أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بالنّورة (١) في كل شهر؛ فإنها مذهبة للبلغم، مهلكة للمرّة، منبتة للّحم، وإذا تغدى أحدكم فلينم على أثر غدائه، وإذا تعشّى فليخط أربعين خطوة.
ومن كلام الحارث أيضا: " دافع بالدواء ما وجدت مدفعا، ولا تشربه إلا من ضرورة، فإنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله".
وقال سليمان بن جلجل: أخبرنا الحسن بن الحسين الأزدي، قال: أخبرنا محمد بن سعيد الأموي، عن عبد الملك بن عمير قال: " كان أخوان من ثقيف من بني كنّه، يتحابّان، لم ير قط أحسن ألفة منهما، فخرج الأكبر إلى سفر فأوصى الأصغر بامرأته، فوقعت عينه عليها يوما، ولم يتعمّد لرؤيتها، فهويها، وضني، وقدم أخوه فجاءه بالأطباء، فلم يعرفوا ما به. إلى أن جاءه بالحارث بن كلدة، فقال: أرى عينين محتجبتين، وما أدري ما هذا الوجع؟ وسأجرب، فاسقوه نبيذا.
فلما عمل (٢) النبيذ فيه قال: [الهزج]
ألا رفقا ألا رفقا … قليلا ما أكوننّه
ألمّا (٣) بي إلى الأبيا … ت بالخيف أزرهنّه
غزالا ما رأيت اليو … م في دور بني كنّه
أسيل (٤) الخدّ مربوب … وفي منطقه غنّه (٥)
стр. 3747
فقالوا له: أنت أطبّ العرب.
ثم قال: ردّدوا النبيذ عليه. فلما عمل فيه قال: [مجزوء الخفيف]
أيها الجيرة اسلموا … وقفوا كي تكلّموا
وتقضوا لبانة (١) … وتحبوا وتنعموا
خرجت مزنة (٢) من … البحر ريّا تحمحم (٣)
هي ما كنّتي (٤) وتز … عم أني لها حم (٥)
قال: فطلّقها أخوه، ثم قال له: تزوّج بها يا أخي!. فقال: لا والله! لا تزوّجتها. فمات وما تزوّجها (٦).
ومنهم:
٥٣ - النّضر بن الحارث بن كلدة (١٣)
وهو ابن خالة النبي ﵌.
стр. 3748
طبيب أثرت به تلك البلاد المقفرة، وأثّر بطبّه في أمزجة تلك الحمر المستنفرة (١). تبع طريق أبيه، وأضاف إلى تالد (٢) والده ظريف تأتّيه، ودرب العلاج حتى كاد يبرئ الأكمه (٣)، وكان يعرف بضياء الحس، ودرس الحكمه.
ولم ينفعه من جهة الأمومة الشريفة النبوية قربه، ولم يمنعه وقد قضى عليه بالبعد ربّه قتل بسيف النبوة صبرا، وعجّل له مثوى في جهنّم يسمّى قبرا.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان النضر قد سافر البلاد كأبيه، واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل، وحصّل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطّلع على علوم الفلسفة، وأجزاء الحكمة، وتعلّم من أبيه أيضا ما كان تعلّمه من الطب وغيره.
وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي ﵌ لكونه كان ثقفيا، كما قال رسول الله ﵌: " قريش والأنصار حليفان، وبنو أمية وثقيف حليفان " (٥).
وكان النضر كثير الأذى والحسد للنبي ﵌ ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، كما يحطّ من قدره عند أهل مكّة، ويبطل ما أتى به
стр. 3749
- بزعمه -، ولم يعلم - بشقاوته - أن النبوة أعظم؛ والسعادة أقدر؛ والعناية الإلهية أجلّ؛ والأمور المقدرة أثبت. وإنما النضر اعتقد أن بمعلوماته وفضائله وحكمته يقاوم النبوة، وأين الثرى من الثريا، والحضيض من الأوج، والشقي من السعيد!. وما أحسن ما وجدت حكاية ذكرها أفلاطون في كتاب النواميس، في أن النبي وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته، ولا العالم بعلمه".
قال أفلاطون: "وقد كان مارينوس ملك اليونانيين الذي يذكره أوميرس الشاعر باسمه وجبروته، وما تهيّأ لليونانيين في سلطانه، رمي بشدائد في زمانه، وخوارج في سلطانه، ففزع إلى فلاسفة عصره، فتأملوا مصادر أموره ومواردها، وقالوا له: قد تأمّلنا أمرك فلم نجد فيه من جهتك شيئا يدعو إلى ما لحقك، وإنما يعلم الفيلسوف الإفراطات وسوء النظام الواقعين في الجزء. فأما ما خرج عنه فليس تبحث عنه الفلسفة، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة، وأشاروا عليه أن يطلب نبيّ عصره ليجتمع معهم مع علمهم ما ينبئ به، وقالوا: إنه لا يسكن في البلدان العامرة، وإنما يكون في الأقاصي المقفرة، بين فقراء ذلك العصر. فسألهم ما يجب أن يكون عليه رسله إليه. وما يكون دليلا لهم عليه؟. فقالوا: اجعل رسلك إليه من لانت سجيته، وظهرت قناعته، وصدقت لهجته، وكان رجوعه إلى الحق أحبّ إليه من الظفر به، فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدلهم عليه.
أقول: ولما كان يوم بدر والتقى المسلمون ومشركو قريش، وكان عدّتهم ما بين التسعمائة والألف، والمسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر، وأيّد الله الإسلام، ونصر نبيه ﵊، ووقعت الكسرة على المشركين، وقتل من جملتهم صناديد قريش، وأسر جماعة من المشركين، فبعضهم استفكّوا (١)
стр. 3750
أنفسهم، وبعضهم أمر النبي ﵌ بقتلهم، وكان في جملة المأسورين النضر بن الحرث بن كلدة، فقتله ﵊ بعد منصرفه من بدر (١).
ومنهم:
٥٤ - عبد الملك بن أبجر الكنانيّ (١٣)
وهو من أفاضل الأطباء، وأماثل الألبّاء (٢)، وأهل العلم النافع، والتمييز بين المضارّ والمنافع. لقي حكماء المدن الممصّرة، واستضاء بتلك الفطن المبصّرة، وأقام بين أهل الكتاب الأول، ثم خالط النصارى، وخالل منهم أنصارا. وقدّم بينهم في شرائف الرتب ووظائف الحكمة التي عنها يكتتب، ولازم الطلب حتى مهر،
стр. 3751
وداوم الاكتنان ببيت التدريس حتى ظهر.
قال ابن أبي أصيبعة - وقد ذكره -: "كان طبيبا، عالما، ماهرا. وكان أول أمره مقيما بالاسكندرية، لأنه كان المتولّي على التدريس بها من بعد الاسكندرانيين الذين تقدّم ذكرهم. وذلك عند ما كانت البلاد في ذلك الوقت لملوك النصارى، ثم إن المسلمين لما استولوا على البلاد، وملكوا الاسكندرية، أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز، وكان حينئذ أميرا قبل أن تصل إليه الخلافة، وصحبه، فلما أفضت الخلافة إلى عمر - وذلك في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة - نقل التدريس إلى أنطاكية، وحرّان، وتفرّق في البلاد، وكان عمر بن عبد العزيز يستطب ابن أبجر، ويعتمد عليه في صناعة الطب.
وروي عن ابن أبجر قال: " دع الدواء ما احتمل بدنك الداء ". وهذا من قول النبي ﵌: (سر بدائك ما حملك) (١).
ومنهم:
٥٥ - ابن أثال (١٣)
كتابيّ ضيّع أمانته، وباع بدنياه ديانته، كان لا يهاب اغتيال النفوس، واختتال (٢) مهج الرءوس، طريقة خالف فيها شروط الأطباء، وخال أنه يخفيها عن آذان الأنباء، حتى قيلت فيه ملح الأشعار، ووسمت صيته بشنع العار، وبقيت عليه قبائحها، وذهب المعار.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان طبيبا من الأطباء المتقدّمين في دمشق، نصراني
стр. 3752
الدّين، ولما ملك معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه، وأحسن إليه، وكان كثير الانقياد (١) له، والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا.
وكان ابن أثال خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة (٢)، وقواها، وما منهما سموم قواتل، وكان معاوية يقرّبه لذلك كثيرا، ومات في أيام معاوية جماعة كثيرة من أكابر الناس، والأمراء بالسم! (٣).
ومن ذلك: ما حدّثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي: أن معاوية لما أراد أن يظهر العقد ليزيد، قال لأهل الشام: إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ورقّ جلده، ودقّ عظمه، واقترب أجله، يريد أن يستخلف عليكم، فمن ترون؟. فقالوا: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
فسكت، وأضمرها، ودسّ ابن أثال النصراني الطبيب إليه فسقاه سمّا، فمات.
وبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد خبره وهو بمكة، وكان اسوأ الناس رأيا في عمه، لأن أباه المهاجر كان مع عليّ ﵁ وكرّم وجهه - بصفّين، وكان عبد الرحمن بن خالد مع معاوية. وكان خالد بن المهاجر
стр. 3753
على رأي أبيه، هاشمي المذهب. فلما قتل عمه عبد الرحمن مرّ به عروة بن الزبير، فقال له: يا خالد! أتدع لابن أثال نقي (١) أوصال عمك بالشام، وأنت بمكة مسبل إزارك تجرّه وتخطر فيه متخايلا؟.
فحمي خالد، ودعا مولى له، يقال له: نافع، فأعلمه الخبر، وقال له: "لا بدّ من قتل ابن أثال". وكان نافع جلدا شهما. فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يتمسّى (٢) عند معاوية، فجلس له في مسجد دمشق إلى أسطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج.
فقال خالد لنافع: إياك أن تعرض له أنت، فإني أضربه. ولكن احفظ ظهري، واكفني من ورائي. [فإن رأيت شيئا يريدني من ورائي] (٣) فشأنك".
فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله. وثار إليه من كان معه، فصاح بهم نافع فانفرجوا. ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشوهما حملا عليهم فتفرقوا، حتى دخل خالد ونافع زقاقا ضيّقا ففاتا الناس.
وبلغ الخبر معاوية ﵁ فقال: هذا خالد بن المهاجر، انظروا الزقاق الذي دخل فيه. ففتش عليه وأتي به، فقال له: لا جزاك الله من زائر خيرا! قتلت طبيبي؟.
فقال: قتلت المأمور، وبقي الآمر!.
فقال: عليك لعنة الله، أما والله لو كان تشهّد مرة واحدة لقتلتك به.
أمعك نافع؟ قال: لا. قال: بلى - والله - ما اجترأت إلا به. ثم أمر بطلبه
стр. 3754
فوجد، فأتي به، فضرب مائة سوط، ولم يهج خالدا بشيء أكثر من أن حبسه، وألزم بني مخزوم دية ابن أثال، أثني عشر ألف درهم، أدخل بيت المال منها ستة آلاف، وأخذ ستة آلف، فلم يزل ذلك يجري في دية المعاهد حتى ولي عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان، وأثبت الذي يدخل بيت المال.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي (١)، في كتاب" الأمثال ": إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ كان خاف أن يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فاشتكى عبد الرحمن فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سم! فأحرقته.
فعند ذلك قال معاوية ﵁ لا جدّ إلا ما أقعص عنك ما تكره (٢).
стр. 3755
قال: وقال معاوية ﵁ أيضا حين بلغه أن الأشتر سقي شربة عسل فيها سمّ، فمات.: "إن لله جنودا منها العسل" (١).
ونقلت من تاريخ أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي قال: "لما كان في سنة ثمان وثلاثين، بعث علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه - الأشتر واليا على مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر، وبلغ معاوية ﵁ مسيره، فدسّ إلى دهقان (٢) بالعريش، فقال: إن قتلت الأشتر فلك خراجك عشرين سنة.
فلطف له الدهقان، فقال: أيّ الشراب أحبّ إليه؟.
فقيل: العسل.
فقال: عندي عسل من عسل برقة (٣)، فسمّه وأتاه به، فشربه، فمات.
فبلغ ذلك معاوية، فقال: لليدين وللفم (٤).
وفي تاريخ الطبري: " أن الحسن بن علي ﵄، مات مسموما في أيام معاوية ﵁. وكان عند معاوية - كما قيل - دهاء، فدسّ إلى
стр. 3756
جعدة بنت الأشعث - وكانت زوجة الحسن ﵁ شربة، وقال لها:
إن قتلت الحسن زوّجتك يزيد!. فلما توفي الحسن، بعثت إلى معاوية تطلب قوله!. فقال لها في الجواب: أنا أضنّ بيزيد! (١).
وقال كثير يرثي الحسن ﵁: [السريع]
يا جعد (٢)! بكّيه ولا تسأمي … بكاء حقّ ليس بالباطل
لن تستري البيت على مثله … في الناس من حاف ومن ناعل (٣)
ومنهم:
٥٦ - أبو الحكم (١٣)
وكان من حذّاق الحكماء، وسبّاق أهل الطبّ القدماء، وله في علمه حقائق، وفي فهمه ما ينفد مدد الأعمار وما ينتهي منه إلى دقائق، وله في دمشق بقيّة ورثوا ما خلّف من علمه، وحلى لبنيه لا يظلم أحد منهم في قسمه.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا نصرانيا، عالما بأنواع العلاج والأدوية، وله أعمال كثيرة مذكورة، وصفات مشهورة.
وكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان، ويعتمد عليه في تركيبات أدويته
стр. 3757
لأغراض قصدها منه.
وعمّر أبو حكم هذا عمرا طويلا حتى تجاوز المائة سنة.
قال يوسف بن إبراهيم (١): " وحدّثني عيسى بن حكم عن أبيه، أن جده أعلمه أنه كان حمى عبد الملك بن مروان من شرب الماء من علّته التي توفي فيها، وأعلمه أنه متى شرب الماء قبل نضج علّته توفي. قال: فاحتمى عن الماء يومين وبعض الثالث. قال: فإني عنده لجالس، وعنده بناته، إذ دخل عليه الوليد ابنه، فسأله عن حاله، وهو يتبين في وجه الوليد السرور بموته، فأجابه بأن قال: [الطويل]
ومستخبرا عنا يريد بنا الردى … ومستخبرات والدموع سواجم!
وكان استفتاحه النصف الأول وهو مواجه للوليد، ثم واجه البنات عند قوله النصف الثاني، ثم دعا بالماء فشربه، فقضى من ساعته.
ومنهم:
٥٧ - حكم الدّمشقيّ (١٣)
ممن نمّى وراثة أبيه، ودمّى (٢) بفضله قلوب حاسديه، وأمسى على من
стр. 3758
ناوأه (١) شديد الشكيم (٢)، وأضحى وهو لا يدعى إلا الحكم الحكيم.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان يلحق بأبيه في معرفته بالمداواة والأعمال الطبّيّة، والصفات البديعة، وكان مقيما بدمشق، وعمّر أيضا عمرا طويلا كأبيه".
قال يوسف بن إبراهيم: حدثني عيسى بن حكم أن والده توفي وكان عبد الله بن طاهر (٣) بدمشق، في سنة عشرين ومائتين، وأن عبد الله سأله عن مبلغ عمر أبيه، فأعلمه أنه عمّر مائة وخمس سنين، لم يتغير عقله، ولم ينقص عمله!.
فقال عبد الله: عاش حكم نصف التاريخ! (٤).
قال يوسف: وحدّثني عيسى أنه ركب مع أبيه حكم بمدينة دمشق، إذ اجتازوا بحانوت حجّام، قد وقف عليه بشر كثير، فلما بصر بنا بعض الوقوف، قال: افرجوا، هذا حكم المتطبّب، وعيسى ابنه.
وأفرج القوم، فإذا رجل قد فصده الحجّام في العرق الباسليق (٥)، وقد فصده
стр. 3759
فصدا واسعا، وكان الباسليق على الشريان، فلم يحسن الحجّام تعليق العرق، فأصاب الشريان، ولم يكن عند الحجّام حيلة في قطع الدم. واستعملنا الحيلة في قطعه بالرفائد (١) ونسج العنكبوت والوبر، فلم ينقطع بذلك. فسألني والدي عن حيلة، فأعلمته أنه لا حيلة عندي، فدعا بفستقة، فشقّها وطرح ما فيها وأخذ أحد نصفي القشر فجعله على موضع الفصد، ثم أخذ حاشية من ثوب كان غليظ، فلفّ بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفّا شديدا، حتى كان يستغيث المفتصد من شدته، ثم شدّ ذلك بعد اللف شدّا شديدا، وأمر بحمل الرجل إلى نهر بردى، وأدخل يده في الماء ووطّأ له على شاطئ النهر (٢) ونوّمه عليه، وأمر فحسي محّات (٣) بيض نمرشت (٤)، ووكّل به تلميذا من تلامذته، وأمره بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إلا عند وقت الصلاة، أو يتخوّف عليه الموت من شدة البرد، فإن تخوّف ذلك أذن له في إخراج يده هنيهة (٥)، ثم أمره بردّها.
ففعل ذلك إلى الليل، ثم أمر بحمله إلى منزله، ونهاه عن تغطية موضع الفصد، وعن حلّ الشدّ قبل استمام خمسة أيام ففعل ذلك، إلا أنه صار إليه في اليوم الثالث وقد ورم عضده وذراعه ورما شديدا، فنفّس من الشدّ شيئا يسيرا، وقال للرجل: الورح أسهل من الموت.
стр. 3760
فلما كان في اليوم الخامس حلّ الشداد، فوجدنا قشر الفستقة ملتصقا بلحم الرجل. فقال والدي للرجل: "بهذا القشر نجوت من الموت، فإن خلعت هذا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل منك، تلفت نفسك".
قال عيسى: فسقط القشر في اليوم السابع، وبقي في مكانه دم يابس في خلقة الفستقة، فنهاه والدي عن العبث به، أو حكّ ما حوله، أو حتّ شيء من ذلك الدم، فلم يزل الدم يتحاتّ حتّى انكشف موضع الفصد في أكثر من أربعين ليلة، وبرئ الرجل " (١).
ومنهم:
٥٨ - عيسى بن حكم الدّمشقيّ المعروف بالمسيح (١٣)
عرف بهذا لما ظهرت من الآثار المسيحيّة على يديه العيسوية، ونقلت العجائب إلا أنها غير النبوية، وكان من فضلاء الأطبّاء، ونبلاء ذوي الأنباء.
قال ابن أبي أصيبعة: " وهو صاحب "الكناش (٢) الكبير" الذي يعرف به وينسب إليه".
стр. 3761
قال يوسف بن إبراهيم: وحدّثني عيسى بن حكم أنه عرض لغضيض أم ولد الرشيد قولنج (١)، فأحضرته، وأحضرت الأبح (٢)، والطبري الحاسبين. وسألت عيسى عما يرى معالجتها به؟.
قال عيسى: فأعلمتها أن القولنج قد استحكم بها استحكاما إن لم تبادره بالحقنة لم يؤمن عليها التلف.
فقالت للأبح والطبري: اختارا لي وقتا أتعالج فيه.
فقال لها الأبح: علّتك هذه ليست من العلل التي يمكن أن يؤخر لها العلاج إلى وقت يحمده المنجّمون. وأنا أرى أن تبادري بالعلاج قبل أن تعملي عملا؛ وكذلك يرى عيسى بن حكم. فسألتني، فأعلمتها أن الأبحّ قد صدقها.
فسألت الطبري عن رأيه؟.
فقال: القمر اليوم مع زحل، وهو في غد مع المشتري، وأنا أرى لك أن تؤخّري العلاج إلى مقارنة القمر مع المشتري.
فقال الأبحّ: أنا أخاف أن يصير القمر مع المشتري، وقد عمل القولنج عملا لا يحتاج معه إلى علاج. فتطيّرت من ذلك غضيض وابنتها أم محمد، وأمرتا بإخراجه من الدار، وقبلت قول الطبري. فماتت غضيض قبل موافاة القمر المشتري، فلما وافى القمر المشتري قال الأبح لأمّ محمد هذا وقت اختيار الطبري للعلاج؛ فأين العليل حتى نعالجه؟.
стр. 3762
فزادتها رسالته غيظا عليه، ولم تزل سيّئة الرأي فيه حتى توفّيت.
قال يوسف: نزلت على عيسى بن حكم في منزله بدمشق سنة خمس وعشرين ومائتين، وبي نزلة (١) صعبة، فكان يغذوني بأغذية طيبة، ويسقيني الثلج، فكنت أنكر ذلك، وأعلمه أن تلك الأغذية مضرّة بالنزلة. [فيعتلّ عليّ] (٢) بالهواء ويقول: " أنا أعلم بهواء بلدي منك، هذه الأشياء مضرة بالعراق، نافعة بالشام".
فكنت أغتذي بما يغذوني به، فلما خرجت عن البلد خرج مشيّعا لي حتى صرنا إلى الموضع المعروف بالراهب، وهو الموضع الذي فارقني فيه، فقال [لي] قد أعددت لك طعاما يحمل معك، يخالف الأطعمة التي كنت تأكلها، وأنا آمرك أن لا تشرب ماء باردا، ولا تأكل من مثل الأغذية التي كنت تأكلها في منزلي شيئا.
فلمته على ما كان يغذوني به، فقال: إنه لا يحسن بالعاقل أن يلزم قوانين الطب مع ضيفه في منزله.
قال يوسف: وتجاريت وعيسى يوما بدمشق ذكر البصل، فأفرط في ذمّه، ووسف معايبه. وكان عيسى وسلمويه بن بنان (٣) يسلكان طريق الرّهبان، ولا يحمدان شيئا مما يزيد في الباه، ويذكران أن ذلك مما يتلف الأبدان، ويذهب الأنفس. فلم أستجز الاحتجاج عليه بزيادة البصل في الباه. فقلت له: قد رأيت
стр. 3763
له في سفري هذا - أعني فيما بين سرّ من رأى ودمشق - منفعة.
فسأل عنها، فأعلمته: أني كنت أذوق الماء في بعض المناهل، فأصبته مالحا، فآكل البصل النّيء ثم أعاود شرب الماء، فأجد ملوحته قد نقصت.
وكان عيسى قليل الضحك، فاستضحك من قولي، ثم رجع إلى إظهار جزع منه، ثم قال: يعزّ عليّ أن يغلط مثلك هذا الغلط، لأنك صرت إلى أسمج نكتة في البصل، وأعيب عيب فيه، فجعلتها مدحا ثم قال: أليس متى حدث في الدماغ فساد فسدت الحواس حتى ينقص حسّ الشمّ والذوق والسمع والبصر؟.
فأعلمته أن الأمر كذلك.
فقال لي: إن خاصّيّة البصل إحداث فساد في الدماغ، فإنما قلّل حسّك بملوحة الماء ما أحدث البصل في دماغك من الفساد!.
قال يوسف: وقال لي عيسى وقد شيّعني إلى الراهب وهو آخر كلام دار بيني وبينه: أن والدي توفي وهو ابن مائة سنة وخمس سنين، لم يتشنّج له وجه، ولم ينقص من ما وجهه، لأشياء كان يفعلها، وأنا الآن مزوّد كها فاعمل بها، وهي: " لا تذق القديد، ولا تغسل يديك ورجليك عند خروجك من الحمام أبدا إلا بماء بارد أبرد ما يمكنك، والزم ذلك فإنه ينفعك".
فلزمت ما أمرني به، [من هذا الباب إلا أني ربما مصصت القطعة الصغيرة من القديد في السنة، وفي الأكثر من ذلك] (١).
стр. 3764
ومنهم:
٥٩ - تياذوق (١٣)
حكيم ماهر، وعليم علمه ماهر، وحميم لا تبل به عين صديق، ولا يعل السلسل إلا صفو رحيق، ولم يزل يقمع سلطان المرض علاجه، ويمنع وجهه الندي مناظرا يثور عجاجه.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان طبيبا فاضلا، وله نوادر وألفاظ مستحسنة في صناعة الطب، وعمّر. وكان في أول دولة بني أميّة، ومشهورا عندهم بالطب، وصحب أيضا الحجاج بن يوسف الثقفي، المتولى من جهة عبد الملك بن مروان، وخدمه بصناعة الطب، وكان يعتمد عليه، ويثق بمداواته، وكان له الجامكية (١) الوافرة، والافتقاد الكثير.
ومن كلام تياذوق للحجّاج قال:
"لا تنكح إلا شابّة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا، ولا تشرب الدواء إلا من علّة، ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها، وأجد مضغ الطعام، وإذا أكلت نهارا فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلا فلا تنم حتى تمشي، ولو خمسين خطوة".
стр. 3765
فقال له بعض من حضر: إذا كان الأمر كما تقول، فلم هلك بقراط؟. ولم هلك جالينوس وغيرهما؟. ولم أر واحدا منهم فعل ذلك.
قال: يا بني! قد احتججت فاسمع!. إن القوم دبّروا أنفسهم بما يملكون، وغلبهم ما لا يملكون - يعني الموت - وما يرد من خارج كالحر والبرد، والوقوع، والغرق، والجراح، والغمّ، وما أشبه ذلك.
وأوصى تياذوق أيضا الحجّاج فقال: "لا تأكلنّ حتى تجوع، ولا تتكارهنّ على الجماع، ولا تحبس البول، وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك" (١).
وقال أيضا للحجّاج: "أربعة تهدم العمر، - وربّما قتلن -: دخول الحمّام على البطنة (٢)، والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد الجاف، وشرب الباء البارد على الريق، وما مجامعة العجوز ببعيدة منهنّ ".
ووجد الحجّاج في رأسه صداعا، فبعث إلى تياذوق، وأحضره، فقال: "اغسل رجليك بماء حارّ، وادهنهما. وخصيّ الحجّاج قائم على راسه، فقال: والله ما رأيت طبيبا أقلّ معرفة بالطب منك!. شكا الأمير الصداع في رأسه، فتصف له دواء في رجليه!.
فقال له: إن علامة ما قلت فيك بيّنة!.
قال الخصيّ: وما هي؟.
قال: نزعت خصيتاك، فذهب شعر لحيتك!. فضحك الحجّاج ومن حضر.
وشكا الحجّاج ضعفا في معدته، وقصورا في الهضم إلى تياذوق.
стр. 3766
فقال: " يكون الأمير يحضر بين يديه الفستق الأحمر، القشر البرّاني، ويكسر ويأكل من لبه؛ فإن ذلك يقوّي المعدة.
فلما أمسى الحجّاج بعث إلى حظاياه، وقال: إن تياذوق وصف لي الفستق، فبعثت إليه كل واحدة منهنّ صينيّة فيها قلوب فستق، فأكل من ذلك حتى امتلأ، وأصابته بعقبه هيضة (١) كادت تأتي على نفسه. فشكا حاله إلى تياذوق، وقال: وصفت لي شيئا أضرّني، وذكر له ما تناول.
فقال له: إنما قلت لك أن تحضر عندك الفستق بقشره البراني، فتكسر الواحدة بعد الواحدة، وتلوك قشرها البراني وفيه العطرية والقبض. فيكون بذلك تقوية المعدة. وأنت فقد عملت غير ما قلت لك!. وداواه مما عرض له.
قيل: ومن أخباره مع الحجّاج: أنه دخل عليه يوما؛ فقال له الحجّاج: أي شيء دواء أكل الطين؟.
فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير!.
فرمى الحجّاج بالطين ولم يعد إليه أبدا.
وقيل: إن بعض الملوك لما رأى تياذوق، وقد شاخ وكبر سنه، وخشي أن يموت ولا يعتاض عنه، لأنه كان أعلم الناس، وأحذق الأمّة في وقته بالطب.
فقال له: صف لي ما أعتمد عليه فأسوس به نفسي، وأعمل به أيام حياتي، فلست آمن أن يحدث عليك حدث الموت، ولا أجد مثلك!.
فقال تياذوق: "أيها الملك بالخيرات!. أقول لك عشرة أبواب، إن عملت بها واجتنبتها لم تعتلّ مدة حياتك، وهذه عشر كلمات:
стр. 3767
- لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام.
- ولا تأكل ما تضعف أسنانك عن مضغه، فتضعف معدتك عن هضمه.
- ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين، فإن أصل الداء التخمة، وأصل التخمة الماء على الطعام.
- وعليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة، فإنه يخرج من جسدك ما يصل إليه الدواء.
- وأكثر الدم في بدنك تحرس به نفسك.
- وعليك في كل فصل قيئة ومسهّلة.
- ولا تحبس البول وإن كنت راكبا.
- واعرض نفسك على الخلاء قبل نومك.
- ولا تكثر الجماع فإنه يقتبس من نار الحياة فليكثر أو يقل.
- ولا تجامع العجوز فإنه يورث الموت فجأة.
فلما سمع الملك أمر كاتبه أن يكتب هذه الألفاظ بالذهب الأحمر، ويضعه في صندوق من ذهب مرصّع، وبقي ينظر إليه في كل يوم ويعمل به، فلم يعتلّ مدة حياته، حتى جاءه الموت الذي لا بدّ منه، ولا محيص عنه.
وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب قال: قال الحجّاج لابنه: يا بني! إن تياذوق الطبيب كان قد أوصاني في تدبير الصحة بوصية كنت أستعملها، فلم أر إلا خيرا.
ولما حضرته الوفاة دخلت عليه أعوده، فقال: الزم ما كنت وصيتك به، وما نسيت منها فلا تنس: " لا تشرين دواء حتى تحتاج إليه، ولا تأكلن طعاما وفي
стр. 3768
جوفك طعام، وإذا أكلت فامش أربعين خطوة، وإذا امتلأت من الطعام فنم على جنبك الأيسر، ولا تأكلنّ الفاكهة وهي مولّية، ولا تأكلنّ من اللحم إلا فتيّا، ولا تنكحنّ عجوزا، وعليك بالسواك، ولا تتبعنّ اللحم اللحم، فإن إدخال اللحم على اللحم يقتل الأسود في الفلوات".
وقال أيضا إبراهيم بن القاسم الكاتب، في كتاب" أخبار الحجّاج ": إن الحجّاج لما قتل سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - وكان من خيار التابعين، وجرى بينهما كلام كثير، وأمر به فذبح بين يديه، وخرج منه دم كثير، استكثره وهاله.
فقال الحجّاج لتياذوق طبيبه: " ما هذا؟.
قال: لاجتماع نفسه، وإنه لم يجزع من الموت، ولا هاب ما فعلته به، وغيره تقتله وهو مفترق النفس، فيقل دمه لذلك".
ومات تياذوق بعد ما أسنّ وكبر، وكانت وفاته بواسط في نحو سنة تسعين للهجرة (١).
ومنهم:
٦٠ - زينب طبيبة بني أود (١٣)
وكانت طبيبة عارفة، لا كما زعم ابن أبي ربيعة: عالمة حليمة، ولا كما قال
стр. 3769
ابن سناء الملك (١) في موشحته البديعة: متّعت بالعلم فلم تحس فوتا، ونفعت بطبّها الأحياء، وكادت تنعش الموتى، ما عرفها إلا من شكر، ولا أنصفها من قاسها من الحكماء برجل ولا الصارم الذكر.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): "كانت عارفة بالأعمال الطبية، خبيرة بالعلاج ومداواة آلام العين والجراحات، مشهورة بين العرب بذلك".
قال أبو الفرج الأصفهاني في كتاب "الأغاني" الكبير، قال: "أخبرنا [محمد بن خلف المرزبان قال: حدثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، عن جده، قال: أتيت امرأة من بني أود لتكحلني من رمد كان أصابني، فكحّلتني ثم قالت لي:
اضطجع قليلا حتى يذوب الدواء في عينيك، فاضطجعت، ثم تمثّلت قول الشاعر: [الطويل]
أمخترمي ريب المنون ولم أزر … طبيب بني أود على النأي زينبا (٣)
فضحكت ثم قالت: أتدري فيمن قيل هذا الشعر؟. قلت: لا. قالت: فيّ - والله - قيل. أنا زينب التي عناها، وأنا طبيبة بني أود، أفتدري من الشاعر؟.
قلت: لا. قالت: عمك أبو سماك الأسدي (٤).
стр. 3770
أطبّاء السّريان الكائنين في ابتداء الدولة العباسية:
منهم:
٦١ - جورجيس بن جبريل [بن يختيشوع] (١٣)
طبيب طالما أصلح بين الصحة والمزاج، وأصبح وعليله لا يحتاج إلى العلاج، رزق من أبي جعفر المنصور إقبال على تجهّمه، وصادف علاجه منه قبول على توهّمه، وحظي منه بحظوة على قلة من حظي بطائل، وحبي منه بالجزيل - على بخله - بالنائل، وحمي من نزغات (١) غضبه، وما قال هذا عنه سواه قائل.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): "كانت له خبرة بصناعة الطب، ومعرفة بالمداواة وأنواع العلاج، وخدم [بصناعة الطب] المنصور، وكان حظيّا عنده، ونال من جهته أموالا جزيلة، ونقل له كثيرا من كتب اليونان إلى العربي".
قال فثيون (٣) الترجمان: كان المنصور قد فسدت معدته، وانقطعت شهوته،
стр. 3771
وبقي كلما عول ازداد مرضا، فتقدّم إلى الربيع (١) بأن يجمع الأطباء لمشاورتهم، فجمعهم، فسألهم عن طبيب ماهر؟. فقالوا: ليس أحد مثل جورجيس رئيس أطباء" جندي سابور " (٢)، فأنفذ لإحضاره، فاستمهله، فاعتقله، فأتاه المطران، ورؤساء المدينة، وأشاروا عليه بالخروج بعد أن أوصى ابنه بختيشوع بأمر البيمارستان، وسائر أموره.
فلما أتى حضرة المنصور، أجلسه، وسأله عن أشياء أجابه عنها بسكون.
فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه، وخلع عليه، وأمر له بمنزل ونفقة، وحدّثه بعلّته، ثم نظر إلى قارورة الماء، وأشار عليه بتخفيف الغذاء، ولاطفه حتى عوفي.
ثم لما دنا أجله مرض مرضا مثقلا، وأمر به المنصور فحمل إليه حتى رآه، وعرض عليه الإسلام، فأبي!! (٣)، وسأل أن يحمل إلى بلده ليدفن عند آبائه،
стр. 3772
فأعطاه عشرة آلاف دينار، وردّه بعد أن استخلف لديه تلميذه عيسى بن سهل؛ فأساء السيرة، وبسط يده في المطارنة (١)، والأساقفة (٢)، يأخذ أموالهم لنفسه، حتى إنه كتب لمطران نصيبي (٣) يلتمس منه من آلات البيعة أشياء جليلة المقدار. وقال في كتابه إلى المطران: ألست تعلم أن أمر الملك بيدي إن شئت أمرضته وإن شئت عافيته؟!.
فتلطّف المطران في الصلة بالربيع، وأقرأه كتاب عيسى بن سهل، فأعلم الربيع المنصور به، فسلبه ما كان حصّله، ثم أمر بنفيه وكتب: " إن كان جرجس حيا يحضر، وإن كان قد مات يحضر ابنه "، فصادف جرجيوس وقد وقع من السطح، وضعف ضعفا عظيما، فقيل له، فأبى أن يجهّز إلا إبراهيم تلميذه، فلما أتى المنصور استخلصه، ولم يزل معه حتى مات المنصور (٤).
стр. 3773
ومنهم:
٦٢ - بختيشوع (١) بن جرجس النّصرانيّ (١٣)
كان لا يكفّف له ألمعية (٢)، ولا تلوذ بعيّ له لوذعية (٣)، ولا تزال إلى نهاره مبصرة، وسحائب مدده معصره، ودنا من الخلفاء بحيث لا ترفع الستور، ولا ترتع اللحظات في غابة الليث الهصور (٤)، ورأس على أقرانه، وانبجس (٥) نهرا لا يضرب الليل دونه بجرانه (٦).
стр. 3774
وناظر الكبراء، ونافر (١) حتى الأمراء، وسار إماما في الأطباء، ولولاه لما ركبوا وراء.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان يلحق بأبيه في معرفته بالطب، وخدم الرشيد، وتميز في أيامه".
قال فثيون الترجمان: لما مرض الرشيد أحضر بختيشوع من "جندي سابور" وأحضر الأطباء لمناظرته، فقال أبو قريش - وكان رأس الأطباء ببغداد -: يا أمير المؤمنين! ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا، لأنه هو وأبوه وأهل جنسه فلاسفة!.
فقال الرشيد لبعض الخدم: أحضر له ماء دابة لنختبره؛ فأتاه به.
فقال: ليس هذا بول إنسان!.
فقال له أبو قريش: كذبت، هذا بول حظيّة الخليفة.
فقال له بختيشوع: أيها الشيخ الكريم! إنه لم يبل هذا إنسان البتة! وإن كان على ما قلت، فلعلها قد صارت بهيمة!.
فقال له الرشيد: من أين علمت هذا؟.
قال: لأنه ليس فيه قوام بول الإنسان، ولا لونه، ولا ريحه.
فقال له: فما ترى أن يطعم صاحب هذا الماء؟.
قال: الشعير!.
فضحك الرشيد ضحكا شديدا، وخلع عليه، ووهبه مالا وافرا، وقال: ليكن
стр. 3775
رئيس الأطباء، ومروهم فليسمعوا له ويطيعوا " (١).
ومنهم:
٦٣ - جبريل بن بختيشوع بن جورجيس (١٣)
يجلّ أن يقاس بالألفاء، وأن يقال اسمه إلا مع الخلفاء، عظم ثراؤه، وعمّ جداه أن يماثل به أرسطو ونظراؤه، وخلف ما يتجاوز الحد، ويداني العد، مع نفقاته الموسّعة، وصدقاته التي رفلت (٢) الأيام في حللها الموشّعة (٣)، حتى شرقت (٤) دونه النفوس بحسراتها، واختنقت القلوب بزفراتها، حتى كانت الخلفاء تركب إلى منزله، وترغب في إكرام نزله، وهو بشمم لا يخضع عرنينه (٥)، ولا يخشع أنينه، ولا يطلع زهر الروض الجني إلا جنينه.
قال ابن أبي أصيبعة (٦): " كان مشهورا بالفضل، جيّد التصرّف في المداواة،
стр. 3776
عالي الهمّة، سعيد الجد، حظيّا عند الخلفاء، وحصّل بهم من الأموال ما لم يحصّله أحد من الأطباء".
قال الترجمان: " إن أباه أفرده لجعفر بن يحيى (١)، وكان قد اعتلّ؛ فعالجه، فبرئ في ثلاثة أيام، فأحبّه جعفر مثل حب نفسه، وكان لا يصبر عنه.
ثم تمطّت (٢) حظية (٣) الرشيد [ورفعت يدها، فبقيت منبسطة لا يمكنها ردها]، ولم يفد فيها طب الأطباء، فدلّ جعفر الرشيد على ابن بختيشوع، فأحضره وقال له: ما تعرف من الطب؟.
قال: أبرّد الحارّ، وأسخّن البارد، وأرطّب اليابس، وأيبس الرطب.
فضحك الرشيد وقال: هذا غاية ما تحتاج إليه [ .. ] (٤) الجارية.
فقال جبرائيل: لها عندي حيلة إن لم يسخط عليّ أمير المؤمنين.
قال: وما هي؟.
قال: تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع، حتى أعمل ما أريده، ويمهل عليّ ولا يعجل بالسخط.
стр. 3777
فأمر بها، فأخرجت، فحين رآها جبرائيل مشى إليها ونكس رأسها، وأمسك ذيلها، كأنه يريد سراويلها. فانزعجت الجارية؛ فاسترسلت أعضاؤها، وبسطت يدها إلى أسفل، وأمسكت ذيلها.
فقال جبرائيل: قد برئت يا أمير المؤمنين!.
فقال الرشيد للجارية: ابسطي يديك يمنة ويسرة؛ ففعلت.
فعجب الرشيد ومن حضر، وأمر له بخمس مائة ألف درهم، وعظمت منزلته عنده، وجعله رئيسا على سائر الأطباء.
وسئل عن سبب العلة؟. فقال: هذه الجارية انصبّ على أعضائها وقت الحركة خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة، ولأجل سكون الجماع تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون جميع الأعصاب، وما كان يحلّها إلا حركة مثلها؛ فاحتلت حتى انبسطت حرارتها، وانحلّت الفضلة.
ولم يزدد مكانه من الرشيد إلى أن مرض الرشيد ب "طوس" (١) مرض موته، حبسه، واستطبّ أسقف فارس، فقال له: مرضك كان من خطأ طبيبك - كذبا عليه -.
فأمر الرشيد بقتل جبرائيل؛ فلم يقبل منه الفضل بن الربيع، لأنه كان يئس من حياته.
وأصاب تلك الأيام الفضل قولنج شديد، فكان جبرائيل يعالجه، فأفاق. ثم لما صار الأمر إلى الأمين زاد تقريبه، وضاعف مواهبه، وكان لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه.
стр. 3778
ثم لما ملك المأمون كتب إلى الحسن بن سهل (١) بأن يقبض عليه لكونه بعد الرشيد أتى الأمين ببغداد، ولم يأته بخراسان، فحبسه ابن سهل. ثم لما مرض ابن سهل فعالجه الأطباء، فلم ينتفع بذلك، فأخرج جبرائيل من الحبس؛ فعالجه في أيام يسيرة، فبريء، فوهب له مالا وافرا، وتلطّف له مع المأمون، فصفح عنه، واتخذ ميخائيل صهر جبرائيل بدلا منه، وأكرمه كيادا لجبرائيل.
فمرض المأمون مرضا صعبا، أعيا الأطباء علاجه، فقال أبو عيسى - ابن الرشيد - للمأمون: يا أمير المؤمنين! أحضر جبرائيل، فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصّبا.
فتغافل عنه، وأحضر يوحنّا بن ماسويه (٢)، فلما ضعفت قوة المأمون ذكّر بجبرائيل، فأمر بإحضاره، فلما حضر غيّر تدبيره كله. فانصلح بعد يوم، واستقل بعد ثلاثة أيام، ثم بعد أيام يسيرة صلح صلاحا تاما، فسرّ به المأمون، وأمر له بألف ألف درهم، وألف كرّ (٣) حنطة، وردّ عليه ما كان قبض له، وصار إذا خاطبه يكنّيه. ثم انتهى إلى أن كان لا يخرج عامل إلى عمله إلا بعد أن يلقى
стр. 3779
جبرائيل ويكرمه. وعلا محلّه، وانحطّ من سواه.
وقال إسحاق بن علي الرهاوي (١): إن يوحنا بن ماسويه أخبر أن الرشيد قال لجبرائيل بن بختيشوع وهو حاجّ بمكة: يا جبرائيل! أعلمت أني دعوت لك - والله - في الموقف دعاء كثيرا؟.
ثم التفت إلى بني هاشم (٢) فقال: هل أنكرتم قولي؟.
فقالوا: ذمّيّ هو!. فقال: نعم، ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بصلاحي.
فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين " (٣)
وقال ابن بختيشوع: اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف درهم، فنقدت بعض الثمن، وتعذّر عليّ بعضه، فدخلت على يحيى بن خالد، وعنده ولده، وأنا أفكر. فقال: ما لي أراك مفكّرا؟.
فأخبرته. فدعا بالدواة، وكتب: " يعطى جبرائيل سبعمائة ألف درهم ". ثم دفع إلى كل واحد من ولده، فوقّع فيه ثلاثمائة ألف درهم. قال: فقلت: جعلت فداك! قد أدّيت عامّة الثمن، وإنما بقي أقلّه.
قال: اصرف ذلك فيما ينوبك.
ثم صرت إلى دار الرشيد، فلما رآني قال: ما أبطأ بك؟.
فقلت: كنت يا أمير المؤمنين عند أبيك وإخوتك، ففعلوا بي كذا وكذا
стр. 3780
لخدمتي لك.
قال: فما حالي أنا؟. ثم دعا بدابّته، فركب إلى يحيى، ثم قال: يا أبه! أخبرني جبرائيل بما كان، فما كان حالي أنا من بين ولدك؟.
فقال: مر له يا أمير المؤمنين بما شئت يحمل إليه.
فأمر لي بخمسمائة ألف درهم.
وحكى سعيد بن إسحاق النصراني قال: كنت مع الرشيد بالرقة (١)، ومعه ولداه: الأمين والمأمون، وكان رجلا كثير الأكل والشرب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها ودخل المستراح، فغشي عليه، وأخرج، فقوي عليه الغشي، حتى لم يشكّ في موته. وأرسل إليّ، فحضرت، وجسست عرقه، فوجدت نبضه خفيا، وكان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء، وحركة الدم.
فقلت لهم: يموت! إن لم يحتجم الساعة.
فأجاب المأمون إليه، وتقدّم الحجّام، وتقدّمت بإقعاده، فلما وضع المحاجم عليه ومصّها، رأيت الموضع قد احمرّ.
فطابت نفسي، وعلمت أنه حيّ. فقلت للحجّام: اشرط. فشرط، فخرج الدم؛ فسجدت شكرا لله. وجعل كلّما خرج الدم يحرّك رأسه ويسفر (٢) لونه.
إلى أن تكلّم، وقال: أين أنا؟. فطيّبنا نفسه، وغذّيناه بصدر درّاج (٣)، وسقيناه
стр. 3781
شرابا، وما زلنا نشمّه الروائح الطيبة، ونجعل في أنفه الطيب حتى تراجعت قوّته، ودخل الناس عليه، ثم وهب الله له عافيته.
فلما كان بعد أيام، دعا صاحب حرسه، فسأله عن غلّته في السنة، فعرّفه أنها ثلاث مائة ألف درهم. فسأل صاحب شرطته؟، فقال: خمسمائة ألف درهم. فسأل حاجبه؟. فقال: ألف ألف درهم.
فقال لي: ما أنصفناك، حيث غلاّت هؤلاء وهم يحرسونني من الناس على ما ذكروا، وأنت تحرسني من الأمراض، وتكون غلّتك دونهم!. ثم أمر بإقطاعي ألف ألف درهم.
فقلت: يا سيدي! ما لي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما أشتري لي به ضياعا غلّتها ألف ألف درهم؛ فجميع ضياعي أملاك لي، لا إقطاع.
والذي صار إليه في أيام خدمته للخلفاء وهي نحو ثلاثين سنة، جمل كثيرة، وجدته مدرجا بخط كاتبه، وفيه إصلاحات بخطّه.
فأما ما صرفه منه في مدة حياته في نفقاته تقريا، فهو: سبعة وعشرون ألف ألف درهم، وستمائة ألف درهم.
وفي ثمن دور وبساتين ومنتزهات، ورقيق، ودوابّ: سبعون ألف ألف درهم.
وفي عمائر: ثمانية آلاف ألف درهم.
وفي ثمن ضياع: اثنا عشر ألف ألف درهم.
وفي ثمن جواهر، وما أعدّه للذخائر: خمسمائة ألف دينار، وخمسون ألف ألف درهم.
وفي وجوه القرب وما كفله عن المصادرين: ثلاثة آلاف ألف درهم.
стр. 3782
وما جحده أرباب الودائع له: ثلاثة آلاف ألف درهم.
ثم الذي خلّفه بعد هذا عند وفاته لابنه بختيشوع، وجعل المأمون الوصيّ فيه فسلّمه إليه عن آخره، ولم يتعرّض إلى شيء منه: فتسعمائة ألف دينار.
وهذا جبرائيل هو الذي عناه أبو نواس بقوله: [مجزوء الوافر]
سألت أخي أبا عيسى … وجبريل له عقل
فقلت الراح تعجبني … فقال: كثيرها قتل
فقلت له: فقدّر لي … فقال، وقوله فصل
وجدت طبائع الإنسا … ن أربعة هي الأصل
فأربعة لأربعة … لكل طبيعة رطل (١)
وذكر أبو الفرج الأصفهاني (٢) في المأمون شعرا قاله في جبرائيل، هو: على الإسلام والملّه [الهزج]
ألا قل للذي ليس … على الإسلام والملّه
لجبريل أبي عيسى … أخي الأنذال والسفله
أفي طبك يا جبري … ل ما يشفي دوا العله
غزال قد سبى عقلي … بلا جرم ولا زلّه
قال [أبو الفرج: والشعر للمأمون في جبرائيل بن بختيشوع المتطبب]، والغناء لمتيّم، خفيف الرمل.
ومن كلام جبرائيل: " أربعة تهدم العمر: إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام، والشرب على الريق، ونكاح العجوز، والتمتع في الحمّام " (٣)
стр. 3783
ومنهم:
٦٤ - بختيشوع بن جبريل بن بختيشوع (١٣)
عادى الكبار، وعادل البحار، وعادّ النجوم في الأقطار، وأناف رتبة على أبيه، وكانت تزاحم الأطواد، وتزاح بها أعذار حسّاده ابن الزيات (١) ابن أبي دؤاد (٢)،
стр. 3784
فلهذا قصد مرات بالغوائل (١)، وأرصد تارات لغلق الحبائل، فلو لم تتذكر له سوابق المساعي، ويتدارك بالدرياق به سم الأفاعي، لما امتدّ به طلق نفسه، ولا نفّس عنه حلق حبسه، ثم صلح حاله، وقوي محاله، ونطق في مجالس الخلفاء لسانه، وصدق إحسانه، واستعاد أيامه الأول أترابا، وأياماه الحسان - وطالما هزّته - إطرابا.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢) وقال فيه: " كان سريانيا نبيل القدر، وبلغ من عظم المنزلة والحال، وكثرة المال، مال لم يبلغه أحد من سائر الناس، الذين كانوا في عصره، وكان يضاهي المتوكل في اللباس والفرش".
قال [فيثون] الترجمان: وكان ابن أبي دؤاد وابن الزيات يعاديانه، ويغريان به الواثق، فسخط عليه وقبض على أمواله وضياعه، ونفاه إلى" جنديسابور "فلما اعتلّ الواثق بالاستسقاء بعث لإحضاره، ثم عاجل الواثق الموت قبل وصوله، ثم صلحت أيام المتوكل حاله، إلى أن بلغ مبلغا حسده عليه المتوكّل وقبض عليه".
قال: "إن بختيشوع كان عظيم المنزلة عند المتوكل، فأفرط في الإدلال عليه، فنكبه، وقبض على أملاكه، ونفاه إلى مدينة إسلام. ثم عرض للمتوكل قولنج، فاستحضره، واعتذر إليه وعالجه، فبرئ، فأنعم عليه ورضي عنه، وأعاد عليه ما كان له، ثم جرت على بختيشوع مكيدة أخرى، فنكب، ووجّه به إلى البصرة!.
ثم ردّه المستعين إلى وظيفة الخدمة وأحسن إليه إحسانا كثيرا. فلما ولي المهتدي جرى مجرى المتوكل في أنسه بالأطباء، وكان بختيشوع لطيف المحل
стр. 3785
منه، وشكا إليه بختيشوع ما أخذ منه أيام التوكل، فأمر بأن يدخل الخزائن فكل ما عرفه ردّ إليه، فلم يبق له شيء إلا أخذه، وأطلق له كل ما فاته، وكتب برعاية أسبابه".
وقال بختيشوع للمهتدي في آخر أمره: يا أمير المؤمنين! لي أربعون سنة لم أفتصد، ولا شربت دواء، وقد حكم المنجّمون بأني أموت في هذه السنة. ولست أغتمّ لموتي، وإنما أغتمّ لمفارقتكم.
فكلّمه المهتدي بجميل وقال: قلّ أن يصدق المنجّم. فلما انصرف كان آخر العهد به.
وقال [إبراهيم بن علي الحصري (١) في كتاب: "نور الطرف ونور الظرف"] (٢) "تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع، بين يدي أحمد بن أبي دؤاد في عقار بالسواد (٣)، فأغلظ عليه إبراهيم فغضب ابن أبي دؤاد وقال: يا إبراهيم! إذا تنازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرا فليكن قصدك أمما (٤)، وطريقك نهجا، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووفّ مجالس الخلافة حقوقها، فإن هذا أليق بك، وأجمل بحسن مذهبك، وشريف محتدك (٥)، ولا تعجلنّ، فربّ