الإمام، العالم، الفاضل، الفقيه، المحدّث، المفنّن، مجموع الفضائل، فلان الماثل على حضرته المشرفة بها، والخائض إليها ظلم الليالي لا يبالي بجنح غيهبها (١)، وهو على ما هو عليه من التحلي بالوفاء في الزمان الغادر، والاتصاف بالصفاء في وقت يبدو فيه الكدر، وأوله ما يبدو من الشفق المحمر في لج الصباح الزاخر، من ذوي الفضل المتعدّد، والعلم المتجدّد، والذهن الساطع، والرأي الصائب القاطع، واليد التي لم تقصر به في التصنيف، ولم تعذر بسببه فيها تهب المسامع التشنيف، هذا إلى ذهن شفّت سرائره، وعرفت أمائره (٢)، وتقى صلحت مضغة قلبه لتصلح سائره، وقد أمّ الآن الديار المصرية المحروسة التي هي الآن فلك شمسه وحضرة قدسه، وموضع ثمار العلماء من غرسه، وقد حمل ظمأه إلى بحره، وشقّ ظلمه إلى فجره، وجاب الفيافي في طلب العلم لديه، واشتمل ذيول الفجاج لحصول الأشمال عليه، وله أسوة بالعلماء الذين امتدت شمسه النيّرة نجومهم، وقدحت مشكاته المضيئة فهومهم، وأمطرت سحبه الروّيّة علومهم، وأطلق إذنه الشريف قلم فتاويهم، وشرف قدره المنيف لهمم معاليهم، ورعى إحسانه المطيف ذمم قصدهم، يقتحمون مناحل أيامهم، وجحافل لياليهم، وهو وإن لم يكن أظهر منهم استحقاقا، وأكثر لإحراز الفوائد استراقا، فما هو بدون جماعتهم، لا بأضعفهم طاقة عن جهة استطاعتهم، والمملوك ممن يثني بين يدي مولانا عليه باستحقاقه، ويصفه بما لا يقدر أحد فيه على شقاقه، وسيظهر له ما يزكي شهادة المملوك في الثناء على فضله والشكر له، وإن لم يكن المملوك من رجال هذا المقام، ولا من أهله، وإن لم يكن:
стр. 3677
فقف وقفة قدامه تتعلّم (١)
وفي هذا كفاية ومقنع، وغاية وممتع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، انتهى.
وكنت كتبت على يده نسخة إذن له بالإفتاء، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع أقدار العلماء، ونقع بورد الشرائع غلل الظلماء، ورفع بصباح الحق المنير دجى الظلماء، ونصب أعلام الأئمة ليهتدى بهم كنجوم السماء.
نحمده على نعمه التي زينت بمجالس العلماء المعابد، وبيّنت فضل العلم إذ كان العالم الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهتزّ بها الأقلام، وتعتزّ ألوية الأئمة الأعلام، وتبتزّ بأيدي حماتها حملة العلم ضوال الإسلام.
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي هدى به من الأضاليل، وحمى من الأباطيل، وفضّله على الأنبياء، وجعل علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل (٢).
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمة الهدى، وأزمّة الندى، وتتمة كل خير يبتدأ، صلاة متصلة لا تنتهي إلى مدى، وسلم تسليما كثيرا. وبعد:
فلما كان مراد العلم أخصب ما انتجع، وزمان الطلب أحق ما يبكى على
стр. 3678
فائته لو ارتجع، وهو الذي تشدّ إليه الرحال، وتجدّ إليه الرجال، وتمتطى إليه الهمم، ويخاض الليل وقتير الصباح ما دبّ في سواد اللمم، وتركب إليه الرياح، وتتخطى إليه الرماح، ولم يزل أهل الطلب تفارق فيه الكرى (١)، وتشمّر الأهداب للسرى، وتنهض وقد أقعد الحرمان أكثر الورى، وتجول في طلبه الآفاق، وتجوب البلاد والنجوم في اللحاق، وتتفاوت في هذا ومثله رتب الطلب، وتتباين قصب العلم والطرب، ولأهل الحديث الشريف النبوي - زاده الله شرفا - في هذا الوسع مجال، وأنجع (٢) ركائب تأتي عليها رجال عجال، ويزداد في توسع ذيل الارتحال، وتوسيع أردية الأصل قبل حط الرجال، من تفقّه في الدين وتنبه وما له خدين (٣)، واشتغل بمذهب أول الأئمة الإمام أبي حنيفة ﵁ حتى ودّ شقيق الشفق لو نسب إلى نعمانه، ورفيق أول السلف لو تأخّر إلى زمانه، وظهر من فضائله ما وضح وضوح النهار، وأظهر فضوح البحر وفي قلبه النار، وجدّل الأقران لما ناظر، وعلّل السّبب في رقة النسيم بلطائفه لما حاضر، وتفتّح في هذا المذهب المذهب، وأذكى ضرام فهمه فيه فكاد يتلهّب، من دلّه علمه على أن: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٤)، وسبب السفور لجلاء كل مظلم، إذ كان العلم هو الذي يتماثل في وجوب طلبه المسلمون،
стр. 3679
ويتفاضل في علوّ رتبه من قرأ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وفي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء) (٢).
وقد جاء: (من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين) (٣).
وقال بعض السلف لرجل قال له: إلى متى يحسن بي التعلم؟.
قال: ما حسنت بك الحياة.
وطالب العلم نهم لا يشبع، ومغتنم لا يقنع، وإناء لا يمتلئ، ومجتهد لا يأتلي، فلما أخذ عن علماء بلده، ونفع بما منهله الغدير ولم يغترف غرفة بيده، لم يجد ذلك وإن كان البحر الزاخر ناقعا (٤) لأوامه (٥)، ولا ذلك الخصب الممتد وإن أمرى نافعا لسوامه، ورأى أن تلك الرحاب الفساح في الطلب لا تسعه، وأن تلك المدد الطوال التي قضاها في التحصيل لا تقنعه، فأمّ مصر - حرسها الله تعالى - حيث هي المصر (٦) الجامع، والأفق الذي تزينه من علمائه النجوم الطوالع. وأتى لا يريد إلا العلم ولقاء أهله، والزيادة منه لو وجد مزيدا في
стр. 3680
فضله. فلم يدع غماما يستسقى ولا إماما عن مثله يتلقّى، ولا من يمتاح (١) له من قليب (٢)، ولا من يرتاح إليه على بعد فكيف والمزار قريب، حتى كادت ركائبه لا تنهض بما أوسقت (٣)، وسحائبه لا تبيض بما سقت، وكان "فلان" هو الذي استفاد وأفاد، وانتقى واستزاد، وضاهى في طلب العلم سري (٤) الغمام، وباهى البدور الكوامل وزاد في التمام. الذي اقتحم الدجى لا ترهبه الأسنّة (٥)، ولافح الرياح لا تزاحمه الأعنّة (٦)، وفهم التنزيل فسكنت نفسه المطمئنة، وعلم الحديث فسلك به طريقا إلى العلم ليسلك الله له به طريقا إلى الجنة (٧).
طالما رفعت أعلام الدين بجداله الذي يمنع، وخضعت رؤوس الخصوم بجلاده الذي لا يمنع، ووضعت الملائكة أجنحتها له لأنه طالب علم رضى بما يصنع (٨).
وهو ممن حصّل من كلّ علم غاية أو طرفا، وحلّ كل علا وتبوّأ غرفا، وأجاد في
стр. 3681
علم الفقه وتوجيهه، وعلم تشعّب طرقه ووجوهه، وعرف فيه وجوه الاختلاف ووجوب الائتلاف، ووجود المقتضي للترجيح، والمرتضى فيما يفتي به على الصحيح، ومن أين استنبطت الأدلّة، وعرف المعلول والعلّة. وتردّد إليّ، وقرأ عليّ، وبحث مع أفاضل العلماء لديّ، وناظر بحضوري أماثل الفقهاء، فملأ أذنيّ، وتكرر حضوره عندي، وظهر لي من مدده السحابي أن محلته لا تكدي.
ورأيته أهلا للإفتاء (١) والتدريس، والتصدير (٢)، وولاية المدارس، وغير ذلك، مما ينافس فيه من هذه الرتب العليّة المنافس.
وقد استخرت الله، وأذنت له أن يطلق قلمه بالإفتاء، ويلحق بشأو (٣) الكهول في سن الفتاء (٤)، وأن يرشد الضّلاّل ويرشف من قلمه الزلال، ويتصدّر لإشغال الطلبة ونشر الفقه على ما يوافق في النصّ والقياس مذهبه، واقفا فيما يفتي به عند الصحيح الراجح والحق الواضح، والذي عليه نص مذهب إمامه الإمام أبي حنيفة ﵁، وأصحابه مما عليه الفتوى، وعلى ما ترشد إليه.
ومما أوصيه به من التقوى متيقنا أنه - أطال الله عمره - يموت ويبقى ما كتبت يداه، وأن الفتيا إذا خرجت من يده ربما وقعت في أيدي عداه. ثم إن الله سيسأله عما كتب، فليعدّ قبل أن يجيب على الفتوى الجواب، وليعد النظر مما
стр. 3682
يكتب به فمن أعاد النظر لم يعدم الصواب. والله تعالى يمدّ له أجلا يسري به في ليل الشبيبة حتى يرى صباح المشيب، ومهلا لا تجف لأنديته ضرع ندي، ولا يخمد لهيب، وأن يبقيه خلفا في الإسلام، وما ذلك من عوائد كرم الله بعجيب، والمسؤول من الله أن يوفّق ولاة الأمور - أعزّهم الله بعزّ طاعته، وصرف كلاّ منهم في الخير وسع استطاعته - لإعلاء قدره، واستجلاء بدره، واستملاء ما يكنّه من العلم الجمّ في صدره، وأن يكثروا به في هذا الزمان عدد الفضل القليل، ويأثروا منه الأثر الجميل، ويقدموا منه مستحقا لو أجالوا الفكر لم يجدوا مثله في هذا الجيل، ليصلوا به حبلا لولا مثل هذا في كل أوان لانقرض، ويقيموا بنيانا لولا شبه هذا في كل مكان لا نتقض (١)، وينظروا لآخر الأمة في مدّ مدد العلم الذي لولا بقية العلماء - وهذا منهم - لم يخض".
فلما وصلت إليه تلقّاها بالقبول، وكتبها بخطه إذنا له بالفتوى، وكتب إليّ جوابه؛ فأجبته بما صورته:
"يقبّل الباسط (٢) الأشرف (٣)، الطاهر (٤)، الزكيّ (٥)، المولويّ، السيدي،
الإسلام (١)، مفيد (٢) أهل مصر والعراق والشام، فرد الوجود (٣)، ورد الجود، منشئ العلماء والمفتين، إمام المتكلّمين (٤)، سيف الحق (٥)، ملجأ الخلق، جامع الطرق (٦)، شمس الأفق (٧)، ولي أمير المؤمنين (٨)، لا زالت الأيام رافلة في حبره، والأقلام ناقلة لخبره، والأعلام الشوامخ، متضائلة لدى كبره، والكرام تعترف بفضله الذي تعدّ معه عبرة الغمام من عبره، والأحكام لا تطبع حديد مواضيها
стр. 3685
إلا من زبره (١)، والسهام لا تقطع آراؤها الصائبة قطع سيوفه، ولا تحزّ حزّ إبره، تقبيلا يؤدي حقّ شكره، ويوفي بعض نذره، ويولي القبل قبلة إحسانه، ويوصي بنيه بأداء ما في ذمّته وفرضه، وعجز عن ذكره بلسانه، وينهي ورود المثال العالي، فقام المملوك له ووقف على قدمه، ووقف لديه معرضا لخدمه، ونظر إليه فبهت، وحاول شكر أدنى معروفه فصمت، واستظلّ بظل غمامته، واستقلّ سرورا بسلامته، واستقبل الدهر برفع ملامته، وتأمل كرمه ومدّ يده إلى مدامته، وأفضى منه إلى فضاء ملؤه الكرم، ورسيله البحر وتلوه الدّيم (٢)، فترامى المملوك عليه، وكرع في غدير تلك الصحيفة وأمن به، وقد أوجس (٣) البرق في نفسه خيفة، وبايع مؤديه الرشيد لما رأى لمهدي مهديّه خليفة، وقلب وجهه في سماء ذلك السماح، وقلبه في سراء تلك المواهب التي لو جاراها البحر قالت له: إياك والطّماح (٤)، وجبنه في نعماء تلك النعم التي خطت إليها الرياح وتخطّت الرماح، واستبق مضمونه، ولسان محضره في وصف ندي عهده وكرم لم يزل يعد منه يدا مجدده، وهدى فرق به النحر لما أبصر فرقده، ومعروف ما برحت تعرف به الأعلام، وتصرف بالفتاوى الأقلام، وتشرف القبل بالتهاوي إلى مواطن الأقدام، وتلك صدقات مولانا التي شملت من شهد علمه الشريف باستحقاقه، ولهذا أطلق فيه رسن قلمه، ونبّه له، وسن طرفه من حلمه، وأذن له في الإفتاء الذي آن لأن يشرق في أفقه بدره الطالع، ويشرق (٥) بغصص حدّه
стр. 3686
عدوه الطامع، فجاء مسرورا من كريم جنابه، محبورا بإحسانه بعد أن حظي بالمثول في فنائه الرحيب، وأحسن عن المملوك في منابه المولى الشيخ الفقيه، الإمام العالم، الكامل الفاضل، الحافظ المحدّث، المتقن المتفنّن، العلامة، أوحد العلماء، جمال أهل الإفتاء (١)، فخر المحدّثين (٢)، شمس العصر، بدر الدين الشبلي - زاده الله فضلا - وللّه (٣) هو من مستحق قدم مولانا منه إماما، وأمطر طلبه العلم به غماما، وناوله قلم الإفتاء وكثر عدد العلماء به وقد قلّوا، وأرشد السواد الأعظم ببدره الطالع، ولولاه لضلّوا، وأهّل الصدور التصدير منه من مطويّ علمه المحاريب إحناء ضلوعها، وتجري السماء إذ لم تر مثله أعين دموعها، ووصل ووصف وأراه ما كساه فما ظن إلا أنه عليه من ورق الجنة قد خصف، وذكر وشكر، وما جاء إلا بالمعنى المتداول مما أجمع الناس عليه من إحسان مولانا وهو يظن أنه قد ابتكر، وقال وقال، وهيهات أن تبلغ البلاغة أو تحيط الفكر، وناول المملوك المثال العالي (٤) الذي لا مثال له إلا ما كتبه كاتب اليمين، وذهّبه موقد جمر الشّفق وكابت به الدر الثمين، وقبّله وسابق نهب اللاثمين، وحلا بما
стр. 3687
تضمّنه وإذا بالبحار الزواخر والرياض الزواهر، والسّحب إلا أنها سحب نيسان التي تولد الجواهر، والله الله في مسامحة المملوك في قصور هذا التمثيل، وفتور هذا التشبيه الذي كم له مثيل لشيء ما له مثيل، ولقد وقع هذا الإحسان بموقع من المملوك، وعمّ سائر القلوب وعدّ فضل النعم به إلا أنه غير محسوب، وأرى المملوك زمان مثوله بين يدي سيده حيث المزار قريب، والزمان عزّ ولولا هذا لم يكن صنعه الميل بغريب، ولقد رام المذكور على طلاقة لسنه، وامتداد رسنه، وقدرته على الكلام وكثرة حسنه، أن يعرّف المملوك بما أولاه من منه المنوعة فما قدر ولا زاد على أنه اعترف أنه لا يطيق واعتذر، وها هو الآن قد تصدّى لما أخذ عن مولانا علمه، وحرّك له عزمه، وأحيا الله به موات أموات هذا المذهب، واستعاد فوات ما لو لم يدرك مولانا بقية آخر رمقه بهذا ومثله من العلماء لكاد أن يذهب.
وألسنة أهل دمشق كلها بالأدعية لمولانا موليهم هذه النعمة بسببه ناطقة، وبضائع صنائع مولانا في سوق شكرهم نافقة. والمملوك عنهم المترجم، ولإدلاله قد طال ويقبّل تقبيل المتهجّم، والمملوك يستعرض المراسم العالية التي هو طوالع السعود لا ما يدّعيه المنجّم، لا رحت طلبته مثرية المطالب، مورية الهدى في الغياهب (١)، مجرية الأقلام بالإفتاء، وفي آثارها ولا يلحق زمن الكواكب".
стр. 3688
ومن فلاسفة المغاربة، وحكمائها، ومتكلميها ممن كان بالأندلس:
٣٨ - يحيى بن يحيى، أبو بكر، المعروف بابن السّمينة (١٣)
من أهل قرطبة (١). أتقن العلم والحساب، وعلم التصور والاكتساب، وعانق الصبر والاحتساب، وعانى مهمّ الفنّ حتى أوتي أجره بغير حساب، فمات، وآخر الحياة الموت، ونهاية الدرك الفوت، بعد خيرات أثرها، ومبرّات بقيت، وقد أكلت الأيام مؤثّرها، وعمل صالح بلا اكتراث، وعلم نافع يبقى إذا انقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث (٢)
قال ابن أبي أصيبعة (٣): " قال القاضي صاعد (٤): إنه كان بصيرا بالحساب، والنجوم، والطب، متصرّفا في العلوم، متفنّنا في المعارف، بارعا في [علم النحو] (٥) واللغة والعروض، ومعاني الشعر، والفقه، والحديث، والأخبار، والجدل، ورحل إلى المشرق ثم انصرف".
стр. 3689
قلت: وقد ذكره ابن المازري (١)، وقال: " قدم علينا مصر حاجّا، وتسامع به الناس، فأتوه من كل فج، وقرؤوا عليه كتبه، وغيرها، وحبوه (٢) بالذهب، وأنواع الحباء، فلم يقبل لأحد شيئا. وكان متقلّلا من الدنيا، زاهدا في حطامها، لا يزال يذكر الموت وهو المطّلع، ويقول: ليت أمي لم تلدني! ".
قال: " وكان كثير الصدقة والبر، ولا سيما إذا رأى ذا عجز ظاهر. ملازما للصلوات في أوقاتها. نزل في دار قريبة من المسجد الجامع، ليقرب عليه أداء الفرائض في الجماعة، وكان إذا صلى ظهر عليه من الخشوع وفيض الدموع ما يكاد يرحمه به من رآه.
قال: وكان لا يزال ينشد: [الطويل]
إذا نظر الدنيا بصير بحالها … تيقّن أن الدهر جمّ المصائب
فمن عارف تصطاده باقتسارها (٣) … وغرّ بها تصطاده بالرغائب
فما ماؤها إلا سراب بقيعة … وما عيشها إلا تحلّم كاذب
لحا (٤) الله مغترّا بها وصروفها (٥) … وفي بعضها للمرء كل العجائب
قال ابن المازري: وأظنها له.
стр. 3690
ومنهم:
٣٩ - ابن المجريطي (١): أبو القاسم مسلمة بن أحمد [بن قاسم بن عبد الله] (١٣)
من أهل قرطبة.
مسح الأفلاك وقسمها خططا، ووسمها وما سامها شططا، وكان كأنه بعض كواكبها إشراقا، وجواريّها الكنّس إشفاقا. أشرق إشراق زهرتها، وتدفّق تدفّق المجرة على زهرها، ونفض على الآفاق صبغة أصلها، وذرّ في مقلة الصباح زرقة كحلها.
وكان بقرطبة حلية لأيام بني مروان، وزينة لذلك الأوان، أعاد ذاهب زمانهم، والركائب ترد عليهم وترد وجوه النجائب (٢) إليهم.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): "كان في زمان الحكم" (٤).
стр. 3691
وقال صاعد (١): "كان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وحركات النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بالمجسطي، - كتاب بطليموس -، وله عدة كتب. وأنجب له ملأ من التلاميذ الأجلاّء، ولم ينجب عالم بالأندلس مثلهم؛ ومنهم: ابن السمح (٢)، وابن الصفّار (٣).
وهو أول من أتقن علم الاصطرلاب بالمغرب، والزهراوي (٤)، والكرماني (٥)،
стр. 3692
وابن خلدون (١).
قلت: وقد رأيت اصطرلابا من عمله عليها اسمه، وكانت غاية في الحسن، للعروض التي عملت لها صفائحها، إلا أن كواكبها كانت تحتاج إلى تحريك لطول المدة منذ عملت. ورأيت له رسالة في" المجنّب والآفاقية "، كتبتها بخطي لإعجابي بها، ثم غالتها يد الضياع، وغالبت عليها الأيام التي لا تستطاع.
ومنهم:
٤٠ - ابن السّمح: أبو القاسم أصبغ بن محمّد بن السّمح الغرناطيّ القرطبيّ المهريّ (٢) المهندس (١٣)
حكيم ترفع (٣) له المبار (٤)، وطبيب تدفع به المضار، قيّم بتركيب الأدوية،
стр. 3693
وتفاضل التفضيل والتسوية، أحيا الله به القوى الحيوانية، وحفظ النفس الإنسانية.
سلك بنظره في الأبدان، وملك ما ليس لأحد به يدان، ونظر في تفاريق العضل، وتفاريع ما كفى من الأغذية وفضل، واستدلّ بالنبض على ما وراءه، وعرف دواءه على الحقيقة وداءه، بحدس صحيح حصر حتى ضيّق المجاري واتساعها، وانحطاط الدرجات في الأدوية وارتفاعها، إلى غير ذلك من أسباب في علوم، وحساب، ونجوم، وأمور كان بها يقوم.
قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان في زمان الحكم ".
وقال صاعد (٢): " كان محققا لعلم العدد (٣)، والهندسة، متقدّما في علم هيئة الأفلاك وحركات النجوم، وكانت له عناية بالطب، وتواليف الحساب، ".
وقال: " أخبرني تلميذه أبو مروان الناشئ المهندس أنه توفي بغرناطة (٤) ".
стр. 3694
ومنهم:
٤١ - أبو الحكم الكرمانيّ: عمرو بن عبد الرّحمن بن أحمد بن عليّ (١٣)
من أهل قرطبة.
طبيب لا يدقّ عليه غامض، ولا يشق عليه خفاء وامض. وكان مقدّما في التعاليم، ومعظّما في الأقاليم، وجامعا من القوى النفسانية التقاسيم، وأجاد الكلام في أحكام الطب، وإحكام ما يحتاج إليه المستطب (١)، وعرف في القوى الطبيعية المخدومة والخادمة، والبداية والخاتمة، إلى أن أبرز كل خفية، وأحرز قدر الكمية والكيفية، ولم يزل يعود بملاطفته ويعود بعاطفته، حتى انتعشت به الأرواح في أجسامها، وأمنت به من انتهاب الأقسام واقتسامها، وطردت الصحة الأمراض، وقامت جواهر النفوس بالأعراض.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " هو أحد الراسخين في [علم] العدد".
وقال صاعد (٣): " إن تلميذه الحسين بن محمد المهندس المنجّم قال: إنه ما ألفى أحدا يجاريه في علم الهندسة، ولا شقّ غباره في فك غامضها، وتبيين مشكلها واستيفاء أجزائها.
стр. 3695
ورحل إلى المشرق، وانتهى إلى حران [من بلاد الجزيرة]، وعني هناك بطلب الهندسة، ثم رجع إلى الأندلس، واستوطن ثغر سرقسطة (١)، وأدخل معه " رسائل إخوان الصفا" ومجرّبات فاضلة فيه. ونفوذ مشهورة في الكيّ والقطع، والشقّ، والبط، وغير ذلك من أعمال الطب، ولم يك بصيرا بالنجوم ولا بالمنطق ".
ومنهم:
٤٢ - ابن واقد [الوزير، أبو المطرّف عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد الكبير بن يحيى ابن واقد بن مهنّد اللّخميّ] (١٣)
بيت حكمة، ونبت حشمة، ورئيس طب، ومنية محب، عنيت الدول برفع أخمصه، ودفع منتقصه، وقدمته باستحقاقه لأن يكون مقدّما، ويسدّد رأيه ليفوت مقوّما، فلهذا كان مجاريه لا يقدر له على لحاق، وحاسده ولو كان البدر لا يرى إلا في المحاق (٢)، بلطف لو سحب ردنه (٣) الروض لأبهج رقيمه (٤)، أو
стр. 3696
الأصيل المعتد لشفاه، وما صحّ من النسيم سقيمه، لم تمدّ يد إلى مجاذبته، ولا طمع في مجانبته.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "هو الوزير أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن يحيى بن وافد بن مهند اللخمي. أحد أشراف أهل الأندلس، وذوي السلف الصالح منهم، والسابقة القديمة فيهم. عني عناية بالغة بقراءة كتب جالينوس وتفهّمها، ومطالعة كتب أرسطو وغيره من الفلاسفة وتعقلها".
قال صاعد (٢): "وتمهّر في تعلّم الأدوية، وصنّف فيه كتابا جليلا لا نظير له، جمع فيه ما قاله ديسقوريدس وجالينوس في الأدوية المفردة، ورتّبه أحسن ترتيب، [وهو مشتمل على قريب من خمسمائة ورقة] (٣).
قال: " وأخبرني أنه عانى جمعه وترتيبه وتصحيح ما تضمنه من أسماء الأدوية وصفاتها، وتفصيل قواها، وتحديد درجاتها، نحوا من عشرين سنة، حتى كمل موافقا لغرضه، مطابقا لبغيته. وله في الطب منزع لطيف، ومذهب شريف.
كان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن التداوي بالأغذية، أو كان قريبا منها، ثم إذا اضطر إلى الأدوية لا يرى التداوي بالمركّب ما أغنى المفرد، فإن اضطرّ إلى المركّب لم يكثر التركيب، بل يقتصر على أقلّ ما يمكنه منه، وله نوادر محفوظة وغرائب مشهورة في الإبراء من العلل الصعبة، والأمراض المخيفة بأيسر العلاج.
واستوطن طليطلة، وكان أيام ابن ذي النون (٤).
стр. 3697
ومنهم:
٤٣ - محمد بن يوسف المنجّم (١٣)
أديب غلب عليه التنجيم، وعلا قدره فما حصر بالتقويم، وسيّر الشهب حتى صوّرها من توليد خاطره، وصيّرها على لسانه بدلا من ناظره، وحيّرها حتى وقفت له فأصبحت قريحته منها متخيّرة، وأظلها بلألاء أنواره فظلت متحيرة.
قال ابن رشيق (١): "شعره صحيح (٢) البناء، ملتئم الأجزاء، ملموم الثواء (٣)، يجيء كأنه قطعة واحدة.
غلب عليه التنجيم كأبيه، وكتب ليعلى بن فرح، ثم لولده، وامتدح نصير (٤) الدولة مرات، وأورد من شعره: [الطويل]
لعمري لئن كنا حليفي صناعة … لقد سبقت ريش الخوافي القوادم (٥)
стр. 3698
فقل للذي استهزا (١) بنا في فعاله … مقالي يقظان وعرضك نائم
سيغسل عني الماء فعلك كله … وقولي باق والعظام رمائم
تدبّ على الأعضاء منه عقارب … وتنفث في الأحشاء منه أراقم (٢)
فإن كان ذا عرض تلوح كلومه … فعندي ضمادات له ومراهم
ومنهم:
٤٤ - أبو بكر ابن باجة (٣): ابن الصّايغ، واسمه: محمّد بن يحيى التّجيبيّ (٤) السّرقسطيّ (٥) الأندلسيّ (١٣)
стр. 3699
أديب رمي من حالق، وبلي بحارق، ولم يقنع صاحب "القلائد" (١) بأن يضع عليه سمة الفاسق، ذكره ويا بئس ما جاء به في سوقه النافق!. قال فيه:
"رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا (٢).
قال ابن أبي أصيبعة (٣): " كان علاّمة في وقته في العلوم الحكمية، وبلي بمحن كثيرة، وشناعات سيئة، وقصدوا هلاكه مرات، [وسلّمه الله منهم، وكان متميّزا في العربية والأدب] (٤)، وكان حافظا للقرآن، [ويعد من الأفاضل في صناعة الطب، وكان متقنا لصناعة الموسيقي، جيّد اللعب بالعود].
стр. 3700
وقال ابن الإمام (١): " كان ذا ثقابة الذهن، ولطف الغوص على تلك المعاني الشريفة الدقيقة أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه".
"وكان من أجلّ نظّار وقته، ثم أضرب عن النظر ظاهرا لما لحقه من المطالبات في دمه بسببه، وأقبل على العلوم الشرعية، فرأس فيها وزاحم، لكنه لم يلح عليه ضياء هذه المعارف، ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فإذا قرنت أقاويله فيها بأقاويل ابن سينا والغزالي - وهما اللذان فتح عليها بعد أبي نصر بالمشرق في فهم تلك العلوم، ودوّنا فيها، بان لك الرجحان في أقاويله، وحسن فهمه، والثلاثة أئمة دون ريب".
وأنشد له الفتح في" القلائد " (٢) قوله: [البسيط]
يا شائقي حيث لا أسطيع أدركه … ولا أقول غدا أغدو فألقاه
أما النهار: فليلي ضمّ شملته … على الصباح فأولاه كأخراه
أغرّ نفسي بآمال مزخرفة … منها لقاؤك، والأيام تأباه
وقوله (٣): [الكامل]
خفّض عليك فما الزمان وريبه … شيء يدوم ولا الحياة تدوم
واذهب بنفس لم تضع لتحلّها … حيث احتللت بها وأنت عليم
يا صاحبي لفظا ومعنى خلته … من قبل حتى بيّن التقسيم
دع عنك من معنى الإخاء ثقيله … وانبذ بذاك العبء وهو ذميم
стр. 3701
واسمح وطارحني الحديث فإنه … ليل كأحداث الزمان بهيم
خذني على أثر الزمان فقد مضى … بؤس على أبنائه ونعيم
فعسى أرى ذاك النعيم وربه … مرح وربّ البؤس وهو سقيم
هيهات ساوت بينهم أجدائهم … وتشابه المحسود والمرحوم
وقوله (١): [الطويل]
أقول لنفسي حين قابلها الردى … فراغت فرارا منه يسرى إلى يمنى
قري تحمدي بعض الذي تكرهينه … فقد طال ما اعتدت الفرار إلى الأهنى
وقوله (٢): [الطويل]
أسكّان نعمان الأراك تيقنوا … بأنكم في ربع قلبي سكّان
ودوموا على حفظ الوداد فطالما … بلينا بأقوام إذا استؤمنوا خانوا
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم … هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان
وهل جرّدت أسياف برق سماؤكم … فكانت لها إلا جفوني أجفان (٣)
стр. 3702
ومنهم:
٤٥ - المبشّر بن فاتك: وهو: الأمير محمود الدّولة أبو الوفاء الآمريّ (١٣)
طبيب لو جسّ نبض البرق لما اختلف، أو لاطف ما ينافر من الطبائع لائتلف، أعرف باختلاف الفروق من الخيال بالطروق، وأهدى إلى معالجة الدّاء الدويّ (١) من الطفل إلى الثدي، لو عالج النار لخمدها، أو البحار لجمدها، أو شكت إليه الفراقد (٢) طول السهر لردّ عليها غمضها، أو السحب المتصبّبة من الرحضاء (٣) لأزال ممضّها (٤).
تيسّرت على يديه الممتنعات، وأمنت بحسن طبه التبعات، إلا أن أدواء المنية أعيته، وطوارق الأجل بيّتته، فلم يجد لداء منيّته طبّا، ولا لرجاء أمنيّته طبّا، هذا مع ما كان له من أسلاف وإمره، وبيت كم لمعتقيه من طواف به وعمره، لكنه لم يدافع عنه زمره، ولا تجلّت عنه غمره.
ذكره ابن أبي أصيبعة، قال (٥): "كان من أعيان [أمراء] (٦) مصر، وأفاضل
стр. 3703
علمائها، [دائم الاشتغال] محبّ للفضائل، والاجتماع بأهلها، واجتمع بجلّة من الحكماء وأهل الطب، وأخذ عنهم، وكانت له خزائن كتب، وكان في أكثر أوقاته إذا نزل من الركوب لا يفارقها، وليس له دأب إلا المطالعة والتعليق، يرى أن ذلك أهم ما عنده. فلما مات عمدت زوجته (١) إلى الكتب فألقتها في بركة ماء كبيرة كانت في وسط الدار.
ثم شيلت (٢) الكتب بعد ذلك من الماء وقد غرق أكثرها، وإنما فعلت ذلك لحنقها على الكتب، لكونه كان يتشاغل بها عنها (٣).
стр. 3704
ومنهم:
٤٦ - الحفيد أبو بكر محمّد بن [أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء] (١) زهر [بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإياديّ الأندلسيّ الإشبيليّ] (١٣)
فاضل متميّز، وكامل إلى الأطباء متحيّز، أخذ من كل علم بحظ وافر، وحق ما الفائز به إلا ذو حظ وافر، وكان يقيس الأمور بأنظارها (٢)، ويحوزها من سائر الأطراف باستحضارها، فأطلّ على ربواتها، واطّلع على هفواتها، حتى كاد يعرف نبض البرق في اختلافه، ويحيط علما بكل موافق وخلافه، هذا إلى آداب ترقّ، ويهب لطفها النسيم ويسترقّ، ومات وفي يده أزمّة الطب، وذهب هو والمستطب، ولم يدفع عن حوبائه تلك المعارف، ولا ذادت من حينه الأجل المشارف، فاستوطن التّرب مخليا للتّرب، ومخليا للسرب، فآها ثم آها (٣)، وويلاه لحسرات لا تتناهى، كيف يأفل مثل قمره؟، وكيف ينقضي طيب سمره؟، وكيف يذهب مثله من العلماء، ويذهب من بين نجوم السماء، وطالما
стр. 3705
جلا الدجى، وأنهج طرق الحجى، وامتدّت نحوه أيادي الخلفا، واعتدّت له بحسن الوفا، وثنت العلياء له الوسائد، وأخدمته الأيام والليالي ولائد.
قال ابن أبي أصيبعة (١) فيه: "هو الإمام، الوزير، الحكيم، الأديب، الحسيب، الأصيل.
مولده بمدينة إشبيلية، ونشأ بها، وتميّز في العلوم، وأخذ [صناعة] الطب عن أبيه، وباشر أعمالها، وكبر، ولم يتغير عليه سوى ثقل السمع.
حفظ القرآن الكريم، وسمع الحديث الشريف، واشتغل بالأدب، وأتقن اللغة، وقال الشعر وأجاد في الموشحات، وكان متين الدين، ملازما للأمور الشرعية، قويّ النفس، له جرأة في الكلام، ولم يكن في زمانه أعلم منه بالطب.
لازم عبد الملك الباجي سبع سنين يشتغل عليه، وقرأ" المدونة "لسحنون (٢) في مذهب مالك، ومسند ابن أبي شيبة، و [حدثني أيضا القاضي أبو مروان الباجي عن أبي بكر بن زهر أنه كان شديد البأس] (٣) يجذب قوسا وزنه مائة وخمسون رطلا بالإشبيلي، ورطلها مائة وستون درهما. وكان جيد اللعب بالشطرنج.
стр. 3706
وخدم الملثمين، والموحّدين (١)، وبقي إلى أيام عبد الله الناصر بن المنصور يعقوب (٢)، ومات بمراكش (٣).
وحكي أنه كان له صديق يلاعبه الشطرنج، فرآه يوما منقبضا؛ فسأله عما به، فأخبره أن له بنتا زوّجها من رجل، وأنه يحتاج في جهازها إلى ثلاث مائة دينار.
فقال له: العب، وما عليك، فإن عندي ثلاثمائة دينار إلا خمسة، واستدعى بها (٤) فأعطاها له، فلما كان غير بعيد أتاه الرجل بالذهب، فقال له الحفيد ابن زهر: ما هذا؟. قال: بعت زيتونا لي بسبعمائة دينار، وقد أتيتك منها بثلاثمائة إلا خمسة، عوض ما أقرضتني. وقد بقيت عندي البقية. فقال الحفيد: خذه إليك فإني ما أعطيتكه على أني أعود فيه.
فقال له الرجل: لا تفعل فإنني في سعة. وترادّا (٥). فقال له ابن زهر: أنت عدوّي أو صديقي؟. قال: بل صديقك، وأحب الناس فيك. فقال: إن الصديقين مالهما واحد، فخذه، فإن لم تفعل عاديتك بسببه. فأخذه وشكر له.
قال القاضي أبو مروان الباجي: وكان المنصور قد قصد أن لا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة باقيا في بلاده، وأباد كثيرا منها بإحراقها بالنار، وشدّد في أن لا يرجع أحد يشتغل بشيء منها، وأنه متى وجد أحدا ينظر في هذا العلم،
стр. 3707
أو وجد عنده شيئا من الكتب المصنفة فيه فإنه يلحقه ضرر عليه. ولما شرع في ذلك جعل أمره مفوّضا إلى الحفيد أبي بكر بن زهر، وأنه الذي ينظر. وأراد الخليفة أنه إن كان عند ابن زهر شيء من كتب المنطق والحكمة لم يظهر، ولا يقال عنه إنه يشتغل بها، ولا يناله مكروه بسببها. ولما نظر ابن زهر في ذلك وامتثل أمر المنصور في جمع الكتب من عند الكتبيين، وغيرهم، وأن لا يبقى شيء منها، وإهانة المشتغلين بها.
وكان بإشبيلية رجل من أعيانها يعادي الحفيد ويحسده، وعنده شرّ عظيم، فعمل محضرا في أن ابن زهر دائم الاشتغال بهذا الفن والنظر فيه، وأن عنده شيئا كثيرا من كتبه. وجمع فيه شهادات كثيرة، وبعث إلى المنصور. وكان المنصور حينئذ في حصن الفرح، وهو موضع بناه قريبا من إشبيلية، عن ميلين منها، صحيح الهواء، بحيث بقيت الحنطة فيه ثمانين سنة لم تتغير من صحته.
وكان أبو بكر بن زهر هو الذي أشار أن يبنيه المنصور في ذلك الموضع، ويقيم فيه في بعض الأوقات، فلما كان المنصور به، وقد أتاه المحضر نظر إليه، ثم أمر أن يقبض على الذي عمله، وأن يودع السجن، ففعل به ذلك وانهزم جميع الشهود الذين وضعوا خطوطهم فيه. ثم قال المنصور: إني لم أترك ابن زهر في هذا إلاّ (١) حتى لا ينسبه أحد إلى شيء منه، ولا يقال عنه. والله لو أن جميع أهل الأندلس وقفوا قدامي وشهدوا على ابن زهر بما في هذا المحضر لم أقبل قولهم، لما أعرفه في ابن زهر من متانة دينه، وعقله.
وحدثني أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي قال: كان قد أتى إلى الحفيد اثنان يشتغلان عليه بصناعة الطب، فدخلا عليه يوما وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق، فلما نظر إليه نهض حافيا ليضربهما، وانهزما، وهو يتبعهما، ولم
стр. 3708
يرجع إلا من مسافة بعيدة، وانقطعا عنه أياما، ثم توسّلا إليه، واعتذرا، وأظهرا التوبة مما فعلاه، فقبل عذرهما، وأذن لهما في الدخول عليه مستمرّين في قراءة الطب على عادتهما، ثم بعد مدة أمرهما بحفظ القرآن، وقراءة التفسير، والحديث، والفقه، وأمرهما بمواظبة الأمور الشرعية، وآدابها وسننها، وعدم الإخلال بذلك حتى بقي ذلك لهما سجية وطبعا، وعادة قد ألفوها. ثم بعد ذلك أخرج لهما الكتاب بعينه، وقال لهما: الآن صلحتما لقراءة هذا الكتاب، وغيره من أمثاله، وابتدأ في إشغالهما فيه، فتعجبا من فعله - رحمه الله تعالى - وهذا يدل على كمال عقله، وتوفّر مروءته.
وحدّثني القاضي أبو مروان الباجي قال: كان أبو زيد عبد الرحمن بن برجان - وزير المنصور - يعادي الحفيد، ويحسده لما يرى من علوّ منزلته، وعلمه، فاحتال عليه في سمّ قدمه إلى الحفيد في بيض وكانت عنده بنت أخته، وكانت أخته وابنتها هذه عالمتين بصناعة الطب، والمداواة، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، وكانتا تدخلان على نساء المنصور، ولا يقبل للمنصور وأهله ولدا إلا أخت الحفيد أو ابنتها، لما توفيت أمها. فلما أكل الحفيد وبنت أخته ذلك البيض ماتا جميعا، ولم ينفع فيهما علاج.
قال: ولم يمت أبو زيد عبد الرحمن بن برجان إلا مقتولا، قتله بعض أقربائه.
ومن شعره يتشوق إلى ولده (١): [المتقارب]
ولي واحد مثل فرخ القطا … صغير تخلّف قلبي لديه
نأت عند داري فيا وحشتي … لذاك الشخيص وذاك الوجيه
تشوّقني وتشوّقته … فيبكي عليّ وأبكي عليه
стр. 3709
ومنهم:
٤٧ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف، ركن الدين، أبو عبد الله، ابن القوبع (١) القرشي، الهاشمي، الجعفري، المالكي، التونسي (١٣)
الإمام، العلاّمة، المتقن، جامع أشتات الفضائل.
لبيب مبصر، لا يخاف منه التخبيط، وطبيب مكثر لا يؤتى عليه من التخليط، أتقن العلم إتقانا، ودرب العمل إذ كان لا يغبّ له إتيانا. هذا إلى فضل متّسع، وسبق وراه (٢) كل متّبع.
جدّ في الطلب حتى كان جذيله المحكّك (٣)، وعذيقه المرجّب لا يشكّك.
стр. 3710
وكان حين وخط (١) المشيب عارضه، وأسكت معارضه، أشدّ مما كان عارضة، وأشدّ معارضة. فلم يمتدّ معه لمجادل نفس، ولا رفع رأسه نحو مناظر إلا نكس لثاقب فكرة حطّ عنها قناعها، وكثر لكل قريع الحزم قراعها، فتقهقر كل متقدّم عن مكانه، وعلم أن دونه ما في إمكانه.
لم أر له نظيرا في مجموعه وإتقانه، واستحضاره، واطّلاعه.
كان مجيدا في الأصول، والحديث، والفقه، والأدب، واللغة، والنحو، والعروض، وأسماء الرجال، والتاريخ، والشعر. يحفظ للعرب، والمولّدين (٢)، والمتأخرين.
غاية في الطب والحكمة، ومعرفة الخطوط - خصوصا خطوط المغاربة - قد مهر في ذلك وبرع، وإذا تحدّث الناس في شيء من ذلك كله، تكلّم على دقائقه وغوامضه، ونكته، حتى يظنّ سامعه إنما أفنى عمره في ذلك الفن!.
قال شيخنا العلاّمة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي (٣) - وهو ما هو -: ما أعرف أحدا مثل الشيخ ركن الدين. أو كما قال. وقد رأى جماعة ما أتى الزمان لهم بنظير بعدهم مثل الشيخ.
стр. 3711
وحكى أبو الفتح ابن سيد الناس (١): أنه لما قدم إلى الديار المصرية وهو شابّ، حضر سوق الكتب، وابن النحاس شيخ العربية حاضر، وكان مع المنادي ديوان ابن هانئ المغربي، فأخذه الشيخ ركن الدين، وأخذ يترنّم بقول ابن هانيء: [الكامل]
فتكات لحظك أم سيوف أبيك … وكؤوس خمرك أم مراشف فيك (٢)
وكسر التاء، وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه ابن النحاس، وقال له: ما ذا إلا نصب كثير.
فقال له الشيخ ركن الدين - بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة (٣) -: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء، على أنها أخبار لمبتدآت مقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك، أم كذا، أم كذا؟. وأنا الذي أقوله أغزل وأمدح، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك، أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك، أم مراشف فيك. فأخجل ابن النحاس، وقال: يا مولانا! فلم لا تتصدّر وتشغل الناس؟.
فقال - استخفافا بالنحو، واحتقارا له -: وأيش هو النحو في الدنيا؟. أو كما قال.
стр. 3712
وحكى أيضا قال: كنت أنا و [شمس الدين ابن] الأكفاني (١)، نأخذ عليه في "المباحث المشرقية" (٢)، فأبيت ليلتي أفكر في الدرس الذي نصبح نأخذه عنه، وأجهد قريحتي، وأعمل بعقلي وفهمي إلى أن يظهر لي فيه شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلّم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد وهو في واد!؛ أو كما قال (٣).
وحكى المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني ابن سيد الناس على "السيرة" (٤) التي عملها علّمت فيها على مائة وأربعين موضعا، أو مائة وعشرين - السهو مني - أو كما قال. ولقد رأيته مرات يواقف ابن سيد الناس في أسماء الرجال، ويكشف عليها، فيظهر معه الصواب.
قال أبو الصفاء (٥): "وكنت يوما أنا وهو عند ابن سيد الناس، فقال: قال
стр. 3713
الشيخ تقي الدين ابن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولا في الدين. الأصول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ، * اَللّهُ اَلصَّمَدُ، * لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فنفر الشيخ ركن الدين، وقال له: يا عرّة! (١) عمل الناس وصنعوا وأفكروا فيك، ونهض قائما، وولى مغضبا.
قال: " وأخبرني الشيخ فتح الدين (٢) قال: جاء إليه إنسان يصحّح عليه في "أمالي القالي" فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه إلى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل، فقال: (٣) لي نحو عشرين سنة ما كرّرت عليها".
وكان إذا أنشده أحد شيئا في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدّمين والمتأخرين، كأنه كان يكرر عليه تلك الليلة! (٤) ".
وتولى "نيابة الحكم" (٥) للقاضي المالكي بالقاهرة، ثم تركها تديّنا منه.
стр. 3714
وقال: يتعذّر فيها براءة الذمة. وكانت سيرته فيها حسنة مرضيّة. وكان يدرّس في "المدرسة المنكدمرية" (١) بالقاهرة، ويدرّس الطب بالبيمارستان المنصوري، وينام أول الليل، ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وقد أخذ كتاب "الشفاء" لابن سينا ينظر فيه، لا يكاد يخلّ بذلك.
قال الشيخ فتح الدين: "قلت له يوما: يا شيخ ركن الدين! إلى متى تنظر في هذا الكتاب؟. فقال: إنما أريد أهتدي".
وكان فيه سآمة وملل حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه، ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات [يكون] في بحث وقد حرّر لك المسألة، وكادت تنضج، فيترك الكلام ويمضي!.
وكان حسن التودّد يتودّد (٢) إلى الناس ويهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحد، لأنه كان معه مال له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم.
وكان يتصدّق سرا على أناس مخصوصين، [وكان مع هذه العلوم] (٣) لثغته بالراء قبيحة، يجعلها همزة!.
وكان إذا رأى أحدا يضر كلبا أو يؤذيه يخاصمه وينهره، ويقول له: لم تفعل هذا؟ أما هو شريكك في الحيوانية؟.
وكان خطه على وضع المغاربة، وليس بحسن.
وسمع بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المسند تقي الدين ابن
стр. 3715
الواسطي (١)، واستجزته سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بالقاهرة، باستدعاء فيه نثر ونظم، فأجاب وأجاز، وأجاد نثرا ونظما.
أنشدني لنفسه إجازة: [الطويل]
جوى يتلظّى في الفؤاد استعاره … ودمع هتون لا يكف انهماره
يحاول هذا برد ذاك بصوبه … وليس بماء العين تطفا ناره
ولوعا بمن حاز الجمال بأسره … فحاز الفؤاد المستهام إساره
كلفت به بدريّ ما فوق طوقه … ودعصيّ (٢) ما يثني عليه إزاره
غزال له صدري كناس ومرتع … ومن حب قلبي شيحه (٣) وعراره
[من السمر يبدي عدمي الصبر خده … إذا ما بدا ياقوته ونضاره] (٤)
جرى سابحا ماء الشباب بروضه … فأزهر فيه ورده وبهاره (٥)
يشبّ ضراما في حشاي نعيمه … فيبدو بأنفاس الصعاد شراره
وينثر دمعي منه نظم مؤشّر … كنور الأقاحي (٦) حفّه جلّناره (٧)