فلما مضت سنة أو نحوها، جرت مسألة عند الشيخ وبحثوا فيها فلم يتّجه لهم عنها جواب، فدخل أبو البركات، وخدم، وقال للشيخ: عن أمر مولانا أتكلّم في هذه المسألة؟.
فقال: قل. فأجاب عنها بشيء من كلام جالينوس. ثم قال: وهذا كان بحثكم في اليوم الفلاني، في ميعاد فلان!!.
فعجب الشيخ منه، ومن حرصه، فقال: من يكون هكذا ما يستحل أن نمنعه، فصار من أجلّ تلامذته.
ومن نوادره أن مريضا عرض له الماليخوليا، وكان يعتقد أن على رأسه دنّا، وأنه لا يفارقه أبدا، وكان كلّما مشى يتحايد المواضع التي سقوفها قصيرة، ويمشي برفق ولا يترك أحدا يدنو منه، حتى لا يميل الدّن، أو يقع على رأسه، وبقي هذا المرض مدّة طويلة وهو في شدّة منه، وعالجته جماعة من الأطبّاء، ولم يحصل بمعالجتهم تأثير ينتفع به، وأنهي أمره إلى أوحد الزمان، ففكّر أنه ما بقي شيء يمكنه أن يبرأ به إلا بالأمور الوهمية.
فقال لأهله: إذا كنت في الدار فأتوني به.
ثم إن أوحد الزمان أمر أحد غلمانه بأن ذلك المريض إذا دخل عليهم وشرع في الكلام، وأشار إلى الغلام بعلامة بينهما، أنه يسارع بخشبة كبيرة فيضرب بها فوق رأس المريض على بعد منه، كأنه يريد كسر الدنّ الذي يزعم أنه على راسه. وأوصى غلاما آخر، وكان قد أعدّ معه دنّا في أعلى السطح، أنه متى رأى ذلك الغلام قد ضرب فوق رأس صاحب الماليخوليا أن يرمي الدنّ الذي معه بسرعة إلى الأرض.
ولما كان أوحد الزمان في داره وأتاه من غير علم المريض، فأقبل عليه، وقال:
стр. 3887
لا بدّ أن أكسر هذا الدّن، وأريحك منه.
ثم أدار تلك الخشبة التي معه، وضرب بها فوق رأسه بنحو ذراع، وعند ذلك رمى الغلام الدّنّ من أعلى السطح، فكانت له وجبة (١) عظيمة، وكسر قطعا كبيرا. فلمّا عاين المريض ما فعل به، ورأى الدّنّ المتكسّر، تأوّه لكسرهم إياه، ولم يشكّ أنه هو الذي كان على رأسه بزعمه، وأثّر فيه الوهم أثرا برئ به من علّته تلك!.
وهذا باب عظيم في المداواة، وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من المتقدّمين مثل جالينوس وغيره (٢) في مداواتهم بالأمور الوهمية.
وحكى أبو الفضل تلميذ أبي البركات المعروف بأوحد الزمان، قال: كنا في خدمة أبي الزمان في عسكر السلطان، ففي بعض الأيام جاءه رجل به داحس (٣)، إلا أن الورم كان ناقصا، وكان يسيل منه صديد، قال: فحين رأى ذلك أوحد الزمان بادر إلى سلامية (٤) إصبعه فقطعها!.
قال: فقلنا له: يا سيدي! لقد أجحفت في المداواة، وكان يغنيك أن تداويه بما يداوي به غيرك، وتبقي عليه إصبعه، ولمناه، وهو لا ينطق بحرف!.
قال: ومضى ذلك اليوم، وجاءه في اليوم الثاني رجل آخر، مثل ذلك سواء، فأومأ إلينا بمداواته، وقال: افعلوا في هذا ما ترونه صوابا.
قال: فداويناه بما يداوى به الدّاحس، فاتّسع المكان، وذهب الظفر، وتعدّى
стр. 3888
الأمر إلى ذهاب السلامية الأولى من سلاميات الأصابع، وما تركنا دواء إلا داويناه به، ولا علاجا إلا عالجناه، ولا لطوخا إلا لطخناه به (١)، ولا مسهلا إلا وسقيناه، وهو مع ذلك يزيد، ويأكل الإصبع أسرع أكل، وآل أمره إلى القطع، فعلمنا أن ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)
قال: فشاع هذه المرض في تلك السنة، وغفل جماعة منهم عن القطع، فتأدّى أمر بعضهم إلى هلاك اليد، وبعضهم إلى هلاك أنفسهم.
ونقلت من خط الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (٣)، فيما ذكره عن ابن الدّهان المنجم، قال: كان أبو البركات قد عمي في آخر عمره، وكان يملي على جمال الدين بن فضلان، وعلى ابن الدّهّان المنجّم، وعلى يوسف والد الشيخ موفق الدين عبد اللطيف، وعلى المهذب ابن النقّاش كتاب" المعتبر (٤) ".
стр. 3889
وقيل: إن أوحد الزمان كان سبب إسلامه أنه دخل يوما إلى الخليفة فقام جميع من حضر إلا القاضي، فإنه كان حاضرا ولم ير أنه يقوم مع الجماعة لذمّيّ.
فقال أوحد الزمان: يا أمير المؤمنين! كأنّ القاضي لم يقم مع الجماعة لكونه يرى أنه على غير ملّته. فأنا أسلم بين يدي مولانا، ولا أتركه ينتقصني بهذا .. !، وأسلم.
قال: وكان لأوحد الزمان ثلاث بنات، ولم يخلّف ولدا ذكرا. وعاش نحو ثمانين سنة.
قال: وكان بين أوحد الزمان وأمين الدولة ابن التلميذ معاداة، وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصّل كثيرا من اليهود، ويلعنهم، ويسبّهم، فلما كان في بعض الأيام، في مجلس بعض الأعيان الأكابر، وعنده جماعة وفيهم أمين الدولة ابن التلميذ، وجرى ذكر اليهود، فقال أوحد الزمان: لعن الله اليهود.
فقال أمين الدولة: نعم! وأبناء اليهود.
فوجم لها أوحد الزمان، وعرف أنه أشار إليه، وعناه، ولم يتكلم!!.
ومنهم:
١٠١ - أبو القاسم هبة الله بن الفضل البغدادي (١٣)
علم طب وبيان، وإمام فضل ملء سمع وعيان، فأتى بما غلا، ومات مديحا وغزلا، وجاء بضريب الضرب، وغريب الحكمة التي … (١) اليونان وألسنة العرب، وكان الطب عليه أغلب، والسبب إليه أجلب، فكان به ارتفاقه، ومنه
стр. 3890
إنفاقه، وكان له هجو يجرّع المهجوّ سمّ الأساود (١)، وسقما كلما قيل برأ منه يعاود.
هذا إلى ملح أظرف من غرائب البحار، وألطف من النسيم، إذا عبث بأعطاف الأشجار.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " كان يعاني صناعة الطب، ويباشر أعمالها، ويعدّ من الموصوفين فيها، إلا أن الشعر غلب عليه، وكان كثير النوادر وبينه وبين الحيص بيص (٣) شنآن وتهاتر، وكانا قد يصطلحان وقتا، ثم يعودان إلى ما كانا عليه، وهو الذي ألصق بالحيص بيص هذا اللقب، وذلك لأن السلطان السلجوقي لما قصد بغداد في أيام المقتفي، وهمّ عسكرها بالخروج إليه، وكان الناس من ذلك في حديث كثير وحركة زائدة، فقال: ما لي أرى الناس في حيص بيص؟.
فألصق به هذا اللقب.
قلت: كان الحيص بيص على ما هو منه معروف؛ فخرج يتمشّى ليلا حيث لا يقدم إلا الأبطال، ولا يمشي إلا من قصر عنده باع الخوف وطال، فمرّ بكلبة
стр. 3891
مجرية (١)، رآها فما خافها، وهي تسطو بأنياب وأظفار، وتهول مثل الليل بلا أسفار؛ فنبحت عليه نباحا ظنّ به أن الجبال عليه قد أطبقت، أو الجيوش به قد أحدقت، فامتشق سيفه وخطا إليها وقدّم قدمه، وأقدم عليها، ثم دهش للخوف من بأسها، فأضلّها، وإنما أصاب بالسيف جروا لها.
فقال أبو القاسم: [البسيط]
يا معشر النّاس إن الحيص بيص أتى … بفعلة أورثته الخزي في البلد
هو الجبان الذي أبدى شجاعته … على جريّ ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت: … دم الأبيلق عند الواحد الصّمد
أقول للنفس تأساء وتعزية … إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه … هذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي
وكان المقتفي حين بويع شيخا قد علت سنّه واحد ودب غصنه، ووزيره ابن الهبيرة من علم زهاده، ومداومة درس، وعباده. وكان أبو القاسم يستطيل مدتهما، ويكره بأسهما الذي لا يلين، وشدّتهما؛ فجلس يوما المقتفي وابن هبيرة واقف أمامه، ومصرف زمانه هذا، وقد استثقل أبو القاسم طول ايامهما، وامتداد دوامهما، فقال: [السريع]
يا معشر الناس!، النفير النفير … قد جلس الهردب (٢) فوق السرير
وصار فينا آمرا ناهيا … وكنت أرجو أنه لا يصير
فكلّما قلت: قذى ينجلي … وظلمة عما قليل تنير
стр. 3892
فتحت عيني فإذا الدولة … الدولة والشيخ الوزير الوزير
وقال يهجو البديع الأسطرلابي، وكان قد حجّ: [مجزوء الكامل]
لا غرو أن دهى الحجيج … وإن رموا منه بنكبة
حج البديع وعرسه (١) … وفتاه فانظر أي عصبه؟
فثلاثة من منزل … علق (٢)، وقوّاد، وقحبه!
وقال: [السريع]
يا خائف الهجو على نفسه … كن في أمان الله من مسّه
أنت بهذا العرض بين الورى … مثل الخرا يمنع من نفسه!!
وقال: [السريع]
أمدحه طورا، وأهذي به … طورا، ولا أطمع في رفده
مثل إمام بين أهل القرى … صلّى بهم والزيت من عنده!
وأورد له ابن سعيد، ومن ذا الذي يسمع الحسن ولا يستعيد؟، وذلك قوله: [الكامل]
خطرت فكاد الورق يسجع فوقها … إن الحمام لمغرم بالبان
من معشر نشروا على هام الربى … للطارقين ذوائب النيران
стр. 3893
ومنهم:
١٠٢ - فخر الدين المارديني (١٣)
الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن عبد الساتر الأنصاري.
رجل من أسرة الأنصار، ومن سرّة أهل المدينة إذا عدّت بيوت الأمصار، في مزايا ذوي الهبات في المنن، وبقيايا ذوي الهيئات من يمن.
وكان من علماء الحكماء، ونبلاء الفضلاء، وأحبار الأنام، وأخيار من لا يرى مثله إلا في المنام.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "كان علاّمة وقته في الحكمة، قويّ الذكاء، فاضل النفس، محبّا للخير، متقنا للّغة والنحو.
وأجداده من أهل القدس، قرأ الطب على ابن التلميذ، وقرأ ابن التلميذ عليه المنطق، وقدم دمشق وأقرأ بها الطب، وكان لن مجلس عامّ للتدريس. وممن قرأ عليه: المهذّب عبد الرحيم بن علي، وطلب منه الملك الظاهر أن يقيم عنده بحلب، وأنعم عليه بمال طائل، فأقام عنده سنتين ثم عاد إلى ماردين، ووقف كتبه في المدرسة بها، وآخر ما قاله عند موته: " اللهمّ إني آمنت بك وبرسولك
стр. 3894
الصادق محمد ﵌، إن الله يستحي من عذاب الشيخ (١) ومنهم:
١٠٣ - أبو نصر المسيحي (١٣)
وهو سعيد بن أبي الحسن بن [أبي الخير] بن عيسى.
стр. 3895
طبيب عرّف به علمه، وفرّع كل علاج لم يحظ فيه حكمه، طالما أبرات العلل هذه المسيحية بمسحها، وأبدلت ببياض ثوب العافية سواد مسحها، واحتاج إليه كل متطبّب، وكان طبه الباعث للصحّة أو المسبّب.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "من المتميزين في صناعة الطب، والأفاضل من أهلها، والأعيان من أربابها.
ومرض الناصر لدين الله (٢) بالرّمل، وعرضت له في المثانة حصاة كبيرة، مفرطة في الكبر، واشتدّ به الألم، وطال المرض، وضجر من العلاج، فأشير عليه بأن يشق المثانة لإخراج الحصاة، فسأل عن جرائحي حاذق؟ فقيل له: ابن عكاشة؛ فأحضر، وشاهد العضو العليل، وأمره ببطّه (٣) فقال: أحتاج أن أشاور مشايخ الأطبّاء في هذا.
فقال له: فمن تعرف من صالحيهم؟.
قال: أبو نصر المسيحي، فإنه ليس في البلاد بأسرها من يماثله. فطلبه، فلما حضر قال له: اجلس. فجلس ساعة ولم يكلّمه، [ولم يأمره بشيء حتى سكن روعه].
ثم قال له الناصر: يا أبا نصر! مثّل نفسك أنك دخلت إلى البيمارستان وأنت تباشر به مريضا قد ورد من بعض الضياع، وأريد أن تباشر مداواتي، وتعالجني من هذا المرض كما تفعل بمن هذه صفته.
стр. 3896
فقال: السمع والطاعة؛ ولكني أريد أن أعرف من هذا الطبيب المتقدّم مبادي المرض، وأحواله، وتغيراته، وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن.
فأحضر الشيخ أبو الخير، وأخذ يذكر ابتداءات المرض، وتغيّر أحواله، وما عالج به من أول المرض وإلى آخر وقت.
فقال: التدبير صالح، والعلاج مستقيم.
فقال الخليفة: هذا الشيخ اخطأ، ولا بدّ لي من صلبه!.
فقام أبو نصر المسيحي، وقبّل الأرض، وقال: يا مولاي! بحقّ الله عليك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين، لا تسنّ على الأطبّاء هذه السّنّة. وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير، ولكن بسوء حظه لم ينته المرض.
فقال: قد عفوت عنه، ولكن لا يعود يدخل عليّ؛ فانصرف.
ثم أخذ أبو نصر في مداواته، فسقاه ودهن العضو بالأدهان والملينات، وقال له: إن أمكن أنا نلاطف الأمر بحيث تخرج هذه الحصاة من غير بطّ؛ فهو المراد.
وإن لم تخرج، فذلك لا يفوتنا.
ولم يزل كذلك يومين، وفي ليلة اليوم الثالث رمى الحصاة، فقيل إنه كان وزنها سبعة مثاقيل (١)، وقيل: خمس، وقيل: إنها كانت على مقدار أكبر من نواة تكون من نوى الزيتون.
стр. 3897
وتتابع الشفاء، ودخل الحمّام فأمر بأن يدخل أبو نصر إلى دار الضرب (١)، ويحمل من الذهب ما يقدر عليه. ففعل به ذلك، ثم أتته الخلع، والدنانير من أم الخليفة، ومن ولديه الأميرين محمد وعلي، والوزير نصير الدين بن مهدي العلوي الرازي، ومن سائر كبار الأمراء بالدولة، فأما أم الخليفة وأولاده، والوزير، والشرابي نجاح (٢)، فكانت الدنانير من كل واحد ألف دينار، وكذلك من أكابر الأمراء، والباقين على قدر أحوالهم، فأخبرت أنه حصّل من الذهب العين:
عشرين ألف دينار، ومن الثياب والخلع: جملة وافرة. وألزم الخدمة، وأفرطوا له الجامكية اسنيّة، والراتب، والإقامة، ولم يزل مستمرا في الخدمة إلى أن مات الناصر لدين الله.
قال: وحدّثني بعض الأطباء أن ابن عكاشة الجرائحي كان نذر عليه أن يتصدّق في بيعة سوق الثلاثاء بالربع مما يحصل له، وأنه حمل إلى البيعة مائتين
стр. 3898
وخمسين دينارا. وصرف أبو الخير المسيحي من الخدمة، وقد كانت منزلته قبل ذلك جليلة عنده، ومحلّه مرتفعا، ووصله هبات وصلات عظيمة، فمن جملتها أنه أعطاه خزانة كتب الأجل أمين الدولة ابن التلميذ، وكان قد مرض الناصر مرارا وبرأ على يديه، فحصل له جملة وافرة.
ثم توفي الشيخ أبو الخير في أيام الناصر فقيل له: إنه قد توفي وترك ولدا متخلفا، وعنده جملة عظيمة من المال.
فقال: لا يعترض ولده فيما ورثه من أبيه، فما خرج من عندنا لا يعود إلينا.
ومنهم:
١٠٤ - أبو الفرج ابن توما (١٣)
وهو: صاعد بن [يحيى بن] (١) هبة الله بن توما النصراني [أبو الكرم] البغدادي.
توصّل بنجاح فنجح، ومتّ بصلاح عمله فبجح، وعدل بالآباء فرجح، وملك رياسة الأطبّاء فنجح، وورث ببلاد العراق بخت بختيشوعها، وحاز ما جرّ جرجيس إليه من مدد ينبوعها، وأبقى له يعقوب بن إسحاق أخو كندة ما كان أبقاه ليوسفه، وخلّى له أحمد بن الطيب فتى سرخس ما خصّ نصيبه من طيب مخلفه.
стр. 3899
قال ابن أبي أصيبعة (١): " كان من أكابر الأطباء، وخدم نجاح الشرابي (٢)، ثم صار وزيره وكاتبه، ثم دخل إلى الناصر وكان يشارك أطباءه في معالجته، ثم حظي عنده الحظوة التامة، وسلّم إليه عدّة جهات يخدم بها، وكان فيها عدّة دواوين وكتاب.
وقتله بعض الجند المرتزقين تحت يده، وقيل الخليفة، فنكبه وأبقى أملاكه وعروضه لولده، وحمل ما خلفه من المال العين إلى الخزانة، وكان ثمانمائة ألف وثلاثة عشر ألف دينار! ".
قال ابن القفطي - وقد ذكره وأثنى عليه - (٣): " إنه كان قد تقدّم في أيام الناصر إلى أن كان بمنزلة الوزراء، والأمراء، واستوثقه على حفظ أمواله وأموال خواصّه، وكان يودعها، وكان يظهر له في كل وقت، ويرسله في أمور خفية إلى وزرائه، وكان جميل المحضر، حسن التوسط، قضيت على يده حوائج، وكفيت شرور، ولم ير له غير شاكر ناشر ".
стр. 3900
طبقات الأطباء ببلاد العجم
стр. 3901
منهم:
١٠٥ - تياذورس (١٣)
إمام الحكماء في دولة الفرس، والماضي فيهم زمانه، المضيء كأنه ليلة العرس، وكان على كونه ذمّة فيهم ومواليا أمة تنافيهم تكرمه ملوك آل ساسان، وتطعمه من جني جنايتهم ثمر الإحسان، وكان يتقرّب إليهم بما يلائم، ويقرب لديهم كل منى كان لا يطمع بها منهم نائم.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان نصرانيا، وله معرفة جيدة بصناعة الطب، وبنى له سابور ذو الأكتاف البيع في بلاده، وكان عالما بالصناعة، موسوما بها، متميزا في زمانه، فاضلا في علوم الفرس والهند، وهو الذي جلب كتاب كليلة ودمنة إلى أنوشروان، وترجمه له ".
ومنهم
١٠٦ - ربن الطبري (١٤)
لاءم الفرس طبّه، وقاوم حبّ أنفسهم حبّه، وكانوا يرونه زين مجالسهم وعين مجانسهم، هذا وما هو من أهل معتقدهم، ولا ممن يحلّ مثله في معهدهم، ولم يحاول عملا إلا كان به بصيرا، ولا علما إلا وانقلب الطرف إليه لا خاسئا ولا حسيرا.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان يهوديا، طبيبا، منجما، من أهل طبرستان، وكان
стр. 3902
متميزا في الطب، عالما بالهندسة وأنواع الرياضة، وحلّ كتبا حكمية من لغة إلى لغة أخرى. وكان له تقدّم في علم اليهود - والربن والربين والراب - (١) أسماء لمقدّمي اليهود ".
ومنهم:
١٠٧ - علي بن سهل بن ربن الطبري أبو الحسين (١٣)
قوي المشاركة، قويم الجدد في الطرق السالكة، يجلي نوره الظلم، ويطفي تدبيره الضّرم، ويقوم الأبدان، ويقوم طبّه مقام الشمس في برء البلدان ولم يعدم ومضه، إلى أدب بدت له تضيء لمعانها، ويجيء بمسود اللمم ريعانها، ويدنو مداها ويبعد مكانها.
قال ابن النديم: " علي بن ربل - باللام -، كان يكتب للمازيار بن قارن، فلما أسلم على يد المعتصم قرّبه، وظهر فضله، وأدخله المتوكّل في ندمائه، وكان بموضع من الأدب وهو الذي علّم الرازي صناعة الطب، وكان مولده ومنشؤه بطبرستان.
стр. 3903
ومن كلامه: "الطبيب الجاهل مستحث الموت".
ومنهم:
١٠٨ - أحمد بن محمد الطبري (١٣)
أبو الحسن. تقدّم بتقديم المعرفة، وتقدّم إلى الدّاء فصرفه، مع إتقان لتشريح الأعضاء، واتّقاء لغير صريح الارتضاء، بفهم يحسن الاستنباط، وعلم يحسب في معرفة ما بين القصب والرباط، هذا إلى استقصاء الأعراض والدلائل والأمراض بسبب من خارج أو داخل، لم يعد الصواب حدسه، ولا عدّ في ذوي الخطأ حسّه، حتى قيل إنه لو أراد لأطال شعر الأجفان، وأقام الأموات من الأكفان بتلطّف يكاد يمسك به رمق النهار، ويرم في الصباح صبغة الليل الشايب.
قال ابن أبي أصيبعة: "فاضل عالم بصناعة الطب، وكان طبيب ركن الدولة، وله الكناش" المعروف ب "المعالجات البقراطية" وهو من أجلّ الكتب، وأنفعها، يحتوي على مقالات كثيرة، وقد استقصى فيه ذكر الأمراض ومداواتها على أتمّ ما يكون ".
стр. 3904
ومنهم:
١٠٩ - أبو منصور: الحسن بن نوح القمريّ (١٣)
قمر سماء، ورقم عذار ظلّ في وجنة ماء، ونوء حكمة ما تقشع سحابها، ولا توشع بغير مطرف الفضائل سحابها، أتى مجلس الرئيس ابن سينا وحضره، وشاهد سيما سمته ونظره، وكان يعدّه فيمن أدركه ويعدّ من العلم له ما تركه، ويطوي في حفظه من علمه البارع ما نشره، ويأخذ منه إلا أنه أخذ شره ولم يكن مثله في تعديل قوي ممتزجة، وملاطفة بعلاج موافق لا تنفر منه الأمزجة.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان سيد وقته وأوحد زمانه، مشهورا بالجودة في صناعة الطب، محمود الطريقة في أعمالها، فاضلا فيها، حسن المعالجة، جيد المداواة، متميزا عند الملوك.
وحكي عن الخسروشاهي أن ابن سينا لحق أبا منصور وهو شيخ كبير، وكان يحضر مجلسه ويلازم دروسه، وانتفع به في علم الطب.
стр. 3905
ومنهم:
١١٠ - أبو سهل عيسى بن يحيى المسيحي الجرجاني (١٣)
له في الطب يد بيضاء كليميّة (١)، وفي إطفاء نار الحمّى آية غرّاء إبراهيمية، مسحت بطبّه الأدواء، وصلحت اللأواء (٢)، وصحّت الأجسام، وصحت الأسقام، وسحّت السحب بمطر الإنعاش، وتهلّلت وجوه البرق الوسام، وحسبه أن ابن سيناء من جملة علمه إذا زخر ومن حمدة عزمه إذا فخر.
وكان من بعض فضلاء المتأخرين المتبحّرين يفضّله على ابن سيناء، ويجعل له عليه أسناء، ويثني عليهما، وإنما يوفر له الثناء.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): "هو طبيب فاضل، بارع في صناعة الطب، علمها وعملها، فصيح العبارة، جيد التصنيف، صحيح الكتابة، متقنا للعربية".
قال: "وقد رأيت بخطّه كتابه في " إظهار حكمة الله تعالى في خلق الإنسان " (٤)، وهو في نهاية الصحة والإتقان، والإعراب والضبط، وهو يدلّ على
стр. 3906
فضل باهر، وعلم غزير".
قال: "وقيل: إن المسيحي هو معلم ابن سينا صناعة الطب. وقال عبيد الله بن جبريل: إن المسيحي كان بخراسان، وكان مقدّما عند سلطانها، وإنه مات عن أربعين سنة".
ومن كلامه: "نومة بالنهار بعد أكلة خير من شربة دواء نافع"، انتهى (١).
ومنهم:
١١١ - السيد أبو عبد الله محمد بن [يوسف] الإيلاقي (١٣)
رجع بنسبه إلى والد شريف، وبحسبه إلى تالد (٢) وطريف، فقيل في ظل علم متكاثف الشجر، متراكم السحب، هطّال المطر، سرت النوافح بأعطافه، وسرّت بألطافه، وصيّرت ثمره في أوان قطافه.
قال ابن أبي أصيبعة: "هو شريف النسب، فاضل في نفسه، خبير بصناعة الطب والعلوم الحكمية، وهو ممن أخذ عن الرئيس ابن سينا، واختصر" القانون " وأجاد في تأليفه، وله كتاب: " الأسباب والعلامات "- في الطب -.
стр. 3907
ومنهم:
١١٢ - أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (١٣)
ذكي يفوح عبق ريحانه، ويكرم أرج عنبره بامتحانه.
تكلّم على الكواكب ورسومها وحدودها، والنجوم ونحوسها وسعودها، وناظر الفحول، وناضل النصول (١)، وله حكمة تلمع مشارق أنوارها، وتصدع حصباء الفجر سابق نوارها.
قال ابن أصيبعة: " هو منسوب إلى بيرون، من مدن السند، وكان مشتغلا بالعلوم الحكمية، فاضلا في الهيئة والنجوم، وكان معاصرا للرئيس ابن سينا، وبينهما بحوث ومراسلات، وقد ذكر الرئيس أجوبة مسائل سأله البيروني عنها، مفيدة في الحكمة " (٢).
стр. 3908
ومنهم:
١١٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن مندويه الأصبهاني، أبو علي (١٣)
من دار ملك لا يقعد به بلده، وابن أب لا يستحي به ولده، تحلّل بالمناقب التي ما ضاقت به ملابسها، ولا دنت لغيره ملامسها، وفاضت به ينابيع الحكم، وسهلت له صعابها التي كم رامها غيره وكم.
قال ابن أبي أصيبعة: " هو من الأطباء المذكورين في بلاد العجم، وخدم جماعة من ملوكها ورؤسائها (١)، وكانت له أعمال مشهورة في صناعة الطب، وكان من ذوي البيوتات الأجلاّء بأصبهان، وكان أبوه فاضلا في علم الأدب، وأمر الدين، وله أشعار حسنة منها: [الوافر]
ويمسي المرء ذا أجل قريب … وفي الدنيا له أمل طويل
ويعجل بالرحيل وليس يدري … إلى ما ذا يقرّبه الرحيل
ولأبي عليّ هذا كتب كثيرة (٢) ذكرها ابن أبي أصيبعة في كتابه "بغية
стр. 3909
الألباء في تاريخ الأطباء" (١)
ومنهم:
١١٤ - أبو القاسم عبد الرحمن بن علي ابن أحمد بن أبي صادق النيسابوري (١٣)
وكان صادق الطلب، صادع الليل، سرى بحسن المتطلب منقبا عن الحكمة يستثيرها من أماكنها، ويستديرها سرجا من مساكنها، ويستميرها أقواتا، ويستميلها قصبا تميل إليه انعطافا، وظباء تحسن إليه التفاتا.
قال ابن أبي أصيبعة: "هو طبيب فاضل بارع في العلوم الحكمية، كثير الدراية في الصناعة الطبية، له حرص بالغ في التطلّع إلى كتب جالينوس، وما أودعه فيها من غوامض الطب وأسرار العلم، شديد الفحص عنها، وكان فصيحا، بليغ الكلام، وما فسّره من كتب جالينوس في نهاية الجودة والإتقان، كما فعل في كتاب: " منافع الأعضاء "لجالينوس، فإنه أجهد نفسه فيه، وأجاد في تلخيص معانيه.
وقد قال في أوله: " وأما نحن فقد حرّرنا معاني هذا الكتاب شرحا للعويص، وحذفا للزائد، ونظما للتشتيت، وإضافة إليه".
قال صاحب" بغية الألبّاء " (٢): وحدّثني بعض الأطباء أن ابن أبي صادق
стр. 3910
اجتمع بابن سينا وقرأ عليه، وكان ممن تتلمذ له وأخذ عنه، قال: وكان هذا لا أستبعده بل هو أقرب إلى الصحة، لأن [ابن] أبي صادق لحق زمانه - أي زمان ابن سينا - وكان ببلاد العجم، ولا شكّ أنه سمع بسمعة ابن سينا، وكانت عظيمة، وكان أكبر من ابن أبي صادق قدرا". ثم ذكر تأليفاته (١).
ومنهم:
١١٥ - السّموأل بن يحيى بن عباس (١٣)
المغربي الأصل، البغدادي الدار، العادي حيث السحاب الهطّال دار، المادّ يد البدار، الماد يد الاقتدار، ذو الذكاء الذي يضيء للمقتدح، ويضع في مهامه مهام الطلب منه المقترح، طلاّع كل نية، وطلاّب كل حنية، خرق العادة في ذكائه الفرط، ووقائه بالعلم الذي لا يقبل الغلط، على أنه لم يخل بإبداع فن، ولا أبدع حفظه علم يعرف بحقيقة أو ظنّ.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان فاضلا في العلوم الرياضية، عالما بصناعة الطبّ.
وأصله من بلاد المغرب، وسكن بغداد مدة، ثم انتقل إلى بلاد العجم، ولم يزل بها إلى آخر عمره.
стр. 3911
قال عبد اللطيف البغدادي: هذا السّموأل شابّ بغدادي، كان يهوديا، وأسلم (١)، ومات شابا بمراغة (٢)، وبلغ في العدديات مبلغا لم يصله أحد في زمانه، وكان حادّ الذهن جدا، بلغ في الصناعة الجبرية الغاية القصوى، وأقام بديار بكر وأذربيجان، وله رسائل في الجبر والمقابلة، ردّ فيها على ابن الخشاب النحوي، وكان معاصره، وكانت له في هذا العلم يد".
ومنهم:
١١٦ - الشريف شرف الدين إسماعيل (١٣)
كمل شرف قديمه بحديثه، ووصل واني سراه بخبيثه، وعرف بأكمل أدوات العلوم ومداواة العموم وتحلّى بمفاخر الطلب لعلم يبقيه، وجسم بصالح الطب يقيه.
وصل من الدولة الخوارزمية العظيمة الشان ما عدّ مثله لها من عظمتها، وامتدّ ثرى ما له من نعمتها، وجرى في طلق آماله إلى غاية همتها.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا عالي القدر، وافر العلم، وجيها في الدولة، وكان في خدمة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وله منه الأنعام الوافرة، والمرتبة المكينة، وكان له مقرّر على السلطان مبلغه ألف دينار في كل شهر،
стр. 3912
وكانت له معالجات بديعة، وآثار حسنة في صناعة الطب.
وتوفي في أيام خوارزم شاه بعد أن عمّر، وله عدّة مصنّفات كلها بالفارسي (١).
стр. 3913
أطبّاء الهند
стр. 3914
منهم:
١١٧ - شاناق الهندي (١٣)
هو ذو الحكم اللّوامع، والكلم الجوامع، والتنبيهات الموقظة، والتمويهات المحفظة، والتشبيهات التي أخذت بأطراف الموعظة، نطق بها عن خاطر صفا فلم يكدر، ووفى فلم يغدر، فجاءت سوانح، وجادت موانح، وحلّت من القلوب محلا، منذ دخلته سكنت به وأخلته.
قال ابن أبي أصيبعة: "كانت له معالجات وتجارب كثيرة في الطب، وتفنّن في العلوم الحكمية، ومما قاله في كتابه الذي سمّاه: (منتحل الجوهر):
"أيها الوالي!! اتّق عثرات الزمان، واخش تسلّط الأيام، ولوعة الدّهر، واعلم أن للأعمال جزاء فاتّق العواقب، فإن لها غدرات، فكن منها على حذر، والأقدار
стр. 3915
مغيبات فاستعدّ لها، والزمان متقلّب فاحذر دولته، لئيم الكرّة فخف سطوته، سريع الغرّة فلا تأمن سطوته.
واعلم أنه من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته، فما أبعده من الشفاء في دار لا دواء لها، ومن أذلّ حواسّه واستعبدها فيما يقدم من خير بان فضله، وظهر نبله، ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة لم يضبط حواسّه وهي خمس، فإذا لم يضبط حواسّه مع قلّتها، ونفسه مع ذلّتها صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، وكان عامّة الرعيّة في أقاصي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط (١)
ومنهم:
١١٨ - منكه الهندي (١٣)
طبيب توقى به الأجسام، وتوفى بسببه خير الأقسام، لو عاد الهرم لأعاد عليه ثوب شبابه، وبدّل كفن المشيب بجلبابه، فأقرّ الأرواح في أجسادها، وعاد بالصّلاح على فسادها فقرّت استقرارا، وأزالت ضرارا، وصالحت الأبدان فلم تعد إلى منافرتها، ولم تبعد من مضافرتها، فأماطت عقابيل السقم (٢)، وجذبت بأعقاب الداء العياء، وقد التقم فوجدت به الصحة، وقد عزّ لقياها، وطالت المدة وقد يئس من بقياها.
стр. 3916
قال ابن أبي أصيبعة: "كان علاما بالطب، حسن المعالجة لطيف التدبير، فيلسوفا من المشار إليهم في العلم، متقنا للغة الهند، ولغة الفرس، وهو الذي نقل كتاب" شاناق "في السموم - إلى الفارسية، وكان في زمان الرشيد، وأتى العراق في أيامه، ثم عرف العربية فكان ينقل إليها.
ومن أخبار الخلفاء أن الرشيد اعتلّ علّة صعبة لم يجد فيها طب الأطباء، فقال له أبو عمر الأعجمي: يا أمير المؤمنين!، بالهند طبيب يقال له: منكه هو أوحد عبّادهم وفلاسفتهم، فلو بعثت إليه لعلّ الله يهبك الشفاء على يده.
فجهّز من وصله صلة تعينه على سفره، وحمله إليه، فعالجه فبرأ فأجرى عليه رزقا واسعا، وأموالا كافية، ثم بينما هو مارّ بالخلد (١)، إذا هو برجل قد بسط كساءه وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء معجونا. فقال: هذا دواء لكذا وكذا، وعدّد أسقاما كثيرة، وأدواء مختلفة، حتى لم يدع عارضا إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاؤه. فتبسّم منكة ثم قال: على كل حال ملك العرب جاهل، لأنه إن كان الأمر على ما يقول هذا فما الذي حمله على أن حملني من بلادي إليه، وأبعدني عن أهلي، وتكلّف الكثير من مؤونتي، وهو يجد هذا نصب عينيه، وإزاء ناظره؟.
وإن كان على غير ما يقول فلم لا يقتله لأن الشريعة قد أباحت دم هذا ومن أشبهه لأنه إن قتل إنما هي نفس يحيا بموتها أنفس، وإن ترك وهذا الجهل قتل كل يوم أنفسا، وهذا فساد في الذهن، ووهن في الملك.
стр. 3917
ومنهم:
١١٩ - صالح بن بهلة الهندي (١٣)
طبيب بيّن الانحراف والاعتدال، والصحة والاعتلال، حدس ما حدث، وبرّ وما حنث، اطّلع على كل سبب من الأسباب، وجمع بين طرفي الإيجاز والإسهاب، ورتّب لكلّ ذي سنّ ما يليق به من المداواة وما لا يطيق معرفته سواه، وشفع هذا بفضائل أخرى جتال بها فخرا، فحوى محاسن لا تعدّ كثره، ولا يزول لها أثره، وطالما حكيت عن طبّه عجائب ومحاسن ما فيها قول لعائب.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان من علماء الهند، خبيرا بالمعالجات التي لهم، وله قوة وإنذارات في تقدم المعرفة، وكان بالعراق على عهد الرشيد.
قال يوسف الحاسب المعروف بابن الداية (١)، عن مولى سلام الأبرش: أن مولاه حدّثه أن الموائد قدمت بين يدي الرشيد يوما، وابن بختيشوع غائب، فطلبه في كل مكان فلم يجده، فطفق يلعنه، وإذا به قد دخل والرشيد يلعنه، فقال: لو اشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه إبراهيم بن صالح كان أشبه به من تناولي (٢).
فقال له: وما خبره؟. فأعلمه أنه خلفه ومعه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة (٣).
стр. 3918
فاشتدّ جزع الرشيد عليه، وأمر برفع الموائد. فقال جعفر بن يحيى: إن طبّ بختيشوع رومي، وطب ابن بهلة هندي؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره ليعرف ما عنده؟. فأمر بمصيره إليه، فجسّ عرقه، ثم قال: لا أخبر الخبر إلا أمير المؤمنين. فأخبر الرشيد، فأدخل عليه ابن بهلة، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين! أنت الإمام وعاقد ألوية القضاء للحكام، ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه، ولا لمعقّب بعدك نسخه، وأنا أشهدك عليّ، وأشهد من حضرك أن إبراهيم بن صالح إن مات في هذه الليلة بل في هذه العلّة يكون كل مملوك لصالح بن بهلة حرّا لوجه الله، وكل دابّة له تكون حبسا (١) في سبيل الله، ويكون كل ما يملكه صدقة على الفقراء، وتكون كل امرأة له طالقا ثلاثا بتاتا.
فقال الرشيد: حلفت ويلك! يا صالح على غيب.
فقال صالح: كلا يا أمير المؤمنين!. إنما الغيب ما لا علم لأحد به، ولا دليل عليه، ولم أقل ما قلت إلا بدليل واضح، وعلامات بينة.
قال: فسرّ الرشيد بقوله، وأحضر الطعام، فأكل وشرب، فلما كان وقت صلاة العتمة أتى الخبر بوفاة إبراهيم بن صالح!؛ فاستقبل الرشيد ورجع يلعن ابن بهلة وطب الهند، ثم بكّر إلى دار إبراهيم فأتى ابن بهلة فوقف بين يديه، فلم يناطقه إلى أن سطعت روائح المجامر وقد غسل إبراهيم وكفّن، فصاح به ابن بهلة عند ذلك: يا أمير المؤمنين! الله الله أن تحكم عليّ بطلاق زوجتي وخروجي من نعمتي، وتدفن ابن عمك حيا، فو الله ما مات!. فأطلق له الدخول عليه، والنظر إليه، ثم خرج وهو يكبّر، ثم قال: قم يا أمير المؤمنين حتى أريك عجبا.
فقام معه، ثم أخرج ابن بهلة إبرة كانت معه، فأدخلها بين ظفر إبهام يد
стр. 3919
إبراهيم اليسرى ولحمه، فجذب إبراهيم يده!، فقال ابن بهلة: يا أمير المؤمنين! هل يحسّ الميت بالوجع؟. فقال له: لا. فقال ابن بهلة: لو شئت أن أعده يكلم أمير المؤمنين الساعة لفعلت، ولكن أخاف إن عالجته وأفاق وهو في كفن فيه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه فيموت موتا حقيقيا، ولكن يأمر أمير المؤمنين بتجريده من الكفن، وردّه إلى المغتسل، وإعادة الغسل عليه حتى تزول رائحة الحنوط عنه، ثم يلبس مثل ثيابه التي كانت عليه، ويحوّل إلى فراش من فرشه التي كان يجلس عليها حت أعالجه، فيكلّمه من ساعته.
فأمر بذلك، ففعل، ثم دعا ابن بهلة بكندس (١) ومنفحة، ونفخ الكندس في أنفه، فمكث قدر سدس ساعة ثم اضطرب جسده وعطس، وجلس قدّام الرشيد، وقبّل يده، فسأله الرشيد عن حاله؟ فذكر أنه كان نائما نوما لا يذكر أنه نام مثله قط طيبا، إلا أنه رأى في منامه كلبا عضّ إبهام يده اليسرى عضّة يجد وجعها، وأراه إبهامه الذي أدخل فيه الإبرة، وعاش بعد ذلك دهرا طويلا، ثم تزوّج بالعباسة بنت المهدي، وولي مصر وفلسطين، وتوفي بمصر وقبر بها.
стр. 3920
أطبّاء الشّام
стр. 3921
منهم:
١٢٠ - أبو الفرج جرجس بن توما بن سهل بن إبراهيم اليبرودي (١٣)
من النصارى اليعاقبة، رجل اهتم لسعادته، وتكلّم فأصاب فما خرج عن عادته، شكر بين الأطباء، وذكر ذكر الألبّاء، انتقل إلى الحاضرة (١)، واشتغل بالمعالجة الحاضرة، وكان إذا دعي لتطبيب العلل طبّبها بما يقلّ لبثها، ويقلل بثّها (٢)، ويعجل للأجسام بإعادة صحتها، ويرخص لها ما يسام من عادة منحتها، فينهض من جدها العاثر، ويؤثر فيها ما يشاء الآثر، ولم يتعوّد طول العيادة، ولا غرابة الدواء خلاف العادة.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان فاضلا في صناعة الطب، عالما بأصولها وفروعها، معدودا من جملة الأكابر من أهلها، والمتميزين في أربابها، دائم الاشتغال، محبا للعلم، مؤثرا للفضيلة.
حدّثني شرف الدين ابن عنين (٣) - رحمه الله تعالى - أن اليبرودي كان لا يمل من الاشتغال ولا يسأم منه. قال: وكان أبدا في سائر أوقاته لا يوجد إلا ومعه كتاب ينظر فيه.
стр. 3922
وحدّثني بعض النصارى بدمشق - وهو السني البعلبكي الطبيب - قال:
كان مولد اليبرودي ومنشؤه بيبرود، وهي ضيعة كبيرة من صيدنايا، وبها نصارى كثيرون، وكان اليبرودي بها كسائر أهلها النصارى من معاناتهم الفلاحة، وما يصنعه الفلاحون، وكان أيضا يجمع الشيح (١) من نواحي دمشق القريبة من جهته، ويحمله على دابّة، ويأتي به إلى داخل دمشق يبيعه للذين يقدونه بالأفران وغيرها، وإنه لما كان في بعض المرّات وقد عبر من باب توما، ومعه حمل شيح، رأى شيخا من المتطبّبين وهو يفصد إنسانا قد حصل له رعاف شديد من الناحية المسامتة للموضع الذي ينبعث منه الدم، فوقف ينظر إليه وقال له: لم تفصد هذا ودمه يجري بأكثر مما يحتاج إليه؟.
فعرفه أنه إنما فعله لينقطع عنه الدم الذي ينبعث من أنفه لكونه يجذبه إلى مسامتة الجهة التي ينبعث منها.
فقال له: إذا كان الأمر هكذا فإننا في مواضعنا قد اعتدنا أنه متى كان نهر جار، وأردنا أن نقطع الماء عنه، فإنا نجعل له مسيلا إلى ناحية أخرى غير مسامتة، فينقطع من ذلك الموضع ويعود إلى الموضع الآخر. فأنت لم لا تفعل هكذا، وتفصده من الناحية الأخرى؟.
ففعل ذلك وانقطع الرعاف عن الرجل، وقال ذلك الطبيب لليبرودي: لو أنك تشتغل بصناعة الطب جاء منك طبيب حاذق.
فمال اليبرودي إلى قوله، وتاقت نفسه إلى العلم، وبقي متردّدا إلى الشيخ في أوقات وهو يعرفه، ويريه أشياء من المداواة، ثم إنه ترك يبرود وما كان يعانيه وأقام بدمشق يتعلّم أشياء من المداواة، وصناعة الطب، فلما تبصّر في أشياء
стр. 3923
منها، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية، حاول مداواة المرضى، ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها، وعاماتها، وتيقّن علاجاتها، سأل عمّن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب جيدا؟.
فذكروا له أنّ ببغداد أبا الفرج ابن الطيّب كاتب الجاثليق، وإنه فيلسوف متفنّن، وله خبرة وفضل في صناعة الطب، وفي غيرها من الصنائع الحكمية.
فتأهّب للسفر، وأخذ سوارا كان لأمّه لينفقه، وتوجّه إلى بغداد، وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده، ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعته، وصارت له مباحثات جيدة، ودربة فاضلة في هذه الصناعة، واشتغل أيضا بشئ من المنطق والعلوم الحكمية، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها.
ونقلت هذه الحكاية المتقدمة أو قريبا منها، وإن كانت الرواية مختلفة عن شيخنا الحكيم مهذّب الدين أسعد بن إلياس ابن المطران، قال: حدّثني أبي، قال: حدثني أبو الفرج ابن الحديد، قال: كان بدمشق فاصدا يقال له: أبو الخير، ولم يكن من المهرة، وكان من أمره أنه فصد شابّا، فوقعت الفصدة في الشريان، فتحير وتبلّد، وطلب قطع الدم، فلم يقدر على ذلك، فاجتمع الناس عليه، ففي أثناء ذلك طلع صبيّ عليه وقال: يا عماه! افصده في اليد الأخرى!.
فقال: شدّ الفصد الأول. فشدّه ووضع عليه لازوقا كان عنده، وشدّه. فوقف الدم وانقطع الجميع.
ووجد الصبي بالسوق معه دابة عليها حمل شيح، فتشبّث به، وقال: من أين لك ما أعلمتني به؟.
قال: إن أبي في وقت سقي الكرم إذا انفتح شق من النهر وخرج الماء منه بحدّة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحا آخر ينقص منه الماء الأول الواصل
стр. 3924
إلى ذلك الشق، ثم يسده بعد ذلك.
قال: فمنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطعه، وعلّمه الطب، وكان منه اليبرودي، وهو من مشاهير الأطباء الفضلاء.
وكان لليبرودي مراسلات إلى ابن رضوان بمصر، وإلى غيره من الأطباء المصريين، وله إليهم مسائل عدة طبية، ومباحث دقيقة، وكتب بخطه شيئا كثيرا من الطب، ولا سيما من كتب جالينوس، وشروحها، وجوامعها.
وحدّثني السني البعلبكي: أن اليبرودي عبر يوما في سوق جيرون بدمشق (١)، فرأى إنسانا وقد بايع على أن يأكل أرطالا من لحم الفرس مسلوقة، مما يباع في السوق، فلما رآه وقد أمعن في أكله بأكثر مما تحمله قوته، ثم شرب بعده فقاعا كثيرا (٢)، وماء بثلج، واضطربت أحواله، فتفرّس فيه أنه لا بدّ أن يغمى عليه، وأن يكون في حالة أقرب إلى الموت، إن لم يتلاحق، فتبعه إلى المنزل الذي له، واستشرف إلى ما ذا يؤول أمره، فلم يكن إلا أيسر وقت وأهله يصيحون ويضجّون بالبكاء، ويزعمون أنه قد مات فأتى إليهم، وقال: أنا أبريه، وما عليه بأس. ثم إنه أخذه إلى حمّام قريب من ذلك، وفتح فكيه كرها، ثم سكب في حلقه ماء حارا، وقد أضاف إليه أدوية مقوية للقيء، وقيّأه برفق، ثم عاله، وتلطّف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته، فتعجّب الناس منه في ذلك الفعل، وحسن تأنّيه إلى مداواة ذلك الرجل، واشتهرت عنه هذه القضية، وتميّز بعدها.
стр. 3925
وهذه الحكاية التي قصد اليبرودي أن يتتبّع أحوال الرجل فيها، ويشاهد ما يكون من أمره أن يكون عنده معرفة بالأعراض التي تحدث له، وأن ينقذه أيضا مما وقع فيه إن أمكنه معالجته.
ومثل ذلك أيضا ما حكاه أبو جعفر أحمد بن محمد بن الأشعث في كتاب "الغاذي والمغتذي" وذلك أنه قال: إن إنسانا رأيته يوما وقد بايع أن يأكل جزر قدّره بحدّ ما، فحضرت أكله لأرى ما يكون من حاله لا رغبة مني لمجالسة من هذه حاله، ولا لي بذلك عادة والحمد لله، بل لأرى إيراد الغذاء على المعدة قسرا إلى ما ذا يكون هذا الفعل، فرأيته يأكل من حائط ليري من حوله ويضاحكهم، حتى إذا مرّ على الكثير مما كان بين يديه، فرأيت الجزر ممضوغا قد خرج من حلقه، ملتفا، متحبلا، متعجبنا بريقه، وقد جحظت عيناه، وانقطع نفسه، واحمرّ لونه، ودرّت أوداجه وعروق رأسه، وأزبد، وكمد وجهه، وعرض له من التهوّع (١) أكثر مما عرض له من القذف، حتى رمى من ذلك الذي أكله شيئا كثيرا، فركنت (٢) أن انقطاع نفسه لدفع المعدة حجابه إلى نحو الفم، ومنعها إياه من الرجوع إلى الانبساط إلى النفس، وأما ما عرض إلى لونه من الاحمرار، ودرور وداجيه وعروقه، فزكنت (٣) أنه لإقبال الطبيعة نحو رأسه، كما يعرض لمن شدّ يده للفصد، أن تقبل الطبيعة نحو الجهة التي استنهضت نحوها.