← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

الخروع، وجعل فيه شيئا من "أيارج فيقرا (١) " فحين شربه سكن وجعه، وأجاب طبعه مجلسين، فأفاق ثم أعطاه من غد ذلك اليوم ماء شعير، فاستطرف هذا منه. وقال أبو علي القباني أيضا: إن أخاه إسحاق بن علي مرض، وغلبت الحرارة على مزاجه، والنحول على بدنه، حتى أدّاه إلى الضعف، وردّ ما يأكله، فسقاه عبدوس بن زيد هذه الأصول [بالأيارج]، ودهن الخروع، في حزيران أربعة عشر يوما، فعوفي، وصلحت معدته. وقال: في مثل هذه الأيام تحمّ حمّى حادّة، فإن كنت حيا خلّصتك بإذن الله، وإن كنت ميتا فعلامة عافيتك له دائر سنة، أن تنطلق طبيعتك في اليوم السابع، فإن انطلقت عوفيت، ومع هذا فقد تقوّت معدتك بقوى لو طرحت فيها الحجارة لطحنتها. فلما انقضت السنة، مرض عبدوس، وحمي أخي كما قال، وكان مرضهما في يوم واحد، فما زال عبدوس يراعي أخي، ويسأل عن خبره إلى أن قيل له: انطلقت طبيعته، فقال: قد تخلّص. ومات عبدوس في الغد من ذلك اليوم. ولعبدوس بن زيد من الكتب: كتاب "التذكرة في الطب".

стр. 3817

ومنهم: ٧٣ - ماسرجويه «طبيب البصرة» (١٣) هو أول من ترجم، وعرّب ما أعجم، وكان صلب العود، صعب الجلمود (١)، لا ينقل إلا ما حرّره، وفصّل كلمه على قدر المعنى وقدّره، لا يتجوّز في كلمة يعبر بها عن معنى ما لم يكن دالة عليها بالمطابقة، مقابلة في اللغة الأخرى، لما نظرت به موافقة، وهو على هذا ظريف العبارة، لطيف الحديث إذا سمعت أخباره. قال ابن أبي أصيبعة (٢): "هو الذي نقل كناش" اهرن "من السرياني إلى العربي، وكان سريانيا يهودي الدين، وهو الذي يعنيه الرازي بقوله: " قال اليهودي". قال ابن جلجل: " كان ماسرجويه أيام بني أمية، وعرف كناش أهرن لهم، كان في خزائنهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ أخرجه فوضعه على مصلاه، واستخار الله فيه أربعين يوما، ثم أخرجه إلى المسلمين للانتفاع به".

стр. 3818

قال الكسروي (١): كان أبو نواس يعشق جارية لامرأة من ثقيف تسكن موضعا يعرف بحكمان، من أرض البصرة، يقال لها" جيّان ". وكان أبو عثمان وأبو أمية الثقفيان من أقارب مولاتها، فكان أبو نواس يخرج كل يوم من البصرة يتلقّى من يرد من ناحية" حكمان "يسألهم عن أخبار" جيان "قال: فخرج يوما وخرجت معه، فكان أول قادم عليه ماسرجويه، فقال له أبو نواس: كيف خلّفت أبا عثمان وأبا أمية؟. فقال له ماسرجويه: جيان صالحة الحال كما تحب!. فقال: [الخفيف] أسأل القادمين من حكمان … كيف خلّفتم أبا عثمان؟ وأبا أمية المهذّب والمأ … مول والمرتجى لريب الزمان فيقولون لي: جنان كما … سرّك في حالها، فسل عن جنان ما لهم؟ لا يبارك الله فيهم! … كيف لم يغن عنهم كتماني؟ وقال: " كنت جالسا عند ماسرجويه إذ أتاه رجل فقال: إني بليت بمرض عظيم أصبح وبصري عليّ مظلم، وأنا أجد مثل لحس الكلاب في معدتي. ولا أزال هكذا حتى آكل، فإذا أكلت سكن عني ما أجد إلى وقت الظهر، ثم يعاودني ما كنت فيه، فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت العشاء، ثم يعاودني ما كنت فيه حتى آكل!. فقال له ماسرجويه: "على هذا المرض غضب الله، فإنه أساء لنفسه الاختيار، إذ لم يكن إلا لسفلة مثلك!. ووددت لو ابتليت أنا وبنيّ به عوضك، ولو أنه بنصف ما أملك!.

стр. 3819

فقال له: ما أفهم ما تقول!. فقال له ماسرجويه: هذه صحة لا تستحقها، أسأل الله تعالى نقلها عنك إليّ فإني أحق بها منك!. وقال: شكوت إلى ماسرجويه تعذّر الطبيعة؟. فقال لي: أي شيء من الأنبذة تشرب؟. فقلت: الدوشاب (١) البستاني الكثير الداذي (٢). فأمرني أن آكل في كل يوم من أيام الصيف على الريق قثاءة صغيرة، فآكل منه الخمس والست والسبع، فكثر عليّ الإسهال، فشكوت إليه، فلم يكلّمني حتى حقنني بحقنة كثيرة الشحوم، والصموغ، والخطمي (٣)، والأرز الفارسي،

стр. 3820

ثم قال لي: كدت تقتل نفسك بإكثارك من القثاء على الريق، لأنه كان يحدر من الصفراء ما يزيد عن الأمعاء من الرطوبات اللاصقة بها ما يمنع الصفراء من سحجها وإحداث "الدوسنطاريا" (١). ومنهم: ٧٤ - سلمويه بن بنان «متطبّب المعتصم» (١٣) جلّ (٢) في العيان، وحلّ في الأعيان، وكان له شان لا تغص به المآقي، ولا يغضّ الأيام على لياليه البواقي، وسعد به أخوه، وصعد رتب النظراء ولم يواخوه!. ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه: "لما استخلف المعتصم (٣) اختاره لنفسه، وقرّبه حتى كانت التواقيع (٤) في السجلات وغيرها تصدر عن المعتصم بخطه، وولى أخاه بيوت الأموال، وسلّمه خاتمه، وكان سلمويه نصرانيا محمود السيرة، وافر العقل.

стр. 3821

قال اسحاق بن حنين عن أبيه أنه كان أعلم أهل زمانه بصناعة الطب. ولما اعتلّ عاده المعتصم، وبكى عنده، واستشاره فيمن يكون بعده، وكان المعتصم قد أرصده لعرض الحوائج إبراهيم بن المهدي أوقات خلواته. ومنهم: ٧٥ - إبراهيم بن فزارون (١٣) كان موقرا لا يحل له حبوة، ولا تحطّ له ربوة، ولا تبارى به الثريا إذا لاحت، ولا الحميّا (١) إذا فاحت. وكان مقدّما لتطبيب الأرواح، وتطييب الأوقات بالأفراح، لا يزال ينشر ألوية المدام، ويؤثر أندية النّدّام، ويسيرها كؤوسا تجول أشعتها حول أوانيها، وتحول أقاصي البلاد أدانيها. قال ابن أبي أصيبعة: " كان شيخ بني فزارون الكتاب. قد خرج مع غسان بن عباد (٢) إلى السند، فحدّثني أن غسان بن عباد مكث بأرض السند من يوم

стр. 3822

النيروز إلى يوم المهرجان (١)، يشتهي أن يأكل قطعة لحم باردة، فما قدر على ذلك. فسألته عن السبب؟. فقال: كنا نطبخه فلا يبرد حتى يروح، فنرمي به. قال يوسف: وأخبرني إبراهيم بن فزارون أنه ما أكل بأرض السند لحما استطابه إلا لحوم الطواويس، وأنه لم يأكل لحما قط أطيب من لحم الطواويس ببلاد السند. قال يوسف: وحدّثني إبراهيم بن فزارون أنه رفع إلى غسان بن عباد، أن في النهر المعروف بمهران بأرض السند سمكة تشبه الجدي، وأنها تصاد ثم يطيّن رأسها وجميع بدنها إلى موضع مخرج الثفل (٢)، ثم يجعل ما لم يطيّن منها على الجمر، ويمسكها ممسك بيده حتى يستوي منها ما كان موضوعا على الجمر، وينضج ثم يؤكل ما نضج، أو يرمى به، وتلقى السمكة في الماء ما لم ينكسر العظم الذي هو صلب السمكة، فتعيش السمكة، وينبت على عظمها اللحم!!. وأن غسان أمر بحفر بركة في داره، وملأها ماء وأمر بامتحان ما بلغه. قال إبراهيم: فكنا نؤتى كل يوم بعدّة من هذا السمك، فنشويه على الحكاية التي ذكرت لنا، ونكسر من بعض عظمه الصلب، ونترك بعضه لا نكسره، فكان ما يكسر عظمه يموت، وما لم يكسر عظمه يسلم، وينبت عليه اللحم، ويستوي الجلد، إلا أن جلدة تلك السمكة تشبه جلدة الجدي الأسود، وما قشرناه من لحوم السمك التي شويناها ورددناها إلى الماء تكون على غير لون الجلدة الأولى، لأنه يضرب إلى البياض.

стр. 3823

قال يوسف: وسألت إبراهيم بن فزارون عن قول من يزعم أن نهر مهران [هو نهر النيل، فقال لي: رأيت نهر مهران] (١)، وهو يصب في النهر الملح، إلا أن علماء الهند والسند أعلموني أن مخرج النيل ومخرج نهر مهران من عين واحدة عظيمة، فنهر مهران يشق أرض السند، حتى يصب في بحرها المالح، والنهر الآخر يشق أرض الهند وجميع أرض السودان حتى يخرج إلى أرض النوبة، ثم يصب باقيه في أرض مصر فيرويها، ثم يصب باقيه في بحر الروم. ومنهم: ٧٦ - إبراهيم بن أيوب الأبرش (١٣) كان يعرف كيف تصاد الدراهم، ويعالج جراح الفقر من ضمادات أكياسها المراهم، بصيرا بتعديل المزاج بشربها، خبيرا بهذا العلاج بطبّها، وصادف وقتا قابلا وملكا يهب، وشفيعا قائلا، فجمع ما لم يجمع، ومصّل من المال ما لا يرى مثله ولا يسمع. قال عيسى بن ماسة (٢): "رأيت الأبرش وقد عالج إسماعيل (٣) - أخا المعتز - فلما بريء كلّمت" قبيحة " (٤) - أمّه - المتوكل ليهبه؟.

стр. 3824

فقال لها: مهما أعطيتيه، أعطيته مثله!. فأمرت له" قبيحة "ببدرة، فأمر له المتوكل بمثلها. فأمرت ببدرة أخرى، فأمر له المتوكل بمثلها، فما زالا يحضران البدر حتى أحضر كل منهما ست عشرة بدرة. ثم أومأت إلى جاريتها: أن تمسك. فقال الأبرش: لا تقطعي، وأنا أرد عليك. فقالت له: خذ ما حضر، فإنه لا يملأ عينك شيء. فقال المتوكل: والله! لو أعطيتيه إلى الصباح لأعطيته مثل ذلك. ثم لما أفضت الخلافة إلى المعتز، كان أخصّ الأطباء عنده، لمكانه من أمه" قبيحة "، فلما خلع المعتز قبض عليه صالح بن وصيف (١) ومنهم: ٧٧ - ماسويه أبو (٢) يوحنّا (١٣) دخل على الملك من بابه، وتوصّل إلى الفلك بأسبابه، وانتقل من خاصّة الكحل، إلى عامة تدبير الجسد، وتقرير إصلاح ما فسد. ثم لم يزل في مزيد في الصناعة، وتجديد ما ينمي مكاسب البضاعة، إلى أن صار لا يمترى في نفاقه، ولا

стр. 3825

يمتار (١) إلا من فواضل أسواقه، ولا يتطبّب عليل بألطف من شمائل أخلاقه. ذكره الترجمان كيف تنقّل وآخر أمره أنه عالج عين خادم الفضل بن الربيع (٢)، فشكا الفضل عينه، فأوصله إليه، فلم يزل يكحّله إلى ثلث الليل، ثم سقاه دواء مسهلا فصلح به، فأجرى عليه رزقا. فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد. فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين! طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل. فأمر بإحضاره ثم قال له: هل تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟. فقال: نعم يا أمير المؤمنين!، وكيف لا أحسن وقد خدمت المرضى بالبيمارستان؟!. فأدناه منه، فنظر في عينيه، فحجمه في ساقيه، وقطر في عينيه، فبرأ بعد يومين، فأمر بأن يجرى عليه في الشهر ألفا درهم، وعلوفه (٣)، ومعونته في السنة عشرون ألف درهم. ثم اعتلّت أخت الرشيد. فعالجها جبرئيل بأنواع العلاج فلم تنتفع، فاغتمّ بها، فقال الرشيد ذات يوم: قد كان ماسويه ذكر أنه خدم المرضى بالمارستان،

стр. 3826

وعالج الطبايع، فليدخل إلى عليلتنا لعلّ عنده فرجا؟. فأحضر جبرائيل وماسويه، فقال له ماسويه: عرّفني حالها، وجميع ما دبّرتها به إلى وقتنا هذا؟. فقصّ عليه. فقال ماسويه: التدبير صالح، والعلاج مستقيم، ولكن أحتاج إلى أن أراها. فأمر الرشيد بأن يدخل إليها. فلما تأمّلها، وجسّ عرقها بحضرة الرشيد، وخرجوا من عندها. وقال ماسويه للرشيد: يكون لك طول العمر والبقاء!. هذه تقضي بعد غد ما بين ثلاث ساعات إلى نصف الليل. فقال جبرائيل: كذب يا أمير المؤمنين!، إنها تبرأ وتعيش. فأمر الرشيد بحبس ماسويه ليسبر (١) ما قاله. وقال: ما رأينا بعلم الشيخ بأسا. فلما كان الوقت الذي وقّته ماسويه ماتت. فأمر الرشيد بإخراجه، وصيّره نظير جبرائيل في رزقه، ونزله، وعلوفته، ومعونته، ومرتّبه، ومرتبته. ومنهم: ٧٨ - يوحنّا بن ماسويه (١٣) طبيب على يده الشفاء، ولديه الوفاء، ما جال رأيه إلا فل أفلاطون، وجال فكر جالينوس لعله مثله يكون، وود ابن أثال لو نحت من إبلته، وتشوق الحرث

стр. 3827

للمقيل تحت نخلته، وسرّ السريان إذ كان منهم معدودا، وآن لليونان أن يساؤوا إذ لم يكن منهم له وولودا، ولا منه لهم ودودا. قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا ذكيا، فاضلا، خبيرا بصناعة الطب، وله كلام حسن وتصانيف مشهورة، وكان مبجّلا، وكان حظيّا عند الخلفاء والملوك". قال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب "أدب الطبيب" عن عيسى بن ماسه (١) الطبيب، قال: أخبرني أبو زكريا يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم، وعاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر، وكان الواثق (٢) مشغوفا، ضنينا به. فشرب يوما عنده، فسقاه الساقي شرابا غير صاف ولا لذيذ، على ما جرت به العادة، وهذا من عادة السقاة إذا قصّر في برّهم، فلما شرب القدح الأول، قال: يا أمير المؤمنين! أما المذاقات فقد عرفتها وأعددتها، ومذاقة هذا الشراب خارجة عن طبع المذاقات كلها!. فوجد أمير المؤمنين على السقاة، وقال: تسقون أطبائي وفي مجلسي بمثل هذا الشراب؟!. وأمر ليوحنّا بهذا السبب وفي ذلك الوقت بمائة ألف درهم، ودعا بسمانة الخادم، وقال له: احمل إليه المال الساعة. فلما كان وقت العصر سأل سمانة: هل حمل مال الطبيب أم لا؟. فقال: لا بعد. فقال: يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة.

стр. 3828

فلما صلّوا العشاء سأل عن حمل المال؟. فقيل له: لم يحمل بعد!. فدعا سمانه، وقال له: احمل إليه ثلاثمائة ألف درهم، فقال سمانة لخازن بيت المال: احملوا مال يوحنا، وإلا لم يبق في بيت المال شيء، فحمل إليه من ساعته! (١). وقال سليمان بن حسان: كان يوحنا بن ماسويه مسيحي المذهب، سريانيا. قلّده الرشيد ترجمة الكتب القديمة، مما وجد بأنقره، وعمّورية (٢)، وبلاد الروم، حين سباها المسلمون، ووضعه أمينا على الترجمة، وخدم هارون، والأمين، والمأمون، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل. قال: وكانت ملوك بني هاشم لا يتناولون شيئا من أطعمتهم إلا بحضرته، وكان يقف على رؤوسهم ومعه البراني (٣) بالجوارشنات (٤) الهاضمة المسخنة، الطابخة، المقوية للحرارة الغريزية في الشتاء، وفي الصيف بالأشربة الباردة والجوارشنات. قال ابن النديم البغدادي الكاتب: إن يوحنا بن ماسويه خدم بصناعة الطب المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.

стр. 3829

قال يوسف بن إبراهيم: كان مجلس يوحنا بن ماسويه أعمر مجلس كنت أراه بمدينة السلام لمتطبّب أو متكلّم، أو متفلسف، لأنه كان يجتمع به كل صنف من أصناف أهل الأدب، وكان في يوحنا دعابة شديدة، يحضر بعض من يحضر لأجلها، وكان من ضيق الصدر، وشدة الحدّة على أكثر مما كان عليه جبريل بن بختيشوع، وكانت الحدة تخرج منه ألفاظا مضحكة، وكان أطيب مجلسه في وقت نظره في قوارير الماء، وكنت وابن حمدون بن عبد الصمد بن علي الملقّب بأبي العيرطرد، وإسحاق بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الملقب ببيض البغل، قد توكلنا به نحفظ نوادره، وأظهرت له التلمذة [في قراءة كتب المنطق عليه، وأظهرا له التلمذة] (١) بقراءتهما كتب جالينوس عليه في الطب. قال يوسف: مما حفظت من نوادره في وقت نظره: أن امرأة أتته فقالت له: إن فلانة وفلانة وفلانة يقرءون عليك السلام!. فقال لها: أنا بأسماء أهل سطنطينية، وعمّورية، أعلم مني بأسماء الذين أسميتيهم، فأظهري بولك حتى أنظر لك فيه!. قال يوسف: وحفظت عليه أن رجلا شكا إليه علة كان شفاؤه منها الفصد، فأشار به عليه. فقال له: لم أعتد الفصد!. فقال له: ولا أحسب أحدا اعتاده في بطن أمه، وكذلك لم يعتد العلة قبل أن يعتل، وقد حدثت بك، فاختر ما شئت من الصبر على ما أحدثت لك الطبيعة من العلة، أو اعتياد الفصد لتسلم منها.

стр. 3830

قال يوسف: وشكا إليه رجل بحضرتي "جريا" (١) قد أضرّ به. فأمره بفصد الاكحل من يده اليسرى، فأخبره أنه قد فعل. فأمره بشرب المطبوخ. فقال: قد فعلت. فأمره بشرب الأصطمخيقون. فأعلمه أنه قد فعل!. فأمره بشرب ماء الجبن أسبوعا، وشرب مخيض البقر أسبوعين. فأعلمه أنه قد فعل!. فقال له: إنه لم يبق شيء مما أمر به المتطبّبون إلا وقد ذكرت أنك قد عملته، وقد بقي شيء لم يذكره بقراط ولا جالينوس، وقد رأيناه يعلم على التجربة كثيرا، فاستعمله؛ فإني أرجو أن ينجح علاجك إن شاء الله. فسأله ما هو؟. فقال: ابتع زوجي قراطيس، وقطعهما رقاعا صغارا، واكتب في كل رقعة: "رحم الله من دعا لمبتلى بالعافية" وألق نصفها في المسجد الشرقي بمدينة السلام، والنصف الآخر في المسجد الغربي، وفرقها في المجالس يوم الجمعة؛ فإني أرجو أن ينفعك الله بالدعاء إذ لم ينفعك العلاج.! قال يوسف: وصار إليه - وأنا حاضر - قسّيس الكنيسة التي يتقرّب فيها يوحنّا، وقال له: فسدت عليّ معدتي!. فقال له: استعمل جوارشن الخوزبي. فقال: قد فعلت. فقال: استعمل الكمّوني. قال: قد أكلت منه أرطالا. فأمره باستعمال المقداذيقون. فقال: قد شربت منه جرّة. فقال: فاستعمل المروسيا. فقال: قد فعلت، وأكثرت. فغضب وقال له: إن أردت أن تبرأ فأسلم فإن الإسلام يصلح المعدة!. قال يوسف: واشتدّت على يوحنّا علّة كان فيها حتى يئس منه أهله. ومن عادة النصارى إحضار من يئس منه أهله جماعة من الرهبان والقسّيسين (٢)،

стр. 3831

والشمامسة (١) يقرءون حوله. ففعل مثل ذلك بيوحنّا. فأفاق والرهبان حوله يقرءون فقال لهم: يا أولاد الفسّق! ما تصنعون في بيتي؟. فقالوا: كنا ندعو ربنا ليتفضل عليك بالعافية. فقال لهم يوحنّا: قرص ورد أفضل من صلوات جميع أهل النصرانية منذ كانت إلى يوم القيامة!، اخرجوا من منزلي فخرجوا. قال يوسف: وشكا - بحضرتي - إلى يوحنا رجل من التجّار جريا به في أيام الشتاء. فقال: ليست هذه من أيام علاج ما تجد، وإنما علاج دائك هذا في أيام الربيع، فتنكّب أكل المعفّنات كلها، وطريّ السمك، ومالحه، صغار ذلك وكباره، وكل حرّيف (٢) من الأبزار والبقول، وما يخرج من الضرع. فقال له الرجل: هذه الأشياء ما أطيق عنها صبرا. فقال يوحنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت فأدمن أكلها، وحكّ بجنك!، فلو نزل المسيح لك خاصّة لما انتفعت بدعائه لما تصف به نفسك من الشر. قال يوسف: وعاتبه النصارى على اتخاذ الجواري، وقالوا له: خالفت ديننا وكنت شمّاسا لنا!. وإما أخرجت نفسك من الشماسة، وأخذت ما بدا لك من الجواري. فقال: إنما أمرنا في موضع واحد أن لا نتخذ امرأتين، ولا ثوبين، فمن جعل

стр. 3832

"الجاثليق (١) " العاضّ بظر أمه، أولى أن يتخذ عشرين ثوبا من يوحنا الشقي في اتخاذ أربع جوار، فقولوا لجاثليقكم أن يلزم قانون دينه، حتى نلزمه معه، وإن خالفه خالفناه!. قال يوسف: وكان بختيشوع بن جبرائيل يداعب يوحنّا كثيرا، فقال له يوما في مجلس أبي إسحاق - ونحن في عسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين -: أنت يا زكرياء! أخي لأبي. فقال يوحنا لأبي إسحاق: اشهد أيها الأمير على إقراره، فو الله لأقاسمنّه ميراثه من أبيه. فقال له بختيشوع: إن أولاد الزنا لا يرثون، ولا يورّثون، وقد حكم دين الإسلام للعاهر بالحجر. فانقطع يوحنا ولم يحر جوابا. قال يوسف: "وكانت دار الطيفوري في دار الروم من الجانب الشرقي من مدينة السلام لصيقة دار يوحنّا بن ماسويه، وكان للطيفوري ابن قد علم الطب علما، يقال له: دانييل. ثم ترهّب بعد ذلك فكان يدخل مدينة السلام عند تأدّي الخبر إليه بعلّة والده، أو ما أشبه ذلك. وكان ليوحنّا طاووس كان يقف على الحائط الذي فيما بين داره ودار الطيفوري. فقدم دانييل مدينة السلام ليلا في الشهر المعروف ب" آب "وهو شهر شديد الحر، كثير الرمد، فكان الطاووس كلما اشتد عليه الحرّ صاح!؛ فأنبه دانييل، وهو في ثياب صوف من ثياب

стр. 3833

الرهبان، فطرده مرات، فلم ينفع ذلك، ثم رفع مرزبته (١) فضرب بها رأس الطاووس! فوقع ميتا. واستتر الخبر عن يوحنّا إلى أن ركب ورجع، فصادف عند منصرفه طاووسه ميتا على باب داره، فأقبل يقذف بالجدود (٢) من قتله، فخرج إليه دانييل فقال: لا تشتم من قتله، فإني قتلته، ولك عليّ مكانه عدة طواويس. فقال له يوحنا - بحضرتي -: ليس يعجبني راهب له سنام، وطول ذكر!. - إلا أنه قال ذلك بفحش -. فقال له دانييل: وكذلك ليس يعجبني شماس له عدة نساء، واسم رئيسة نسائه: "قراطيس"، وهو اسم رومي لا عربي!. ومعنى "القراطيس" عند الروم: قرنانة!، وليس تكون المرأة قرنانة حتى تنكح غير بعلها. فخرج يوحنّا، ودخل منزله مفعولا. قال يوسف: وحدّثني بمصر أحمد بن هارون الشرابي: أن المتوكل على الله حدّثه في خلافة الواثق أن يوحنّا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان كان للواثق في دجلة، ومع الواثق قصبة فيها شصّ (٣)، وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك، فحرم الصيد، فالتفت إلى يوحنا - وكان على يمينه - فقال: قم يا مشؤوم عن يميني. فقال له يوحنا: يا أمير المؤمنين! لا تتكلّم بمحال. يوحنا بن ماسويه الخوزي، وأمه: رسالة الصقلبية، المبتاعة بثمانمائة درهم، أقبلت به السعادة إلى أن صار نديم الخلفاء، وسميرهم، وعشيرهم، وحتى غمرته الدنيا

стр. 3834

فنال منها ما لم يبلغه أمله. فمن أعظم المحال أن يكون هذا مشؤوما، ولكن إن أحبّ أمير المؤمنين أن أخبره بالمشئوم من هو؟ أخبرته. فقال: ومن هو؟. فقال: من ولدته أربع خلفاء، ثم ساق الله إليه الخلافة، فترك الخلافة وقصورها، وبساتينها، وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعا في مثلها، في وسط دجلة، لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم يتشبّه بأفقر قوم في الدنيا وشرّهم، وهم صيادو السمك!. قال لي أحمد بن هارون: قال لي المتوكل: فرأيت الكلام قد أنجع فيه، إلا أنه أمسك لمكاني. قال يوسف: وحدثني أحمد بن هارون أن الواثق قال في هذا اليوم ليوحنّا وهو على هذه الدكان: يا يوحنا! ألا أعجبك من خلة؟. قال وما هي؟. قال: إن الصيّاد ليطلب السمك مقدار ساعة فيصيد السمكة تساوي الدينار أو ما أشبه ذلك، وأنا أقعد منذ غدوة إلى الليل فلا أصيد ما يساوي درهما!. فقال له يوحنا: وضع أمير المؤمنين التعجب في غير موضعه. إن الله تعالى جعل رزق الصياد من صيد السمك، فرزقه يأتيه لأنه قوته وقوت عياله، ورزق أمير المؤمنين بالخلافة، فهي غني عن أن يرزق بشيء من السمك، ولو كان رزقه جعل في الصيد لوافاه رزقه منه مثل ما يوافي الصياد. قال يوسف: وحدّثني إبراهيم بن علي متطبّب أحمد بن طولون: إنه كان في دهليز (١) يوحنا بن ماسويه ينتظر رجوع يوحنا من دار السلطان، فانصرف وقد

стр. 3835

أسلم في ذلك اليوم عيسى بن إبراهيم بن نوح كاتب الفتح بن خاقان. قال إبراهيم: فقمت إليه وجماعة من الرهبان، فقال لنا: اخرجوا يا أولاد الزنا من داري، واذهبوا وأسلموا، فقد أسلم المسيح الساعة على يدي المتوكل!. قال يوسف: وقدم جرجة بن زكريا عظيم النوبة (١)، في شهر رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين إلى سرّ من رأى، وأهدى إلى المعتصم هدايا فيها قردة!. فإني عند يوحنا في اليوم الثاني من شوال من هذه السنة، وأنا أعاتبه على تخلّفه عن حضور الدار في ذلك الوقت، لأني رأيت سلمويه وبختيشوع والحريش المتطببين، وقد وصلوا إذ دخل علينا غلام من الأتراك الخاصة، ومعه قرد من القرود التي أهداها ملك النوبة، لا أذكر أني رأيت أكبر منه جثة. وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: زوّج هذا القرد من "حماحم" قردتك!. وكان ليوحنا قردة يسميها "حماحم" كان لا يصبر عنها ساعة!. فوجم لذلك، ثم قال للرسول: قل لأمير المؤمنين: اتخاذي لهذه القردة غير ما توهّمه أمير المؤمنين، وإنما دبرت تشريحها لأجل وضع كتاب على ما وضع جالينوس في التشريح، يكون وضعي إياه لأمير المؤمنين!، وكان في جسمها ضعف فخفت أن تكون العروق فيها والأوراد والعصب دقاقا، فلا أطيق في إيضاح الأمر فيها مثل إيضاحها فيما عظم جسمه، فتركتها لتكبر ويغلظ جسمها، فأما إذ قد وافى هذا القرد فسيعلم أمير المؤمنين أني سأضع له كتابا لم يوضع في الإسلام مثله. ثم فعل ذلك بالقرد، فظهر له منه كتاب حسن استحسنه أعداؤه فضلا عن أصدقائه.

стр. 3836

قال يوسف: واعتلّ محمد بن سليمان بن الهادي المعروف بأبي مشغوف، علة تطاولت به، وكان أبو العباس ابن الرشيد يلزم يوحنّا تعاهده، وكان محمد بن سليمان ربما يزيد في الحديث أشياء لا يخيل باطلها على سامعها، فدخل إليه يوما وأنا عنده، فاستشاره فيما يأخذه؟. فقال يوحنا: قد كنت أشير عليك بما تأخذ في كل يوم، وأنا أحسبك تحب الصحة والعافية، فأما إذا صحّ عندي أنك تكره العافية وتحب العلة!. فقال له يوحنا: أنت والبرهان على ذلك، أن العافية في العالم تشبه الحق، والسقم يشبه الكذب، وأنت تتكلم أكثر دهرك بالكذب!، فيكون كذبك مادة لسقمك، فمتى تبرأ أنت من علة متطاولة، وأنت تمدها أكثر دهرك بالكذب الزائد فيها!. فالزم الصدق ثلاثة أيام ولا تكذب فيها، فيوحنّا بريء من المسيح إن لم تخرج من هذه العلة قبل ثلاثة أيام!. ونقلت من كتاب الهدايا والتحف لأبي بكر وأبي عثمان الخالديين قالا: حدثنا أبو يحيى قال: افتصد المتوكل فقال لخاصّته وندمائه: أهدوا إليّ يوم فصدي. فاحتفل كل واحد منهم في هديته، وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية لمير الراءون مثلها حسنا وظرفا وكمالا. فدخلت إليه ومعها جام (١) ذهب في نهاية الحسن، ودنّ (٢) بلّور لم ير مثله،

стр. 3837

فيه شراب يتجاوز الوصف، ورقعة فيها مكتوب: [الوافر] إذا خرج الإمام من الدواء … وأعقب بالسلامة والشفاء فليس له دواء غير شرب … بهذا الجام من هذا الطلاء وفص الخاتم المهدى إليه … فهذا صالح بعد الدواء فاستطرف المتوكل ذلك، واستحسنه، وكان بحضرته يوحنا بن ماسويه، فقال: يا أمير المؤمنين! الفتح - والله! - أطبّ مني، فلا تخالف ما أشار به. قال: ومن نوادر يوحنّا بن ماسويه: أن المتوكّل قال له يوما: بعت بيتي بقصرين. فقال له آخر: الغداء يا أمير المؤمنين! - أراد المتوكل تعشّيت فضرّني لأنه تصحيفها - فأجابه ابن ماسويه بما تضمن العلاج. وعتب ابن حمدون النديم ابن ماسويه بحضرة المتوكل، فقال له ابن ماسويه: لو أن مكان ما فيك من الجهل عقلا، ثم قسم على مائة خنفساء لكانت كل واحدة منها أعقل من أرسطوطاليس!. ووجدت في كتاب: "جراب الدولة" قال: دخل ماسويه الطبيب إلى المتوكل فقال المتوكل لخادم له: خذ بول فلان في قارورة، وأت به إليّ بين يدي ابن ماسويه. فأتى به، فلما نظر إليه قال: هذا بول بغل لا محالة!. فقال المتوكل: كيف علمت أنه بغل؟. قال ابن ماسويه: أحضر لي صاحبه حتى أراه، ويتبين كذبي من صدقي. فقال المتوكل: هاتوا الغلام. فلما مثل بين يديه، قال له ابن ماسويه: أيش أكلت البارحة؟. قال: خبز شعير، وماء قراح. فقال ابن ماسويه: هذا والله! طعام حماري اليوم.

стр. 3838

نقلت من خط المختار بن الحسن بن بطلان (١)، أن أبا عثمان الجاحظ، ويوحنا بن ماسويه قال: اجتمعا - بغالب ظني - على مائدة إسماعيل بن بلبل الوزير، وكان من جملة ما قدم مضيرة (٢) بعد سمك. فامتنع يوحنا من الجمع بينهما. قال له أبو عثمان: أيها الشيخ! لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن، أو مضاد له، فإن كان أحدهما ضد الآخر فهو دواء له، وإن كانا طبعا واحدا فلنحسب أنّا قد أكلنا من أحدهما إلى أن اكتفينا. فقال يوحنا: والله ما لي خبرة بالكلام، ولكن كل يا أبا عثمان، وانظر ما يكون في غد؟. فأكل أبو عثمان - نصرة لدعواه - ففلج في ليلته!. فقال: "هذه - والله - نتيجة المحال من القياس". والذي ضلّل أبا عثمان اعتقاده أن السمك من طبع اللبن، ولو سامحناه في أنهما من طبع واحد لكان امتزاجهما قوة ليست في أحدهما. وحدّث الصولي (٣) في كتاب "الأوراق" قال: كان المأمون نازلا "بذندون" -

стр. 3839

نهر من أعمال طرسوس، فجلس يوما وأخوه المعتصم عليه، وجعلا أرجلهما فيه استبرادا له، وكان أبرد الماء وأرقّه وألذّه. فقال المأمون للمعتصم: أحببت الساعة من أزاذ (١) العراق آكله، وأشرب عليه من هذا الماء البارد. وسمع صوت حلقة البريد وأجراسه، فقيل: هذا يزيد بن مقبل بريد (٢) العراق؛ فأحضر طبقا من فضة فيه رطب أزاذ!، فعجب من تمنيه، وما تم له، فأكلا وشربا من الماء ونهضا، وتودع المأمون وأقال، ثم نهض محموما، وفصد فظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده، ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج، وتفتح، فتبرا. فقال المعتصم للطبيب - وهو ابن ماسويه -: ما أطرف ما نحن فيه!، تكون الطبيب المفرد المتوحّد في صناعتك، وهذه النفخة تعتاد أمير المؤمنين، ولا تزيلها عنه! وتتلطّف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه؟. والله لئن عادت هذه العلة عليه لأضربنّ عنقك. فاستطرق ابن ماسويه لقول المعتصم، وانصرف، فحدّث به بعض من يثق به ويأنس منه، فقال: تدري ما قصد المعتصم؟. قال: لا. قال: قد أمرك بقتله! حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على دفع الأمراض عن الأجسام، وإنما قال: لا تدعه يعيش ليعود المرض عليه.! فتعالل ابن ماسويه، وأمر تلميذا له بمشاهدة النفخة، والتردّد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ يجيئه كل يوم، ويعرف حال المأمون، وما تجدّد له.

стр. 3840

فأمره بفتح النفخة. فقال: أعيذك بالله؛ ما احمرّت ولا بلغت حد الجرح!. فقال له: امض وافتحها كما أقول لك، ولا تراجعني. فمضى وفتحها، ومات المأمون، رحمة الله عليه. أقول (١): "إنما فعل ابن ماسويه ذلك لكونه كان عديم المروءة، عديم الدين والأمانة، وكان على غير ملة الإسلام، ولا له تمسك بدينه أيضا - كما حكى عنه يوسف بن إبراهيم في أخباره المتقدمة. ومن ليس له دين يتمسك به، ويعتقد فيه فالواجب أن لا يدانيه عاقل، ولا يركن إليه حازم. وكانت وفاة يوحنا بن ماسويه بسرّ من رأى، يوم الاثنين، لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، في خلافة المتوكل. ومن كلام يوحنا بن ماسويه: " سئل عن الخير الذي لا شرّ معه؟. فقال: القليل من الشراب الصافي". ثم سئل عن الشر الذي لا خير معه؟. فقال: " نكاح العجوز". وقال: " أكل التفاح يرد النفس. فقال: "عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما عتق".

стр. 3841

ومنهم: ٧٩ - ميخائيل بن ماسويه (١٣) طبيب المأمون (١) وربيب ذلك الفضل الممنون، نفق على ذلك الفاضل، ودفع كل مناضل، لا يكذب يقينه منية الصدوق، ولا يلزّ جواده السبوق فطما مع ذلك البحر المحيط، وحجّ إليه الوفد وأول ما نزع المخيط. قال يوسف بن إبراهيم مولى إبراهيم بن المهدي: "حضر ابن ماسويه دار ابن المهدي مع جماعة من وجوه الأطباء، وكانت أمه" شكلة "عليلة، فنظروا إلى مائها، وجسّوا عرقها، ثم عادوا في اليوم الثاني، فقالوا كلهم: " إنها أصبحت صالحة لا يشكّون في إفراقها "؛ فلما نهضوا اتبعتهم، فسألت واحدا واحدا عما عنده فيها؟. فكلهم قال مثل مقالته، إلا ابن سلمويه فإنه قال: " هي اليوم أصعب حالا من أمس! ". وقال لي ميخائيل: إنه قد ظهر بالأمس بالقرب من قلبها مرض ورم لم نره في يومنا هذا، أفترى ذلك الورم ساخ في الأرض، أو ارتفع إلى السماء؟. انصرف فأعدّ لهذه المرأة جهازها، فليست تبيت من الأحياء!. فتوفيت وقت صلاة العشاء.

стр. 3842

ومنهم: ٨٠ - حنين بن إسحاق العبادي (١٣) أبو زيد، والعباد - بفتح العين وتخفيف الباء، والعباد: بالفتح قبائل شتى، من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة. كان من أبناء الصيارف (١)، تعلق بالعلم يطلب تحصيله، وتيقن تأصيله، يغادي إليه أيامه ويبكّر، ويهاجر منامه ولا يهجر، وكان لا يرفع له علم قدر، ولا يوسع له أكرم صدر، لمهنة آبائه الوضيعة، وأهنة أماناتهم المضيعة، ونفسه تأنف له أن يرى بعين هضيمة، أو يراقب بمعاملة مضيمة، فنهض نهضة ثائر، وقام قومة سائر، ودخل بلاد الروم فتخلّق بأخلاقهم، وجاء على وفاقهم، حتى كان كأحد علمائهم، وأوحد حكمائهم.

стр. 3843

ثم خرج متنكّرا لا يعرف من الأعياص عيصه (١)، ولا من أي المصايد قنيصه (٢)، حتى أجلّه من كان لا يجلّه، وقلّ لديه من كان يستقله. ذكره يوسف بن إبراهيم (٣) في سبب ظهوره ما مختصره: " أن حنين العبادي كان يقرأ على ابن ماسويه، ورهط ابن ماسويه من أهل "جندي سابور" ويكرهون أهل الحيرة، فكره ذات يوم من العبادي كثرة سؤاله، فطرده، وقال له: شأنك أن تكون صيرفيّا!. فخرج من عنده، وآلى أن يتعلم لغة يونان كأحسن ما يكون. فجمعني به مجلس فإذا بإنسان له شعرة قد جلّلته، وقد ستر وجهه عني ببعضها، وطفق ينشد شعرا بالرومية، ل "أميروس" رئيس شعراء الروم، فعرفته بنغمته، وكان عهدي به بعيدا، فاستكتمني حاله، وسألني الستر عليه، فبقيت أكثر من ثلاث سنين أو أربعا لم أره، ثم إني دخلت على ابن بختيشوع وقد انحدر من معسكر المأمون، فوجدته عنده، وقد ترجم له أقساما قسمها بعض الروم في كتاب من

стр. 3844

كتاب جالينوس، وهو يخاطبه بالإنجيل ويقول له: يا زين حنين، يعني: أيها المعلم!. فأعظمت ما رأيت، وتبين ذلك جبرائيل في وجهي، فقال: لا تستنكرنّ ما ترى من تبجيلي هذا الفتى، فو الله إن مدّ له في العمر ليفضحنّ الأول، ثم خرج حنين وتبعته، فوجدته ينتظرني، فسلم عليّ، وقال: كنت سألتك ستر خبري، والآن أسألك إظهاره، وإظهار ما سمعت جبرائيل يقوله فيّ. فقلت: إني مسوّد وجه ابن ماسويه بما سمعته. فقال: تمام سواد وجهه أن تدفع إليه هذه النسخة، ولا تعلمه من نقلها. فإذا اشتد عجبه بها أعلمه أنها إخراجي. ففعلت ذلك من يومي وقبل انتهائي إلى منزلي. فلما قرأ ابن ماسويه تلك الفصول، وهي التي يسميها اليونان: "الفاعلات"، قال: "أترى المسيح أوحى في دهرنا هذا إلى أحد؟ ". فقلت له: ما أوحى المسيح في هذا الدهر ولا في غيره إلى أحد، ولا كان المسيح إلا أحد من يوحى إليه ". فقال له: دعني ليس هذا الإخراج إلا إخراج مؤيد بروح القدس. فقلت له: هذا إخراج حنين بن إسحاق الذي طردته، وأمرته أن يعمل صناعة الصيارف. فقال: هذا محال. ثم صدّق القول، وسألني التلطّف في إصلاح ما بينهما، ففعلت. وأفضل عليه أفضالا كثيرة، ثم لم يزل له مبجّلا. ثم لازم ابن ماسويه وأخذ عنه صناعة الطب، ونقل له كتبا كثيرة. ثم لما رأى المأمون في منامه كان شيخا بهيّا، جالسا على منبر وهو يخطب ويقول: " أنا أرسطوطاليس "، أحضر حنين بن إسحاق، وسأله عنه؟. فأخبره. فأمره بنقل كتب الحكماء إلى اللغة العربية، وبذل له أموالا جمّة، وقيل للخليفة إن ملك الروم ربّما دسّه عليك، فكان لا يأخذ بقوله بمفرده. ثم أراد اختباره، فخلع عليه وأعطاه خمسين ألف درهم، ثم قال له: إني أريدك تصف لي دواء أقتل به عدوّا لي سرّا. فقال: إنّي لم أتعلّم إلا الأدوية النافعة، وما علمت أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحبّ أن أمضي

стр. 3845

وأتعلم، فعلت ذلك. فقال: هذا شيء يطول، ورغّبه ورهّبه، وهو لا يزيد على قوله، فحبسه في بعض القلاع، ووكّل من يأتيه بأخباره. فمكث سنة غير مكترث بما هو فيه، دأبه النقل والتفسير والتصنيف، ثم أحضره، وأحضر له أموالا وغيها، وسيفا، ونطعا يرهبه به، وهو على قوله. فقال له: إني أقتلك!. فقال: إن لي ربّا يأخذ بحقي، فإن اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه فليفعل، فتبسّم له، وقال: طب نفسا، فإنما أردت أن أمتحنك لننتفع بعلمك. فقبّل حنين الأرض، وشكر له، فقال له الخليفة: ما منعك يا حنين من الإجابة مع ما رأيت منا في الحالين؟. فقال: شيئان. قال: ما هما؟. قال: الدين والصناعة. فخلع عليه، وحمل المال بين يديه، وخرج وهو أحسن عنده حالا. قال الصّقلّي: كان حنين من رفقة سيبويه في الاشتغال في النحو على الخليل بن أحمد. وخدم حنين المتوكل، وحظي في أيامه، وكان يلبس زنّارا!. قال القباني: كان حنين في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام يصبّ عليه الماء، ويخرج، فيلتف بقطيفة، وقد أعد له هناب من فضة، فيه رطل من شراب، وكعكة مثرودة فيه، فيأكلها ويشرب الشراب ويطرح نفسه حتى يستوفي عرقه. وربما نام، ثم يقوم ويتبخّر، ويقدّم له طعامه، وهو فرّوج كبير مسمّن، قد طبخ بزيرباج (١)، ورغيف فيه مائتا درهم، فيحسو المرق، ثم يأكل

стр. 3846

الفرّوج والخبز، ثم ينام فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شرابا عتيقا، ولم يذق غير هذا طول عمره، فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي، والرمان، والسفرجل. وعمل عليه أعداؤه حتى مات غما في ليلة واحدة (١). ومنهم: ٨١ - إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي أبو يعقوب (١٣) رجل ما نهنه في طلب، ولا نبّه له جفنا من طرب، ولم يضع نصيبه من كل صالحة، وتصويبه إلى صوت كل صائحة، حتى لا يخلّ تقييده لشاردة، ولا تعديده لواردة، إلا أنه كان أميل إلى الحكمة المطلقة من مفرد الطب، وهي لديه آثر ما يحب، ولم يخل من أدب راح يسوقه، وأرض يسوقه.

стр. 3847

قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان يلحق بأبيه في النقل ومعرفة اللغات، إلا أن نقله لكتب الطب قليل جدا بالنسبة إلى نقله لكتب أرسطو. وخدم إسحاق من خدم أبوه من الخلفاء والرؤساء. وكان منقطعا إلى القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد (٢)، وخصيصا به، ومتقدّما عنده، يفضي إليه بأسراره، وله حكايات مستطرفة، ونوادر. وتوفي أيام المقتدر (٣). ومن كلامه: "قليل الراح صديق الروح؛ وكثيرها عدو الجسم" (٤). وشرب دواء مسهلا، فكتب إليه القاسم بن عبيد الله الوزير مداعبا: [الهزج]

стр. 3848

أبن لي كيف أمسيت؟ … وكم كان من الحال؟ وكم سارت بك الناقة … نحو المنزل الخالي؟ فكتب إليه حنين بن إسحاق: [الهزج] بخير كنت مسرورا … رضيّ الحال والبال فأما السير والناقة … نحو المنزل الخالي فإجلالك أنسانيه … يا غاية آمالي ومنهم: ٨٢ - يوحنا بن بختيشوع (١٣) كان له جاهه شفيعا، وعلمه يحلّه محلا رفيعا، حتى كان بدرا في منازل الخلافة طالعا، ونديما دواعي السلافة طائعا. قال ابن أبي أصيبعة (١): "كان طبيبا متميزا، خبيرا باليونانية والسريانية، ونقل كتبا كثيرة، وخدم الموفق بالله طلحة بن جعفر المتوكل، وكان يعتمد عليه، ويسمّيه" مفرّج كربي".

стр. 3849

قال ابن طومار: كان الموفّق إذا جلس للشرب تقدم بين يديه صينية من ذهب، ومغسل من ذهب، و" خرداذي "بلّور، وكوز بلّور، ويجلس يوحنا بن بختيشوع عن يمينه، ويقدم إليه مثل ذلك، وكذلك بين يدي أبي غالب الطبيب، ويقدم إلى جميع الجلساء صواني مدهون، وقناني زجاج، وغير ذلك. وكان ابنه بختيشوع بمكانة من المقتدر بالله، وإقطاعات، ثم كان عند الراضي (١) كذلك (٢). ومنهم: ٨٣ - ثابت بن قرة الحرّاني، أبو الحسن (١٣) سماء لا تصدأ مرآتها، وورقاء لا تزال تطرب ملهاتها، وكوكب ذري كيف تسير الثواقب، وتصير المناقب، وتسوّر خود الثريا بالهلال، ويخسأ رقيب العوّاء المراقب.

стр. 3850

ظهر له من قوة الحدس ما كاد يعدّ كرامة، ويرد به البقاء وقد كان الهلك رامه. قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان من الصابئين المقيمين بحرّان، وتعلم على محمد بن موسى بن شاكر فوصله بالمعتضد، فأدخله في جملة المنجّمين، وهو أصل من كان ببغداد من الصابئة، ولم يكن في زمانه من يماثله في الطب، ولا في غيره من أجزاء الفلسفة، وله تصانيف مشهورة بالجودة، وكذلك جاء جماعة من ذريته، وله أرصاد حسان للشمس، تولاّها ببغداد، وكان يدخل إلى المعتضد إلى الحبس في كل يوم ثلاث مرات يحدّثه، ويؤنسه، ويسليه، فشغف به، فلما خرج من معتقله قال لغلامه بدر: يا بدر! أي رجل أفدنا بعدك؟. فقال: من هو يا سيدي؟. قال: ثابت بن قرة. ثم أقطعه إقطاعا (٢) جليلا، وكان يجلسه بين يديه، [كثيرا بحضرة العام والخاص، ويكون بدر غلام الأمير قائما والوزير، وهو جالس بين يدي الخليفة]. وحكى أبو إسحاق الصابئ أن ثابت بن قرّة بينما هو ماش مع المعتضد في الفردوس (٣)، وقد اتكأ المعتضد على يده، إذ نتر يده بشدة!، ففزع ثابت لأن

стр. 3851

المعتضد كان مهيبا، ثم لما نترها قال له: يا أبا الحسن! وكان يكنّيه في الخلوة [وفي الملأ يسميه]- سهوت ووضعت يدي على يدك وما هكذا يجب، لأن العلماء يعلون ولا يعلون. وحكي أنه اجتاز يوما إلى دار الخلافة، فسمع صياحا وعويلا، فقال: من هذا؟ قالوا: مات القصّاب الذي كان هنا فجأة. فأتى إليه وأمر النساء بالسكوت وأن يعملوا مزوّرة (١)، وأمر بعض غلمانه أن يضرب القصّاب على كعبه بالعصا. وجعل يده مجسّة، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال: حسبك. ثم استدعى بقدح وأخرج من كمّه دواء، فذافه (٢) في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصّاب وسقاه إياه فأساغه، ووقعت الصيحة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميّت!. فتقدّم ثابت يغلق الباب، وفتح القصاب عينه، وأطعمه المزوّرة، وأجلسه، وقعد عنده ساعة، وإذا برسل الخليفة يدعونه. فلما مثل بين يديه قال له: يا ثابت! ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك؟. فقال: يا مولاي! كنت أجتاز بهذا القصاب وأراه يشرّح الكبد، ويطرح عليها الملح، ويأكلها. وكنت أعلم أن سيلحقه سكتة. فأعددت له هذا الدواء، فلما قيل لي اليوم إنه مات فجأة البارحة، علمت أن السكتة قد لحقته، فدخلت إليه فلم أجد له نبضا، فضربته إلى أن حركت نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزوّرة، والليلة يأكل رغيفا بدرّاج، وفي غد يخرج من بيته.

стр. 3852

ومن كلامه: "ليس على الشيخ أضرّ من أن يكون له طبّاخ حاذق، وجارية حسناء، فيستكثر من الطعام، فيسقم، ومن الجماع فيهرم". ولما مات ابن قرّة (١) رثاه ابن المنجم النديم (٢) بقصيدة منها: [الطويل] نعينا العلوم الفلسفيات كلها … خبا نورها إذ قيل قد مات ثابت ولما أتاه الموت لم يغن طبّه … ولا ناطق مما حواه وصامت فلو أنه يسطاع للموت مدفع … لدافعه عنه حماة مصالت (٣) أآمل أن تجلى عن الحق شبهة … وشخصك مقبور وصوتك خافت وقد كان يجلو حسن تبيينك العمى … وكلّ قؤول حين تنطق ساكت كأنك مسئول غارف … ومستبدئا نطقا من الصخر ناحت فلم يتفقّني من العلم واحد … هراق (٤) إناء العلم بعدك كائت عجبت لأرض غيّبتك ولم يكن … ليثبت فيها مثلك الدهر ثابت ولا يك لما اغتالك الموت شامت … وأحسنت حتى لم يكن لك مبغض

стр. 3853

مضى علم العلم الذي كان مقنعا … فلم يبق إلا مخطئ متهافت ومنهم: ٨٤ - سنان بن ثابت بن قرة (١٣) أبو سعيد؛ مقرب كل بعيد، ما صحب صعبا إلا دمّث (١) شيمته، وليّن شكيمته (٢)، ودلّه على كرم الأخلاق، ودلّ عليه وثوب عرضه لا يمزقه إلا خرّاق (٣) قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان يلحق بأبيه في معرفته بالعلوم، وله قوة بالغة في علم الهيئة. وخدم المقتدر والراضي، وأراده القاهر على الإسلام فهرب إلى خراسان، ثم عاد وتوفي ببغداد مسلما، وكان على البيمارستان، وكانت تواقيع الوزير عيسى بن علي تأتيه بقرب فينفذها، منها: تفقّد المحابيس وأهل السواد بالأطباء، والأدوية والأغذية، حتى كتب يستأذنه في أهل الذمة، فكتب إليه الوزير: أكرمك الله! ليس بينا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب،

стр. 3854

ولكن الذي يجب تقديمه والعمل عليه معالجة الناس قبل البهائم، والمسلمين قبل أهل الذمة، فاعمل على ذلك، واكتب إلى أصحابك به، ووصّهم بالتنقّل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة، والأمراض الفاشية، واستجدّ في زمانه بيمارستان السيدة (١) بسوق يحيى، والمارستان المقتدري (٢). ثم خدم بعد الراضي: " بحكم " (٣)، فريّض أخلاقه، وسكّن سورة غضبه، وكان قد شكا إليه ما يجده من ذلك، فقال له كلاما زبدته: " أنت قادر متى شئت على الانتقام، فإذا أردت إيقاع نقمة بأحد، أخّرها إلى الغد، لوثوقك بقدرتك، فالغضب كالسّكر إذا بات زال " (٤).

стр. 3855

_________ = إذا حدث به، ويستحيي منه، كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ، بل أشد. فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك، قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر من يدك، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد، وقد قيل: من لم يخف فوتا حلم. فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضبك، فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن، وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب، وقد قيل: إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره. فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك، وقدم أمر الله أولا والخوف منه، وترك التعرض لسخطه، ولا تشف غيظك بما يؤثمك، فقد قيل: "ما شفى غيظه من أثم بربه" واذكر قدرة الله عليك وأنك محتاج إلى رحمته، وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك، وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شرا ولا نفعا، ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين، ولا يكشف ما قد أظلّك غيره . واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون، وأنك مثلهم تغلط وتخطئ، وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك. فكما تحب أن يغفر الله لك، كذلك غيرك يؤمّل عطفك وعفوك. وفكّر بأي ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك، وما يتوقّعه من عقوبتك، ويخافه من سطوتك، واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور وزوال الرعب عنه بعفوك، ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك. واذكر قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَكُمْ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة النور - الآية ٢٢، فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو، ويكفي فيه العتاب والتوبيخ، والعذل، والتهديد متى وقعت معاودة، فلا تتجاوز ذلك. واعف، واصفح، فإنه أحسن بك، وأقرب إلى الله تعالى، والله يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ - المائدة - الآية ٢٣٧. وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة، ولا قصرت بك القدرة. وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب، ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين، ويفسد به أمرك، ويقبح عند الناس ذكرك، فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة، ثم يصير عادة لك وخلقا وسجية، ويسهل عليك". انظر: عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٣٠٢ - ٣٠٣.
следующие страницы →