المعتضد كان مهيبا، ثم لما نترها قال له: يا أبا الحسن! وكان يكنّيه في الخلوة [وفي الملأ يسميه]- سهوت ووضعت يدي على يدك وما هكذا يجب، لأن العلماء يعلون ولا يعلون.
وحكي أنه اجتاز يوما إلى دار الخلافة، فسمع صياحا وعويلا، فقال: من هذا؟ قالوا: مات القصّاب الذي كان هنا فجأة. فأتى إليه وأمر النساء بالسكوت وأن يعملوا مزوّرة (١)، وأمر بعض غلمانه أن يضرب القصّاب على كعبه بالعصا.
وجعل يده مجسّة، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال: حسبك. ثم استدعى بقدح وأخرج من كمّه دواء، فذافه (٢) في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصّاب وسقاه إياه فأساغه، ووقعت الصيحة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميّت!. فتقدّم ثابت يغلق الباب، وفتح القصاب عينه، وأطعمه المزوّرة، وأجلسه، وقعد عنده ساعة، وإذا برسل الخليفة يدعونه. فلما مثل بين يديه قال له: يا ثابت! ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك؟.
فقال: يا مولاي! كنت أجتاز بهذا القصاب وأراه يشرّح الكبد، ويطرح عليها الملح، ويأكلها. وكنت أعلم أن سيلحقه سكتة. فأعددت له هذا الدواء، فلما قيل لي اليوم إنه مات فجأة البارحة، علمت أن السكتة قد لحقته، فدخلت إليه فلم أجد له نبضا، فضربته إلى أن حركت نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزوّرة، والليلة يأكل رغيفا بدرّاج، وفي غد يخرج من بيته.
стр. 3852
ومن كلامه: "ليس على الشيخ أضرّ من أن يكون له طبّاخ حاذق، وجارية حسناء، فيستكثر من الطعام، فيسقم، ومن الجماع فيهرم".
ولما مات ابن قرّة (١) رثاه ابن المنجم النديم (٢) بقصيدة منها: [الطويل]
نعينا العلوم الفلسفيات كلها … خبا نورها إذ قيل قد مات ثابت
ولما أتاه الموت لم يغن طبّه … ولا ناطق مما حواه وصامت
فلو أنه يسطاع للموت مدفع … لدافعه عنه حماة مصالت (٣)
أآمل أن تجلى عن الحق شبهة … وشخصك مقبور وصوتك خافت
وقد كان يجلو حسن تبيينك العمى … وكلّ قؤول حين تنطق ساكت
كأنك مسئول غارف … ومستبدئا نطقا من الصخر ناحت
فلم يتفقّني من العلم واحد … هراق (٤) إناء العلم بعدك كائت
عجبت لأرض غيّبتك ولم يكن … ليثبت فيها مثلك الدهر ثابت
ولا يك لما اغتالك الموت شامت … وأحسنت حتى لم يكن لك مبغض
стр. 3853
مضى علم العلم الذي كان مقنعا … فلم يبق إلا مخطئ متهافت
ومنهم:
٨٤ - سنان بن ثابت بن قرة (١٣)
أبو سعيد؛ مقرب كل بعيد، ما صحب صعبا إلا دمّث (١) شيمته، وليّن شكيمته (٢)، ودلّه على كرم الأخلاق، ودلّ عليه وثوب عرضه لا يمزقه إلا خرّاق (٣) قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان يلحق بأبيه في معرفته بالعلوم، وله قوة بالغة في علم الهيئة. وخدم المقتدر والراضي، وأراده القاهر على الإسلام فهرب إلى خراسان، ثم عاد وتوفي ببغداد مسلما، وكان على البيمارستان، وكانت تواقيع الوزير عيسى بن علي تأتيه بقرب فينفذها، منها: تفقّد المحابيس وأهل السواد بالأطباء، والأدوية والأغذية، حتى كتب يستأذنه في أهل الذمة، فكتب إليه الوزير: أكرمك الله! ليس بينا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب،
стр. 3854
ولكن الذي يجب تقديمه والعمل عليه معالجة الناس قبل البهائم، والمسلمين قبل أهل الذمة، فاعمل على ذلك، واكتب إلى أصحابك به، ووصّهم بالتنقّل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة، والأمراض الفاشية، واستجدّ في زمانه بيمارستان السيدة (١) بسوق يحيى، والمارستان المقتدري (٢).
ثم خدم بعد الراضي: " بحكم " (٣)، فريّض أخلاقه، وسكّن سورة غضبه، وكان قد شكا إليه ما يجده من ذلك، فقال له كلاما زبدته: " أنت قادر متى شئت على الانتقام، فإذا أردت إيقاع نقمة بأحد، أخّرها إلى الغد، لوثوقك بقدرتك، فالغضب كالسّكر إذا بات زال " (٤).
стр. 3855
_________
= إذا حدث به، ويستحيي منه، كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ، بل أشد. فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك، قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر من يدك، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد، وقد قيل: من لم يخف فوتا حلم. فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضبك، فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن، وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب، وقد قيل: إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره. فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك، وقدم أمر الله أولا والخوف منه، وترك التعرض لسخطه، ولا تشف غيظك بما يؤثمك، فقد قيل: "ما شفى غيظه من أثم بربه" واذكر قدرة الله عليك وأنك محتاج إلى رحمته، وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك، وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شرا ولا نفعا، ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين، ولا يكشف ما قد أظلّك غيره . واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون، وأنك مثلهم تغلط وتخطئ، وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك. فكما تحب أن يغفر الله لك، كذلك غيرك يؤمّل عطفك وعفوك. وفكّر بأي ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك، وما يتوقّعه من عقوبتك، ويخافه من سطوتك، واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور وزوال الرعب عنه بعفوك، ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك. واذكر قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَكُمْ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة النور - الآية ٢٢، فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو، ويكفي فيه العتاب والتوبيخ، والعذل، والتهديد متى وقعت معاودة، فلا تتجاوز ذلك. واعف، واصفح، فإنه أحسن بك، وأقرب إلى الله تعالى، والله يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ - المائدة - الآية ٢٣٧. وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة، ولا قصرت بك القدرة. وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب، ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين، ويفسد به أمرك، ويقبح عند الناس ذكرك، فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة، ثم يصير عادة لك وخلقا وسجية، ويسهل عليك".
انظر: عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٣٠٢ - ٣٠٣.
стр. 3856
ومنهم:
٨٥ - ثابت بن إبراهيم بن زهرون الحراني (١٣)
كان يتكلم بالحديث الصحيح على كل مغيّب، ويتقدّم عند ملوك قريش على كل أحلافيّ ومطيّب (١)، لم يبالغ في وصفه من تعدّى، ولا ذكر معجز عجائبه إلا من ظنّ أنه بها يتحدّى.
ذكره ابن أبي أصيبعة فقال (٢): " كان طبيبا فاضلا كثير الدراية، وافر العلم، بارعا في الصناعة، موفقا في المعالجة، مطّلعا على أسرار الطب، وكان مع ذلك ضنينا بما يحسن".
نقلت من خط ابن بطلان (٣) قال: كان قد أسكت (٤) أبو طاهر ابن بقية في داره الشاطئة على الجسر ببغداد، وقد حضر الأمير معز الدولة بختيار، والأطباء مجمعون على أنه قد مات، فتقدم أبو الحسن الحرّاني، وكنت أصحبه يومئذ،
стр. 3857
فقال: أيها الأمير! إذا كان قد مات فلن يضرّه الفصاد، فهل تأذن لي في فصده؟.
قال له: افعل يا أبا الحسن!. ففصده، فرشح منه دم يسير، ثم لم يزل يقوى الرشح إلى أن صار الدّم يجري، فأفاق الوزير!.
فلما خلوت به سألته عن الحال - وكان ضنينا بما يقول -؟.
فقال: إن من عادة الوزير أن يستفرغ في كل فصل ربيع دما كثيرا من عروق المعدة، وفي هذا الفصل انقطع عنه، فلما فصدته ثابت القوة من خناقها.
قال عبيد الله بن جبرائيل: لما دخل عضد الدولة ﵀ إلى بغداد، إذ كان أول من لقيه من الأطباء أبو الحسن الحراني، وكان شيخا مسنّا، وسنان، وكان أصغر من أبي الحسن، وكانا عالمين فاضلين، وكانا جميعا يسعران (١) المرضى، ويمضيان إلى دار السلطان، فحسن ثناؤه عليهم، ولما دخلا على عضد الدولة قال: من هؤلاء؟. قالوا: الأطباء. قال: نحن في عافية، وما بنا حاجة إليهم. فانصرفا خجلين، فلما خرجا إلى الدهليز قال سنان لأبي الحسن: يجمل أن ندخل إلى هذا الأسد ونحن شيخان فيفترسنا؟.
قال له أبو الحسن: فما الحيلة؟. قال: نرجع إليه، وأنا أقول ما عندي، وننظر أيش الجواب؟. قال: افعل. فاستأذنا، ودخلا. فقال سنان: أطال الله بقاء مولانا، موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض، والملك أحوج الناس إليه.
فقال له عضد الدولة: صدقت. وقرر لهما الجاري السني، وصارا ينوبان مع أطبائه.
قال عبيد الله بن جبرائيل: ولهما أحاديث كثيرة حسنة، منها: حديث قلاء الكبود: وذلك أنه كان بباب الأزج إنسان يقلي الكبود، فكانا إذا اجتازا عليه دعا لهما وشكرهما، وقام لهما حتى ينصرفا.
стр. 3858
فلما كان في بعض الأيام اجتازا، فلم يرياه، فظنا أنه قد شغل عنهما، ومن غد سألا عنه؟ فقيل لهما: إنه الآن قد مات!. فعجبا من ذلك، وقال أحدهما للآخر: له علينا حق يوجب علينا قصده ومشاهدته، فمضيا جميعا وشاهداه، فلما نظراه، تشاورا في فصده، وسألا أهله أن يؤخروه ساعة واحدة، ليفكروا في أمره، ففعلوا ذلك، وأحضروا فاصدا ففصده فصدة واسعة، فخرج منها دم غليظ، وكان كلما خرج الدم خفّ عنه، حتى تكلّم وسقياه ما يصلح، وانصرفا عنه.
ولما كان في اليوم الثالث خرج إلى دكانه، فكان هذا من المعجز لهما، فسئلا عن ذلك؟ فقالا: سببه أنه كان إذا قلى الكبد يأكل منها، وبدنه يمتلئ دما غليظا وهو لا يحس، حتى فاض من العروق إلى الأوعية، وغمر الحرارة الغريزية، وخنقها كما يخنق الزيت الكثير الفتيلة التي تكون في السراج، فلما بدروه بالفصد نقص الدم، وخف عن القوة الحمل الثقيل، وانتشرت الحرارة وعاد الجسم إلى الصحة، وهذا الامتلاء قد يكون من البلغم أيضا، وقد ذكر أسبابه الفاضل " جالينوس "في كتابه في تحريم الدفن قبل أربع وعشرين ساعة.
قال عبيد الله بن جبرائيل: ومن أحسن ما سمعت عن أبي الحسن الحرّاني:
أنه دخل إلى قرابة الشريف الجليل محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - وكان إنسانا نبيل القدر، قد عارضه ضيق نفس شديد، صعب، فأخذ نبضه، وأشار بما يستعمله، فشاوره في الفصد، فقال له: لا أراه وإن كان يخفف المرض تخفيفا بيّنا، وانصرف، وجاءه أبو موسى المعروف ببقّة الطبيب، وأبصر نبضه وقارورته، وأشار بالفصد، فقال له الشريف: قد كان عندي أبو الحسن الحرّاني الساعة، وشاورته في الفصد فذكر أنه لا يراه صوابا.
فقال بقّة: أبو الحسن أعرف!. وانصرف، فجاءه بعض الأطباء الذين هم دون
стр. 3859
هذه الطبقة، فقال: يفصده سيدنا الساعة، فإنه في الحال يسكن، وقوي عزمه على الفصد، ولم يبرح حتى فصده، فعند ما فصده خفّ عنه ما كان يجده خفا بيّنا، ونام وسكن عنه، واغتذى وهو في عافية، فعاد إليه أبو الحسن الحرّاني آخر النهار فوجده ساكنا قارّا، فلما رآه على تلك الحال قال له: قد فصدت؟.
فقال: كيف كنت أفعل ما لم تأمرني به؟.
قال: ما هو هذا السكون إلا للفصد!.
فقال له الشريف: لمّا علمت بهذا لم لا فصدتني؟.
فقال له أبو الحسن الحرّاني: إذ قد فصد سيدنا فليبشر بحمّى ربع سبعين دور، ولو أن بقراط وجالينوس عنده ما تخلّص إلا بعد انقضائها.
واستدعى دواة، ودرجا، ورتّب تدبيره لسبعين نوبة، ودفعه إليه، وقال: هذا تدبيرك، فإذا انقضى ذلك جئت إليك. وانصرف، فما مضى أيام حتى جاءت الحمّى وبقيت كما قال، فما خالف تدبيره حتى برأ.
قال عبيد الله بن جبريل: ومن أخباره أنه كان للحاجب الكبير غلام، وكان مشغوفا به، واتفق أن الحاجب صنع دعوة كبيرة كان فيها أجلاّء الدولة، ولما اشتغل بأمر الدعوة حمّ الغلام حمى حادة، فورد على قلب الحاجب من ذلك موردا عظيما، وقلق قلقا كثيرا، واستدعى أبا الحسن الحرّاني، فقال له: يا أبا الحسن! أريد الغلام يخدمني في غداة، اعمل كل ما تقدر عليه، وأنا أكافئك بما يضاهي فعلك. فقال له: يا حاجب! إن تركت الغلام يستوفي أيام مرضه عاش، وإلا فيمكنني من ملازمته أن يقوم في غد لخدمتك، ولكن إذا كان العام المقبل في مثل هذا اليوم يحمّ حمّى حادّة، ولو كان من كان عنده من الأطباء لم ينجع فيه مداواته، ويموت إما في البحران الأول، أو الثاني، فانظر أيهما أحب إليك؟.
стр. 3860
فقال له الحاجب: أريد أن يخدمني في غد، وإلى العام المقبل فرج - ظنّا منه أن هذا القول من الأحاديث المدفوعة -. ولا زمه أبو الحسن. ولما كان في غد أفاق، وأقام في الخدمة، وأعطى الحاجب لأبي الحسن خلعة سنية، ومالا كثيرا، وصار يكرمه غاية الإكرام.
فلما كان في العام المقبل في مثل اليوم الذي حمّ فيه الغلام، عاودته الحمى، فأقام محموما سبعة أيام، ومات. فعظم في نفس الحاجب وجماعة من الناس قوله، وكبر لديهم محلّه، وكان هذا منه كالمعجز (١)
ومنهم:
٨٦ - ابن وصيف الصابئ (١٣)
كان يصبو إليه كلّ حكيم، ويصيب لديه غرضه كل عليم، لا ترضّ له صخره، ولا يرضى لغيره فخره، ولا يزال بعده كل عليل لصعب الأدواء ذخره.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " كان طبيبا عالما بعلاج أمراض العين، ولم يكن في زمانه أعلم منه في ذلك، ولا أكثر مزاولة.
قال سليمان (٢): حدّثني أحمد بن يونس الحرّاني، قال: حضرت بين يدي أحمد بن وصيف الحراني، وقد أحضر سبعة أنفس لقدح أعينهم، وفي جملتهم رجل من أهل خراسان، أقعده بين يديه، ونظر إلى عينيه فرأى ماء متهيّأ للقدح،
стр. 3861
فسامه على ذلك، فطلب إليه فيه، واتفق معه على ثمانين درهما، وحلف أنه لا يملك غيرها. فلما حلف له الرجل اطمأنّ وضمّه إلى نفسه، ورفع يديه على عضده، فوجد بها نطاقا صغيرا فيه دنانير، فقال له ابن وصيف: [ما هذا؟، فتلون الخراساني، فقال ابن وصيف:] (١) حلفت بالله حانثا وأنت ترجو رجوع بصرك إليك؟!. والله لا عالجتك إذ خادعت ربك (٢)، فطلب إليه فأبى أن يقدحه، وصرف إليه الثمانين درهما ولم يقدح عينه.
ومنهم:
٨٧ - غالب «طبيب المعتضد» (١٣)
ما عاد مريضا فعاد مهيضا (٣)، ولا زار عليلا فشكا غليلا (٤)، ولا أتى لقى بقلبه الضنى إلا نهض من مضجعه، ونهى عن الضراء به توجّعه، نفق في مثل سوق المعتضد، ووافق منه ظنّ المعتقد، وكان منه حيث لا يقر قرار المعتمد.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان يخدم الموفق (٥) أيام أبيه المتوكل، وخوّله، ونوّله، وكان يغلفه بيده، وينادمه، ثم خدم المعتضد بعد أبيه الموفق، وعالج الموفق من سهم أصابه فبرأ، فأعطاه مالا كثيرا، وقال لغلمانه: من أراد إكرامي فليكرمه، فبعث إليه مسرور بعشرة آلاف دينار، ومائة ثوب، وبعث إليه سائر الغلمان ما لا يحصى، وأقطعه مرة زيادة على رزقه ضياعا تغلّ سبعة آلاف دينار، وأتى
стр. 3862
المعتضد وهو بآمد (١) خبر موته، فكان هو المبتدئ لابنه سعيد بالعزاء فيه، ثم بعث إليه الوزير وسائر أرباب الدولة لتعزيته، وبعث إليه بخون (٢) الطعام، ثم خلع عليه، وأجرى عليه كل ما كان لأبيه.
ومنهم:
٨٨ - صاعد بن بشر بن عبدوس أبو منصور (١٣)
فطن لكثير من الغلط، وبيّن في أمور منها ما اختلط، حتى تلافى تلف الأبدان، ووافى بما لم يكن للحكماء القدماء به يدان، ونقل الأمزجة إلى ما يلائمها، وأجمع على هذا آراءه وقد كثر لائمها، ثم قفّى من بعده على آثاره الحكماء، وحفظ تدبيره ونسيت القدماء.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٣)، وقال: "كان قاصدا بالبيمارستان [ببغداد]، ثم اشتغل بصناعة الطب، حتى صار من أكابر أهلها. قال: وهو أول من فطن لنقل أكثر الأمراض التي كانت تداوى بالأدوية الحارّة إلى التدبير المبرّد، كالفالج،
стр. 3863
والاسترخاء، واللقوة، وخالف مسطور القدماء، أخذ المرضى بالفصد والتبريد، ومنع المرضى من الغذاء فأنجح تدبيره، وتقدّم، وانتهت الرياسة إليه، وعوّل الملوك عليه، فرفع عن البيمارستان المعاجين الحارة، والأدوية الحادة، ونقل تدبير المرضى إلى ماء الشعير، ومياه البزور، فأظهر من المداواة عجائب. من ذلك: ما حكاه لي " بميافارقين "الرئيس أبو يحيى ولد الوزير أبي القاسم المغربي، قال: عرض للوزير بالأنبار (١) قولنج صعب، أقام لأجله في الحمام، واحتقن عدة حقن، وشرب عدة شربات، فلم ير صلاحا. فأنفذنا رسولا إلى صاعد، فلما جاء ورآه على تلك الحال، ولسانه قد قصر من العطش، وشرب الماء الحار والسكر، وجسمه يتوقّد من ملازمة الحمّام، ومداومة المعاجين الحارة، والحقن الحارة، استدعى كوز ماء مثلوج، فأعطاه الوزير، فتوقف عن شربه، ثم إنه جمع بين الشهوة وترك المخالفة، وشربه، فرويت في الحال نفسه. ثم استدعى فاصدا ففصده، وأخرج له دما كثير المقدار، وسقاه ماء البزور، ولعابا، وسكنجبين، ونقله من حجرة الحمام إلى الخيش، وقال له: إن الوزير - أدام الله عافيته - سينام بعد الفصد، ويعرق وينتبه، فيقوم عدة مجالس، وقد تفضّل الله بعافيته. ثم تقدّم بصرف الخدم لينام. فقام الوزير إلى مرقده، وقد وجد خفّة بعد الفصد، فنام مقدار خمس ساعات، وانتبه يصيح بالفراشين. فقال صاعد للفرّاش: إذا قام من الصبيحة، فقل له يعاود النوم حتى لا ينقطع العرق، فلما خرج الفراش من عنده قال: وجدت ثيابه كأنها قد صبغت بماء الزعفران، وقد قام مجلسا ونام، ثم لا زال الوزير يتبرّد دفعات إلى آخر النهار مجالس عدة، ومن بعد هذا غذّاه بمزورة، وسقاه
стр. 3864
ثلاثة أيام ماء الشعير، فبرأ برءا تاما، فكان الوزير أبدا يقول: طوبى لمن سكن بغداد دارا شاطئة، وكان طبيبه أبو منصور، وكاتبه أبو علي بن موصلايا، فبلغه الله أمانيه فيما طلب".
ونقلت أيضا من خط ابن بطلان: أن صاعد الطبيب عالج الأجلّ المرتضى (١) ﵁ من لسب (٢) عقرب، بأن ضمّد [المكان] بكافور. فسكن عنه الألم في الحال.
ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب "ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء" قال: كان الوزير علي بن بلبل ببغداد وكان له ابن أخت، فلحقته سكتة دموية، وخفي حاله على جميع الأطباء، وكان بينهم صاعد بن بشر حاضرا، فسكت حتى أقرّ جميع الأطباء بموته، ووقع اليأس من حياته، وتقدم الوزير في تجهيزه، واجتمع الخلق في العزاء، والناس في اللطم والنياح، ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير، فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب: هل لك حاجة؟. فقال له: نعم يا مولانا!، إن رسمت وأذنت لي ذكرت. فقال: تقدّم وقل ما يلج في صدرك. فقال صاعد: هذه سكتة دموية، ولا مضرّة في إرسال مبضع واحد، وننظر، فإن نجح كان المراد، وإن تكن الأخرى فلا مضرّة فيه.
стр. 3865
ففرح الوزير وتقدّم بإبعاد النساء، وأحضر ما وجب من التمريخ (١) والنطول (٢)، والبخور، والنشوق، واستعمل ما يجب من شد عضد المريض، وأقعده في حضن بعض الحاضرين، وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله، فخرج الدم، ووقعت البشائر في الدار، ولم يزل يخرج الدم حتى استتم ثلاث مائة درهم من الدم، فانفتحت العين، ولم ينطق، فشدّ اليد الأخرى، ونشّقه ما وجب تنشيقه، ثم فصده ثانيا، وأخرج مثلها من الدم وأكثر، فتكلم، ثم أسقي وأطعم ما وجب، فبرئ من ذلك، وصحّ جسمه، وركب في الرابع إلى الجامع، ومنه إلى ديوان الخليفة، فدعا له، ونثر عليه من الدراهم والدنانير الكثيرة، وحصل لصاعد بن بشر الطبيب مال عظيم، وحشّمه الخليفة والوزير، وقدّمه، وزكّاه، وتقدّم على جميع من كان في زمانه.
ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من أهوال وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه: "وإنه عرض لنا من تضايق الزمان علينا والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين، وما قد بلينا به مع ذلك من التنقل في المواضع غربيّها وشرقيّها، ولما قد أظلّنا من الأمور المذعرة المخوفة، التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدّس اسمه". هذا ما ذكره، وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم، آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدنا، ونظر ما نظرنا في زماننا من التتر الذين أهلكوا العباد، وخرّبوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم إلا قتل جميع
стр. 3866
من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن، لكان استصغر ما ذكره، واستقلّ ما عاينه وحقره، ولكن ما طامّة إلا وفوقها طامّة أعظم منها، ولا حادثة إلا وغيرها يكبر عنها، ولله الحمد على الإسلام والعافية (١).
ومنهم:
٨٩ - ديلم (١٣)
وكان من الأطباء المهرة، والألبّاء أهل المخبرة، تقدّم في جيله، وقدّم لتبجيله، وحبي بحب لم يمح من الضمائر، ولم يلح عليه آمر ليد لم يقصر به باعها، ولم تمدّ لجس نبض إلا وأيدي الأطباء أتباعها.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال: "كان من الأطباء المذكورين ببغداد، المتقدمين في
стр. 3867
صناعة الطب، وكان يتردّد إلى الحسن بن مخلد، وزير المعتمد، ويخدمه، ووجدت في بعض التواريخ أن المعتمد على الله وهو أحمد بن المتوكل أراد أن يفتصد، فقال للحسن بن مخلد: اكتب لي جميع من في خدمتنا من الأطباء حتى نتقدّم بأن تصل كل واحد منهم على قدره.
فكتب الأسماء وأدخل فيها اسم: ديلم" المتطبب، وكان "ديلم" يخدم الحسن بن مخلد، فوقع تحت الأسماء بالصّلات. فقال ديلم: إني جالس في منزلي، وقد وافى رسول بيت المال، ومعه كيس فيه ألف دينار، فسلّمه إليّ، وانصرف. فلم أدر ما السبب فيه. فبادرت بالركوب إلى الحسن بن مخلد وهو حينئذ الوزير، فعرّفته ذلك، فقال: افتصد أمير المؤمنين، وأمر أن أكتب أسماء الأطباء ليتقدم بصلاتهم، فأدخلت اسمك معهم، فخرج لك ألف دينار.
ومنهم:
٩٠ - فنّون المتطبّب (١٣)
طبيب بختيار (١)، ولبيب عرف بحسن الاختيار. أتقن الحكمة علما وعملا، وعزما وأملا، وحاز الفضائل معرفة ما ونت، ومعالجة ما دعت صحة إلا دنت.
قال ابن جبريل: ومن أخباره مع بختيار: أنه رمدت عين بختيار في بعض
стр. 3868
الأوقات، فقال له: يا أبا نصر! ليس والله! تبرح من عندي، أو تبري عيني.
وأريدها تبرأ إلى يوم واحد، وأبرمه. قال: فسمعت أبا نصر يتحدّث أنه قال له:
إن (١) أردت أن تبرأ فتقدم إلى الغلمان والفراشين أن يأتمروني دونك في هذا اليوم، وما منهم من يخالفني في أمري إلا قتلته، ففعل بختيار ذلك؛ فأمر أبو نصر أن يحضر إجّانة (٢) مملوءة عسل الطبرزد (٣)، فلما حضر غمس يدي بختيار فيه، ثم بدأ يداوي عينيه بالشياف (٤) الأبيض، وما يصلح الرمد، وجعل بختيار يصيح بالغلمان، فلا يجيبه أحد، ولم يزل كذلك يكحله إلى آخر النهار فبريء، وكان هو السفير بين بختيار والخليفة، وإذا خرجت الخلع فعلى يديه تخرج، وله منها النصيب الأوفر.
ومنهم:
٩١ - نظيف - القسّ الرّومي - (١٣)
كان كريم العلاج إلا أنه يتلاءم، مبارك اليد إلا من رآه يتشاءم، لو رأى إبليس
стр. 3869
طلعة وجهه قال: فديت من لا يفلح، أو أرسطوطاليس لأفسد كل ما كان يصلح، طار عليه طائر هذه السمعة القبيحة، والشنعة التي لبس منها ثوب الفضيحة، وكان فاضلا لا يعوز، ويتضاءل لديه البحر الذي يعجز.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان خبيرا باللغات والنقل، فاضلا في الطب، وكان عضد الدولة يتطيّر (١) منه، وكان [الناس] (٢) يولعون به إذا دخل إلى مريض.
حتى حكي في بعض الأوقات أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القوّاد في مرض كان عرض لهن فلما خرج من عند القائد استدعى ثقته وأنفذه إلى حاجب عضد الدولة، يستعلم منه نية الملك فيه؟. ويقول: إن كان ثمّ تغير نية فليأخذ له الإذن في الانصراف والبعد، فقد قلق لما جرى!. فسأل الحاجب عن ذلك، وسببه، فقال الغلام: ما أعرف أكثر من أنه جاءه نظيف الطبيب، وقال له: يا مولانا الملك! أنفذني لعيادتك. فمضى الحاجب؛ وأعاد بحضرة الملك عضد الدولة هذا الحديث. فضحك وأمره أن يمضي إليه، ويعلمه بحسن نيته فيه، وإن ذلك لشغل قلبه به أنفذه إليه ليعوده، وحملت إليه خلع سنيّة، سكنت بها نفسه، وزال عنه ما كان أضمره من شغل القلب، وكان دائما يولع به بسببها.
стр. 3870
ومنهم:
٩٢ - ابن بطلان، أبو الحسن المختار بن عبدون بن سعدون ابن بطلان النصراني (١٣)
طبيب مكمّل، وأريب مؤمّل، وأديب يدل عليه شعره من يتأمّل رشق الكلام، شرق الضياء في الظلام، شرق عدوه بمائه وصفق وما أفاق إلا بأسمائه، وكان على إصراره على نصرانيته التي انتصر لخذلانها، وهصر غصون الإخاء لخلانها، معروفا بمروءة طال به جلبابها، واتسع لكل طالب علم وندى بابها.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): " كان قد اشتغل على ابن الطّيّب (٢)، وقرأ عليه كثيرا من كتب الحكمة وغيرها، ولازم ابن زهرون، واشتغل عليه، وكان معاصرا لابن رضوان الطبيب [المصري]، وكانت بينهما مراسلات عجيبة، وكتب غريبة، ولم يؤلف واحد منهما كتابا ولا ابتدع رأيا إلا ردّ الآخر عليه وسفّه رأيه فيه!.
وسافر ابن بطلان يريد مصر ليرى ابن رضوان (٣)، فمرّ في طريقه بحلب،
стр. 3871
فأكرمه صاحبها معز الدولة ثمال بن صالح، ثم أتى دولة مصر في دولة المستنصر (١)، وجرت بين ابن بطلان وابن رضوان وقائع كثيرة، ونوادر ظريفة.
قال: وألف كل منهما كتابا في الردّ على الآخر، وكلام ابن بطلان أعذب ألفاظا وأكثر ظرفا، وأميز بالأدب، ومما يدلّ على ذلك تسميته له بتمساح الجن!.
وكان ابن رضوان أسود قبيح الصورة، وفيه يقول: [الطويل]
ولما تبدّى للقوابل وجهه … نكصن على أعقابهنّ من الندم
وقلن وأخفين الكلام تستّرا: … ألا ليتنا كنا تركناه في الرحم
ثم سافر ابن بطلان من مصر إلى القسطنطينية وعرضت في زمانه أوباء كثيرة، وله في هذا رسالة معروفة، وله أشعار كثيرة جدا.
ومنهم:
٩٣ - أحمد بن أبي الأشعث (١٣)
طبيب يلمّ الشعث، ويضم السقام من تفاريق الأعضاء إذا انبعث، لا يغالب طبه النافع، ولا يغالط دواؤه بمدافع، تخال هيئة اسقليبيوس صفته، وتخطي
стр. 3872
معالجة جالينوس ولا تخطيء وصفته.
ذكره ابن أبي أصيبعة (١) وقال: "كان وافر العقل، كثير السكينة والوقار، متفقها في الدين، وعمّر عمرا طويلا، وكان لا يفعل إلا جميلا، وكان فاضلا في العلوم (٢) الحكمية، وله تصانيف كثيرة مفضّلة، تدلّ على العلم، وعلو المنزلة، ومصنّفا في الطب لا نظير له في الجودة.
وكان أصله من فارس، وكان متصرّفا ثم صودر، فخرج من بلده هاربا ودخل الموصل بحال سيئة، ووافق أن كان لصاحبها ناصر الدولة ولد عليل بقيام الدم، لا يزداد بمعالجة الأطباء إلا مرضا، فقال لأمه: أنا أعالجه، وأراها غلط الأطباء في التدبير؛ فسكنت إليه. فعالجه، فبرأ فأجزل عطاؤه، وأحسن إليه، وأقام بالموصل إلى آخر عمره".
ومنهم:
٩٤ - أبو سهل النيلي. وهو: سعيد بن عبد العزيز (١٣)
طبيب حاذق في العلاج، صادق الحدس في معرفة المزاج، لم يزر مريضا إلا أخذ بيده من الفراش، واستوقف السقم وقد جرى في المشاش (٣)، وطرد عنه
стр. 3873
وسواس حمى تتهافت به في النار تهافت الفراش.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): "مشهور بالفضل، عالم الطب، جيد التصنيف، متفنّن في الأدب، بارع في الشعر، ومنه قوله: [الخفيف]
استقني الراح، تشف لوعة قلب … بات مذ بتّ للهموم سميرا
هي في الكأس خمرة فإذا ما … أفرغت في الحشا استحالت سرورا
ومنهم:
٩٥ - ابن الواسطي «طبيب المستظهر» (١٣)
كان مقبول الكلمة، مأمول الشفاعة عند الظلمة، مع نفس متّسعه، وفضل ينفق منه من سعه، وكرم يكر على أمواله ليشتتها، وعلى آماله ليثبتها، وكانت له من المستظهر كرامة لا يهان قدرها، ولا يهاب إلا إذا ضاق في مرماها الفسيح فقرها.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان رفيع المنزلة، وكان ابن المموّج صاحب الديوان قد استقرت عليه قرية بثلاثة آلاف دينار، قام منها بألفين، وسأل إنظاره بالألف المتأخرة إلى أوان الغلّة، فلم يتحصّل فأشار عليه حاجبه ابن الداوتي (٢) أن يأتي ابن الواسطي (٣) ليستمهل له المستظهر، فأتاه فأكبر مجيئه، وأخلى له المجلس،
стр. 3874
فعرّفه الصورة، وأنه قد رهن كتب داره على خمسمائة دينار، فلما كان من الغد بعث حاجبه يتقاضاه، فأعطاه خط الخليفة بالخمسمائة دينار، وكتب ملكه، واستقبل له من ماله، وألبس الحاجب خلعة، وبعث معه إلى ابن المعوج دست ثياب فاخر، وخمسمائة دينار للنفقة، فقبل ذلك منه وشكره ".
ومنهم:
٩٦ - أبو طاهر البرخشي، أحمد بن محمد بن العباس (١٣)
من أهل واسط، وطبيب فيما أهّل له من العلم قاسط، قاس على ما صحّ من قديم التجريب، وعميم النظر الذي يحقق رأي الأريب.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال: " فاضل في الصناعة الطبية، كامل في الأدب، كان في أيام المسترشد بالله (١). قال: وكان يعالج بواسط مريضا به أحد أنواع الاستسقاء ولم ينجع فيه علاج، وتجاوز حد الحمية، فسهّل له في أكل ما أراد.
فاجتاز به رجل يبيع الجراد مسلوقا فاشترى منه وأكل، فعرض له منه إسهال مفرط، ثم انقطع الإسهال، وأخذ مزاجه في الصلاح إلى أن عوفي، فلما علم أبو طاهر بعافيته وكان قد يئس منه، أتاه وسأله: بم وجد الراحة؟ فقصّ عليه خبر
стр. 3875
الجراد، فأفكر وقال: ليس هذا من فعل الجراد ولا خاصيته. فتقصّى عن بائعه حتى عرفه، فقال له: أتعرف الموضع الذي صدت منه الجراد الذي أكله هذا؟ قال: نعم. قال: فامض بنا إليه. فلما أتاه رأى حشيشة هناك يرعاها الجراد، فكان يداوي بها من الاستسقاء، وأبرأ بها جماعة من هذا المرض".
قال ابن أبي أصيبعة: " وهذه حكاية قديمة قد جرى ذكرها، وأن تلك الحشيشة هي المازريون. وقد ذكرها التنوخي في كتاب: "الفرج بعد الشدة" وأنشد له قوله في غلام ناوله خلالا: [الطويل]
وناولني من كفه مثل خصره … ومثل محب ذاب من طول هجره
وقال: خلالي؟ قلت: كل حميدة … سوى قتل صب حار فيك بأسره (١)
ومنهم:
٩٧ - أبو غالب ابن صفية (١٣)
النصراني. أسقطته ديانته، وأرهقته خيانته، وأترع بيده كأس الموت لنفسه، وهيّأ لمصرعه حفرة رمسه (٢)، وأتى عليه من حيث ظن أنه ينتفع، وسقط من يديه من حيث توهّم أنه يرتفع، ومن حاول قتل الأسد الضرغامه، وختل الصل الهامه، ودرأ بكفّه متن الهندواني (٣)، وفلّ بإصبعه باب اليماني، لا يعجب له من إسراع التلف، ولا من إسراف ما ينفق من عمره الذاهب بلا خلف.
стр. 3876
حكي أنه كان يشي بأسرار المستنجد (١) إلى قايماز (٢) مقدّم الأمراء إذ ذاك، وكان المستنجد يريد قبض قايماز فاعتلّ المستنجد فدسوه عليه حتى وصف له الحمّام، وكان لا يصلح له، وعرف المستنجد أن قوته لا تقوى على الحمام، فدخل عليه قايماز والأمراء حوله، وألزموه بدخوله، وكانوا قد سجّروه ثلاثة أيام بلياليهنّ، فلما دخلوا إليه ردّوا عيه بابه ساعة، فمات. وبايعوا ابنه المستضيء (٣)
стр. 3877
بعد أيمان حلفوه عليها. فأقام مدة وفي نفسه من فعلتهم بأبيه، فشرع في العمل عليهم، وابن صفية على ما هو عليه من نقل خبره، فطلبه المستضيء ليلا وطلب منه ترتيب دواء قتّال ليقتل به عدوّا له، فعمله واجتهد فيه، فلما أحضره قال له:
استفّ منه حتى نجرّب فعله!. فتلوّى من ذلك وقال: الله الله فيّ. فقال له:
الطبيب من تجاوز حدّه فليس له إلا هذا أو السيف. فاستفّ ذلك الدواء، ففرّ من الهلاك إلى الهلاك. ثم خرج من الدار وكتب إلى قايماز بما كان، وقال له: " والانتقال من أمري إلى أمركم ". ثم هلك. وعزم قايماز على الإيقاع بالخليفة فردّه الله، وهرب إلى الموصل، فمرض في الطريق ثم دخل الموصل فمات بها.
ومنهم:
٩٨ - أمين الدولة ابن التلميذ (١٣)
كان فرد قرانه، وندّ أقرانه، وبلغ بعلمه مبالغ الأشراف، ووصل في فهمه إلى حدّ الإشراف، وكان يتكلّم في مجالس الخلفاء متبسّطا، ويتقدّم في مجال السؤال للضعفاء متوسّطا، لسابقة خدمه، وباسقة صنعه في بيت الإمامة دون باقي خدمه، ولما تحلّت به شيمه من مآثر، وحلت باديه مما لا يقدر عليه مكاثر، حتى كان يناظر جلّة الفقهاء، وجملة أهل العلم سوى السفهاء، ويفترس الأدباء، ويفترش لمواطيه الأطباء، ويضرب بقلمه عصا ابن البوّاب (١)، ويطرف طرف
стр. 3878
طرسه مقلة ابن مقلة (١)، وهو على دينه المخالف، وتعود ملته في الخوالف، يكره الصدور، وتخبر خبره البدور.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " هو الأجلّ موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن أبي العلاء صاعد بن إبراهيم بن التلميذ، أوحد زمانه في صناعة الطب، ومباشرة أعمالها، وكان في أول أمره قد سافر إلى بلاد العجم، وبقي بها سنين كثيرة في الخدمة، وكان جيّد الخطّ، يكتب المنسوب في نهاية الحسن والصّحّة، وكان عارفا بالسرياني والفارسي، متبحّرا في العربية، وله شعر مستظرف، وهو من بيت كتابة، وكان هو وأوحد الزمان [أبو البركات] يخدمان المستضيء، وكان أوحد الزمان أبصر بالحكمة، وابن التلميذ أبصر بالطب، وكان بينهما شنآن (٣)، إلا أن ابن التلميذ كان أعقلهما، وخيرهما فعلا، وسعى أوحد الزمان عليه حتى كاد يرديه، ثم رد عليه كيده فوهب ماله ودمه لابن التلميذ، فعفا
стр. 3879
عنه. وإن مما قال فيه: [البسيط]
لنا صديق يهودي حماقته … إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة … كأنه بعد لم يخرج من التيه
وقد قيل فيهما: [الوافر]
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه … أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا … وهذا بالتكبر في الحضيض
قال عبد اللطيف البغدادي: "كان أمين الدولة حسن العشرة كريم الأخلاق، وعنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة، منها: أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات؟ وكان الزمان شتاء، فأمر بتجريدها، وصب الماء المبّرد عليها صبا متتابعا كثيرا، ثم بنقلها إلى مجلس دافئ قد بخّر بالعود والنّدّ، ودثّرت بأصناف الفراء ساعة، فعطست وقعدت، وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها".
قال: "ودخل إليه رجل مترف، يعرق دما في زمن الصيف، فسأل تلاميذه وكانوا خمسين نفسا، فلم يعرفوا المرض. فأمره أن يأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي. ففعل ذلك ثلاثة أيام، فبرأ، فسأله أصحابه عن العلة؟ فقال: إن دمه قد رقّ، ومسامّه قد تفتّحت، وهذا الدواء من شأنه تغليظ الدم، وتكثيف المسام".
قال: "ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه، فإذا برأ وهب له دينارين وصرفه".
ومما حكاه أيضا عن أمين الدولة، وكان قد تجاوز في هذه الحكاية، قال: " وكان أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، فعرض لبعض الملوك
стр. 3880
النائية داره مرض مزمن، فقيل له: ليس لك إلا ابن التلميذ. وهو لا يقصد أحدا.
فقال: أنا أتوجّه إليه!. فلما وصل أفرد له ولغلمانه دورا وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية، ولبث مدة، فبرئ الملك وتوجّه إلى بلاده وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف دينار، وأربعة تخوت عتابي، وأربعة مماليك، وأربعة أفراس، فامتنع من قبولها، وقال: إن عليّ يمينا لا أقبل من أحد شيئا. فقال التاجر: هذا مقدار كثير. قال: لما حلفت ما استثنيت. وأقام شهرا يراوده ولا يزداد إلا إباء.
فقال له عند الوداع: ها أنا أسافر ولا ارجع إلى صاحبي، وأتمتع بالمال، فتتقلّد منّته وتفوتك منفعته، ولا يعلم أحد بأنك رددته!. فقال: ألست أعلم في نفسي أني لم أقبله؟ فنفسي تشرف بذلك، علم الناس أو جهلوا".
وحدّثنا الحكيم مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي قال: حدّثني الشيخ موفق الدين أسعد بن إلياس بن المطران، قال: حدّثني أبي قال: حدثني أبو الفرج بن توما، وأبو الفرج المسيحي قالا: "كان الأجلّ أمين الدولة ابن التلميذ جالسا ونحن بين يديه -: استأذنت عليه امرأة ومعها صبيّ صغير، فأدخلت عليه فحين رآها بدرها فقال: إن صبيّك هذا به حرقة البول، وهو يبول الرمل!. فقالت:
نعم. فقال: فيستعمل كذا وكذا، وانصرفت. قالا: فسألناه عن العلامة الدالّة على أنّ به ذلك، وأنه لو أن الآفة في الكبد أو الطحال لكان اللون من الاستدلال مطابقا. فقال: حين دخل رأيته يولع بإحليله ويحكّه ووجدت أنامل يديه مشقّقة قاحلة. فعلمت أن الحكة من الرمل، وإن تلك المادة الحادّة الموجبة للحكة والحرقة، ربما لا مست أنامله عند ولوعه بالقضيب فتقحّل وتشقّق، فحكمت بذلك. وكان موافقا".
ومن نوادر أمين الدولة وحسن إشاراته، أنه كان يوما عند المستضيء بالله وقد أسنّ أمين الدولة، فلما نهض للقيام توكّأ على ركبتيه، فقال له الخليفة:
стр. 3881
كبرت يا أمين الدولة. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وتكسّرت قواريري. ففكّر الخليفة في قول أمين الدولة، وعلم أنه لم يقله إلا لمعنى قد قصده، وسأل عن ذلك، فقيل له: إن الإمام المستنجد بالله كان قد وهبه ضيعة تسمى قوارير وبقيت في يده زمانا، ثم من مدة ثلاث سنين حط الوزير يده عليها، فتعجّب الخليفة من حسن أدب أمين الدولة، وأنه لم ينه أمرها إليه ولا عرض بطلبها، ثم أمر الخليفة بإعادة الضيعة إلى أمين الدولة وأن لا يعارض في شيء من ملكه.
ومن شعره قوله في ولده وكان غاية في الدين: [المنسرح]
أشكو إلى الله صاحبا شكسا … تسعفه النفس وهو يسعفها
فنحن كالشمس والهلال معا … تكسبه النور وهو يكسفها
وقوله: [المتقارب]
إذا وجد الشيخ في نفسه … نشاطا، فذلك موت خفي
ألست ترى أن ضوء السراج … له لهب قبل أن ينطفي
وقوله: [مجزوء الكامل]
قال الأنام، وقد رأوه … مع الحداثة، قد تصدّر:
من ذا المجاوز قدره؟ … قلت: المقدّم بالمؤخّر
وقوله: [مجزوء الكامل]
قد قلت للشيخ الجليل … الأريحي أبي المظفر:
ذكّر فلان الدين بي … قال: لا يذكّر
وقوله: [الكامل]
العلم للرجل اللبيب زيادة … ونقيصة للأحمق الطيّاش
стр. 3882
مثل النهار يزيد أبصار الورى … نورا، ويغشي أعين الخفّاش
وقوله: [الوافر]
أجدّك، إن من شيم الليالي … العنيفة أن تجوز على اللهيف
كمثل اللحظ أغلب ما تراه … يصب أذاه في العضو الضعيف
وقوله: [البسيط]
لا تحسبنّ سواد الخال عن خلل … من الطبيعة، أو إحداثه غلطا
وإنما قلم التصوير حين جرى … بنون حاجبه، في خده نقطا
وقوله: [الطويل]
براني الهوى بري المدى فأذابني … صدودك، حتى صرت أنحل من أمس
ولست أرى حتى أراك، وإنما … يبين هباء الذر في أفق الشمس
وقوله مما يكتب على حصير: [الكامل]
أفرشت خدي للضيوف ولم يزل … خلقي التواضع للبيب الأكيس
فتواضعي أعلا مكاني بينهم … طورا، فصرت أحل صدر المجلس
وقوله: [المتقارب] (١)
وحقك إني مذ بنت عنك … قلبي حزين ودمعي هتون
فلله أيامنا الخاليات … لو رد سالف الدهر حنين
وإني لأرعى عهود الصفا … ويكلؤها لك ود دفين
ولم لا يكون، ونحن اليدا … ن، أنت بفضلك منها اليمين
стр. 3883
ومنهم:
٩٩ - معتمد الملك أبو الفرج يحيى بن صاعد بن يحيى بن التلميذ (١٣)
بحر حكمة تطفو لآليه (١)، وتغفو مقل النجوم في كرى لياليه، مع ملاطفة في العلاج ملأ طيفها الجفون، إلى دأب بلل الطلل طررها، وأثل الفضل سررها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): "كان متعيّنا في العلوم الحكمية، متفننا في صناعة الطب، متحليا بالأدب، بالغا فيه أعلى الرتب.
وله شعر؛ منه - ملغزا في الإبرة - قوله: [الوافر]
وفاغرة فما في الرجل منها … ولكن لا تسيغ به طعاما
ومخطفة الحشا في الرأس منها … لسان لا تطيق به كلاما
تصول بشوكة تبدو وسم، … وما من ذاقه يرد الحماما
تجرّ وراءها رسنا طويلا (٣) … كما قادت يد الحادي الزماما
منيعا ذا قوى لكن تراه … بقبضتها ذليلا مستضاما
فتلقيه بمحبسها مقيما … طوال الدهر لا يأبي المقاما
أيا عجبا لها سوداء خلقا … تريك خلائقا بيضا كراما
غدت عريانة من كل لبس … وفاضل ذيلها يكسو الأناما
وقوله - في دار جديدة (٤) وقعت فيها نار يوم فراغها -: [الكامل]
стр. 3884
يا بانيا دار العلى ملأتها … لتزيدها شرفا على كيوان
علمت بأنك إنما شيدتها … للمجد والإفضار والإحسان
فقفت عوائدك الكرام وسابقت … تستقبل الأضياف بالنيران
وقال أيضا: [الكامل]
علق الفؤاد على خلو حبها … علق الذبالة (١) في الحشا المصباح
لا يستطاع الدهر فرقة بينهم … إلا لحين تفرّق الشباح
وقوله: [المتقارب]
فراقك عندي فراق الحياة … فلا تجهزن على مدنف (٢)
علقتك كالنار في شمعها … فما إن تفارق أو تنطفي
وقوله: [السريع]
بدا إلينا أرج القادم … فبرّد الغلّة من حائم
روّح عن قلبي على نأيه … وقد يلذ الطيف للحالم
стр. 3885
ومنهم:
١٠٠ - أوحد الزمان وهو أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البلدي ثم البغدادي (١٣)
طبيب لو رام الصخر الجلمد لتفجّر، أو إمساك الماء السائل لتحجّر، بمداومة نظر لو صابرت الزمان لتضجّر، أو فرّعت حصا الدهناء (١) لتشجّر. بعلم أوسع امتدادا من المشرقين، وأجمع مدى مما بين الخافقين. كان يصون وديعة العلم ويحفظها، ويغيظ بكتمانها صدور الرجال ويخفضها، ونسيمه تهبّ خافقته، وشميمه تفتت عنبر الغمام بارقته.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): "كان يهوديا وأسلم، وخدم المستنجد. وتصانيفه في النهاية (٣)، وكان له اهتمام بالغ في العلوم، ونظره فائق فيها.
بدأ بالطب على أبي الحسن سعيد بن هبة الله (٤)، وكان لا يقرئ يهوديا ولا نصرانيا، فثقل عليه أبو البركات بالناس، ليقرئه فلم يفعل، فصحب بوّاب داره، ليتوصل به إلى غرضه، وكان يقعد في الدهليز فيسمع جميع ما يقرأ عليه، وما يجري معه من البحث، وهو كلما فهم شيئا وتعقّله علّقه عنده.
стр. 3886
فلما مضت سنة أو نحوها، جرت مسألة عند الشيخ وبحثوا فيها فلم يتّجه لهم عنها جواب، فدخل أبو البركات، وخدم، وقال للشيخ: عن أمر مولانا أتكلّم في هذه المسألة؟.
فقال: قل. فأجاب عنها بشيء من كلام جالينوس. ثم قال: وهذا كان بحثكم في اليوم الفلاني، في ميعاد فلان!!.
فعجب الشيخ منه، ومن حرصه، فقال: من يكون هكذا ما يستحل أن نمنعه، فصار من أجلّ تلامذته.
ومن نوادره أن مريضا عرض له الماليخوليا، وكان يعتقد أن على رأسه دنّا، وأنه لا يفارقه أبدا، وكان كلّما مشى يتحايد المواضع التي سقوفها قصيرة، ويمشي برفق ولا يترك أحدا يدنو منه، حتى لا يميل الدّن، أو يقع على رأسه، وبقي هذا المرض مدّة طويلة وهو في شدّة منه، وعالجته جماعة من الأطبّاء، ولم يحصل بمعالجتهم تأثير ينتفع به، وأنهي أمره إلى أوحد الزمان، ففكّر أنه ما بقي شيء يمكنه أن يبرأ به إلا بالأمور الوهمية.
فقال لأهله: إذا كنت في الدار فأتوني به.
ثم إن أوحد الزمان أمر أحد غلمانه بأن ذلك المريض إذا دخل عليهم وشرع في الكلام، وأشار إلى الغلام بعلامة بينهما، أنه يسارع بخشبة كبيرة فيضرب بها فوق رأس المريض على بعد منه، كأنه يريد كسر الدنّ الذي يزعم أنه على راسه. وأوصى غلاما آخر، وكان قد أعدّ معه دنّا في أعلى السطح، أنه متى رأى ذلك الغلام قد ضرب فوق رأس صاحب الماليخوليا أن يرمي الدنّ الذي معه بسرعة إلى الأرض.
ولما كان أوحد الزمان في داره وأتاه من غير علم المريض، فأقبل عليه، وقال:
стр. 3887
لا بدّ أن أكسر هذا الدّن، وأريحك منه.
ثم أدار تلك الخشبة التي معه، وضرب بها فوق رأسه بنحو ذراع، وعند ذلك رمى الغلام الدّنّ من أعلى السطح، فكانت له وجبة (١) عظيمة، وكسر قطعا كبيرا. فلمّا عاين المريض ما فعل به، ورأى الدّنّ المتكسّر، تأوّه لكسرهم إياه، ولم يشكّ أنه هو الذي كان على رأسه بزعمه، وأثّر فيه الوهم أثرا برئ به من علّته تلك!.
وهذا باب عظيم في المداواة، وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من المتقدّمين مثل جالينوس وغيره (٢) في مداواتهم بالأمور الوهمية.
وحكى أبو الفضل تلميذ أبي البركات المعروف بأوحد الزمان، قال: كنا في خدمة أبي الزمان في عسكر السلطان، ففي بعض الأيام جاءه رجل به داحس (٣)، إلا أن الورم كان ناقصا، وكان يسيل منه صديد، قال: فحين رأى ذلك أوحد الزمان بادر إلى سلامية (٤) إصبعه فقطعها!.
قال: فقلنا له: يا سيدي! لقد أجحفت في المداواة، وكان يغنيك أن تداويه بما يداوي به غيرك، وتبقي عليه إصبعه، ولمناه، وهو لا ينطق بحرف!.
قال: ومضى ذلك اليوم، وجاءه في اليوم الثاني رجل آخر، مثل ذلك سواء، فأومأ إلينا بمداواته، وقال: افعلوا في هذا ما ترونه صوابا.
قال: فداويناه بما يداوى به الدّاحس، فاتّسع المكان، وذهب الظفر، وتعدّى
стр. 3888
الأمر إلى ذهاب السلامية الأولى من سلاميات الأصابع، وما تركنا دواء إلا داويناه به، ولا علاجا إلا عالجناه، ولا لطوخا إلا لطخناه به (١)، ولا مسهلا إلا وسقيناه، وهو مع ذلك يزيد، ويأكل الإصبع أسرع أكل، وآل أمره إلى القطع، فعلمنا أن ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)
قال: فشاع هذه المرض في تلك السنة، وغفل جماعة منهم عن القطع، فتأدّى أمر بعضهم إلى هلاك اليد، وبعضهم إلى هلاك أنفسهم.
ونقلت من خط الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (٣)، فيما ذكره عن ابن الدّهان المنجم، قال: كان أبو البركات قد عمي في آخر عمره، وكان يملي على جمال الدين بن فضلان، وعلى ابن الدّهّان المنجّم، وعلى يوسف والد الشيخ موفق الدين عبد اللطيف، وعلى المهذب ابن النقّاش كتاب" المعتبر (٤) ".
стр. 3889
وقيل: إن أوحد الزمان كان سبب إسلامه أنه دخل يوما إلى الخليفة فقام جميع من حضر إلا القاضي، فإنه كان حاضرا ولم ير أنه يقوم مع الجماعة لذمّيّ.
فقال أوحد الزمان: يا أمير المؤمنين! كأنّ القاضي لم يقم مع الجماعة لكونه يرى أنه على غير ملّته. فأنا أسلم بين يدي مولانا، ولا أتركه ينتقصني بهذا .. !، وأسلم.
قال: وكان لأوحد الزمان ثلاث بنات، ولم يخلّف ولدا ذكرا. وعاش نحو ثمانين سنة.
قال: وكان بين أوحد الزمان وأمين الدولة ابن التلميذ معاداة، وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصّل كثيرا من اليهود، ويلعنهم، ويسبّهم، فلما كان في بعض الأيام، في مجلس بعض الأعيان الأكابر، وعنده جماعة وفيهم أمين الدولة ابن التلميذ، وجرى ذكر اليهود، فقال أوحد الزمان: لعن الله اليهود.
فقال أمين الدولة: نعم! وأبناء اليهود.
فوجم لها أوحد الزمان، وعرف أنه أشار إليه، وعناه، ولم يتكلم!!.
ومنهم:
١٠١ - أبو القاسم هبة الله بن الفضل البغدادي (١٣)
علم طب وبيان، وإمام فضل ملء سمع وعيان، فأتى بما غلا، ومات مديحا وغزلا، وجاء بضريب الضرب، وغريب الحكمة التي … (١) اليونان وألسنة العرب، وكان الطب عليه أغلب، والسبب إليه أجلب، فكان به ارتفاقه، ومنه
стр. 3890
إنفاقه، وكان له هجو يجرّع المهجوّ سمّ الأساود (١)، وسقما كلما قيل برأ منه يعاود.
هذا إلى ملح أظرف من غرائب البحار، وألطف من النسيم، إذا عبث بأعطاف الأشجار.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " كان يعاني صناعة الطب، ويباشر أعمالها، ويعدّ من الموصوفين فيها، إلا أن الشعر غلب عليه، وكان كثير النوادر وبينه وبين الحيص بيص (٣) شنآن وتهاتر، وكانا قد يصطلحان وقتا، ثم يعودان إلى ما كانا عليه، وهو الذي ألصق بالحيص بيص هذا اللقب، وذلك لأن السلطان السلجوقي لما قصد بغداد في أيام المقتفي، وهمّ عسكرها بالخروج إليه، وكان الناس من ذلك في حديث كثير وحركة زائدة، فقال: ما لي أرى الناس في حيص بيص؟.
فألصق به هذا اللقب.
قلت: كان الحيص بيص على ما هو منه معروف؛ فخرج يتمشّى ليلا حيث لا يقدم إلا الأبطال، ولا يمشي إلا من قصر عنده باع الخوف وطال، فمرّ بكلبة