الخطيب؛ فإلى غاية لا تبلغ!!. وقال ابن تيمية مرة في تقرير مدرس حضره جلّة العلماء، وحضره الأصفهاني، فتكلم رجل من أعيان العلماء فيه، فقال ابن تيمية: اسكتوا لنسمع ما يقول الشيخ. وأشار إلى الأصفهاني. ثم قال الشيخ شمس الدين بزرك - والبزرك هو الكبير باللغة الفارسية -: ثم كان الخطيب لفرط محبته في الحكمة وعلم الكلام يدعو الأصفهاني إليه ويدع من يقرأ بحضوره عليه ليستفيد. وجرى بينه وبين ابن جملة (٥) مرة نزاع في حديث، وكان النقل مع الشيخ فيه، فوبّخ ابن جملة على تجرئه على مثله، وغاية مثله أن يكون كأحد تلاميذه وطلبته الآخذين عنه.

стр. 3669

وأقام الشيخ سنين بدمشق، كأنما هو مرفوع على الرءوس لإفراط التعظيم والإجلال. ثم لما طلب الخطيب إلى مصر، وولي القضاء بها، كان لا يزال يتشوق ويتشوف (١) إلى مقدمه عليه ومقامه بمصر. فلما طلبني السلطان شركته في ذلك، وزدت عليه، واتّصل خبره بالسلطان، وطلبه، وأقبل عليه، وأكرم وأدنى منه مجلسه، وبسطه، وأنسه، وأمره بالمقام بحضرته، فأقام وأجرى عليه مرتّبا، وأبقى عليه معلوم التصدير (٢) بدمشق، مع الإقامة بمصر للإشغال بها. ثم كنت يوما أنا وقاضي القضاة الخطيب القزويني عند السلطان بالدركاه (٣) داخل باب مسجد رديني (٤) بالآدر السلطانية، في عقد عقد لبعض الحرم، فأجرى ذكر الشيخ الأصفهاني وكانت المدرسة المعزّيّة (٥) بمصر المعروفة بمنازل العز قد شغرت، فولاّها له، ثم بنى الأمير قوصون (٦) له الخانقاه (٧) التي

стр. 3670

بالقرافة، وكان ينزل في كل وقت إليه، ويقعد قدّامه بين يديه، ويقضي كل حوائجه ويبعث بالجمل ليعمل بها أوقات، ويحضرها بنفسه، ويكون فيها مثل أحد تلاميذ الشيخ. وعظمت منزلة الشيخ عند السلطان، وكبرت مكانته في صدره، حتى أمر قوصون أن يقول له: السلطان يقول لك: أنت عندنا كبير، ومكانتك نعرفها، ونريد أننا لا ترد عليك قط في شيء تطلبه منا، ونحن نوصيك بأنك لا تتحدّث في اثنين، ثم مهما أردت قل يسمع منك، وهما: عبد الله بن القاضي جلال الدين (١)، وأوحد ابن أخي الشيخ مجد الدين الأقسرائي، شيخ خانقاتنا بسرياقوس (٢)؛ فإن هذين الاثنين قد ثبت عندنا نحسهما، وما يمكن أن نقبل فيهما شفاعة. قلت: فكان الشيخ لهذا لا يرى التثقيل عند السلطان في شيء لئلا يطلب ما يستثقل به ويقضيه رعاية له. ثم إن السلطان أبا سعيد بهادر خان (٣) بعث كتابا إلى السلطان يطلب فيه

стр. 3671

إنفاذ الشيخ إليه لاشتياق الوزير أمير محمد وأهل البلاد إليه، وأكّد في طلبه. وجاء قرينه (١) كتاب من الوزير يقول فيه: إنه من أولاد الشيخ وتلاميذه، وكم يصبر الولد عن والده، والتلميذ عن شيخه؟ وسأل الصدقات السلطانية في تجهيزه. فقال لي السلطان: والله! نحن ما نسمح بالشيخ، ولكن قولوا له: قد بعث أبو سعيد يطلبك هو والوزير، وأهل تلك البلاد، وقد حيّوا السلطان بسببك، والسلطان قد جعل الأمر إليك. فقال الشيخ: لا والله لا أفارق ظل السلطان، ولا أستبدل بهذه البلاد، فأنا ما فارقت تلك البلاد بنية من يعود إليها. فأعجب السلطان هذا منه كل الإعجاب، ووقع منه أحسن المواقع، وجلّ في صدره، وعظم في عينه، وعرف محلّه، وتحقق مكانته في بلاده، وأنه مع ذلك لم يزد إلا حيث استعلت كلمة الإسلام وكانت مباعث الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم -. ثم لما سعت نمال النميمة في القاضي جلال الدين، وتحتّم عزله، وكاد يفضي به الأمر إلى ما أعاذ الله منه نواب شريعته (٢)، وعلماء دينه الذي ارتضى، قام الشيخ في أمره حتى ولي قضاء الشام - على ما تقدم ذكره في ترجمته -.

стр. 3672

ولما طلب السلطان أعيان الفقهاء للارتياد بعد جلال الدين لم يفصل رأيا حتى حضر الشيخ، وأخذ رأيه، وكان هو المعظّم في ذلك المجلس، والمقدّم عند السلطان على ذلك الجمع الجمّ. ثم إن السلطان أمسك ابن صورة (١)، وكان على نظر الأهراء السلطانية (٢)،

стр. 3673

وكان الشيخ مزوّجا بابنته، وكان قد اتّهم بأخذ مال جليل للسلطان، وقد أمسكه السلطان وشدّد عليه في الطلب. فأتى الشيخ بنفسه إلى قوصون بسببه، فاعتذر إليه، وقال: هذه ساعة غضب السلطان، ما أقدر أكلّمه فيها!. فقال له الشيخ: أنا أتحدّث مع السلطان. ثم أتاه وطلب الإذن عليه، فدخل فلما رآه وقف له، أكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: في خير؟، ما جاء الشيخ إلا في حاجة؟!. فقال له: نعم!. قال: ما هي؟. قال: ابن صورة. قال: خذه، والله! ما أقدر أردك، ولولاك لكان له حال آخر. فخرج الشيخ فأخذه وانصرف. قلت: وهو اليوم في مصر لإقراء أنواع العلوم الشرعية والعقلية، وعلم المعاني والبيان، والنحو والعربية، والإفتاء، وإفادة الطلبة، والإذن لنبهاء الفقهاء بالإفتاء، وإنشاء أهل العلم والتحصيل، حتى كثر عدد العلماء، واخضرّ به قلم الإفتاء، ولولاه لجفّ بموت من مات من العلماء، لأنه أذن لجماعة بمصر والشام وحلب، وتضرّم به وقود الأذهان والتهب. وهو ممن قرأت عليه أصول الفقه، وعلم المعاني، والبيان. وممن أذن لي وأحسن، وجاد بما أمكن. ولما رحل صاحبنا الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو عبد الله محمد الشبلي الحنفي (١) إلى الديار المصرية، كتبت إليه بسببه كتابا نسخته: -

стр. 3674

" الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى - ومنهم واحد الدهر وكفى -. سيدنا ومولانا، ومبصّرنا بمصالح آخرتنا وأولانا، ومتحفنا بما يقصّر منه عن شكرنا أولانا: السيد العالم الرباني (١)، المكمّل لنقائص الصور والمعاني، المسلّك (٢) على الطريقة، والمملك لأزمّة الحقيقة، قطب الأولياء (٣)، وارث الأنبياء، الإمام المجتهد المطلق، والبحر الزيد المطبق، الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والساعي يبلغ من مصالح الأمة في أدنى يوم ما يعجز في سنة، الحجة الواضحة، والمحجّة اللائحة، آخر المجتهدين، شمس الدنيا والدين، معلم المتكلّمين، إمام المتأخرين والمتقدمين: [البسيط] سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد … ملء المسامع والأفواه والمقل (٤) لا زالت البصائر به منوّرة، والحدائق بسحبه منورة، والحقائق بعلمه

стр. 3675

مصورة، والشرائع بذبّه (١) عن حوزتها مسوّرة (٢)، والبحار الزواخر في مغيض صدره مغوّرة، وشمس السماء بضياء شمسه مكوّرة، وأرض القدماء لدى رياضه اليانعة مبوّرة (٣)، ومنابت الخط إذا نظرت إلى ميامن قلمه تشاءمت بكعاب رماحه المدورة، ودول الأيام تسعد بخيالات أيامه المطوّرة، ولا برحت السيوف تعنو لهممه والسيوف تعزو النفع إلى كرمه، ولا فتيء فتي الدهر وشيخ أبنائه، ولا انفكّ أنف كل معاند راغما بسارّ أنبائه، ولا كان مكان فوق فرق الفرقد (٤) إلا دون أدنى بنائه، حتى يلتحق بالزمرة السعداء، ويلقى الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، خدم بها المملوك على قصوره وخضوع أبياته التي كان يتطاول بها في العلياء إلى شوامخ قصوره، مذكّرا بعبودية قديمة، لا يزال لها في كل حين بارقة على إطلاله. وقائلة (٥) في ظلاله، وحائمة على زلاله، ومتشوّقة في آفاق الأقمار إلى مطلع هلاله، وملتفة إلى ما يغضّ الأبصار من بديع جلاله، مع وثوقه بأنه إن أغبّ (٦) بتذكاره أو غاب، لا يلوي لحظه من سيده مطال (٧) مطالب، ولا يغير عوائد تعوده وراب آرب، ولا يبرح له ذاكرا لا ينساه، ومؤانس له والدهر قليل المواساة، إلا صفوة إخوان بهم يبل الرمق، وقليل ما هم، ويقل القلق وهو كثير لولا هم، ومنهم السيد الأخ العزيز، الشيخ الجليل،

стр. 3676

الإمام، العالم، الفاضل، الفقيه، المحدّث، المفنّن، مجموع الفضائل، فلان الماثل على حضرته المشرفة بها، والخائض إليها ظلم الليالي لا يبالي بجنح غيهبها (١)، وهو على ما هو عليه من التحلي بالوفاء في الزمان الغادر، والاتصاف بالصفاء في وقت يبدو فيه الكدر، وأوله ما يبدو من الشفق المحمر في لج الصباح الزاخر، من ذوي الفضل المتعدّد، والعلم المتجدّد، والذهن الساطع، والرأي الصائب القاطع، واليد التي لم تقصر به في التصنيف، ولم تعذر بسببه فيها تهب المسامع التشنيف، هذا إلى ذهن شفّت سرائره، وعرفت أمائره (٢)، وتقى صلحت مضغة قلبه لتصلح سائره، وقد أمّ الآن الديار المصرية المحروسة التي هي الآن فلك شمسه وحضرة قدسه، وموضع ثمار العلماء من غرسه، وقد حمل ظمأه إلى بحره، وشقّ ظلمه إلى فجره، وجاب الفيافي في طلب العلم لديه، واشتمل ذيول الفجاج لحصول الأشمال عليه، وله أسوة بالعلماء الذين امتدت شمسه النيّرة نجومهم، وقدحت مشكاته المضيئة فهومهم، وأمطرت سحبه الروّيّة علومهم، وأطلق إذنه الشريف قلم فتاويهم، وشرف قدره المنيف لهمم معاليهم، ورعى إحسانه المطيف ذمم قصدهم، يقتحمون مناحل أيامهم، وجحافل لياليهم، وهو وإن لم يكن أظهر منهم استحقاقا، وأكثر لإحراز الفوائد استراقا، فما هو بدون جماعتهم، لا بأضعفهم طاقة عن جهة استطاعتهم، والمملوك ممن يثني بين يدي مولانا عليه باستحقاقه، ويصفه بما لا يقدر أحد فيه على شقاقه، وسيظهر له ما يزكي شهادة المملوك في الثناء على فضله والشكر له، وإن لم يكن المملوك من رجال هذا المقام، ولا من أهله، وإن لم يكن:

стр. 3677

فقف وقفة قدامه تتعلّم (١) وفي هذا كفاية ومقنع، وغاية وممتع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، انتهى. وكنت كتبت على يده نسخة إذن له بالإفتاء، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع أقدار العلماء، ونقع بورد الشرائع غلل الظلماء، ورفع بصباح الحق المنير دجى الظلماء، ونصب أعلام الأئمة ليهتدى بهم كنجوم السماء. نحمده على نعمه التي زينت بمجالس العلماء المعابد، وبيّنت فضل العلم إذ كان العالم الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهتزّ بها الأقلام، وتعتزّ ألوية الأئمة الأعلام، وتبتزّ بأيدي حماتها حملة العلم ضوال الإسلام. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي هدى به من الأضاليل، وحمى من الأباطيل، وفضّله على الأنبياء، وجعل علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل (٢). صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمة الهدى، وأزمّة الندى، وتتمة كل خير يبتدأ، صلاة متصلة لا تنتهي إلى مدى، وسلم تسليما كثيرا. وبعد: فلما كان مراد العلم أخصب ما انتجع، وزمان الطلب أحق ما يبكى على

стр. 3678

فائته لو ارتجع، وهو الذي تشدّ إليه الرحال، وتجدّ إليه الرجال، وتمتطى إليه الهمم، ويخاض الليل وقتير الصباح ما دبّ في سواد اللمم، وتركب إليه الرياح، وتتخطى إليه الرماح، ولم يزل أهل الطلب تفارق فيه الكرى (١)، وتشمّر الأهداب للسرى، وتنهض وقد أقعد الحرمان أكثر الورى، وتجول في طلبه الآفاق، وتجوب البلاد والنجوم في اللحاق، وتتفاوت في هذا ومثله رتب الطلب، وتتباين قصب العلم والطرب، ولأهل الحديث الشريف النبوي - زاده الله شرفا - في هذا الوسع مجال، وأنجع (٢) ركائب تأتي عليها رجال عجال، ويزداد في توسع ذيل الارتحال، وتوسيع أردية الأصل قبل حط الرجال، من تفقّه في الدين وتنبه وما له خدين (٣)، واشتغل بمذهب أول الأئمة الإمام أبي حنيفة ﵁ حتى ودّ شقيق الشفق لو نسب إلى نعمانه، ورفيق أول السلف لو تأخّر إلى زمانه، وظهر من فضائله ما وضح وضوح النهار، وأظهر فضوح البحر وفي قلبه النار، وجدّل الأقران لما ناظر، وعلّل السّبب في رقة النسيم بلطائفه لما حاضر، وتفتّح في هذا المذهب المذهب، وأذكى ضرام فهمه فيه فكاد يتلهّب، من دلّه علمه على أن: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٤)، وسبب السفور لجلاء كل مظلم، إذ كان العلم هو الذي يتماثل في وجوب طلبه المسلمون،

стр. 3679

ويتفاضل في علوّ رتبه من قرأ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وفي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء) (٢). وقد جاء: (من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين) (٣). وقال بعض السلف لرجل قال له: إلى متى يحسن بي التعلم؟. قال: ما حسنت بك الحياة. وطالب العلم نهم لا يشبع، ومغتنم لا يقنع، وإناء لا يمتلئ، ومجتهد لا يأتلي، فلما أخذ عن علماء بلده، ونفع بما منهله الغدير ولم يغترف غرفة بيده، لم يجد ذلك وإن كان البحر الزاخر ناقعا (٤) لأوامه (٥)، ولا ذلك الخصب الممتد وإن أمرى نافعا لسوامه، ورأى أن تلك الرحاب الفساح في الطلب لا تسعه، وأن تلك المدد الطوال التي قضاها في التحصيل لا تقنعه، فأمّ مصر - حرسها الله تعالى - حيث هي المصر (٦) الجامع، والأفق الذي تزينه من علمائه النجوم الطوالع. وأتى لا يريد إلا العلم ولقاء أهله، والزيادة منه لو وجد مزيدا في

стр. 3680

فضله. فلم يدع غماما يستسقى ولا إماما عن مثله يتلقّى، ولا من يمتاح (١) له من قليب (٢)، ولا من يرتاح إليه على بعد فكيف والمزار قريب، حتى كادت ركائبه لا تنهض بما أوسقت (٣)، وسحائبه لا تبيض بما سقت، وكان "فلان" هو الذي استفاد وأفاد، وانتقى واستزاد، وضاهى في طلب العلم سري (٤) الغمام، وباهى البدور الكوامل وزاد في التمام. الذي اقتحم الدجى لا ترهبه الأسنّة (٥)، ولافح الرياح لا تزاحمه الأعنّة (٦)، وفهم التنزيل فسكنت نفسه المطمئنة، وعلم الحديث فسلك به طريقا إلى العلم ليسلك الله له به طريقا إلى الجنة (٧). طالما رفعت أعلام الدين بجداله الذي يمنع، وخضعت رؤوس الخصوم بجلاده الذي لا يمنع، ووضعت الملائكة أجنحتها له لأنه طالب علم رضى بما يصنع (٨). وهو ممن حصّل من كلّ علم غاية أو طرفا، وحلّ كل علا وتبوّأ غرفا، وأجاد في
следующие страницы →