شرابا، وما زلنا نشمّه الروائح الطيبة، ونجعل في أنفه الطيب حتى تراجعت قوّته، ودخل الناس عليه، ثم وهب الله له عافيته.
فلما كان بعد أيام، دعا صاحب حرسه، فسأله عن غلّته في السنة، فعرّفه أنها ثلاث مائة ألف درهم. فسأل صاحب شرطته؟، فقال: خمسمائة ألف درهم. فسأل حاجبه؟. فقال: ألف ألف درهم.
فقال لي: ما أنصفناك، حيث غلاّت هؤلاء وهم يحرسونني من الناس على ما ذكروا، وأنت تحرسني من الأمراض، وتكون غلّتك دونهم!. ثم أمر بإقطاعي ألف ألف درهم.
فقلت: يا سيدي! ما لي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما أشتري لي به ضياعا غلّتها ألف ألف درهم؛ فجميع ضياعي أملاك لي، لا إقطاع.
والذي صار إليه في أيام خدمته للخلفاء وهي نحو ثلاثين سنة، جمل كثيرة، وجدته مدرجا بخط كاتبه، وفيه إصلاحات بخطّه.
فأما ما صرفه منه في مدة حياته في نفقاته تقريا، فهو: سبعة وعشرون ألف ألف درهم، وستمائة ألف درهم.
وفي ثمن دور وبساتين ومنتزهات، ورقيق، ودوابّ: سبعون ألف ألف درهم.
وفي عمائر: ثمانية آلاف ألف درهم.
وفي ثمن ضياع: اثنا عشر ألف ألف درهم.
وفي ثمن جواهر، وما أعدّه للذخائر: خمسمائة ألف دينار، وخمسون ألف ألف درهم.
وفي وجوه القرب وما كفله عن المصادرين: ثلاثة آلاف ألف درهم.
стр. 3782
وما جحده أرباب الودائع له: ثلاثة آلاف ألف درهم.
ثم الذي خلّفه بعد هذا عند وفاته لابنه بختيشوع، وجعل المأمون الوصيّ فيه فسلّمه إليه عن آخره، ولم يتعرّض إلى شيء منه: فتسعمائة ألف دينار.
وهذا جبرائيل هو الذي عناه أبو نواس بقوله: [مجزوء الوافر]
سألت أخي أبا عيسى … وجبريل له عقل
فقلت الراح تعجبني … فقال: كثيرها قتل
فقلت له: فقدّر لي … فقال، وقوله فصل
وجدت طبائع الإنسا … ن أربعة هي الأصل
فأربعة لأربعة … لكل طبيعة رطل (١)
وذكر أبو الفرج الأصفهاني (٢) في المأمون شعرا قاله في جبرائيل، هو: على الإسلام والملّه [الهزج]
ألا قل للذي ليس … على الإسلام والملّه
لجبريل أبي عيسى … أخي الأنذال والسفله
أفي طبك يا جبري … ل ما يشفي دوا العله
غزال قد سبى عقلي … بلا جرم ولا زلّه
قال [أبو الفرج: والشعر للمأمون في جبرائيل بن بختيشوع المتطبب]، والغناء لمتيّم، خفيف الرمل.
ومن كلام جبرائيل: " أربعة تهدم العمر: إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام، والشرب على الريق، ونكاح العجوز، والتمتع في الحمّام " (٣)
стр. 3783
ومنهم:
٦٤ - بختيشوع بن جبريل بن بختيشوع (١٣)
عادى الكبار، وعادل البحار، وعادّ النجوم في الأقطار، وأناف رتبة على أبيه، وكانت تزاحم الأطواد، وتزاح بها أعذار حسّاده ابن الزيات (١) ابن أبي دؤاد (٢)،
стр. 3784
فلهذا قصد مرات بالغوائل (١)، وأرصد تارات لغلق الحبائل، فلو لم تتذكر له سوابق المساعي، ويتدارك بالدرياق به سم الأفاعي، لما امتدّ به طلق نفسه، ولا نفّس عنه حلق حبسه، ثم صلح حاله، وقوي محاله، ونطق في مجالس الخلفاء لسانه، وصدق إحسانه، واستعاد أيامه الأول أترابا، وأياماه الحسان - وطالما هزّته - إطرابا.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٢) وقال فيه: " كان سريانيا نبيل القدر، وبلغ من عظم المنزلة والحال، وكثرة المال، مال لم يبلغه أحد من سائر الناس، الذين كانوا في عصره، وكان يضاهي المتوكل في اللباس والفرش".
قال [فيثون] الترجمان: وكان ابن أبي دؤاد وابن الزيات يعاديانه، ويغريان به الواثق، فسخط عليه وقبض على أمواله وضياعه، ونفاه إلى" جنديسابور "فلما اعتلّ الواثق بالاستسقاء بعث لإحضاره، ثم عاجل الواثق الموت قبل وصوله، ثم صلحت أيام المتوكل حاله، إلى أن بلغ مبلغا حسده عليه المتوكّل وقبض عليه".
قال: "إن بختيشوع كان عظيم المنزلة عند المتوكل، فأفرط في الإدلال عليه، فنكبه، وقبض على أملاكه، ونفاه إلى مدينة إسلام. ثم عرض للمتوكل قولنج، فاستحضره، واعتذر إليه وعالجه، فبرئ، فأنعم عليه ورضي عنه، وأعاد عليه ما كان له، ثم جرت على بختيشوع مكيدة أخرى، فنكب، ووجّه به إلى البصرة!.
ثم ردّه المستعين إلى وظيفة الخدمة وأحسن إليه إحسانا كثيرا. فلما ولي المهتدي جرى مجرى المتوكل في أنسه بالأطباء، وكان بختيشوع لطيف المحل
стр. 3785
منه، وشكا إليه بختيشوع ما أخذ منه أيام التوكل، فأمر بأن يدخل الخزائن فكل ما عرفه ردّ إليه، فلم يبق له شيء إلا أخذه، وأطلق له كل ما فاته، وكتب برعاية أسبابه".
وقال بختيشوع للمهتدي في آخر أمره: يا أمير المؤمنين! لي أربعون سنة لم أفتصد، ولا شربت دواء، وقد حكم المنجّمون بأني أموت في هذه السنة. ولست أغتمّ لموتي، وإنما أغتمّ لمفارقتكم.
فكلّمه المهتدي بجميل وقال: قلّ أن يصدق المنجّم. فلما انصرف كان آخر العهد به.
وقال [إبراهيم بن علي الحصري (١) في كتاب: "نور الطرف ونور الظرف"] (٢) "تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع، بين يدي أحمد بن أبي دؤاد في عقار بالسواد (٣)، فأغلظ عليه إبراهيم فغضب ابن أبي دؤاد وقال: يا إبراهيم! إذا تنازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرا فليكن قصدك أمما (٤)، وطريقك نهجا، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووفّ مجالس الخلافة حقوقها، فإن هذا أليق بك، وأجمل بحسن مذهبك، وشريف محتدك (٥)، ولا تعجلنّ، فربّ
стр. 3786
عجلة تورث رثيا (١)، والله يعصمك من الزلل، وخطل (٢) القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم.
فقال إبراهيم: أمرت - أصلحك الله - بسداد، وحضضت على الرشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم قدري عندك، [ويسقطني من عينك]، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، لأن الغضب لا يزال يستفزّني بمراده، فيردّني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا فيك، - وهو حسبنا ونعم الوكيل -، وقد جعلت حظي من هذا العقار ليختيشوع، وليت ذلك يقي بأرش (٣) الجناية عليه، ولن يتلف مال أفاد موعظة".
قال أبو محمد، بدر بن أبي الإصبع الكاتب: حدثني جدي قال: "دخلت على بختيشوع في يوم شديد الحر، وهو جالس في مجلس مخيّش عنده طاقات من الخيش، طاقان ريح بينهما طاق أسود، وفي وسطها قبة عليها جلال أسود من قصب مطهّر بدبيقي (٤)، قد صبغ بماء الورد والكافور (٥) والصندل (٦) وعليه جبة يماني سعيدي مثقلة، ومطرف (٧) قد التحف به، فعجبت من زيه.
فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم. فضحك وأمر لي بجبّة ومطرف، وقال: يا غلام!، اكشف جوانب القبة.
стр. 3787
فكشفت، فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج، [وغلمان يروّحون ذلك الثلج] (١)؛ فيخرج منه البرد الذي لحقني. ثم دعا بطعامه، فأتي بمائدة في غاية الحسن، عليها كل شيء حسن ظريف، ثم أتي بفراريج مشوية في غاية الحمرة. وجاء الطبّاخ فنفضها كلها فانتفضت، وقال:
هذه فراريج تعلف اللوز والبزر قطونا (٢)، وتسقى بماء الرمان.
ولما كان في صلب الشتاء، دخلت عليه يوما والبرد شديد، وعليه جبّة محشوّة، وكساء، وهو جالس في طارمة (٣)، في الدار على بستان في غاية الحسن، وعليها سمّور (٤) قد ظهرت به وفوقه جلال (٥) حرير مصبّغ، ولبود مغربية، وأنطاع (٦) أدم يمانية وبين يديه كانون (٧) فضة مذهب مخرق، وخادم
стр. 3788
يوقد العود الهندي، وعليه غلال (١) قصب في نهاية الرفعة، فلما حصلت معه في الطارمة، وجدت من الحرّ أمرا عظيما، فضحك وأمر لي بغلالة قصب، وتقدّم بكشف جوانب الطارمة، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد، وكوانين فيها فحم الغضا (٢)، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق (٣)، كما يكون للحدادين.
ثم دعا بطعامه، فأحضروا ما جرت به العادة من السرور والنظافة، وأحضرت فراريج بيض، شديدة البياض، فبشعتها (٤)، وخفت أن تكون غير نضيجة، ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت، فسألته عنها؟ فقال: هذه تعلف الجوز المقشر، وتسقى اللبن الحليب.
وكان بختيشوع بن جبرائيل يهدي البخور في درج، ومعه درج آخر فيه فحم، يتخذ له من قضبان الأترج، والصفصاف (٥)، وشنس (٦) الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور، وماء الخلاف (٧)، والشراب العتيق. ويقول: أنا أكره أن أهدي بخورا بغير فحم [فيفسده فحم] (٨) العامة، ويقال: هذا عمل بختيشوع! ".
قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن
стр. 3789
الجرّاح، عن أبيه أن المتوكل قال يوما لبختيشوع: ادعني.
فقال: السمع والطاعة.
فقال: أريد أن يكون ذلك غدا.
قال: نعم وكرامة. وكان الوقت صائفا، وحرّه شديد.
فقال بختيشوع لأنسابه وأصحابه: " أمرنا كله مستقيم إلا الخيش (١)، فإنه ليس لنا منه ما يكفي!.
فأحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش ب "سرّ من رأى"، ففعلوا ذلك وأحضروا كل من وجدوه من النجّادين (٢)، والصّنّاع، فقطع لداره كلها صحونها وحجرها، ومجالسها، وبيوتها، ومستراحاتها خيشا حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيّش!، وأنه فكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة، فأمر بابتياع كل ما يقد عليه بسر من رأى من البطيخ، وأحضر حشمه وغلمانه، وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها، وأصبح وقد انقطعت روائحه، فتقدم إلى فرّاشيه فعلقوا جميعه في المواضع المذكورة، وأمر طبّاخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة (٣)، في كل جونة باب خيز سميد، ودست رقاق وزن الجميع عشرون رطلا، وحمل مشوي، وجدي بارد، وفائقة،
стр. 3790
ودجاجتان مصدرتان، وفرخان، ومصوصان (١)، وثلاثة ألوان، وجام (٢) حلواء.
فلما وافاه المتوكل، رأى كثرة الخيش وجدّته، فقال: أي شيء ذهب برائحته؟، فأعاد عليه حديث البطّيخ، فعجب من ذلك، فأكل هو وبنو عمه، والفتح بن خاقان (٣)، على مائدة واحدة، وأجلس الأمراء والحجّاب على سماطين (٤) عظيمين لم ير مثلهما لأمثاله، وفرّق الجون على الغلمان، والخدم، والنقباء (٥)، والركابية (٦)،
стр. 3791
والفرّاشين (١)، والملاّحين وغيرهم من الحاشية، لكلّ واحد جونة، وقال: " قد أمنت ذمّهم، لأنني ما كنت [آمن] لو أطعموا على موائد أن يرضى هذا، ويغضب الآخر، ويقول: شبعت، ويقول آخر: لم أشبع. فإذا أعطي كل إنسان جونة من هذه الجون، كفته.
واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جدا، وأراد النوم، فقال لبختيشوع: أريد أن تنوّمني في موضع مضيء لا ذباب فيه، وظنّ أنه يتعنّته بذلك، وقد كان بختيشوع تقدّم بأن تجعل أجاجين (٢) الدبس في سطوح الدار، ليجتمع الذباب عليه، فلم يقرب أسافل الدور ذبابة واحدة.
ثم أدخل المتوكل إلى بيت مرتفع كبير، سقفه كله بكواء فيها جامات يضيء البيت منها، وهو مخيّش مظهّر بعد الخيش بالدبيقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور.
فلما اضطجع للنوم، أقبل يشم روائح في نهاية الطيب، لا يدري ما هي؟ لأنه لم ير في البيت شيئا من الروائح والفاكهة والأنوار، ولا خلف الخيش، لا طاقات ولا موضع يجعل فيه شيء من ذلك.
стр. 3792
فتعجّب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح، حتى يعرف صورتها.
فخرج يطوف، فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابا صغارا لطافا كالطاقات محشوّة بصنوف الرياحين والفواكه، واللخالخ، والمشامّ التي فيها التفاح والبطيخ المستخرج ما فيها المحشوة بالنمّام (١)، والحماحم اليماني (٢)، المعمول بماء الورد والخلاّف، والكافور، والشراب العتيق، والزعفران (٣) الشعر.
ورأى الفتح غلمانا قد وكّلوا بتلك الطاقات، مع كل غلام مجمرة فيها ندّ يسجره (٤)، ويبخّر به البيت من داخله إزار من اسفيداج (٥) مخرّم خروما صغارا لا تبين، يخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت.
فلما عاد الفتح وشرح للمتوكّل صورة ما شاهده، كثر تعجّبه منه، وحسد بختيشوع على ما رآه من نعمته، وكمال مروءته، وانصرف من داره قبل أن يستتمّ يومه، وادّعى شيئا وجده من التياث (٦) بدنه. وحقد عليه ذلك، فنكبه بعد أيام يسيرة، وأخذ له مالا كثيرا لا يقدّر، ووجد له في جملة كسوته أربعة
стр. 3793
آلاف سروال دبيقي سفري، في جميعها تكك (١) إبريسم (٢) أرميني.
وحضر الحسين بن محمد؛ فختم على خزائنه، وحمل إلى دار المتوكل ما صلح منها، وباع شيئا كثيرا، وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ، وتوابل، فاشتراها الحسين بن مخلد بستة آلاف دينار.
وذكر أنه باع من جملته بمبلغ ثمانية آلاف دينار، ثم حسده حمدون، ووشى إلى المتوكل، وبذل فيما بقي في يده ستة آلاف دينار، فأجيب إلى ذلك، وسلّم إليه فباعه بأكثر من الضعف، وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين.
قال فيثون الترجمان: كان المعتزّ بالله قد اعتلّ في أيام المتوكّل علّة من حرارة، وامتنع منها من أخذ شيء من الأغذية والأدوية. فشقّ ذلك على المتوكّل كثيرا، واغتمّ به وصار إلى بختيشوع، والأطباء عنده، وهو على حاله في الامتناع، فمازحه وحادثه. فأدخل المعتزّ يده في كمّ جبّة وشي يماني مثقلة كانت على بختيشوع، وقال: ما أحسن هذا الثوب!.
فقال له بختيشوع: يا سيدي! والله ما له نظير في الحسن، وثمنه عليّ ألف دينار، فكل لي تفاحتين، وخذ الجبة. فدعا بتفاح، فأكل اثنتين، ثم قال له:
تحتاج الجبة إلى ثوب يكون معها!. وعندي ثوب هو أخ لهذا، فاشرب لي شربة سكنجبين (٣)، وخذه.
فشرب شربة سكنجبين، ووافق ذلك اندفاع طبيعته، فبرأ المعتزّ، وأخذ الجبة
стр. 3794
والثوب، وصلح من مرضه، فكان المتوكل يشكر هذا الفعل أبدا لبختيشوع.
قال ثابت بن قرّة بن سنان بن ثابت (١): إن المتوكل اشتهى في بعض الأوقات الحارّة أن يأكل مع طعامه خردلا (٢) فمنعه من ذلك الأطبّاء لحدّة مزاجه، وحرارة كبده، وغائلة الخردل.
فقال بختيشوع: أنا أطعمك إياه، وإن ضرّك عليّ!.
فقال: افعل. فأمر بإحضار قرعة (٣)، وجعل عليها طينا، وتركها في تنّور، واستخرج ماءها، وأمر بأن يقشر الخردل ويضرب بماء القرع، وقال: إن الخردل في الدرجة الرابعة من الحرارة، والقرع في الدرجة الرابعة من الرطوبة، فيعتدلان! فكل شهوتك.
وبات تلك الليلة، ولم يحسّ بشيء من الأذى، وأصبح كذلك، فأمر بأن يحمل إليه ثلاث مائة ألف درهم، وثلاثون تختا (٤) من أصناف الثياب.
стр. 3795
قال إسحاق بن علي الرهاوي عن عيسى بن ماسة قال: رأيت بختيشوع بن جبرئيل وقد اعتلّ فأمر أمير المؤمنين المتوكل المعتزّ أن يعوده وهو إذ ذاك وليّ عهد. فعاده ومعه محمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف التركي.
قال: وأخبرني إبراهيم بن محمد المعروف بابن المدبّر أن المتوكّل أمر الوزير شفاها، وقال: اكتب في ضياع بختيشوع فإنها ضياعي، وملكي، ومحلّه منا محل أرواحنا من أبداننا.
قال عبيد الله بن جبرائيل هذا المذكور: مما يدلّ على منزلة بختيشوع عند المتوكل وانبساطه [معه]، قال: من ذلك؛ ما حدّثنا به بعض شيوخنا، أنه دخل بختيشوع يوما إلى المتوكل وهو جالس على سدّة (١) في وسط دار الخاصة.
فجلس بختيشوع على عادته معه على السدة، وكان عليه درّاعة ديباج رومي، وقد انفتق ذيلها قليلا، فجعل المتوكل يحادث بختيشوع ويعبث بذلك الفتق، إلى أن بلغ إلى حد النيفق (٢)
ودار بينهما كلام اقتضى أن سأل المتوكل بختيشوع: بماذا يعلم أن المشوش يحتاج إلى الشدّ والقيادة والوثاق؟.
قال: إذا بلغ في فتق درّاعة طبيبه إلى حدّ النيفق، شددناه.
فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره، وأمر له في الحال بخلع سنيّة، ومال جزيل.
стр. 3796
وقال أبو الريحان البيروني (١) في كتاب: " الجماهر في [معرفة] الجواهر ": إن المتوكل جلس يوما لهدايا النيروز (٢)، فقدّم إليه كل علق (٣) نفيس، وكل ظريف فاخر. وأن طبيبه بختيشوع بن جبرائيل دخل، وكان يأنس به، فقال له:
ما ترى في هذا اليوم؟.
فقال: مثل [ … ] (٤) الشحاذين، إذ ليس قدر، وأقبل على ما معي. ثم أخرج من كمّه درج آبنوس (٥) مطليا بالفضة، وفتحه عن حرير أخضر، انكشف عن ملعقة كبيرة جوهر، لمع منها شهاب، وضعها بين يديه.
فرأى المتوكل ما لا عهد له بمثله، وقال: من أين هذا؟.
قال: من الناس الكرام. ثم حدث أنه صار إلى أبي من أم جعفر زبيدة، في ثلاث مرات، ثلاث مائة ألف دينار، بثلاث شكايات عالجها فيها:
واحدتها: أنها شكت عارضا في حلقها، منذرة بالخناق، فأشار عليها بالفصد والتطفية، والتغذي بحشو وصفه، فأحضر على نسخته في غضارة
стр. 3797
صينية عجيبة الصفة، وفيها هذه الملعقة، فغمزني أبي على رفعها؛ ففعلت، ولففتها في طيلساني، وجاذبنيها الخادم.
فقالت له: "لا طفه، ومره بردّها، وعوّضه منها عشرة آلاف دينار"، فامتنعت.
وقال أبي: "يا ستي! (١) إن ابني لم يسرق قط، فلا تفضحيه في أول كرّاته، لئلا ينكسر قلبه. فضحكت، ووهبتها له.
وسئل عن الأخريين؟ فقال: إنها اشتكت إليه تغيّر النكهة (٢)، بإخبار إحدى بطانتها إياها، وذكرت أن الموت أسهل عليها من ذلك.
فجوّعها إلى العصر وأطعمها سمكا ممقورا (٣)، وأسقاها دردي نبيذ (٤) دقل (٥) بإكراه، فغثيت نفسها، وقذفت، فكرّر ذلك عليها ثلاثة أيام.
ثم قال لها: تنكّهي في وجه من أخبرك بذلك، واستخبريه: هل زال؟.
والثالثة: أنها أشرفت على التلف من فواق (٦) شديد، كان يسمع من خارج الحجرة.
فأمر الخادم بإصعاد خوابي إلى سطح الصحن، وتصفيفها حوله على الشفير،
стр. 3798
وملأها ماء، وجلس خلف كل حبّ خادم، حتى إذا صفّق بيده على الأخرى دفعوها دفعة إلى وسط الدار، ففعلوا، وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها وزايلها الفواق.
قال أبو علي القياني (١): حدثني أبي قال: دخلت يوما إلى بختيشوع وكان من أيام الصيف، وجلست فإن هو قد رفع طرفه إلى خادمه، وقال له: هات!.
فجاء بقدح فيه نحو نصف رطل شراب عتيق، وعلى طرف خلاله (٢) ذهب، وشيء أسود، فمضغه، ثم شرب الشراب عليه، وصبر ساعة، فرأيت وجهه يتّقد كالنار، ثم دعا بأطباق فيها خوخ جبلي في نهاية الحسن، فأقبل يقطّع ويأكل، حتى انتهى وسكن تلهّبه، وعاد وجهه إلى حاله.
فقلت له: حدثني بخبرك.
فقال: اشتهيت الخوخ شهوة، وخفت ضرره، فاستعملت الترياق والشراب، حتى نقرت الحجر ليجيد الطحن.
ونقلت من بعض الكتب أن بختيشوع كان يأمر بالحقن والقمر متصل بالذنب، فيحل القولنج من ساعته، ويأمر بشرب الدواء والقمر على مناظرة الزهرة، فيصلح العليل من يومه.
ولما توفي بختيشوع خلف عبيد الله ولده، وخلف معه ثلاث بنات، وكانت الوزراء والنظار (٣) يصادرونهم ويطالبونهم بالأموال، فتفرّقوا واختلفوا.
стр. 3799
وكان موته يوم الأحد لثمان بقين من صفر، سنة ست وخمسين ومائتين.
ومن كلام بختيشوع ابن جبرائيل:
"الشرب على الجوع رديء، والأكل على الشبع أردأ منه".
وقال: " أكل القليل مما يضر أصلح من أكل الكثير مما ينفع".
ولبختيشوع من الكتب كتاب: " الحجامة " على طريق المسألة والجواب.
ومنهم:
٦٥ - جبيرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع (١٣)
عالم أتقن علم الطبيعة، وأيقن في برء السقام ربيعه، بخاطر يجري عذبه سلسالا، وتجيء سحبه أرسالا، لا تلبث العلل معه، ولا تتشبّث منه ببارقه مطمعه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان فاضلا، عالما، متقنا لصناعة الطب، جيدا في
стр. 3800
أعمالها، حسن الدراية لها، وله تصانيف جليلة في صناعة الطب، وكانت أجداده في هذه الصناعة كل منهم أوحد زمانه، وعلاّمة وقته".
قال عبيد الله بن جبريل: كان جدي عبيد الله بن بختيشوع متصرّفيا (١)، ولما ولي المقتدر استكتبه بحضرته، ثم مات، فقبض المقتدر على ماله، ثم تقلّبت بمخلّفيه الأمور إلى أن دخل جبرئيل بغداد وما معه إلا النزر اليسير، فقصد طبيبا يعرف ب" ترمرة "وقرأ عليه وكان من أطباء المقتدر وخواصّه، وقرأ على يوسف الواسطي، ولازم المارستان، ثم اتصل برسول صاحب فارس، فطار ذكره إلى فارس وكرمان (٢)، وكان سبب خروجه إلى شيراز (٣)، واتصل بعضد الدولة، وأهدى إليه رسالة في عصب العين، تكلم فيها بكلام حسن، فحسن موقعه عندهن فقرّر له جاريا عليه، ثم تعرّض لروح خالة عضد الدولة مرض فأنفذ إليه فشفى على يده فأجزل عطاءه وردّه مكرّما ثم صحبه إلى بغداد وأجرى عليه رزقين في البيمارستان غير الجراية، ثم عرض لابن عباد مرض صعب في معدته، فجهّز له عضد الدولة بما يحتاج إليه، ثم بعث به إليه، فلما أتى الريّ (٤) أحسن ابن عباد ملتقاه، وأكرم نزله، ثم امتحنه، فظهر له فضله، فخلع عليه خلعا سنية، ثم أمره
стр. 3801
بعمل كنّاش يذكر فيه الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم، فعمل كناشه الصغير، فحسن موقعه عنده، ثم وصله بما قيمته ألف دينار، ورفع أمره إلى عضد الدولة فزاد موضعه عنده، فلما عاد من الري دخل بغداد بزي جميل وأمر مطاع وغلمان وحشم، وخدم، وصادف من عضد الدولة ما يسرّه، واستدعاه حسام الدولة (١) إلى الموصل، وكانت له امرأة عليلة بمرض حاد، فأخذ في علاجها، وأشار بحفظ القارورة، فاتفق أن كان عنده وإذا بالجارية قد جاءت بالقارورة، فنظر إلى الماء، وقال لحسام الدولة: هذه المرأة تموت!. فانزعج لذلك وصرخت الجارية، فقال لها: جرى في أمر هذه الامرأة شيء لا أعلمه؟. فحلفت الجارية أنها لم تجاوز التدبير. فقال: لعلكم خضبتموها بالحناء.
قالت: قد كان ذلك، فحرد وقال لحسام الدولة: أبشر بعد ثلاثة أيام تبرأ.
فكان كما قال.
ومنهم:
٦٦ - خصيب النصراني (١٣)
خصيب لا يرتعي بكنفه المهزول، وطبيب لا يتوقّى طبه إلا من هو عن الحياة معزول، عرف باختيان (٢) النفوس، وبيع غوالي المهج برخاص الفلوس.
كم اجتثّ شجرة لو تركت لطالت سمراتها (٣)، وطابت ثمراتها، لا جرم أن
стр. 3802
جرمه أوبقه وجرّه إلى محبسه، ثم ما فتح إلى غير قرارة القبر مطبقه.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه (١): " [كان نصرانيا] من أهل البصرة، ومقامه بها، وكان فاضلا في صناعة الطب، جيد المعالجة".
قال محمد بن سلام الجمحي: " مرض الحكم بن محمد المازني، فأتوه بخصيب الطبيب يعالجه، فقال فيه: [مجزوء الرمل]
ولقد قلت لأهلي … إذ أتوني بخصيب
ليس والله خصيب … للذي بي بطبيبي
إنما يعرف دائي … من به مثل الذي بي
وقال ابن سلام: "كان خصيب نصرانيا نبيلا، فسقى محمد بن أبي العباس السفاح شربة دواء، وهو على البصرة، فمرض بها، وحمل إلى بغداد، فمات بها، فاتّهم به خصيب، فحبس حتى مات، فنظر في علته إلى مائه، وكان عالما، فقال:
قال جالينوس: إن صاحب هذه العلة إذا صار ماؤه هكذا لا يعيش.
فقيل له: إن جالينوس ربما أخطأ.
فقال: ما كنت إلى خطئه قط أحوج مني الآن!. ومات من علته.
ومنهم:
٦٧ - عيسى المعروف بأبي قريش (١٣)
عارف لا يعادل في طبه ولا يعادى معه السقم لخطبه، ولا يؤخر في جدل، ولا يؤرخ زمان به عدل، وكان يرجع إليه فيما التبس، ويكاد يستطلق بتطبيبه
стр. 3803
السحاب إذا احتبس، هذا بالدربة في معرفة قوى العقاقير، ولما سبق له به سعد المقادير.
ذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: " قال إسحاق بن علي الرهاوي - فيما نقله - أن أبا قريش كان صيدلانيا يجلس على موضع بباب قصر الخلافة، وكان ديّنا صالحا، وأن الخيزران (١) وجّهت بمائها مع جارية لها إلى الطبيب.
فلما خرجت، رأت أبا قريش، فأرته الماء، فقال لها: هذا ماء امرأة حبلى بغلام!.
فرجعت بالبشارة، فقالت لها الخيزران: ارجعي إليه واستقصي المسألة.
فرجعت، فقال لها: ما قلت إلا الحق. فلما كان بعد أربعين يوما أحسّت الخيزران بالحمل؛ فوجّهت إليه ببدرة (٢) دراهم، وكتمت الخبر عن المهدي، فلمّا مضت الأيام ولدت موسى الهادي، فأعلمت المهدي، وقالت له: إن طبيبا على الباب أخبر بهذا منذ تسعة أشهر، وبعثت إليه بتحف كثيرة، وبلغ هذا جرجس فأكذبه، ثم حبلت بأخيه هارون الرشيد، فقال جرجس للمهدي: جرّب أنت هذا الطبيب، فوجّه إليه بالماء، فلما رآه قال: هذا ماء ابنتي أم موسى، وهي حبلى
стр. 3804
بغلام آخر!.
فرجعت الرسالة بذلك إلى المهدي، وأثبت اليوم عنده، فلما مضت الأيام، ولدت هارون. فأحضره المهدي ولم يزل يطرح عليه الخلع، وبدر الدراهم والدنانير، حتى علت رأسه، وصير موسى وهارون في حجره، وكناه أبا قريش - أي: أبا العرب -، وقال لجورجيس: هذا شيء أنا بنفسي جربته. ثم صار نظير جرجس في الرتبة، ومات أبو قريش وخلف اثنين وعشرين ألف دينار، مع نعمة سنية.
[قال يوسف: وحدثني إبراهيم بن المهدي أن لحم عيسى بن جعفر بن المنصور كثر عليه حتى كاد أن يأتي على نفسه. وإن الرشيد اغتمّ لذلك غما شديدا أضرّ به في بدنه، ومنعه لذة المطعم والمشرب، وأمر جميع المتطبّبين بمعالجته. فكلهم دفع أن يكون عنده في ذلك حيلة. فزادوا الرشيد غما إلى ما كان عليه منه. وأن عيسى المعروف بأبي قريش صار إلى الرشيد سرا، فقال له: " يا أمير المؤمنين! إن أخاك عيسى بن جعفر] (١) رزق معدة صحيحة، وبدنا قابلا، ودهرا مسالما، [والأبدان] ما لم تختلط على أصحابها طبائعهم وأحوالهم، [فتنالهم العلل في بعض الأوقات، والصحة في بعضها، والغموم في بعضها، والسرور في بعضها، ورؤية المكاره في بعضها، والمحابّ في بعضها، وتدخلها الروعة أحيانا، والفرح أحيانا] (٢)، لا يؤمن عليهم منها التلف، [لأن لحمه يزداد حتى تضعف عن حمله العظام، وحتى يغمر فعل النّفس، وتبطل قوى الدماغ والكبد، ومتى كان هذا عدمت الحياة، وأخوك هذا إن لم تظهر]
стр. 3805
موجدة تجدها عليه، أو عزيز عيه من حرمه، لم تأمن عليه.
فقال: لا حيلة عندي في الموجدة عليه، ولكن احتل أنت.
فذهب إليه ثم جس عرقه، وأعلمه أنه يضطر إلى محنته ثلاثة أيام قبل العلاج، فأمره بذلك، فلما فرغ منه في اليوم رأى الأمير أن يعهد، فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يوما عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي عليه ثلاثة أيام حتى يبرأ. ونهض وقد امتلأ قلب الرجل [من الخوف]، فانحطّ كثير من لحمه، واستتر أبو قريش خوفا من إفشاء الخبر، فلما كان يوم الأربعين صار إلى الرشيد وقال: لا شك في نقصان بدن عيسى، فركب إليه الرشيد، ودخل عليه، ومعه أبو قريش، فوجدوا لحمه قد نقص نقصا كبيرا، فقال له عيسى بن جعفر: أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر، فقد قتلني بما أدخل علي من الروع.
فقال له: يا أخي! متعت بك (١) بأبي قريش - ردت إليه الحياة بعد الموت، فاشكر الله، فنعم الحيلة احتال لك، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار، فأوصل أنت إليه مثلها. ففعل، وانصرف أبو قريش إلى منزله بالمال ولم يرجع إلى أبي عيسى بن جعفر الشحم إلى أن فارق الدنيا.
стр. 3806
ومنهم:
٦٨ - ابن اللجلاج (١٣)
عارف بالأسباب والعلامات، درب العلاج حتى عرف بغلبة الظن إلى أن تتناهى الأعمار، وتتمادى مدد البقاء في هذه الدار، وزاد في التقريب، وكان كل شيء منه عنده بمقدار.
قال ابن أبي أصيبعة: " قال إسماعيل بن أبي سهل الطبيب، عن أبيه، قال:
ترافقت أنا وابن اللجلاج أيام المنصور في حجته التي حجّ فيها، فكان إذا نام المنصور تنادمنا. فسألني ابن اللجلاج - وقد عمل فيه (١) النبيذ، عما بقي من عمر المنصور؟.
فأعظم أبي ذلك، وقطع النبيذ، وجعل على نفسه أن لا ينادمه، [وهجره ثلاثة أيام].
ثم اصطلحا، فلما جلسا على نبيذهما قال ابن اللجلاج لابن أبي سهل:
سألتك عن علمك ببعض الأمور، فبخلت به، وهجرتني، ولست أبخل عليك بعلمي، فاسمعه.
ثم قال: إن المنصور رجل محرور (٢)، وتزداد يبوسة بدنه كلما أسنّ (٣). وقد حلق رأسه، وجعل مكان الشعر غالية (٤)، وهو في هذا الحجاز يداوم الغالية، وما
стр. 3807
يقبل قولي في تركها، ولا أحسبه يبلغ إلى فيد (١) حتى يحدث في دماغه اليبس ما لا يكون عندي ولا عند أحد من المتطبّبين حيلة في ترطيبه. فليس يبلغ "فيد" - إن بلغها - إلا مريضا. ولا يبلغ مكة - إن بلغها - وبه حياة!.
قال إسماعيل بن أبي سهل: قال لي أبي: فو الله! ما بلغ المنصور "فيد" إلا وهو عليل، ولا وافى مكة إلا وهو ميت، ودفن ببئر ميمون (٢).
ومنهم:
٦٩ - عبد الله الطيفوري (١٣)
هبت له رياح ثم سكنت، وتنبّهت له عيون رباح ثم وسنت (٣)، وانتعش جدّه الخامل، ثم غلب عليه الخمول، ورنح (٤) غصنه المائل ثم عاجله
стр. 3808
الذبول، وظنّ أن بارقته (١) ممطرة وقد رأى ركامها (٢)، وأمّل رهامها (٣)، فما سقته إلا رشاشا، ولا أقامته إلا وسقط يتغاشى.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان حسن العقل، طيّب الحديث، على لكنة سواديّة (٥) كانت في لسانه شديدة.
وكان مولده في بعض قرى" كسكر " (٦)، وكان أحظى خلق الله عند الهادي (٧).
قيل: إنه كان مولى الخيزران، والأصح: أنه كان مطبّبا لأخيها طيفور، فنسب إليه. ولما وجّه المنصور المهديّ إلى الري لمحاربة من بها، حمل معه الخيزران، وهي حامل بموسى، وخرج معها طيفور، والطيفوري معه، ولم تكن الخيزران شعرت بالحمل، فبعثت قارورة لها تريها الأطباء، فأتت الجارية بها أبا قريش الصّيدلاني،
стр. 3809
فقال: هذه قارورة حامل بغلام. فأدّت قوله إلى الخيزران، فسرّت وأعتقت عدة رقاب. وأعلمت المهدي فأحضره، وسأله، فقال ذلك. فسرّ أكثر من سرورها، ووصله كلّ منهما بمال جزيل، وأمره بلزوم الخدمة، وترك خيمته وما كان فيها من متاع الصيادلة.
قال: فأراد طيفور أن ينفعني، فبعث بي إلى الخيزران، وقال: هذا طبيبي، ماهر في الطب، فابعثي إليه بالماء ليراه.
ففعلت ذلك. فقال لي: قل لها كما قال أبو قريش. فقلت: ذلك ما لا أقول! لأنني لا أكتسب بالمخرقة! (١). ولكن هذه قارورة حامل، فأمرت لي بألف درهم، فلما وافت الري ولدت الهادي، فضممت إليه ودعيت بطبيبه وهو رضيع وفطيم، ثم ولدت أخاه الرشيد، فكان مولده شؤما على الهادي، لأنه فاز بالحظوة دونه، فأضرّني ذلك في جاهي، فلما أدرك الهادي الخلافة رفع من شأني.
ومنهم:
٧٠ - إسرائيل بن زكريا الطيفوري (١٣)
طبيب الفتح بن خاقان.
كان يدل بتقدّمه في فنه، ويدل على هذا غضبه على ملكه، وقد احتجم بغير إذنه لاشتداد أسر معرفته بقوى الأمزجة، وقدر فاقة الأبدان المليّة والمحوجة.
стр. 3810
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه: " كان مقدّما في صناعة الطب، جليل القدر عند الخلفاء والملوك، وكان مختصا بابن خاقان، وله من الإنعام الوافر، وكان المتوكل يعتمد عليه، وصار عنده إلى منزلة بختيشوع، وكان متى ركب إلى دار المتوكل في مثل مراكب الأمراء الأجلاّء القوّاد، وأمر المتوكّل صقلاب وابن الخيبري بالركوب معه، ثم أقطعه قطيعة ب "سرّ من رأى" (١)، ركب فاختارها لنفسه خمسين ألف ذراع، وأعطاه ثلاث مائة ألف درهم لينفقها عليه، فحازها، وضرب المناور (٢) عليه.
وحكى الرهاوي أن إسرائيل بن الطيفوري وجد (٣) على المتوكل إذ احتجم بغير إذنه فافتدى غضبه بثلاثة آلاف دينار، وضيعة تغلّ له في السنة خمسين ألف درهم، وهبها له، وسجّل له عليها.
وحكى ابن ما سويه قال: رأيت المتوكل وقد عاد إسرائيل وهو مريض قد غشي عليه، فجعل يده تحت رأسه مخدّة له، ثم قال للوزير: حياتي معلّقة بحياته إن عدمته لا أعيش!. ثم كان يبعث سعيد بن صالح - حاجبه - وموسى ابن عبد الملك - كاتبه - يعودانه عنه.
стр. 3811
ومنهم:
٧١ - يزيد بن [زيد] بن يوحنّا (١٣)
ابن أبي خالد.
كان لا يخطئ له صواب، ولا يبطئ به جواب، وكان في طبه [جدّ المأمون، خدم به … ] (١) ابن المهدي والمأمون، لأنه كان لا يتهم، ولا تسري وتدلج إليه التهم، لعلم يقين منه عقد عليه الأنامل، وأقعد لديه كل آمل.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان جيد العلم، حسن المعالجة، موصوفا بالفضل، خدم المأمون وابن المهدي، وكان له منه العناية الظاهرة، وله عليه الجامكية (٢) الوافرة".
قال ابن المهدي: إن أبا عثمان ثمامة العبسي صاحب الجبار اعتلّ علة تطاولت به، وكان شيخا كبيرا.
قال ابن المهدي: فسألني الرشيد عن علته، وأين بلغت به؟. فأعلمته، أني لا أعلم له خبرا، فأظهر إنكار القول، ثم قال: رجل غريب من أهل الشرف قد رغب في مصاهرة أهله عبد الملك بن مروان، وقد ولدت أخته خليفتين: الوليد، وسليمان ابني عبد الملك. وقد رغب أبوك في مصاهرته، فتزوّج أخته، ورغبت أنا وأخوك في مثل ذلك منه فتزوجت ابنته، وهو مع ذلك صحابي لجدّك وأبيك، ولأختك وأخيك، فلا توجب على نفسك عيادته؟.
стр. 3812
ثم أمرني بالمصير إليه لعيادته، فنهضت، وأخذت معي متطبّبي يزيد، وصرت إليه، فدخلت على رجل توهّمت أنه في آخر حشاشة (١) بقيت في نفسه، ولم أر فيه للمسألة موعا، فأمر يزيد متطبّبي بإحضار متطبّبه. فحضر.
فسأله عن حاله؟. فأخبر أنه يقوم في اليوم والليلة مائة مجلس.
وأقبل يزيد يسأل المتطبّب عن باب باب من الأدوية التي تشرب، والسفوفات (٢)، والحقن؟.
فلم يذكر لذلك المتطبّب شيئا إلا أعلمه أنه قد عالجه به، فلم ينجع فيه، فوجم (٣) عند ذلك يزيد مقدار ساعة، وقال: قد بقي شيء واحد أن أعمل به، رجوت أن ينتفع به، وإن لم ينجع فلا علاج له.
قال أبو إسحاق: فرأيت ثمامة قد قويت نفسه عند ما سمع من يزيد ما سمع، ثم قال: وما ذلك الشيء الذي بقي - متعت بك (٤) -؟.
قال: شربة "الاصطمخيقون" (٥).
فقال ثمامة: أحبّ أن أرى هذه الشربة حتى أشمّ رائحتها.
فأخرج يزيد من كمّه منديلا فيه أدوية، وفيه شربة "أصطمخيقون" فأمر بها
стр. 3813
ثمامة فحلّت، ثم أتي بها فرمى بها في فيه، وابتلعها، فوالله ما وصلت إلى جوفه حتى سمعت منه أصواتا لم أشك في أني لم أبلغ باب داره إلا وقد مات!.
فنهضت ومتطبّبي معي، وما أعقل غما. وأمرت خادما لي يكون يحمل معي الاسطرلاب إذا ركبت بالمقام في داره، وتعرّف خبر ما كان يكون منه، فتخلّف. فوافاني كتاب الخادم بعد الزوال يعلمني أنه قام بعد طلوع الشمس إلى زوالها خمسين مرة.
فقلت: تلفت والله نفس ثمامة. ثم وافى كتاب الخادم بعد غروب الشمس أنه قام منذ زوال الشمس إلى غروبها عشرين مجلسا. ثم صار إليّ الغلام مع طلوع الشمس فذكر أنه لم يكن منه منذ غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ثلاثة مجالس!، ولم يكن منه إلى وقت طلوع الفجر شيء.
فركبت إليه بعد أن صليت الغداة، فوجدته نائما، وكان لا ينام، فانتبه لي، وسألته عن خبره؟.
فأخبرني أنه لم يزل في وجع من جوفه مانع له من النوم والقرار منذ أكثر من أربعين ليلة، حتى أخذ تلك الشربة، فلما انقطع فعل الشربة انقطع عنه ذلك الوجع، وأنه لم يشته طعاما منذ ذلك الوقت، وأنه ما يصبر في وقته من غلبة الجوع عليه، وسأل الإذن في الأكل. فأذن له يزيد في أكل" اسفيذاج " (١) قد طبخ في فروج كسكري سمين، ثم إتباعها" زيرباجة " (٢)، ففعل ذلك.
стр. 3814
وصرت إلى الرشيد فأخبرته بما كان من أمر ثمامة!. فأحضر المتطبّب، وقال له: ويحك! كيف أقدمت على إسقائه حب الاصطمخيقون؟.
فقال: يا أمير المؤمنين! هذا رجل كان في جوفه [كيموس (١) فاسد، فلم يكن يدخل في جوفه] (٢) دواء ولا غذاء إلا أفسده الكيموس، وكان كلما فسد من تلك الأدوية والأغذية صار مادة لذلك الفساد، فكانت العلة لهذا السبب تزداد. فعلمت أنه لا علاج له إلا بدواء قوي على فعل الكيموس. وكانت أقوى الأشياء التي يمكن أن يسقاها: " الاصطمخيقون ". فقلت له فيه الذي قلت، ولم أقدم أيضا على القول إنه يبرئه لا محالة. وإنما قلت: بقي شيء واحد، فإن هو لم ينفعه فلا علاج له. وإنما قلت ذلك لأني رأيت الرجل عليلا قد أضعفته العلة، وأذهبت أكثر قواه، فلم آمن عليه التلف إن شربه، وكنت أرجو له العافية بشربه إياه، وكنت أعلم أنه إن لم يشربه أيضا تلف.
فاستحسن الرشيد ما كان من قوله، ووصله بعشرة آلاف درهم، ثم عاد الرشيد ثمامة، وقال: لقد أقدمت من شرب ذلك الدواء على أمر عظيم، وخاصة إذا كان المتطبّب لم يصرّح لك بأن في شربه العافية.
فقال ثمامة: يا أمير المؤمنين! كنت قد يئست من نفسي، وسمعت المتطبّب يقول: إن شربت هذا الدواء رجوت أن ينفعه، فاخترت المقام على الرجاء ولو لحظة على اليأس من الحياة، فشربته، وكان في ذلك خيرة من الله عظيمة (٣).
стр. 3815
ومنهم:
٧٢ - عبدوس بن زيد (١٣)
وكان طبيبا حاذقا، ومصيبا لا يزال برأيه موافقا، وله فضل من السحاب لو جر ذلاذله (١)، ونبل يتمنى لو كان فيه نقص يشغل عواذله.
قال أبو علي القباني، عن أبيه، أن القاسم بن عبيد الله (٢) مرض في حياة أبيه مرضا حادا في تموز، وحلّ به القولنج الصعب، فانفرد بعلاجه عبدوس بن زيد، وسقاه ماء أصول قد طبخ، وطرح فيه أصل الكرفس، والرازيانج (٣)، ودهن
стр. 3816
الخروع، وجعل فيه شيئا من "أيارج فيقرا (١) " فحين شربه سكن وجعه، وأجاب طبعه مجلسين، فأفاق ثم أعطاه من غد ذلك اليوم ماء شعير، فاستطرف هذا منه.
وقال أبو علي القباني أيضا: إن أخاه إسحاق بن علي مرض، وغلبت الحرارة على مزاجه، والنحول على بدنه، حتى أدّاه إلى الضعف، وردّ ما يأكله، فسقاه عبدوس بن زيد هذه الأصول [بالأيارج]، ودهن الخروع، في حزيران أربعة عشر يوما، فعوفي، وصلحت معدته. وقال: في مثل هذه الأيام تحمّ حمّى حادّة، فإن كنت حيا خلّصتك بإذن الله، وإن كنت ميتا فعلامة عافيتك له دائر سنة، أن تنطلق طبيعتك في اليوم السابع، فإن انطلقت عوفيت، ومع هذا فقد تقوّت معدتك بقوى لو طرحت فيها الحجارة لطحنتها.
فلما انقضت السنة، مرض عبدوس، وحمي أخي كما قال، وكان مرضهما في يوم واحد، فما زال عبدوس يراعي أخي، ويسأل عن خبره إلى أن قيل له:
انطلقت طبيعته، فقال: قد تخلّص. ومات عبدوس في الغد من ذلك اليوم.
ولعبدوس بن زيد من الكتب: كتاب "التذكرة في الطب".
стр. 3817
ومنهم:
٧٣ - ماسرجويه «طبيب البصرة» (١٣)
هو أول من ترجم، وعرّب ما أعجم، وكان صلب العود، صعب الجلمود (١)، لا ينقل إلا ما حرّره، وفصّل كلمه على قدر المعنى وقدّره، لا يتجوّز في كلمة يعبر بها عن معنى ما لم يكن دالة عليها بالمطابقة، مقابلة في اللغة الأخرى، لما نظرت به موافقة، وهو على هذا ظريف العبارة، لطيف الحديث إذا سمعت أخباره.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): "هو الذي نقل كناش" اهرن "من السرياني إلى العربي، وكان سريانيا يهودي الدين، وهو الذي يعنيه الرازي بقوله: " قال اليهودي".
قال ابن جلجل: " كان ماسرجويه أيام بني أمية، وعرف كناش أهرن لهم، كان في خزائنهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ أخرجه فوضعه على مصلاه، واستخار الله فيه أربعين يوما، ثم أخرجه إلى المسلمين للانتفاع به".
стр. 3818
قال الكسروي (١): كان أبو نواس يعشق جارية لامرأة من ثقيف تسكن موضعا يعرف بحكمان، من أرض البصرة، يقال لها" جيّان ". وكان أبو عثمان وأبو أمية الثقفيان من أقارب مولاتها، فكان أبو نواس يخرج كل يوم من البصرة يتلقّى من يرد من ناحية" حكمان "يسألهم عن أخبار" جيان "قال: فخرج يوما وخرجت معه، فكان أول قادم عليه ماسرجويه، فقال له أبو نواس: كيف خلّفت أبا عثمان وأبا أمية؟.
فقال له ماسرجويه: جيان صالحة الحال كما تحب!. فقال: [الخفيف]
أسأل القادمين من حكمان … كيف خلّفتم أبا عثمان؟
وأبا أمية المهذّب والمأ … مول والمرتجى لريب الزمان
فيقولون لي: جنان كما … سرّك في حالها، فسل عن جنان
ما لهم؟ لا يبارك الله فيهم! … كيف لم يغن عنهم كتماني؟
وقال: " كنت جالسا عند ماسرجويه إذ أتاه رجل فقال: إني بليت بمرض عظيم أصبح وبصري عليّ مظلم، وأنا أجد مثل لحس الكلاب في معدتي. ولا أزال هكذا حتى آكل، فإذا أكلت سكن عني ما أجد إلى وقت الظهر، ثم يعاودني ما كنت فيه، فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت العشاء، ثم يعاودني ما كنت فيه حتى آكل!.
فقال له ماسرجويه: "على هذا المرض غضب الله، فإنه أساء لنفسه الاختيار، إذ لم يكن إلا لسفلة مثلك!. ووددت لو ابتليت أنا وبنيّ به عوضك، ولو أنه بنصف ما أملك!.
стр. 3819
فقال له: ما أفهم ما تقول!.
فقال له ماسرجويه: هذه صحة لا تستحقها، أسأل الله تعالى نقلها عنك إليّ فإني أحق بها منك!.
وقال: شكوت إلى ماسرجويه تعذّر الطبيعة؟. فقال لي: أي شيء من الأنبذة تشرب؟.
فقلت: الدوشاب (١) البستاني الكثير الداذي (٢).
فأمرني أن آكل في كل يوم من أيام الصيف على الريق قثاءة صغيرة، فآكل منه الخمس والست والسبع، فكثر عليّ الإسهال، فشكوت إليه، فلم يكلّمني حتى حقنني بحقنة كثيرة الشحوم، والصموغ، والخطمي (٣)، والأرز الفارسي،
стр. 3820
ثم قال لي: كدت تقتل نفسك بإكثارك من القثاء على الريق، لأنه كان يحدر من الصفراء ما يزيد عن الأمعاء من الرطوبات اللاصقة بها ما يمنع الصفراء من سحجها وإحداث "الدوسنطاريا" (١).
ومنهم:
٧٤ - سلمويه بن بنان «متطبّب المعتصم» (١٣)
جلّ (٢) في العيان، وحلّ في الأعيان، وكان له شان لا تغص به المآقي، ولا يغضّ الأيام على لياليه البواقي، وسعد به أخوه، وصعد رتب النظراء ولم يواخوه!.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه: "لما استخلف المعتصم (٣) اختاره لنفسه، وقرّبه حتى كانت التواقيع (٤) في السجلات وغيرها تصدر عن المعتصم بخطه، وولى أخاه بيوت الأموال، وسلّمه خاتمه، وكان سلمويه نصرانيا محمود السيرة، وافر العقل.