← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وحكى أبو الفتح ابن سيد الناس (١): أنه لما قدم إلى الديار المصرية وهو شابّ، حضر سوق الكتب، وابن النحاس شيخ العربية حاضر، وكان مع المنادي ديوان ابن هانئ المغربي، فأخذه الشيخ ركن الدين، وأخذ يترنّم بقول ابن هانيء: [الكامل] فتكات لحظك أم سيوف أبيك … وكؤوس خمرك أم مراشف فيك (٢) وكسر التاء، وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه ابن النحاس، وقال له: ما ذا إلا نصب كثير. فقال له الشيخ ركن الدين - بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة (٣) -: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء، على أنها أخبار لمبتدآت مقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك، أم كذا، أم كذا؟. وأنا الذي أقوله أغزل وأمدح، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك، أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك، أم مراشف فيك. فأخجل ابن النحاس، وقال: يا مولانا! فلم لا تتصدّر وتشغل الناس؟. فقال - استخفافا بالنحو، واحتقارا له -: وأيش هو النحو في الدنيا؟. أو كما قال.

стр. 3712

وحكى أيضا قال: كنت أنا و [شمس الدين ابن] الأكفاني (١)، نأخذ عليه في "المباحث المشرقية" (٢)، فأبيت ليلتي أفكر في الدرس الذي نصبح نأخذه عنه، وأجهد قريحتي، وأعمل بعقلي وفهمي إلى أن يظهر لي فيه شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلّم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد وهو في واد!؛ أو كما قال (٣). وحكى المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني ابن سيد الناس على "السيرة" (٤) التي عملها علّمت فيها على مائة وأربعين موضعا، أو مائة وعشرين - السهو مني - أو كما قال. ولقد رأيته مرات يواقف ابن سيد الناس في أسماء الرجال، ويكشف عليها، فيظهر معه الصواب. قال أبو الصفاء (٥): "وكنت يوما أنا وهو عند ابن سيد الناس، فقال: قال

стр. 3713

الشيخ تقي الدين ابن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولا في الدين. الأصول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ، * اَللّهُ اَلصَّمَدُ، * لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فنفر الشيخ ركن الدين، وقال له: يا عرّة! (١) عمل الناس وصنعوا وأفكروا فيك، ونهض قائما، وولى مغضبا. قال: " وأخبرني الشيخ فتح الدين (٢) قال: جاء إليه إنسان يصحّح عليه في "أمالي القالي" فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه إلى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل، فقال: (٣) لي نحو عشرين سنة ما كرّرت عليها". وكان إذا أنشده أحد شيئا في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدّمين والمتأخرين، كأنه كان يكرر عليه تلك الليلة! (٤) ". وتولى "نيابة الحكم" (٥) للقاضي المالكي بالقاهرة، ثم تركها تديّنا منه.

стр. 3714

وقال: يتعذّر فيها براءة الذمة. وكانت سيرته فيها حسنة مرضيّة. وكان يدرّس في "المدرسة المنكدمرية" (١) بالقاهرة، ويدرّس الطب بالبيمارستان المنصوري، وينام أول الليل، ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وقد أخذ كتاب "الشفاء" لابن سينا ينظر فيه، لا يكاد يخلّ بذلك. قال الشيخ فتح الدين: "قلت له يوما: يا شيخ ركن الدين! إلى متى تنظر في هذا الكتاب؟. فقال: إنما أريد أهتدي". وكان فيه سآمة وملل حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه، ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات [يكون] في بحث وقد حرّر لك المسألة، وكادت تنضج، فيترك الكلام ويمضي!. وكان حسن التودّد يتودّد (٢) إلى الناس ويهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحد، لأنه كان معه مال له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم. وكان يتصدّق سرا على أناس مخصوصين، [وكان مع هذه العلوم] (٣) لثغته بالراء قبيحة، يجعلها همزة!. وكان إذا رأى أحدا يضر كلبا أو يؤذيه يخاصمه وينهره، ويقول له: لم تفعل هذا؟ أما هو شريكك في الحيوانية؟. وكان خطه على وضع المغاربة، وليس بحسن. وسمع بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المسند تقي الدين ابن

стр. 3715

الواسطي (١)، واستجزته سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بالقاهرة، باستدعاء فيه نثر ونظم، فأجاب وأجاز، وأجاد نثرا ونظما. أنشدني لنفسه إجازة: [الطويل] جوى يتلظّى في الفؤاد استعاره … ودمع هتون لا يكف انهماره يحاول هذا برد ذاك بصوبه … وليس بماء العين تطفا ناره ولوعا بمن حاز الجمال بأسره … فحاز الفؤاد المستهام إساره كلفت به بدريّ ما فوق طوقه … ودعصيّ (٢) ما يثني عليه إزاره غزال له صدري كناس ومرتع … ومن حب قلبي شيحه (٣) وعراره [من السمر يبدي عدمي الصبر خده … إذا ما بدا ياقوته ونضاره] (٤) جرى سابحا ماء الشباب بروضه … فأزهر فيه ورده وبهاره (٥) يشبّ ضراما في حشاي نعيمه … فيبدو بأنفاس الصعاد شراره وينثر دمعي منه نظم مؤشّر … كنور الأقاحي (٦) حفّه جلّناره (٧)

стр. 3716

يعلّ (١) بعذب من برود رضابه … تفاوح فيه مسكه وعقاره ويسهد أجفاني بوسنان أدعج … يحيّر فكري غنجه واحوراره حكاني ضعفا أو حكى منه موثقا … وخصرا نحيلا عال صبري اختصاره معنّى بردف لا ينوء بثقله … فيا شدّ ما يلقى من الجار جاره على أن ذا مثر وذلك معسر … ومن محنتي إعساره وإيساره تألّف من هذا وذا غصن بانه … توافت به أزهاره وثماره تجمع فيه كل حسن مفرق … فصار له قطبا عليه مداره زلال ولكن أين مني وروده … وغصن ولكن أين مني اهتصاره؟ وسلسال راح صدّ عني كاسه … وغودر عندي سكره وغماره دنا ونأى فالدار غير بعيدة … ولكنّ بعدا صدّه ونفاره وحين درى إن شدّ أسري حبّه … أحلّ بي البلوى وساء اقتداره ومنها: حكت ليلتي من فقدي النوم يومها … كما قد حكى ليلي ظلاما نهاره كتمت الهوى لكن بدمعي وزفرتي … وسقمي تساوى سره وجهاره ثلاث سجلات عليّ بأنني … أمام غرام قلّ فيك استتاره أورّي بنظمي في العذار وتارة … بمن إن تفنّى القرط أسفى سواره وجلّ الذي أهوى عن الحلي زينة … ولمّا يقارب أن يدب عذاره أراحة نفسي كيف منك عذابها … وجنة قلبي كيف منك استعاره؟ وتوفي الشيخ ركن الدين المذكور - بالقاهرة، في تاسع ذي الحجة، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، واعتلّ يومين ومضى إلى رحمة ربه الرحيم، ومولده

стр. 3717

سنة أربع وستين (١)، بتونس (٢). وله من التصانيف التي دوّنها: " تفسير سورة ق "، في مجلّدة (٣). ولما تولى الإعادة في المدرسة الناصرية عمل درسا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ (٤)، وعلّق عليه ما أملاه في ذلك. وكان - رحمه الله تعالى - قد قرأ النحو: على يحيى بن الفرج بن زيتون. والأصول: على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس. وقدم مصر عام تسعين وسمع بدمشق من ابن الواسطي، وابن القواس، وبحماة من [المحدّث] ابن مزيز (٥). ومنهم: ٤٨ - محمد بن إبراهيم المتطبب صلاح الدين المعروف بابن البرهان الجرائحي عالم لا يحصر بأمد، ولا يجيء البحر عنده غير ثمد (٦)، نظر في علوم الأوائل ووجهه ما تلثم بعذاره (٧)، ولا بعد عهده بزمان إعذاره، ففتح أطباق تلك النواويس، حتى استل علومها وسأل عليمها، ونقل إلى حفظه خبايا

стр. 3718

أسرارها، وخفايا أسفارها، وحيي به ما مات في لحود رممها، وفات بجمود هممها، واستقل بتلك الأعباء، فحصّل ما كان طالبا، وحسّن بإنفاقه ما جاء جالبا. قرأ الطب على ابن النفيس، وغيره. وقرأ الحكمة، وآخر ما قرأ كتاب" الشفاء "لابن سينا على شيخنا الأصفهاني. كان يتردد إليه من القاهرة إلى الخانقاه القوصونية بالقرافة، لا يعنيه إلا القراءة عليه، ولم يزل حتى أكمله قراءة وبحثا، واستشراحا. وكان طبيبا حكيما، فاضلا، متفلسفا، قائلا بالروحانيات، له ميل إلى النجامة، ومخاطبات الكواكب، وتطلع إلى الكيمياء، يتحدّث فيه، ويصحح قول المتقدمين في صحتها. وحكي لي أنه كان يصحب ابن أمير يعرف بابن سنقر الرومي، وأنه كان يعملها، وصحّت معه طرف منها. وكان يحكى عن هذا ابن سنقر الرومي عجائب وغرائب منها أنه عمل له فسقية (١) معقودة في تربة له بالقرافة، لها منافس للهواء. فلما نجزت اتخذ له غذاء مركّبا مما يخف مقداره، وتكثر تغذيته، ونزل إلى تلك الفسقية، وأمره بتعهّده في كل أسبوع، ويجدّد له الماء، وأنه بقي يتعهّده كذلك. ولكّما أتاه بعد أسبوع، وجده قد تزايد ضعفه عما فارقه عليه، حتى كان رابع أسبوع - قال: أو خامسه، الشك مني - أتيته فوجدته قد غارت عيناه، وخفت حسّه، حتى ظننت أنه قد مات، فحملته أنا وآخر كان قد أطلعه على حاله معي، وأخرجناه،

стр. 3719

ونقّطنا في فمه نقطا من الشراب، وأذكينا عنده [ … ] (١) لنغذوه بها، ثم لم نزل نتعهّده إلى أن نقطنا مرقة فرّوج في فمه، فأفاق ولم يكلّمنا، ودمنا على هذا حتى كلّمنا، وقال لي: لا جزاك الله خيرا!، حلت بيني وبين ما حاولته من الانتقال إلى ما كنت أريد الانتقال إليه إلى خير من هذا العالم، ثم قال: أدركني بفاصد (٢). فقلت: والله لا أفعل. فقال: يا أخي! لا تفعل، أدركني به، ولا تدع ينزل من دمي إلا ما قلّ لترى العجب. فأتيته بفاصد، ففصده، ولم أدعه ينزل من دمه إلا ما قلّ، ثم شددت يده. فقال: احفظ هذا الدم في زجاجة، وسدّ رأسها لا يفسد بالهواء. ففعلت، ثم قال: ائتني بقرعة وإنبيق، فأتيته به، فأداره ثم سكب ذلك الماء عليه، فاستحال فضة بيضاء! فتركه عندي إلى أن عاد إلى معهود صحته، وقويت قواه، ثم خرجنا إلى جهة الخارقانية، وكان له بها تعلق، ثم أمرني أن أذهب إلى بلبيس (٣) لأبيع تلك الفضة، وآتيه من عرضها بمأكل، فذهبت بها إلى صائغ فأريته إياها وأنا خائف وجل، لا يظهر له منها عيب، فأخذها واعتبرها، فلما صحّت معه سارع إلى مشتراها مني، فأخذت من الثمن شواء وحلوا وفاكهة، وغير ذلك، وفضل معي ثمان مائة وثلاثون درهما - أو كما قال -، فأتيته بذلك فأكلنا، ثم قال: خذ الدراهم، ولا جزاك الله خيرا لكونك تسببت في عودتي إلى تعب هذا العالم!. قلت: وكان هذا الطبيب عارفا بالطبّ علما لا عملا، لا يحسن العلاج، ولا

стр. 3720

يطول روحه على العليل، كثير النزاقة (١)، عديم التلطّف، كارها لأطباء زمانه، لا يذكر أحدا منهم ولا يذكر له إلا وذمّه، وأطلق لسانه في معايبه. وكان يقول: هؤلاء اليهود قد ارتفع رأسهم، وامتلئوا فوق وسعهم على جهلهم، وقلة حاصلهم، يعني: " السديد الدمياطي "و" فرج الله ابن صغير "ولا يزال يتوقّد منهما غيظا وحسدا لرغبة السلطان والأمراء والكبراء فيهما أكثر منه، وما كان يحصل لهما من الخلع والإطلاقات (٢)، ويصل إليهما من دور السلطان والأمراء لإفراط ميل النساء إلى طبهما، وملاطفتهما. ثم كان إذ ذمّهما يقول لمن يثق به: "وهذا إبراهيم ابن المغربي هو مادّة عزّ هؤلاء اليهود، وكنز غناهم، وبه طاروا وحلّقوا ". وهذه ألفاظه بعينها. وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة، مؤقتة من الظهر إلى الظهر. وكان يحب لبن الضأن، ويكثر أكله. صحبناه مرة في بلاد الصعيد وكان هو قد تقدم مع" طقزدمر " (٣)، وأخبرني أنه لم يأتدم في تلك السفرة على طول أيامها بشيء غير اللبن إلا مرّات يسيرة، وقال: هو غذاء صالح، وللجسم به إلف من أول زمان الرضاع. وكان أنه ينشّفه ويلقي فيه طاقات من النعنع والملح ويأكله. وكان واسع النعمة كثير المال، ومات أخوه وورث منه مالا كثيرا، فازداد ماله

стр. 3721

ضعفا على ضعفه، وكانت له متاجر إلى إخميم (١)، وقوص (٢)، وأسوان، وسائر بلاد الصعيد. وكان يرى في نفسه الغضاضة لتقدم ابن المغربي عليه في رياسة الطب، ويتشكّى هذا إلى أصحابه، وسأل السلطان في الإعفاء من قطعه الخدمة فقال: لا، ما نعفيك، أنت عندنا عزيز كريم، ونعرف أنه أفضل من إبراهيم - يعني: ابن المغربي -، وأحق، ولكن إبراهيم صاحبنا، وله علينا حق خدمة، وطيّب قلبه، فاستمرّ، ورأى أنه لم يبق له إلا مصافاة ابن المغربي، فخطب إليه أخته فتزوّج بها لقصد الاستصلاح له، لا للزواج. وكان رجلا مسّيكا، مفرط البخل، مقتّرا على نفسه، مضيّقا عليها مع عظيم القدرة والإمكان، وكان لا يأكل إلا من الظهر إلى الظهر، كما ذكرناه، أسوأ أكل، ويلبس أردأ ملبوس، ويركب حمير الكراء، ومع هذا كان من المعدّلين، يجلس مع الشهود الموقعين تحشّما لا تكسّبا، وله وجاهة عند الأمراء والوزراء والكبراء، والحكّام، معظّما في الصدور ويشار إليه بالأنامل، ولم يصنّف مصنّفا، ولا طلع له تلميذ، ولا عرف بغرابة في طبّه. وعرّف الدولة بما له قبل موته، وخلّف أموالا جمّة ورثها السلطان عنه. قلت: وقد كان ﵀ لنا صديقا صدوقا، وصاحبا ملاطفا، وكان يحدّثني بدقيق أمره وجليله، ويطلعني على ما عنده من تقديم الرئيس جمال الدين إبراهيم ابن المغربي عليه، وينسبه إلى أنه يتقصّد قتله واغتياله بالسم، والأمر خلاف ما ظنه، وضدّ ما توهّمه. ولم يكن جمال الدين ممن يخافه لمكانة جمال الدين المكينة عند السلطان،

стр. 3722

ولكرم خلائقه وبعده من تقلّد دم حرام لا سيما دم مثله. وقد كنت أقول له ليرجع عن سوء رأيه فيه وأوهامه فلا يرجع، ولا يفيد القول، ثم تزوج في آخر عمره بأخت جمال الدين على عدم حاجته بالنساء - كما يقال -، وأظهر الصفاء وباطنه على كدره. وأعتقد أنه لم يزل على هذا إلى انتهاء عمره. قلت: وحكي لي أنه جلس يوما على حانوت العطار الذي كان يجلس عنده، وطلب منه شرابا يشربه، فناوله شرابا مسموما. قال: فلما شربته أحسست بالسم، وبدت فيّ علاماته، فأسرعت القيام إلى داري، وأخذت خرزة بازهر (١) حيواني كانت عندي، وسحلتها، ثم أذبت السحالة بماء ورد على مسنّ ثم لعقتها، فزالت تلك الأعراض لوقتها، ولم يمض بياض ذلك النهار حتى أكلت طعامي، ولم يعيّن من دسّ ذلك عليه، وما أراد - والله أعلم - إلا جمال الدين ابن المغربي. وقد تقدم القول في بعد جمال الدين من ذلك. قلت: وقد كان ابن البرهان دخل اليمن، واتصل بصاحبها الملك المؤيد داود ﵀ وخدمه مدة، وحصّل من جهته ما لا طائلا، كان منه أصل نعمته، ورأس ماليته، ثم فارقه وعاد إلى مصر، وكانت كتبه لا تنقطع عنه، وصلاته تصل إليه، وكان يعرض الكتب التي ترد عليه على السلطان فيأمره بقضاء حوائجه، وكانت الكتب تتضمن طلب كتب طبية، وعقاقير مصرية ومغربية، مما يجل السلطان عن طلب ذلك منه، ويجهّز إلى ابن البرهان ذهبا لمشتراه، فكان يتولى ذلك ويقوم في هذه الخدمة بنفسه. قلت: ولقد قرأت كتابا منها كله بالخط المؤيدي، ومضمونه بعد البسملة:

стр. 3723

"كتابنا هذا إلى ولينا العبد الشكور، الحكيم، الجليل، الفاضل، المعتمد، الثقة، صلاح الدين معتمد الملوك والسلاطين، أدام الله توفيقه ومراشده، وأسعد مقاصده. نأمره عنا بتسليم عادة إنعامه من حامله، ومعها مائتا دينار مصرية مع ما معها برسم مشترى الحوائج المطلوبة من الديار المصرية، وهو ثلاثمائة دينار، وقد اشتملت التذكرة المجهّزة طيها على ذكره فيقف عليها وينجز المطلوب ويتخيّره، ولا يقطع مطالعاته عن أبوابنا المعمورة - إن شاء الله -". هذه صورة الكتاب ولفظه بنصّه، وعليه اسمه: داود بن يوسف. وقد ذكرت ذلك ليعلم، فقد لا يخلو من فائدة. ومنهم: ٤٩ - ابن الأكفاني: محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاريّ، شمس الدّين أبو عبد الله السّنجاريّ المولد والأصل، المصري الدار (١٣) حكيم تكلم في الجوهر والعرض، وعرف أسباب الصحة والمرض، وبرهن على الطب وموضوعاته، والعلاج وتبعاته. دقّق في العلم حتى أوضح معالمه الوضعية، وبيّن الفرق في القوى الطبيعية، وجال نظرا في التشريح، وقال فيه بالصريح، وذكر ترتيب الشريان على المنازل، ومكان الصاعد والنازل، بكلام جلاه، وكمال مكّن علاه، ولهذا ساد في أهل عصره، وعاد بالظفر من قام بنصره،

стр. 3724

وأهل مصر يظنون أنه لو لامس الماء لالتهب، أو لمس التراب لأحاله إلى الذهب. يدعي أن له علما يقلب الأعيان أسرع من إدراك العيان، لعلوم لم يضرب دونها سترا، وبيان أتقنه و: (إن من البيان لسحرا) (١). ذكره الفاضل أبو الصفاء الصفدي وقال (٢): "فاضل جمع أشتات العلوم، وبرع في علوم الحكمة، خصوصا الرياضي، فإنه في الهيئة والهندسة والحساب له في ذلك تصانيف وأوضاع مفيدة". وقال: "قرأت عليه قطعة جيدة من كتاب" أقليدس "وكان يحلّ لي فيه ما أقرؤه عليه بلا كلفة كأنما هو ممثّل بين عينيه، فإذا ابتدأت في الشكل شرع هو فيسرد باقي الكلام سردا، وأخذ الميل، ووضع الشكل في حروفه في الرّمل على التختج (٣)، وعبّر عنه بعبارة جزلة فصيحة بيّنة واضحة، كأنه ما يعرف شيئا غير ذلك الشكل. وقرأت عليه مقدمة في وضع الأوفاق؛ فشرحها لي أحسن شرح. وقرأت عليه أول الإشارات، فكان يحل شرح نصير الدين الطوسي بأجلّ عبارة، وأجلى إشارة، وما سألته عن شيء في وقت من الأوقات مما يتعلق بالحكمة من المنطق والطبيعي، والرياضي، والإلهي، إلا وأجاب بأحسن جواب، كأنما كان البارحة

стр. 3725

يطالع تلك المسألة طول الليل! ". وأما الطب: فإنه إمام عصره، وغالب طبّه بخواصّ ومفردات يأتي بها وما يعرفها أحد لأنه يغيّر كيفيتها وصورتها، حتى لا تعلم، وله إصابات غريبة في علاجه. وأما الأدب: فإنه فريد فيه، يفهم نكته، ويذوق غوامضه، ويستحضر من الأخبار والوقائع والوفيات للناس قاطبة جملة كبيرة، ويحفظ من الشعر شيئا كثيرا إلى الغاية من شعر العرب، والمولّدين، والمحدثين، والمتأخرين، وله في الأدب تصانيف، ويعرف العروض والبديع جيدا، وما رأيت مثل ذهنه توقد ذكاه بسرعة ما لها رويّة، وما رأيت فيمن رأيت - أصحّ منه ذهنا، ولا أذكر (١). وأما عبارته الفصيحة الموجزة، الخالية من الفضول، فما رأيت مثلها. كان ابن سيد الناس يقول: ما رأيت من يعبّر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله، انتهى. قال أبو الصفاء (٢): "لم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطّلاعا منه على أحوال الناس وتراجمهم، ووقائعهم، ممن تقدّمه، وممن عاصره. وأما أحوال الشرق ومتجدّدات التتار في بلادهم في أوقاتها: فكأنما كانت القصّاد تجيء إليه، والملطّفات تتلى عليه، بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطّلع عليه من الديوان (٣).

стр. 3726

وأما الرّقى (١) والعزائم (٢): فيحفظ منها جملا كثيرة، وله اليد الطولى في الروحانيات، والطلاسم، وما يدخل في هذا الباب. قال: وقرأت عليه من تصانيفه: " إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد " (٣)، و" اللباب في الحساب " (٤)، و" نخب الذخائر في معرفة الجواهر " (٥)، و" غنية اللبيب عند غيبة الطبيب " (٦). ومما لم أقرأه عليه من تصانيفه: " كشف الرين في أمراض العين " (٧). قال: وأنشدني لنفسه: [الكامل] ولقد عجبت لعاكس الكيمياء … في طبّه قد جاء بالشنعاء يلقي على العين النحاس يحيلها … في لمحة كالفضة البيضاء

стр. 3727

وله تجمّل في بيته وملبسه، ومركوبه من الخيل المسوّمة، والبزّة الفاخرة، ثم إنه اقتصر وترك الخيل، وآلى على نفسه أن لا يطبّ أحدا إلا ببيته، أو في المارستان، أو في الطريق، وهو غاية (١) في معرفة الأصناف من الجواهر، والقماش، والآلات، والعقاقير، والحيوانات، وما يحتاج إليه البيمارستان [المنصوري بالقاهرة] (٢)، ولا يشترى، ولا يدخل إليه إلا بعد عرضه عليه، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه لم يشتر البتة، وهذا اطّلاع كثير وخبرة تامّة، لأن البيمارستان يريد كل ما في الوجود مما يدخل في الطب، والكحل، والجراح، وغير ذلك. وأما معرفة الرقيق من المماليك والجواري: فإليه المآل (٣) في ذلك، ورأيت المولعين بالصنعة يحضرون إليه ويذكرون له ما وقع لهم من الخلل في أثناء أعمالهم، فيرشدهم إلى الصواب، ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد. ولم أره يعوز (٤) شيئا من كمال الأدوات، غير أن عربيّته كانت ضعيفة، وخطّه أضعف من مرضى مارستانه، ومع ذلك فله كلام حسن، ومعرفة [جيدة] بأصول الخط المنسوب، والكلام على ذلك، انتهى ما ذكره أبو الصفاء" (٥). قلت: هذا رجل اجتمع بي، وتردّد إليّ غير مرة، وجاريته الحديث كرّة على كرّه، وهو كما ذكره، من الحديث الممتع، والكلام المطمع، وقرأت عليه: [ .. ] (٦) ولقد كنت ألتقط من أثناء كلامه ثمرات الحكم، وأستدلّ له بمجاراته على

стр. 3728

سعة الاطلاع، ووفور مدد. ورأيت له في هذا ما لم أر لأحد. وكان يستجهل الأطباء، ويستبعد طرق معالجاتهم، ويستبشع كريه وصفاتهم، ويقول: أنا أعالج المرضى بما لا يستكره، كهذه الأدوية الكريهة التي يصفها الأطباء، وأعطي القدر اليسير مما يستطاب، فيقوم مقام الكثير مما يعطونه مما لا يستطاب، ويكون ما أعطيه من نوع الغذاء وهو يقوم مقام الدواء. وحكى لي القاضي ضياء الدين يوسف بن الخطيب أنه احتاج إلى استفراغ (١)؛ فعرض ما به على الأطباء واستوصفهم (٢)، فقالوا: هذا يحتاج إلى خمسة أيام تتقدّم قبل استعمال دواء. وشرعوا في وصف دواء يشتمل على عقاقير كثيرة كريهة، فلم أجد لي قابلية على ما قالوه. فقلت لابن الأكفاني، فقال: ما يحصل القصد، ثم أتاني ببرنية (٣) فيها شراب حماض، وقال: كلما أردت قيام مجلس العق من هذا الشراب لعقة. قال: فلعقت منه تسع لعقات، فقمت تسعة مجالس، وزال ما كنت أشكوه، ثم كنت في كل حين ألعق من ذلك الشراب، وكلما لعقت لعقة قمت مجالسا لا يخالف عدد القيام عدد اللعقات، ولم يخرم معي هذا. وحكى لي الصدر مجد الدين السلامي نحو ذلك، ومع هذا كله، وما لا يجحد من فضله لا يقول أطباء مصر إلا أنه طرقيّ لا طبيب!، وأيّ حسن ما له من يعيب؟!. كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغضا إنه لذميم (٤)

стр. 3729

فأما أول من استخرج الطب فرجلان: لم يعد بعد معهما كارع في لجام، ولا بعدهما إلا خالع الألجام، جلّيا كل مبهم، وتجليا كغرّة الأدهم. فالأول: ٥٠ - اسقليبيوس بن ريوس (١٣) متطبّب لا يقرن بأهل الجدّ إلا إذا هزل، ولا يقرب من مطمح النجم إلا إذا نزل، يجله من تعقّله، ويجهله من ظنّ أنه مع البحار الزاخرة قد تمقّله. عزت إليه الحكماء طبها، وأعزت خطبها، لما أخذ عنه من علم جليل، كم أعاذ من مندم، وصان من دم، وبصّر أعمى، وأثر نعمى، وأخمد من نار سوء المزاج العائث ما تضرّم، حتى لم يبق جسم نحيل يتوجّع، ولا أم عليل تتفجّع. ترفوا به الأعلاّء (١) ملابس صحتها، وترفل بطبّه الأصحّاء في مجرور ذيل فسحتها. قد اتفق كثير من قدماء الفلاسفة والمتطّببين على أنه أول من ذكر من الأطباء، وأول من تكلّم في الطب على طريق التجربة. وكان يونانيا، ولليونان جزيرة كانت للحكماء من الروم ينزلونها، فنسبوا إليها. وقال أبو معشر (٢): "إن بلدة من المغرب كانت تسمى: أرغس، وكان أهلها يسمون أرغيزا، ثم سميت: أيونيا، وسمي أهلها: اليونان. وكان ملكها أحد ملوك الطوائف، وأول من اجتمع له ملك أنونيا، من ملوك اليونانين كان اسمه

стр. 3730

أيوليوس، وكان لقبه: دقطاطر، ووضع لهم سننا كثيرة مستعملة عندهم". وقال أبو سليمان السجستاني (١): " هو إمام الطب، وأبو أكثر الفلاسفة " قال: وينسب إليه أقليدس، وأفلاطون، وأرسطو، وأبقراط، وأكثر اليونانية. قال: وكان أبقراط هو السادس عشر من أولاده، يعني البطن السادس عشر. وقال: " سولون (٢) أخوه هو أبو واضعي النواميس". ويقال: إن اسقليبيوس انكشف له أمور عجيبة من أحوال العلاج بإلهام إلهي. ويحكى أنه وجد علم الطب في هيكل كان لهم بروميّة، يعرف بهيكل ابلق، ثم عرف به، وكان بيتا يحجّون إليه، وحجّ إليه جالينوس، [ومما يحقّق ذلك أن جالينوس قال في كتابه في فينكس: إن الله عز اسمه لما خلّصني من دبيلة قتالة كانت عرضت لي". حكى صاحب تاريخ الأطباء (٣): إنه كانت فيه صورة تكلّمهم عند ما يسألونه. وقال جالينوس: إن طب اسقليبيوس كان طبا إلهيا. وقال: إن قياس الطب الإلهي إلى طبنا قياس طبنا إلى طب الطرقات. وقال أبقراط: إن اسقليبيوس رفع في عمود من نور. وقيل: إنه كان يستشفى

стр. 3731

بقبره. وكان يسرج (١) عليه كل يوم وليلة ألف قنديل، وكان الملوك من نسله، وتدّعي له النبوة، وكان أولاده عالمين بالطب. وقال أبو الوفاء [المبشر] بن فاتك (٢): إن اسقليبيوس كان تلميذ هرمس، ويزعم أن هرمس هو إدريس ﵇. وقيل: بل كان اسقليبيوس تلميذ أعاثاديمون المصري (٣)، ومعنى اسمه: السعيد الجد، ويزعم أنه أحد أنبياء اليونانيين. ويقال: إن اسقليبيوس هو البادئ بصناعة الطب في اليونان، وعلما بنيه، وحظر عليهم أن يعلّموها الغرباء. وقد خالف أبو معشر أهل هذا القول، وقال: إنه لم يكن بالمتأله الأول في صناعة الطب، ولا المبتدئ بها، بل إنه عن غيره أخذ، ولمنهج من قبله سلك. وكان يعلّم الطب مشافهة، فلما تضعضع الأمر على أبقراط، وقلّ أهل بيته، لم يأمن أن تتعرض الصناعة، فابتدأ في تأليف الكتب على جهة الإيجاز. ومن كلامه: قوله: "من عرف الأيام لم يمهل الاستعداد". وقوله: " [كم من دهر ذممتموه، فلما صرتم إلى غيره حمدتموه، وكم من أمر أبغضت أوائله وبكي عند أواخره عليه". وقوله: "المتعبّد بغير معرفة كحمار الطاحون يدور ولا يبرح [ولا يدري ما هو فاعل].

стр. 3732

وقوله: " فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها. وقوله: "إني لأعجب ممن يحتمي من المآكل الرديئة مخافة الضرر ولا يدع الذنوب مخافة الآخرة". وقوله: "أكثروا من الصمت فإنه سلامة من المقت (١)، واستعملوا الصدق فإنه زين النطق". وقيل له: "صف لنا الدنيا. فقال: أمس أجل، واليوم عمل، وغدا أمل". وأما الثاني فهو: ٥١ - أيلق (١٣) ويقال له: "أيلة"، وهو تلو (٢) صاحبه، وصنو صوائبه، ومدرك وفاته، ومستدرك فواته، كم منّعا (٣) جسوما، وقطّعا الأدواء حسوما، ولا يلقى في المجامع بشر تألّق وذكر بالمسامع يتعلّق، ولم يقصر به دون رجاء ياس، ولا ضاق به مدى فتر (٤) في قياس. قال ابن جلجل: إنه أول حكيم تكلّم في الطب ببلد الروم والفرس، وهو أول من استنبط كتاب الإغريقي لهيامس الملك، وتكلم في الطب، وقاسه، وعمل به، وكان بعد موسى ﵇، في زمان بذاق الحاكم، وله آثار عظيمة، [وأخبار] شنيعة، وهو يعدّ في كثرة العجائب مثل اسقليبيوس ".

стр. 3733

ومن هنا نذكر ما وقع عليه قسم كل قسم فأما أهل الجانب المشرقي فمنهم حكماء العرب، والسريان، والعراق، وما معه، والعجم، والهند، والشام، ونبدأ بحكماء العرب:

стр. 3734

أطباء العرب ممن كانوا في أول ظهور الإسلام ومن بعدهم فمنهم: ٥٢ - الحارث بن كلدة الثّقفيّ (١٣) طبيب العرب، وكانت له معرفة بما يحتاج إليه من مداواتها، وخبرة في طبّ أمراضها وأدواتها، أينع من نبعة البادية غصنه الفينان، وجمع إلى فصاحة العرب حكمة اليونان، ولخصت به تلك العبارات التي لا تفهم، وخلصت خلاص ابن المهلب من الأدهم. وأخذ يعالج سكان البادية بما لا يبعد من أمزجتها، ولا يعد منه خروج عن محجّتها (١)، بما تعهده في ديارها، وتتعهّد به ملابس غيارها.

стр. 3735

وعمّر مدّة في صدر الإسلام، وسطر عدة تحفظ له من حرّ الكلام. وهو الذي تعدّه أمّة العرب سابق أطبائها، وسابق أبنائها، وكفاه شكرا أن رسول الله ﵌ أجرى له ذكرا. قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان من الطائف، وسافر في البلاد وتعلّم الطب بناحية فارس، وتمرّن هناك، وعرف الداء والدواء. وكان يضرب بالعود، تعلّمه بفارس واليمن، وبقي أيام رسول الله ﵌ وأدرك سلطان معاوية. وقال له معاوية: ما الطبّ؟. قال: "الأزم". يعني: الجوع. وفي الحديث: "إن عمر ﵁ سأل الحارث بن كلدة: ما الدواء؟. قال: الأزم - يعني الحمية -. وروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه مرض بمكة مرضا، فعاده رسول الله ﵌ وقال: (ادعوا له الحارث بن كلدة فإنه رجل يطبّب) (٢). فلما نظر إليه الحرث قال: " ليس عليه بأس، اتّخذوا له فريقة (٣) بشيء من تمر عجوة، وحلبة (٤)، يطبخان ". فتحسّاها، فبرئ. وفد على كسرى أنوشروان، فلما وقف بين يديه قال له: من أنت؟. قال: الحارث بن كلدة الثقفي. قال: ما صناعتك؟.

стр. 3736

قال: الطب. قال: أعرابي أنت؟. قال: نعم. قال: فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وسوء أغذيتها؟. قال: أيها الملك! إذا كانت هذه صفتها كانت أحوج إلى من يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها (١)، فإن العاقل يعرف [ذلك من نفسه، ويميز] موضع دائه، ويحترز عن الأدواء [كلها بحسن سياسته لنفسه]. قال كسرى: فكيف تعرف ما تورده عليها؟. ولو عرفت الحلم لم تنسب إلى الجهل. قال الحارث: الطفل يناغي فيداوى، والحيّة ترقى فتحاوى، ثم قال: أيها الملك! العقل من قسم الله تعالى، قسمه بين عباده كقسمه الرزق فيهم، [فكل من قسمته أصاب، وخص بها قوم وزاد]، فمنهم مثر ومعدم، وجاهل وعالم، وعاجز وحازم، وذلك تقدير العزيز العليم. فأعجب كسرى من كلامه، ثم قال: فما الذي تحمد من أخلاقها، ويعجبك من مذاهبها وسجاياها (٢)؟. قال الحارث: أيها الملك!، لها أنفس سخية، وقلوب جريّة، ولغة فصيحة،

стр. 3737

وألسن بليغة، وأنساب صحيحة، وأحساب شريفة، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة (١) الرام، أعذب من هواء الربيع، وألين من السلسبيل المعين، مطعمو الطعام في الجدب (٢)، وضاربو الهامّ (٣) في الحرب، لا يرام عزمهم، ولا يضام (٤) جارهم، ولا يستباح حريمهم، ولا يذلّ كريمهم، ولا يقرّون بفضل للأنام إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد ولا يوازيه سوقة (٥) ولا ملك. قال: فاستوى كسرى جالسا، وجرى ماء رياضة الحلم في وجهه، وقال لجلسائه: إني وجدته راجحا، ولقومه مادحا، وبفضلهم ناطقا، [وبما يورده من لفظه] صادقا، وكذلك العاقل الذي أحكمته التجارب. ثم أمره بالجلوس، فجلس. ثم قال: كيف بصرك بالطب؟. قال: ناهيك (٦). قال: فما أصل الطب؟. قال: الأزم. قال: فما الأزم؟.

стр. 3738

قال: ضبط الشفتين، والرفق باليدين. قال: أصبت. قال: فما الداء الدويّ (١)؟. قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي يفني البريّة، ويهلك السباع في البرّيّة. قال: أصبت. قال: فما العلّة التي تصطلم (٢) منها الأدواء؟. قال: هي التخمة. إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في الحجامة؟. قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والعروق ساكنة، لسرور يفاجئك، وهمّ يباعدك. قال: فما تقول في دخول الحمّام؟. قال: لا تدخله شبعانا، ولا تغش (٣) أهلك سكرانا، ولا تقم بالليل عريانا، ولا تقعد على الطعام غضبانا، وارفق بنفسك يكن أرخى لبالك، وقلّل من مطعمك يكن أهنأ لنومك. قال: فما تقول في الدواء؟. قال: ما لزمتك الصحة فاجتنبه، فإن هاج داء فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن تركتها خربت.

стр. 3739

قال: فما تقول في الشراب. قال: أطيبه أهناه، وأرقّه (١) أمرؤه (٢)، وأعذبه أشهاه، لا تشربه صرفا (٣) فيورثك صداعا، ويثير عليك من الأدواء أنواعا. قال: فأي اللّحمان (٤) أفضل؟. قال: الجداء الرضع الفتي، والقديد (٥) المالح مهلك للآكل. واجتنب لحم الجزور (٦) والبقر. قال: فما تقول في الفواكه؟. قال: كلها في إقبالها، وحين أوانها، واتركها إذا أدبرت وولّت، وانقضى زمانها. وأفضل الفاكهة الرمّان والأترج (٧)، وأفضل الرياحين الورد والبنفسج، وأفضل البقول الهندباء (٨) والخس. قال: فما تقول في شرب الماء؟. قال: هو حياة البدن، وبه قوامه، ينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم

стр. 3740

ضرر. لأفضله أمرؤه، وأرقّه أصفاه، ومن عظام أنهار البارد الزلال، لا يختلط بماء الآجام (١)، والآكام، ينزل من صرادح (٢) المسطان، ويتسلسل عن الرضراض (٣) وعظام الحصبا في الإيفاع (٤). قال: فما طعمه؟. قال: لا يوصف له طعم، إلا أنه مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟. قال: اشتبه على الأبصار لونه، لأنه يجلو كل لون يكون فيه. قال: فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟. قال: أصله من حيث شرب الماء، يعني رأسه. قال: فما هذا النور الذي في العينين؟. قال: مركّب من ثلاثة أشياء؛ فالبياض شحم، والسواد: ماء، والنظر: ريح. قال: فعلى كم جبلّ (٥) وطبع هذا البدن؟. قال: على أربعة طبائع؛ المرة السوداء: وهي باردة يابسة. والمرّة الصفراء: وهي حارّة يابسة. والدّم: وهو حارّ رطب. والبلغم: وهو بارد رطب.

стр. 3741

قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟. قال: لو خلق من طبع واحد لم يأكل ولم يشرب، ولم يمرض، ولم يهلك. قال: فمن طبيعتين، لو كان اقتصر عليهما؟. قال: لم يجز، لأنهما ضدان يقتتلان. قال: فمن ثلاث؟. قال: لم يصلح!، موفقان ومخالف!. فالأربع هو الاعتدال والقيام. قال: فأجمل لي الحارّ والبارد في أحرف جامعة. قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مرّ معتدل، وفي المرّ حارّ وبارد. قال: فأفضل ما عولج به المرة الصفراء؟. قال: كل بارد ليّن. قال: فالمرّة السوداء؟. قال: كل حارّ لين. قال: والبلغم؟. قال: كل حارّ يابس. قال: والدم؟. قال: إخراجه إذا زاد، وتطفئته إذا سخن، بالأشياء الباردة اليابسة. قال: فالرياح؟. قال: بالحقن اللينة، والأدهان الحارّة اللينة.

стр. 3742

قال: أفتأمر بالحقنة؟. قال: نعم. قرأت في بعض كتب الحكماء: أن الحقنة تنقي الجوف، وتكسح الأدواء عنه، والعجب لمن احتقن كيف يهرم! أو يعدم الولد!. وإن الجهل كل الجهل من أكل ما قد عرف مضرّته، ويؤثر شهوته على راحة (١) بدنه!. قال: فما الحمية؟. قال: الاقتصاد في كل شيء، فإن الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحتها، ويسدّ مسامّها. قال: فما تقول في النساء، وإتيانهنّ؟. قال: كثرة غشيانهنّ رديء، وإياك وإتيان المرأة المسنّة، فإنها كالشّنّ (٢) البالي، تجذب قوتك، وتسقم بدنك، ماؤها سمّ قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك الكل، ولا تعطيك البعض، والشابّة ماؤها عذب زلال، وعناقها غنج (٣) ودلال، فوها (٤) بارد، وريقها عذب، وريحها طيب، وهنها ضيّق، تزيدك قوة إلى قوتك، ونشاطا إلى نشاطك. قال: فأيهنّ القلب إليها أميل، والعين برؤيتها أسرّ؟. قال: إذا أصبتها!!: المديدة القامة، العظيمة الهامة، واسعة الجبين، أقناة

стр. 3743

العرنين (١)، كحلاء، لعساء (٢)، صافية الخد، عريضة الصدر، مليحة النحر، في خدّها رقّة، وفي شفتيها لعس، مقرونة الحاجبين، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء، فرعاء (٣)، جعدة (٤)، غضّة بضّة (٥)، تخالها في الظلمة بدرا زاهرا تبسّم عن أقحوان (٦)، وعن مبسم كالأرجوان (٧)، كأنها بيضة مكنونة (٨)، ألين من الزبد، وأحلى من الشّهد، وأنزه من الفردوس والخلد، وأذكى ريحا من الياسمين والورد، تفرح بقربك، وتسرّك الخلوة معها. قال: فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه. قال: ففي أي الأوقات إتيانهنّ أفضل؟. قال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أهدأ، والقلب أشهى، والرحم أدفأ، فإن أردت الاستمتاع بها نهارا تسرح عينيك في جمال وجهها،

стр. 3744

ويجتني فوك من ثمرات حسنها، ويعي سمعك من حلاوة لفظها، وتسكن الجوارح كلها إليها. قال كسرى: لله درّك من أعرابي!، لقد أعطيت علما، وخصصت فطنة وفهما. وأحسن صلته، وأمر بتدوين ما نطق به. وقال الواثق بالله في كتابه المسمى: "البستان": إن الحرث بن كلدة مرّ بقوم وهم في الشمس، فقال: عليكم بالظلّ، فإن الشمس تنهج الثوب (١)، وتنقل الريح، وتشحب اللون، وتهيّج الداء الدفين". ومن كلام الحارث: " البطنة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعوّدوا كل جسد بما اعتاد ". وقيل: هو من كلام عبد الملك بن أبجر. وقد نسب قوم هذا الكلام إلى رسول الله ﷺ وأوله: (المعدة بيت الداء) (٢) وهو أبلغ من لفظ

стр. 3745

" البطنة". وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرّم وجهه - قال: " من أراد البقاء - ولا بقاء - فليجوّد الغذاء، وليأكل على نقاء (١)، وليشرب على ظماء، وليقلّ من شرب الماء، ويتمدّد بعد الغداء، ويتمشّى بعد العشاء، ولا يبيت حتى يعرض نفسه على الخلاء، ودخول الحمّام على البطنة من شرّ الداء، ودخلة إلى الحمّام في الصيف خير من عشرة في الشتاء، وأكل القديد اليابس في الليل معين على الفناء، ومجامعة العجوز تهدم أعمار الأحياء". وروى حرب بن محمد قال: حدثنا أبي، قال: قال لي الحارث بن كلدة: " أربعة اشياء تهدم البدن: الغشيان على البطنة، ودخول الحمّام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز". وروى داود بن رشيد عن عمرو بن عوف قال: لما احتضر الحارث بن كلدة اجتمع إليه الناس فقالوا له: مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك. فقال: " لا تتزوجوا من النساء إلا شابّة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضوجها، ولا يتعالجنّ

стр. 3746

أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بالنّورة (١) في كل شهر؛ فإنها مذهبة للبلغم، مهلكة للمرّة، منبتة للّحم، وإذا تغدى أحدكم فلينم على أثر غدائه، وإذا تعشّى فليخط أربعين خطوة. ومن كلام الحارث أيضا: " دافع بالدواء ما وجدت مدفعا، ولا تشربه إلا من ضرورة، فإنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله". وقال سليمان بن جلجل: أخبرنا الحسن بن الحسين الأزدي، قال: أخبرنا محمد بن سعيد الأموي، عن عبد الملك بن عمير قال: " كان أخوان من ثقيف من بني كنّه، يتحابّان، لم ير قط أحسن ألفة منهما، فخرج الأكبر إلى سفر فأوصى الأصغر بامرأته، فوقعت عينه عليها يوما، ولم يتعمّد لرؤيتها، فهويها، وضني، وقدم أخوه فجاءه بالأطباء، فلم يعرفوا ما به. إلى أن جاءه بالحارث بن كلدة، فقال: أرى عينين محتجبتين، وما أدري ما هذا الوجع؟ وسأجرب، فاسقوه نبيذا. فلما عمل (٢) النبيذ فيه قال: [الهزج] ألا رفقا ألا رفقا … قليلا ما أكوننّه ألمّا (٣) بي إلى الأبيا … ت بالخيف أزرهنّه غزالا ما رأيت اليو … م في دور بني كنّه أسيل (٤) الخدّ مربوب … وفي منطقه غنّه (٥)

стр. 3747

فقالوا له: أنت أطبّ العرب. ثم قال: ردّدوا النبيذ عليه. فلما عمل فيه قال: [مجزوء الخفيف] أيها الجيرة اسلموا … وقفوا كي تكلّموا وتقضوا لبانة (١) … وتحبوا وتنعموا خرجت مزنة (٢) من … البحر ريّا تحمحم (٣) هي ما كنّتي (٤) وتز … عم أني لها حم (٥) قال: فطلّقها أخوه، ثم قال له: تزوّج بها يا أخي!. فقال: لا والله! لا تزوّجتها. فمات وما تزوّجها (٦). ومنهم: ٥٣ - النّضر بن الحارث بن كلدة (١٣) وهو ابن خالة النبي ﵌.

стр. 3748

طبيب أثرت به تلك البلاد المقفرة، وأثّر بطبّه في أمزجة تلك الحمر المستنفرة (١). تبع طريق أبيه، وأضاف إلى تالد (٢) والده ظريف تأتّيه، ودرب العلاج حتى كاد يبرئ الأكمه (٣)، وكان يعرف بضياء الحس، ودرس الحكمه. ولم ينفعه من جهة الأمومة الشريفة النبوية قربه، ولم يمنعه وقد قضى عليه بالبعد ربّه قتل بسيف النبوة صبرا، وعجّل له مثوى في جهنّم يسمّى قبرا. قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان النضر قد سافر البلاد كأبيه، واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل، وحصّل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطّلع على علوم الفلسفة، وأجزاء الحكمة، وتعلّم من أبيه أيضا ما كان تعلّمه من الطب وغيره. وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي ﵌ لكونه كان ثقفيا، كما قال رسول الله ﵌: " قريش والأنصار حليفان، وبنو أمية وثقيف حليفان " (٥). وكان النضر كثير الأذى والحسد للنبي ﵌ ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، كما يحطّ من قدره عند أهل مكّة، ويبطل ما أتى به

стр. 3749

- بزعمه -، ولم يعلم - بشقاوته - أن النبوة أعظم؛ والسعادة أقدر؛ والعناية الإلهية أجلّ؛ والأمور المقدرة أثبت. وإنما النضر اعتقد أن بمعلوماته وفضائله وحكمته يقاوم النبوة، وأين الثرى من الثريا، والحضيض من الأوج، والشقي من السعيد!. وما أحسن ما وجدت حكاية ذكرها أفلاطون في كتاب النواميس، في أن النبي وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته، ولا العالم بعلمه". قال أفلاطون: "وقد كان مارينوس ملك اليونانيين الذي يذكره أوميرس الشاعر باسمه وجبروته، وما تهيّأ لليونانيين في سلطانه، رمي بشدائد في زمانه، وخوارج في سلطانه، ففزع إلى فلاسفة عصره، فتأملوا مصادر أموره ومواردها، وقالوا له: قد تأمّلنا أمرك فلم نجد فيه من جهتك شيئا يدعو إلى ما لحقك، وإنما يعلم الفيلسوف الإفراطات وسوء النظام الواقعين في الجزء. فأما ما خرج عنه فليس تبحث عنه الفلسفة، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة، وأشاروا عليه أن يطلب نبيّ عصره ليجتمع معهم مع علمهم ما ينبئ به، وقالوا: إنه لا يسكن في البلدان العامرة، وإنما يكون في الأقاصي المقفرة، بين فقراء ذلك العصر. فسألهم ما يجب أن يكون عليه رسله إليه. وما يكون دليلا لهم عليه؟. فقالوا: اجعل رسلك إليه من لانت سجيته، وظهرت قناعته، وصدقت لهجته، وكان رجوعه إلى الحق أحبّ إليه من الظفر به، فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدلهم عليه. أقول: ولما كان يوم بدر والتقى المسلمون ومشركو قريش، وكان عدّتهم ما بين التسعمائة والألف، والمسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر، وأيّد الله الإسلام، ونصر نبيه ﵊، ووقعت الكسرة على المشركين، وقتل من جملتهم صناديد قريش، وأسر جماعة من المشركين، فبعضهم استفكّوا (١)

стр. 3750

أنفسهم، وبعضهم أمر النبي ﵌ بقتلهم، وكان في جملة المأسورين النضر بن الحرث بن كلدة، فقتله ﵊ بعد منصرفه من بدر (١). ومنهم: ٥٤ - عبد الملك بن أبجر الكنانيّ (١٣) وهو من أفاضل الأطباء، وأماثل الألبّاء (٢)، وأهل العلم النافع، والتمييز بين المضارّ والمنافع. لقي حكماء المدن الممصّرة، واستضاء بتلك الفطن المبصّرة، وأقام بين أهل الكتاب الأول، ثم خالط النصارى، وخالل منهم أنصارا. وقدّم بينهم في شرائف الرتب ووظائف الحكمة التي عنها يكتتب، ولازم الطلب حتى مهر،
следующие страницы →