منهم:
١٢٠ - أبو الفرج جرجس بن توما بن سهل بن إبراهيم اليبرودي (١٣)
من النصارى اليعاقبة، رجل اهتم لسعادته، وتكلّم فأصاب فما خرج عن عادته، شكر بين الأطباء، وذكر ذكر الألبّاء، انتقل إلى الحاضرة (١)، واشتغل بالمعالجة الحاضرة، وكان إذا دعي لتطبيب العلل طبّبها بما يقلّ لبثها، ويقلل بثّها (٢)، ويعجل للأجسام بإعادة صحتها، ويرخص لها ما يسام من عادة منحتها، فينهض من جدها العاثر، ويؤثر فيها ما يشاء الآثر، ولم يتعوّد طول العيادة، ولا غرابة الدواء خلاف العادة.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان فاضلا في صناعة الطب، عالما بأصولها وفروعها، معدودا من جملة الأكابر من أهلها، والمتميزين في أربابها، دائم الاشتغال، محبا للعلم، مؤثرا للفضيلة.
حدّثني شرف الدين ابن عنين (٣) - رحمه الله تعالى - أن اليبرودي كان لا يمل من الاشتغال ولا يسأم منه. قال: وكان أبدا في سائر أوقاته لا يوجد إلا ومعه كتاب ينظر فيه.
стр. 3922
وحدّثني بعض النصارى بدمشق - وهو السني البعلبكي الطبيب - قال:
كان مولد اليبرودي ومنشؤه بيبرود، وهي ضيعة كبيرة من صيدنايا، وبها نصارى كثيرون، وكان اليبرودي بها كسائر أهلها النصارى من معاناتهم الفلاحة، وما يصنعه الفلاحون، وكان أيضا يجمع الشيح (١) من نواحي دمشق القريبة من جهته، ويحمله على دابّة، ويأتي به إلى داخل دمشق يبيعه للذين يقدونه بالأفران وغيرها، وإنه لما كان في بعض المرّات وقد عبر من باب توما، ومعه حمل شيح، رأى شيخا من المتطبّبين وهو يفصد إنسانا قد حصل له رعاف شديد من الناحية المسامتة للموضع الذي ينبعث منه الدم، فوقف ينظر إليه وقال له: لم تفصد هذا ودمه يجري بأكثر مما يحتاج إليه؟.
فعرفه أنه إنما فعله لينقطع عنه الدم الذي ينبعث من أنفه لكونه يجذبه إلى مسامتة الجهة التي ينبعث منها.
فقال له: إذا كان الأمر هكذا فإننا في مواضعنا قد اعتدنا أنه متى كان نهر جار، وأردنا أن نقطع الماء عنه، فإنا نجعل له مسيلا إلى ناحية أخرى غير مسامتة، فينقطع من ذلك الموضع ويعود إلى الموضع الآخر. فأنت لم لا تفعل هكذا، وتفصده من الناحية الأخرى؟.
ففعل ذلك وانقطع الرعاف عن الرجل، وقال ذلك الطبيب لليبرودي: لو أنك تشتغل بصناعة الطب جاء منك طبيب حاذق.
فمال اليبرودي إلى قوله، وتاقت نفسه إلى العلم، وبقي متردّدا إلى الشيخ في أوقات وهو يعرفه، ويريه أشياء من المداواة، ثم إنه ترك يبرود وما كان يعانيه وأقام بدمشق يتعلّم أشياء من المداواة، وصناعة الطب، فلما تبصّر في أشياء
стр. 3923
منها، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية، حاول مداواة المرضى، ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها، وعاماتها، وتيقّن علاجاتها، سأل عمّن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب جيدا؟.
فذكروا له أنّ ببغداد أبا الفرج ابن الطيّب كاتب الجاثليق، وإنه فيلسوف متفنّن، وله خبرة وفضل في صناعة الطب، وفي غيرها من الصنائع الحكمية.
فتأهّب للسفر، وأخذ سوارا كان لأمّه لينفقه، وتوجّه إلى بغداد، وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده، ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعته، وصارت له مباحثات جيدة، ودربة فاضلة في هذه الصناعة، واشتغل أيضا بشئ من المنطق والعلوم الحكمية، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها.
ونقلت هذه الحكاية المتقدمة أو قريبا منها، وإن كانت الرواية مختلفة عن شيخنا الحكيم مهذّب الدين أسعد بن إلياس ابن المطران، قال: حدّثني أبي، قال: حدثني أبو الفرج ابن الحديد، قال: كان بدمشق فاصدا يقال له: أبو الخير، ولم يكن من المهرة، وكان من أمره أنه فصد شابّا، فوقعت الفصدة في الشريان، فتحير وتبلّد، وطلب قطع الدم، فلم يقدر على ذلك، فاجتمع الناس عليه، ففي أثناء ذلك طلع صبيّ عليه وقال: يا عماه! افصده في اليد الأخرى!.
فقال: شدّ الفصد الأول. فشدّه ووضع عليه لازوقا كان عنده، وشدّه. فوقف الدم وانقطع الجميع.
ووجد الصبي بالسوق معه دابة عليها حمل شيح، فتشبّث به، وقال: من أين لك ما أعلمتني به؟.
قال: إن أبي في وقت سقي الكرم إذا انفتح شق من النهر وخرج الماء منه بحدّة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحا آخر ينقص منه الماء الأول الواصل
стр. 3924
إلى ذلك الشق، ثم يسده بعد ذلك.
قال: فمنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطعه، وعلّمه الطب، وكان منه اليبرودي، وهو من مشاهير الأطباء الفضلاء.
وكان لليبرودي مراسلات إلى ابن رضوان بمصر، وإلى غيره من الأطباء المصريين، وله إليهم مسائل عدة طبية، ومباحث دقيقة، وكتب بخطه شيئا كثيرا من الطب، ولا سيما من كتب جالينوس، وشروحها، وجوامعها.
وحدّثني السني البعلبكي: أن اليبرودي عبر يوما في سوق جيرون بدمشق (١)، فرأى إنسانا وقد بايع على أن يأكل أرطالا من لحم الفرس مسلوقة، مما يباع في السوق، فلما رآه وقد أمعن في أكله بأكثر مما تحمله قوته، ثم شرب بعده فقاعا كثيرا (٢)، وماء بثلج، واضطربت أحواله، فتفرّس فيه أنه لا بدّ أن يغمى عليه، وأن يكون في حالة أقرب إلى الموت، إن لم يتلاحق، فتبعه إلى المنزل الذي له، واستشرف إلى ما ذا يؤول أمره، فلم يكن إلا أيسر وقت وأهله يصيحون ويضجّون بالبكاء، ويزعمون أنه قد مات فأتى إليهم، وقال: أنا أبريه، وما عليه بأس. ثم إنه أخذه إلى حمّام قريب من ذلك، وفتح فكيه كرها، ثم سكب في حلقه ماء حارا، وقد أضاف إليه أدوية مقوية للقيء، وقيّأه برفق، ثم عاله، وتلطّف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته، فتعجّب الناس منه في ذلك الفعل، وحسن تأنّيه إلى مداواة ذلك الرجل، واشتهرت عنه هذه القضية، وتميّز بعدها.
стр. 3925
وهذه الحكاية التي قصد اليبرودي أن يتتبّع أحوال الرجل فيها، ويشاهد ما يكون من أمره أن يكون عنده معرفة بالأعراض التي تحدث له، وأن ينقذه أيضا مما وقع فيه إن أمكنه معالجته.
ومثل ذلك أيضا ما حكاه أبو جعفر أحمد بن محمد بن الأشعث في كتاب "الغاذي والمغتذي" وذلك أنه قال: إن إنسانا رأيته يوما وقد بايع أن يأكل جزر قدّره بحدّ ما، فحضرت أكله لأرى ما يكون من حاله لا رغبة مني لمجالسة من هذه حاله، ولا لي بذلك عادة والحمد لله، بل لأرى إيراد الغذاء على المعدة قسرا إلى ما ذا يكون هذا الفعل، فرأيته يأكل من حائط ليري من حوله ويضاحكهم، حتى إذا مرّ على الكثير مما كان بين يديه، فرأيت الجزر ممضوغا قد خرج من حلقه، ملتفا، متحبلا، متعجبنا بريقه، وقد جحظت عيناه، وانقطع نفسه، واحمرّ لونه، ودرّت أوداجه وعروق رأسه، وأزبد، وكمد وجهه، وعرض له من التهوّع (١) أكثر مما عرض له من القذف، حتى رمى من ذلك الذي أكله شيئا كثيرا، فركنت (٢) أن انقطاع نفسه لدفع المعدة حجابه إلى نحو الفم، ومنعها إياه من الرجوع إلى الانبساط إلى النفس، وأما ما عرض إلى لونه من الاحمرار، ودرور وداجيه وعروقه، فزكنت (٣) أنه لإقبال الطبيعة نحو رأسه، كما يعرض لمن شدّ يده للفصد، أن تقبل الطبيعة نحو الجهة التي استنهضت نحوها.
стр. 3926
فأما ما عرض لوجهه من الاربداد (١) والكهوبة (٢)، فرأيت أيضا أنه لسوء مزاج قلبه، وأنه لو لم يخرج ما خرج، ودافعت المعدة حجابه هذه المدافعة التي قد عاقته آلته من التنفس، عرض له الموت بالاختناق، كما قد رأينا ذلك في عدد كثير ماتوا بعقب القذف، فزكنت من ذلك أن التهوّع لشدة اضطراب في ذلك الفصل، وحسن تأتيه، ونقي المعدة.
قال ابن أبي الأشعث بعد ذلك: إن الغذاء إذا حصل في المعدة وهو كثير الكمية تمدّدت تمدّدا يبسط سائر غضونها، كما رأيت ذلك في سبع شرّحته حيا بحضرة الأمير الغضنفر، وقد استصغر بعض الحاضرين معدته، فتقدمت بصب الماء في فيه، فما زلنا نصب الماء في حلقه دورقا (٣) بعد أخرى، حتى عددنا من الدواريق عددا كان مقدار ما حوت معدته نحو أربعين رطلا ماء، فنظرت إذ ذاك إلى الطبقة الداخلة وقد امتدت حتى صارت له سطحا مستويا ليس بدون استواء الخارج، ثم شققتها، فعند ما اجتمعت عند خروج الماء منها عاد غضون الداخلة والبواب يشهد الله في جميع ذلك، لا يرسل نفسه.
وحدثني الشيخ مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي قال: حدثني موفق الدين ابن أسعد بن إلياس ابن المطران قال: حدثني أبي عن خالي أبي الفرج بن حيان، قال: حدثني أبو الكرم الطبيب قال: كنت يوما أساير الشيخ أبا الفرج اليبرودي،
стр. 3927
إذ اعترضه رجل فقال: يا سيدي!، كنت في صناعتي هذه في الحمام، وحلقت رأسي، وأجد الآن في وجهي كله انتفاخا وحرارة عظيمة. قال: فنظرنا إلى وجهه يربو وينتفخ، وتزيد حمرته بغير توقف ولا تدريج.
قال: فأمره أن يكشف رأسه ويلقى به الماء الجاري من قناة كانت بين يديه، وكان الزمان إذ ذاك صميم الشتاء، وغاية البرد، ثم لم يزل واقفا حتى بلغ ما أراد مما أمر به، ثم أمر الرجل بالانصراف، وأشار إليه بالأوفق، وهو تلطيف التدبير واستعمال النقوع الحامض مبردا، وقطع الزّفر، قال: فامتنع أن يحدث له شرّ ما.
وقال الطرطوشي في كتاب "سراج الملوك" (١): حدثني بعض الشاميّين، أن رجلا خبازا بينما هو يخبز في تنّوره بدمشق، إذ عبر عليه رجل يبيع المشمش، فاشترى منه، وجعل يأكله بالخبز الحار. فلما فرغ سقط مغشيا عليه، فنظروا، فإذا هو ميت!؛ فجعلوا يتربصون به، ويحملون له الأطباء، فيلتمسون دلائله، ومواضع الحياة منه، فلم يجدوا؛ فقضوا بموته، فغسل وكفّن، وصلّي عليه، وخرجوا به إلى الجبانة، فبينما هم في الطريق على باب البلد إذ استقبلهم رجل طبيب يقال له اليبرودي، وكان طبيبا ماهرا حاذقا، فاضلا عارفا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقضيته، فقال: حطّوه حتى أراه!.
فوضعوه، فجعل يقلبه، وينظر في أمارات الحياة التي يعرفها، ثم فتح فمه وسقاه شيئا، أو قال: حقنه، فاندفع هناك، فإذا الرجل قد فتح عينيه، وتكلم، وعاد إلى حانوته كما كان!!.
وحدّثني الشيخ مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي عن موفق الدين أسعد بن
стр. 3928
إلياس بن المطران قال: حدثني أبي قال: حدثني عبد الله بن رجاء بن يعقوب، قال: بلغني أن أبا الفرج جرجس بن يوحنا أن اليبرودي لما توفي ظهر في تركته ثلاث مائة مقطع رومي، وخمس مائة قطعة فضة، ألطفها ثلاث مائة درهم.
قال موفق الدين بن المطران: وليس ذلك بكثير، لأن الشخص متى تحقّقت أعماله، وصفت نيته، وطلب الحق، وعامل بالصحيح، واجتهد في معرفة صناعته، كان حقا على الله أن يرزقه، ومتى كان بالضد عاش فقيرا، ومات بائسا (١).
ومنهم:
١٢١ - ظافر بن جابر السكري أبو حكيم (١٣)
حظيّ كان معانده يتلظّى، وحاسده يتشظّى (٢)، نهض للطلب أول ما قام على ساق، وتم لهلاله اتّساق، ولم يملّ سعيا ولا أخلّ وعيا، ولا خلّى زمانه سقيا له ورعيا، حتى شذا من كل علم يتعلمه منه طرفا، وخلف من كان يتقدّمه وراء القفا، فصفت مناهله، وصمت مباهله (٣)، ولم يستتم غصنه الورق، ولا اشتدّ
стр. 3929
مجلسه بالكلبة وانتطق، حتى عدّ من العلامات، وتأكّدت الأسباب له بالعلامات.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان مسلما فاضلا في الصناعة الطبية، متقنا للعلوم الحكمية، متحليا بالفضائل وعلم الأدب، محبا في الاشتغال والتطلّع في العلوم، وكان قد لقي أبا الفرج ابن الطيّب ببغداد، واجتمع به واشتغل عليه، ومعه، وكان ظافر بن جابر موجودا في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وهو موصلي، وإنما انتقل من الموصل إلى مدينة حلب، وأقام بها إلى آخر عمره.
ومن شعره: [الكامل]
ما زلت أعلم أولا في أول … حتى علمت بأنني لا علم لي
ومن العجائب أن أكون جاهلا … من حيث كوني أنني لا أجهل
ومنهم:
١٢٢ - أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي (١٣)
أبو الحكم، وأخو الحكم.
علم الفضلاء، وعصم أهل الولاء، إلا أنه كان للأعداء سماما، وللإعداء
стр. 3930
هماما، وكان كثيرا ما يهيج للمباهلة، ويهاجى ولا يخاف، ونسبه من باهلة.
أتى دمشق فرتع في جنانها، وغاص في غياض أفنانها، وبات قري جفونها المراض وجفانها، وآب إلى أندية سيادتها، فأناخ في ذلك الذرى واستطاب المناخ والقرا.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان فاضلا في الحكمة والطب، معتنيا بالأدب، كثير المجون، محبا للشراب، فإذا طرب خرج في بابة (١) الخيال، وكان يضرب بالعود، وله مدائح في أبق (٢)، وبني الصوفي، وكان يهاجي الشعراء، وفي هجائه يقول عرقلة (٣): [السريع]
لنا طبيب شاعر أشتر (٤) … أراحنا من شخصه الله
ما عاد في صبحة يوم فتى … إلا وفي باقيه رثاه
ومن شعره قوله [الوافر]
ألا يا من لصبّ مستهمام … معنّى لا يفيق من الغرام
وكيف يفيق محزون كئيب … أضرّ بجسمه طول السقام؟!
وقوله: [المنسرح]
ويح المحبّين ليت لا خلقوا … ما برحوا في العذاب مذ عشقوا
ولا رجوا راحة ولا فرحا … إلا وسدّت عليهم الطرق
стр. 3931
ومنهم:
١٢٣ - ابنه: أبو المجد [محمد] بن أبي الحكم؛ أفضل الدولة (١٣)
متقن لكل رياضي، وممعن في كل سماء وأرضي. رمى كل أفق بنظره، وغلب كل شارق بنيره، وخلّف وراءه الأقران، وألقى في ذروة السؤدد الجران (١).
والتفت إليه السلطان بوجه الإقبال، وحباه حتى أمن الإقلال، فتأخّر نظراؤه، وتقدّم إماما، وردّ نوءهم وسحّ غماما، وجدّل ذوي الجدال إذ جدّ اهتماما.
قال ابن أبي أصيبعة: "من الحكماء المشهورين، والعلماء المذكورين، والأفاضل في الطب، والهندسة، والنجوم، والموسيقى. ويجيد الغناء والإيقاع، والزمر، وسائر الآلات، وعمل الأرغن، وبالغ في إتقانه، وكان العادل نور الدين محمود زنكي يرى له ويحترمه، وجعل له الأمر في مارستانه بدمشق، وكان يقرأ عليه الطب في إيوان المارستان (٢)، وتقدّم في زمانه".
стр. 3932
ومنهم:
١٢٤ - ابن البذوخ: أبو جعفر بن موسى بن علي القلعي (١٣)
كان من أعلام أهل الفضائل، وأواخر من لحقه السلف من الأوائل، جنى بيده الأدوية وركّبها، وعرف مقادير رتبها ورتّبها، إلى سوى هذا مما قضى فيه أيام عمره، وذهب وقد أبقى للناس من ثمره، وكان كأنه ما مات، ولا أكلت أنواره الظلمات، ومضى وهذا أثره، وبقي ذباب (١) السيف وهو أكثره.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان عارفا بالأدوية المفردة والمركبة، وله حواش على كتاب" القانون " (٢)، وله اعتناء بعلم الحديث، والشعر، وعمّر عمرا طويلا، وضعف عن الحركة، ثم عمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه".
стр. 3933
ومنهم:
١٢٥ - حكيم الزمان أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني الجلياني (١٣)
حسنة من إحسان، وبقية من آل غسان، طلع من المغرب، وسمع منه المطرب، ولا عجب أن سمي حكيم الزمان، ولقط منه نظيم. وتلقّته الملوك واصطفته، وناصفته في مجالسها وأنصفته، ومذ أنس بفطنه لم يستوحش لوطنه، ولا ظهر عليه قشف (١) البين، ولا عرف له في بشر إلا حسن أثر وعين.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان علامة زمانه في الطب والكحل، بارعا في الأدب والشعر، أتى من الأندلس إلى الشام، وأقام بدمشق، وعمّر عمرا طويلا، وله في السلطان صلاح الدين مدايح كثيرة، وصنّف له كتبا، وكان له منه الإحسان الجزيل، والإنعام الكثير.
ثم خدم بصناعة الكحل الملك الأشرف أبا الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وتوفي بالرّها سنة نيف وعشرين وستمائة.
ومن شعره قوله [الطويل]
стр. 3934
على فرط شوقي تستقل الركائب … وعن صون دمعي تستهلّ السحائب
وما البرق إلا من حنيني نابض … وما الرعد إلا من أنيني نادب
نأيتم فلا صبر من القلب حاضر … لديّ ولا قلب عن الذكر غائب
فيا ليت شعري بعدنا من صحبتم … فما بعدكم غير الهوى لي صاحب
وقوله [البسيط]
قالوا نرى نفرا عند الملوك سموا … وما لهم همة تسمو ولا ورع
قد يكرم القرد إعجابا بخسّته … وقد يهان لفرط النخوة السّبع
ومنهم:
١٢٦ - المهذّب ابن النقاش (١٣)
أبو الحسن علي بن عيسى بن هبة الله.
طبيب لو أخذ عن جالينوس لأتاه العلم بمنصوصه، أو لزم ابن سيناء لأقبل عليه على خصوصه، أو سبق ابن عربي لاستبقى بقية من نقشه لفصوصه (١).
стр. 3935
وكان لا يقصر في طلب، ولا يقص النسر له جناحا إذا طلع أو غرّب، فلم يلمّ به ملل، ولا كان له في العلم أمل.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان مولده ومنشؤه ببغداد، وكان عالما بالعربية والأدب، وقرأ الطب على - أمين الدولة - ابن التلميذ، ولازمه مدة، واشتغل بعلم الحديث على ابن الحصين (١)، وحدث معه، وسمع منه القاضي عمر بن القرشي (٢).
وقال الأصفهاني في الخريدة: أنشدني مهذب الدين ابن النقاش لوالده: [المتقارب]
إذا وجد الشيخ في نفسه … نشاطا فذلك موت خفي
ألست ترى أن ضوء السراج … له لهب عند ما ينطفي؟!
قال ابن أبي أصيبعة: "لما وصل المهذب ابن النقاش إلى دمشق، دبّ بها، وكان له مجلس عامّ للمشتغلين عليه، ثم توجه إلى مصر، وأقام بالقاهرة مدة، ثم رجع إلى دمشق وخدم نور الدين - أي الشهيد - بالطب، وكان له منه إحسان، وتوفي يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ودفن بجبل قاسيون.
стр. 3936
ومنهم:
١٢٧ - سكرة اليهودي الحلبي (١٣)
حكيم فضائله غير منكرة، وطبيب حلا وصفه فقيل سكّره، وكانت له همم تواتيه، وله شمم ما خرج به من التيه، انقاد له الحظ، وأتاه بأدنى فكرة ولفظ، وأنجبت له ذرّيّة أسلموا بعده وسلّموا ولايات عدة، وذلك بعد أن رفع عليهم علم الإسلام، ودان لهم قلم الكتابة بسلام.
قال ابن أبي أصيبعة: " كان له دربة بالعلاج، وتصرّف في المداواة. حكي أنه كان لنور الدين بقلعة حلب حظيّة يميل إليها، فمرضت مرضة أعيت على الأطباء، فأحضر إليها سكّرة الحكيم، فوجدها قليلة الأكل، متغيرة المزاج، فسألها عن جنسها؟ فأخبرته بأنها علاّنية (١)، ثم سألها عما كانت تأكل في بلادهم؟.
فقالت: لحم البقر. فسألها عما كانت تشرب؟. فقالت: الخمر.
فقال لها: أبشري بالعافية. ثم ذهب فاشترى عجلا وسلق من لحمه، ثم عمل معه شيئا من لبن وثوم، وأخذ معه خمرا، وأتى به إليها، فأطعمها، وأكلت منه بنهمة كبيرة، ثم سقاها، فطلبت النوم، فنامت وغطيت بدثار، فعرقت عرقا كثيرا، وأصبحت في عافية، ولازمها بمثل ما عالجها به، حتى برئت، فبعثت إليه بصينية مملوءة من الحلي، ثم كتبت إلى نور الدين تعلمه بعجز الأطباء عنها، وإن عافيتها كانت على يده. فلما قرأ الكتاب، طلبه وعرّفه بما قالت، ثم منّاه، فسأله
стр. 3937
عشرة أفدنة في قريتي "صمع، وعيدان"؛ فكتبها له ملكا ثم عاد إلى حلب، وكثرت أمواله، ولم يزل في نعمة طائلة هو وبنوه.
ومنهم:
١٢٨ - أسعد بن [إلياس بن جرجس - موفق الدين] (١) ابن المطران (١٣)
طبيب على نصرانيته (٢) وتدينه بدنيّته، قد تحلّى بمحاسن الشيم، وحلّ الغاية لولا الشمم، ودنا من الملوك مجلسا، وترك حاسده المضنوك مبلسا، وأطالت النعم رياشه، ونفضت على فائض النوء رشاشه، وأثري بالحضرة الصلاحية (٣) حتى ابتلّ عوده في الثرى، وشمخ هرم ماله إلى الذرا، وكان على هذا الوفر والحظ الذي ما ذهّب بمثله سفر، يتجنّى على السلطان والذنب ذنبه، ويتناوم عليه ولا يهدأ جنبه.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): "كان للسلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى -
стр. 3938
فيه اعتقاد، وأسلم في أيامه، وكان يغلب على ابن المطران الكبرياء، حتى على الملوك، وكان يعلم صلاح الدين ذلك منه.
حكى عنه من كان معه في بعض غزواته أن صلاح الدين كان ينصب له في أوقات حروبه خيمة حمراء، بدهليز أحمر، وميضأة حمراء؛ فبينا هو راكب وإذا به قد نظر إلى خيمة حمراء ظنّها خيمته؛ فسأل: لمن هي؟. فقيل له: لابن المطران الطبيب. فضحك وقال: والله قد عرفت هذا من حماقته. ثم قال: ما بنا إلا أن يعبر أحد من الرسل، فيعتقد أنها خيمة أحد الملوك، وإذا كان لا بد، فليغير ميضأتها.
فصعب هذا على ابن المطران، وبقي يومين لا يأتي الخدمة حتى ترضّاه صلاح الدين، وأعطاه مالا".
وشكا أبو الفرج النظروي الطبيب إلى صلاح الدين ضرره ببنات له يريد تجهيزهنّ. فأمره أن يكتب ورقة بما يحتاج إليه، فكتب شيئا بنحو ثلاثين ألف درهم، فأمر له بما تضمّنته ورقته، فبلغ ذلك ابن المطران، فقصر في الخدمة، وتبين لصلاح الدين هذا من تغير وجهه، فأمر بأن يحسب جملة ثمن ما اشترى به جهاز بنات أبي الفرج، ويعطى ابن المطران نظيره.
وحكى المهذب عبد الرحيم بن علي أن أسد الدين شير كوه صاحب حمص طلب ابن المطران، قال: فتوجّه وأنا معه، فبينما نحن في بعض الطريق، وإذا رجل مجذوم قد استقبله، وكان المرض قد قوي به حتى تغيرت خلقته، وتشوّهت صورته، فاستوصف منه ما يتناوله، ويتداوى به، فبقي كالمتبرّم به، ثم قال له:
كل لحوم الأفاعي، فعاوده، فقال: كل لحوم الأفاعي، فإنك تبرأ، يكررها عليه، ثم مضينا إلى حمص، وأقمنا بها نعالج المريض الذي طلب لأجله، إلى أن صلح،
стр. 3939
ثم رجعنا فلما كنا في الطريق وإذا شابّ حسن الصورة، كامل الصحة، قد سلّم عليه، وقبّل يده، فقال له: من أنت؟. فقال له: أنا صاحب ذلك المرض الذي كنت شكوت إليك، وإنني استعملت ما وصفت لي، فصلحت من غير أن أحتاج معه إلى دواء آخر.
وتوفي ابن المطران في ربيع الأول سنة تسع وخمسمائة، بدمشق (١).
ومنهم:
١٢٩ - ابن اللبّودي: يحيى بن محمد بن عبدان بن عبد الواحد (١٣)
الصاحب نجم الدين، أبو زكريا.
مشيّد بيت، ومحيي فضل غير ميت، وإلى الآن بقيته، وكان وما هانت بليته.
وترقّى إلى أن وزر، واتّشح برداء الكبرياء واتّزر، إلا أنه لدى ملك لم يفخر لديه خديم ولا أثرى بندى يديه عديم، لضيق نطاقه، وعدم رواج الفضل عنده ونفاقه، لصغر بلده، وقلّة ذات يده.
стр. 3940
قال ابن أبي أصيبعة: "أوحد في الطب، قدوة في الحكم، مفرط الذكاء، فصيح اللفظ، شديد الحرص في العلوم، متقن في الآداب، فما يدانيه في شعره لبيد، ولا في ترسّله عبد الحميد (١). [الطويل]
ولما رأيت الناس دون محلّه … تيقّنت أن الدهر للناس ناقد (٢)
مولده بحلب سنة سبع وستمائة، وأتى دمشق وقرأ على المهذب عبد الرحيم، وخدم المنصور إبراهيم صاحب حمص، وكان يعتمد عليه، وأحواله تزداد لديه حتى استوزره واعتمد عليه بكليّته، فلما توفي المنصور بعد كسره الخوارزميّة (٣)، توجّه إلى الخدمة الصالحية النجميّة (٤) بمصر، فأكرم وجعل له كل شهر ثلاثة آلاف درهم، وبقي على ذلك مدة، ثم وجه إلى الشام ناظرا على الديوان، بجميع الممالك الشامية".
وله نثر؛ منه قوله وقف الخادم على المشرفة الكريمة: "أدام الله نعمة المنعم بما
стр. 3941
أودعها من النعم الجسام، واقتضته من الأريحية (١) التي أربى فيها على كل من تقدّمه من الكرام، وأبان فيها عما يقضي على الخادم بالاسترقاق، وللدولة - خلّدها الله تعالى - بمزايا الاستحقاق، وكلما أشار المولى إليه هو كما نص عليه، لكنه يعلم بسعادته أن الفرض تمر مرّ السحاب، [وأن الأمور المعينة في الأوقات المحدودة تحتاج إلى تلافي الأسباب] (٢)، وقد ضاق الوقت بحيث لا يحتمل التأخير، والمولى يعلم أن المصلحة تقديم النظر في هذا المهم على جميع أنواع التدبير. وما الخادم مع المولى في هذا إلا كسهم: والمولى مسدّده، والسيف:
والمولى مجرّده، فالله الله في العجلة، والبدار البدار، فقد ظهرت مخايل السعادة والانتصار، والحذر الحذر من التأخير والإهمال، فيفوت - والعياذ بالله - الأوقات التي ترجو فيها بلوغ الآمال، والمسؤول من كرم الله تعالى أن ينهض المملوك في خدمة السلطان بما يبيّض وجه أمله، ويكون ذلك على يد المولى وبقوله وعمله".
ومن شعره قوله يمدح سيدنا - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: [الكامل]
هذي المهابة والجلال الهائل … بهرا، فماذا أن يقول القائل؟
وبك اقتدى جلّ النبيين الألى … ولديك أضحت حجة ودلائل
أظهرت إبراهيم أعلام الهدى … والخير والمعروف جودك عامل
شيدت أركان الشريعة معلنا … ومقرّرا أن الإله الفاعل
ما زلت تنقل للنبوة سرها … حتى غدا بمحمد هو واصل
وقد التجأت إلى جنابك خاضعا … متوسّلا وأنا الفقير السائل
стр. 3942
ومنهم:
١٣٠ - الرضي الرحبي، يوسف بن حيدرة بن الحسن أبو الحجاج (١٣)
حكيم لو استجارت به الأرواح لكلأها، أو أملى المسامع لملأها، كم شكيت إليه الأسقام فأبرأها، وتواثبت الأيام فردّ أجرأها، مذ وكّلت به رعاية الأبدان حرست، ومذ أترست به الأعضاء رأست. شدّ البناء وشدّد الأبناء، فقامت به الأجسام، وكانت تئن سقما، وتدافع ضعفا فتح لها فمه ملتقما، فتمّت به محاسن الوجوه الوسام، وترضى الأرواح للأجسام فخصّ بالحباء (١) وزيادة الاحتباء، فأقبل المال يتدفّق عليه تدفّق السيل، ويفيض عنده على الميزان والكيل.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " من الأكابر في صناعة الطب، والمتقدّمين من أهلها، وله الذكر الشائع، ولم يزل مبجّلا عند الملوك. وكان عالي الهمّة كبير النفس، كثير التحقيق، شديد الاجتهاد في مداواة المرضى، ما عرف منه أنه آذى أحدا، ولا تكلّم فيه بسوء. وكان لابنه نظر في الطب، إلا أن صناعة الكحل
стр. 3943
كانت أغلب عليه، وبها عرف، وولد ابنه الرضي بالجزيرة في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ونشأ بها، وأقام بنصيبين، ثم الرحبة، ثم سافر إلى بغداد وغيرها، واشتغل في علم الطب، وتميز فيه، ثم أتى مصر واجتمع بالموفق بن جميع المصري، وانتفع به، وكان قدومه دمشق في الأيام النورية، فرأى ابن النقاش وأخذ عنه، ولزمه، فنوّه بذكره، وقدر له بالمثول الحضرة الصلاحية، فحسن موقعه إليها، ورتب في المارستان النوري، وأطلق له إدرار سلطاني ودام إلى أيام المعظم، وأشغل خلقا كثيرا صاروا شيوخ إقراء، حتى كان لو اعتبر أطباء الشام لم يوجد منهم إلا من قرأ عليه أو على من قرأ عليه. وممن قرأ عليه " المهذب ": عبد الرحيم بن علي، وكان لا يرى أن يقرئ ذميا ولا عادم أهلية.
وكان يلازم في طبه قوانين حفظ الصحة الموجودة، وكان يتوقى صعود السلالم، ويقول: السلم منشار العمر.
ومن نوادره في طبه: أن ابن مرزوق ذكر أن الصاحب ابن شكر كان يلازم أكل الدجاج، فلحقه شحوب، فشكاه إلى الأطباء، فوصفوا له أنواعا من الأشربة وغيرها، فلما شكا إلى الرحبي قال: يحضر الجواب، ثم نهض فأحضر له قطعة من صدر دجاجة، وقطعة حمراء من لحم ضأن، ثم قال له: أنت تلازم أكل لحم الدجاج، فلا يأتي الدم المتولّد منه إلا شبهه، ولو أكلت من لحم الضأن لأتى الدم المتولد منه يشبهه، فاترك لحم الدجاج، ولازم لحم الضأن، وما تحتاج إلى علاج.
ففعل ذلك، فزال شحوبه، وصلح لونه.
وتوفي يوم عاشوراء سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بقاسيون.
стр. 3944
ومنهم ابنه:
١٣١ - الشرف علي شرف الدين أبو الحسن (١٣)
حكيم أينع في جرثومة (١) الطبّ عذقه (٢)، وصحّ في نظر المستطب حذقه، لم تخط تجاربه، ولم تخف مآربه، أحسن طبّه علاج الأمراض، وقوّم مزاج الأعراض، وعرف منه ما لم يخف على أحد، ولا عرف أن أحدا له جحد، وكان طبه شافيا للأسقام، وكافيا في الداء العقام، ولم تمسّ يده مريضا إلا مسح بيده سقمه، وسلّه من قم دائه الذي التقمه، فكان لهذا يرغب في تطبيبه، ويرى من استطب غيره سقامه من طبيبه.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " سلك حذو أبيه، واقتفى ما كان يقتفيه، وأشبهه خلقا وخلقا، وطريقة وحذقا، ولم يزل منذ نشأ متوفرا على قراءة الكتب وتحصيلها، ونفسه تشرئبّ إلى طلب جمل الفضائل وتفصيلها.
قرأ على أبيه، وعلى الموفق عبد اللطيف البغدادي، وأخذ عن السّخاوي
стр. 3945
وغيره، وأجاد إتقان الأدب، وكان يحب التخلي للقراءة والدرس، والاطلاع على آثار القدماء، والانتفاع بتصانيف الحكماء.
ولد بدمشق سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وحكي أنه قبل مرض موته بمدة كان يخبر أنه بعد قليل يموت، ويقول:
وذلك عند قران الكوكبين، ثم يقول: قولوا هذا للناس حتى يعرفوا مقدار علمي في حياتي، وفي وقت موتي، فكان كما قال.
وتوفي بذات الجنب (١)، حادي عشر المحرم، سنة سبع وستين وست مائة.
ودفن بقاسيون.
ومن شعره قوله: [الطويل]
سهام المنايا في الورى ليس تمنع … فكل له يوما - وإن عاش - مصرع
فقل للذي قد عاش بعد قرينه … إلى مثلها عما قليل ستدفع
فتبا لدنيا ما تزال تعلّنا … أفاويق كأس مرّة ليس تقنع
أفق وانظر الدنيا بعين بصيرة … تجد كل ما فيها ودائع رجّع
وقوله: [الطويل]
تساق بنو الدنيا إلى الحتف سرعة … ولا يشعر الباقي بحالة من يمضي
كأنهم الأنعام في جهل بعضها … بما تم من سفك الدماء على بعض
стр. 3946
ومنهم:
١٣٢ - عمران [بن صدقة] الإسرائيلي (١٣)
واسم أبيه: صدقة، ويلقّب بالأوحد.
حكيم حكم له على نظرائه، وحتم بصواب آرائه، لنظر كان له أثقب من نظر الغراب، وأحدّ من السيف عند الضراب، حتى ظهر ظهور الشمس، واشتهر اشتهار ما كان في أمس، فاستدعته الملوك إلى مجالسها، وأدنته إدناء مجالسها، فأخذ منها بحظ أزلف له الغدف (١)، وأشرف له على أبعد مشترف، وقدّمه لديهم لفضل طار به محلّقا، وأطال باعه محقّقا، وعرف بحسن التدريب، وصحة التجريب، فأجزلت له الجوائز حتى كان يأخذها آلافا، ويعجل لها إتلافا وإخلافا، وهلك بعد السرف، وكثرة ما صرف، وأمواله قد زادت على القياس.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان أبوه طبيبا مشهورا، واشتغل هو على الرضي الرحبي، وتميّز في الطب، وحظي عند الملوك، واعتمدوا عليه في المداواة والمعالجة، ونال من جهتهم الأموال الجسيمة والنعم ما يفوق الوصف، وحصّل من الكتب الطبية وغيرها ما لا يكاد يوجد عند غيره، ولم يخدم عند أحد من الملوك في الصحبة، ولا تقيّد معهم في سفر، وإنما كان كل منهم إذا عرض له مرض أو لم يعز عليه طلبه، ولم يزل يعالجه ويطبّبه بألطف علاج وأحسن تدبير إلى أن يفرغ من مداواته، ولقد حرص به الملك العادل أبو بكر بن أيوب بأن
стр. 3947
يستخدمه في الصحبة فأبى، وكذلك غيره من الملوك.
وحدّثني الأمير صارم الدين التبنيني ﵀: أنه لما كان بالكرك وصاحبه الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وكان الملك الناصر قد توعّك (١) مزاجه، واستدعى الحكيم عمران إليه من دمشق، فأقام عنده مديدة، وعالجه، حتى صلح، فخلع عليه، ووهب له مالا كثيرا، ورتب له جامكية (٢) في كل شهر ألف وخمسمائة درهم ناصرية، ويكون في خدمته، وأن يسلف منها عن سنة ونصف: سبعة وعشرين ألف درهم.
أقول (٣): وكان السلطان الملك العادل لا يزال يصله بالأنعام الكثير، وله منه الجامكية الوافرة، والجراية، وهو مقيم بدمشق، ويتردّد إلى خدمة الدور السلطانية، والقلعة، وكذلك في أيام الملك المعظم، وكان قد أطلق له أيضا جامكية وجراية تصل إليه، ويتردّد إلى البيمارستان الكبير، ويعالج المرضى به، وكان به أيضا في ذلك الوقت شيخنا مهذّب الدين عبد الرحيم بن علي ﵀، وكان يظهر من اجتماعهما كل فضيلة ويتهيّأ للمرضى من المداواة كل خير، وكنت في ذلك الوقت أتدرب معهما في أعمال الطب، ولقد رأيت من حسن تأتّي عمران في المعالجة وتحقيقه للأمراض ما يتعجّب منه، ومن ذلك أنه كان يوما قد أتى إلى البيمارستان وبه مفلوج، والأطباء قد ألحّوا عليه باستعمال المغالي وغيرها من صفاتهم، فلما رآه وصف له في ذلك اليوم تدبيرا يستعمله، ثم بعد ذلك أمر بفصده، ولما فصد، وعالجه، صلح وبرئ برءا تامّا، وكذلك
стр. 3948
رأيت له أشياء كثيرة من صفات مزاوير، وألوان كان يصفها للمرضى على سبيل شهواتهم، ولا يخرج عن مقتضى المداواة، فينتفعون بها، وهذا باب عظيم في العلاج، ورأيته أيضا وقد عالج أمراضا كثيرة مزمنة، كان أصحابها قد سئموا الحياة، ويئس الأطبّاء من برئهم، فبرؤوا على يديه، بأدوية غريبة يصفها، ومعالجات بديعة قد عرفها، وقد ذكرت من ذلك جملا في كتاب "التجارب والفوائد".
توفي الحكيم المذكور في مدينة حمص، في جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وست مائة، وقد استدعاه صاحبها لمداواته.
ومنهم:
١٣٣ - [موفق الدين] يعقوب بن صقلاب النصراني (١٣)
حكيم أطاح طبه رداء السقم، وأطار عن الأعضاء لوثة السأم، فقامت به الأجسام كأنما نشطت من عقال، أو حودثت بعد صدأ الأسقام بصقال، فحظي عند الملوك حظوة زادت في أنسه، وقضى بها يعقوبه حاجة كانت في نفسه.
هذا إلى علم بصناعة الطب حفظت له فيه دروس، ونشأت له به غروس، وكان كأنما خلق من طينة أفلاطون، وجالس جالينوس، حتى اخترمته المنون.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان أعلم أهل زمانه بكتب جالينوس ومعرفتها، دائم الاستحضار لها، كأنها مصورة بين عينيه، لا ينقل إلا عنه، وكان يشرح كتب أبقراط، ويورد نص ما قاله جالينوس في شرحه، وكان يجتمع هو والمهذب عبد الرحيم بدمشق، بدار السلطان، ويجري بينهما مباحث، وكان المهذب أفصح
стр. 3949
عبارة، وأقوى براعة، وأحسن بحثا، وابن صقلاب أكثر سكينة، وأبين قولا، وأوسع نقلا.
وكان في معالجاته غاية في الجودة والنجح، لأنه كان لا يداوي حتى يجيد تحقيق المرض، وكان المعظّم يشكر هذا من فعله، ويصفه به، ويقول: لو لم يكن في الحكيم يعقوب إلا استقصاء الأمراض ليعالجها على الصواب ولا يشتبه عليه شيء من أمرها لكفاه.
وكان متقنا للسان الرومي، ونقل كتاب" حيلة البرء "وغير ذلك من كتب جالينوس، منها إلى العربي.
قال: كان مولده بالقدس، وأخذ الطبيعي والهندسة والحساب والنجوم عن فيلسوف كان قد ترهّب بها في دير السيق. قال: وكانت له في النجامة أحكام صحيحة، وإنذارات عجيبة، وعلت مكانته عند المعظم حتى أراد أن يوليه بعض تدبير دولته، فامتنع، وكان قد عرض له نقرس في رجليه، فكان المعظم إذا سافر أخذه معه في محفّة. وقال له يوما: يا حكيم، لم لا تداوي هذا المرض الذي في رجليك؟. فقال له: الخشب إذا سوّس ما يبقى في إصلاحه حيلة. وأدرك الناصر داود بعد أبيه.
وولد بدمشق (١) سنة إحدى وستين وخمسمائة، وتوفي بها يوم فصح النصارى سنة خمس وعشرين وستمائة.
стр. 3950
ومنهم:
١٣٤ - رشيد الدين الصوري أبو المنصور ابن أبي الفضل بن علي (١٣)
رجل تهادته الملوك، وهادنته الأيام لحسن السلوك، وكان الحظّ معه حيثما خيم، والسعد قرينه أينما يمّم، وهو من بيت تعد معه رجال، وتمتع الدهر بهم إلى آجال، وطالما زهت بهم الأيام الخوالي، وحسنت بهم الليالي الحوالي، وكان هو آخرهم، الذي كان لمسكهم ختاما، وضرب لهم حول قباب الجوزاء خياما.
قال ابن أبي أصيبعة: "اشتمل على جملة من الصناعة الطبية، واطلع على محاسنها الجلية والخفية، وكان فريدا في الأدوية المفردة وماهياتها، واختلاف أسمائها وصفاتها، وتحقيق خواصّها وتأثيراتها. اشتغل على عبد اللطيف البغدادي بالقدس سنتين، وصحب الجياني، وكان عارفا بالأدوية المفردة، فانتفع به، واشتغل بها مع ما هو عليه من المروءة التي لا مزيد عليها، والعصبية التي لم يسبق إليها، والمعرفة المذكورة، والشجاعة المشهورة. وخدم بالطب: العادل (١)، ثم صار إلى المعظّم (٢)، وحضر معه دمياط. ثم صار إلى الناصر داود، فلما توجه إلى الكرك أقام الرشيد بدمشق، وكان يشتغل بها.
ولأبي نصر المهذب الحلبي (٣) فيه مديح، منه: [الطويل]
стр. 3951
سرى طيفها والكاشحون (١) هجود (٢) … فبات قريبا والمزار بعيد
وتالله ما عاد الخيال وإنما … تخيله الأفكار لي فيعود
فيا لائمي كف الملام ولا تزد … فما فوق وجدي والغرام مزيد
ألا في سبيل الحب من مات صبوة … ومن قتلته الغيد فهو شهيد
ولم تر عيني مثل أسماء حلة … تضنّ بوصلي والخيال يجود
وبتّ وجنح الليل مرخ سدوله … أضمّ غصون البان وهي تذود
إلى أن تبدّى الصبح غير مذمّم … وزال ظلام الليل وهو خميد
وكيف أذم الصبح أو لا أودّه … وإن ريع مودود به وودود
وكل صباح فيه للعين حظوة … بوجه رشيد الدين وهو سعيد
فقل لبني الصوري قد سدتم الورى … وما الناس إلا سيد ومسود
وما حزتم إرث العلى عن كلالة … كذلك آباء لكم وجدود
ومن بأبي المنصور أصبح لائذا … فقد قاربته بالنجاح سعود
فيا كعبة الآمال يا ديمة الندى … ويا من به روض الرجاء مجود
ومن عنده يوم السماحة حاتم … كما عند مدحي في علاه عبيد
أياديك عندي لا أقوم بشكرها … فما فوق ما أولت يداك مزيد
ولد سنة: ثلاث وتسعين وخمسمائة بصور، ونشأ بها، وتوفي بدمشق يوم الأحد غرة رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة (٣).
стр. 3952
ومنهم:
١٣٥ - سديد الدين بن رقيقة (١)، أبو الثناء، محمود بن عمر بن محمد بن إبراهيم، ابن شجاع الحانوي، الشيباني (١٣)
طبيب كان كالنسيم في لطف العلاج، والصباح الوسيم عند الانبلاج، وكان لا يبارى في خفة يد، ولعب أنامل في جد، مهما تقدم له مما تقدم به في ذوي الحظوظ، فما قاوى جدول تياره، ولا طاولت الحباحب (٢) ناره، وكان يستحق هذا من أيامه الذاهبة، وفي زمانه وعطايا إنعامه الواهبة.
ذكره ابن أبي أصيبعة فقال: " ذو النفس الفاضلة، والمروءة الكاملة، جمع من الطب ما فاق به أقوال المتقدمين، وتميز على جميع نظرائه من الحكماء والمتطبّبين، هذا مع الفطرة الفائقة، والألفاظ الرائقة، والنظم البليغ، والترسل البديع.
ولازم ابن عبد السلام المارديني (٣)، وأخذ عنه الطب والحكمة، وكانت لابن
стр. 3953
رقيقة يد طولى في الكحل والجراح، وعمل الحديد، وداوى أمراض العين، وقدح الماء النازل، وأنجب عمله، وكان المقدح الذي له مجوّفا، وله عطفة ليتمكن وقت القدح من امتصاص الماء، ويكون العلاج به أبلغ.
واشتغل بعلم النجوم، ونظر في حيل بني موسى، وعمل فيها أشياء مستظرفة.
ولد الحانوي (١) سنة أربع وستين وخمس مائة، وعالج صاحبها الأرتقي (٢) من مرض في عينيه، فرأى سريعا، وكان إذ ذاك دون العشرين، فاستخدمه عنده. ثم خدم المنصور صاحب "حماه" مدة، ثم سافر إلى "خلاط" (٣)، وكان صاحبها الأوحد أيوب ابن العادل (٤)، فخدمه، وخدم صهره صلاح الدين ابن باغيسان (٥)، وكان زوج ابنة الأوحد، وكانت بنت الأوحد محسنة إليه، ثم خدم بعده الأشرف ملكشاه أرمن، ثم أتى إليه إلى دمشق، فأكرمه، واستخدمه لحرم، وفي البيمارستان، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وست مائة.
وله شعر منه: [الكامل]
يا ملبسي بالنطق ثوب كرامة … ومكمّلي ودا به ومقوّمي
خذني إذا أجلي تناهى وانقضى … عمري على خطّ إليك مقوم
فقد اجتويت ثواي ثم ومن يكن … دار الغرور له محلا يسأم
стр. 3954
دار يغادر بؤسها وشقاءها … من حلّها وكأنه لم ينعم
لا ترتضي الدنيا الدنية موطنا … تعلى على رتب السواري الأنجم
فتشاهدي ما ليس تدرك كنهه … بالفكر أو يتوهم المتوهم
وتجاوري الأبرار في مستوطن … لا داثر البقيا ولا متهدم
يا أيها المغرور شبت ولم تعد … عما لهجت به ولم تتندّم
لا تحسبنّ الشيب فيك لعلّة … عرضت ولا لتلزج في البلغم
لكن شبابك كان شيطانا ومن … يك ماردا بالشهب حقا يرجم
والشيب إشراق الحجا وضياؤه … فأهن هواك وإن شيبك يكرم
يا جابر العظم الكسير وغافر … الجرم الكبير لكل عبد مجرم
ما لي إليك وسيلة وذريعة … أنجو بها إلا اعتقاد المسلم
وقوله: [الخفيف]
لا تكن ناظرا إلى قائل القو … ل بل انظر إليه ما ذا يقول
وخذ القول حين تلقيه معقو … لا ولو قاله غبي جهول
فنباح الكلاب مع خسة فيها … على منزل الكريم دليل
وكذاك النضار معدنه الأر … ض ولكنه الخطير الجليل
стр. 3955
ومنهم:
١٣٦ - صدقة بن منجا بن صدقة السامري (١٣)
رأس حكمة وأدب، وحلف همة لم يقصّر في دأب، لم يلف مثله سامريا، ولا مضطلعا سام ريا، ورد على الغمام حياضها، وراد في جنبات المجرة رياضها، طالما سهر الليالي الطوال، وأكثر في طلب العلم السؤال، إلى أن جمع على الفضائل ردنه، واتخذ كرم الفعائل خدنه، إلا أنه لم ينزع حب دينه، ولا جفا ما جفّ في طينه.
قال ابن أبي أصيبعة (١) فيه: "من الأكابر في صناعة الطب، والتميزين من أهلها، والأماثل من أربابها، وافر العلم، جيد الفهم، قويا في الفلسفة، وكان يدرس في الطب وله فيه وفي الحكمة تصانيف، وخدم الأشرف شاه أرمن، وكان يحترمه غاية الاحترام، ويكرمه كل الإكرام، ويعتمد عليه، وتوفي بحرّان فيما ينيف على سنة عشرين وستمائة، وخلّف مالا جزيلا، ولم يخلّف ولدا.
ومن كلامه قوله: " الصوم منع البدن [من الغذاء] وكف الحواس عن الخطاء، والجوارح عن الآثام، [وهو كف الجميع عما يلهي عن ذكر الله] (٢). "
стр. 3956
وقال: " [اعلم أن جميع الطاعات ترى إلا الصوم لا يراه إلا الله، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد]، واللصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وهو كف البطن والفرج. وصوم الخصوص، وهو كف السمع والبصر واللسان، وصوم خصوص الخصوص، فصوم القلب [عن الهمم الدنية]، والأفكار [الدنياوية] (١).
وقوله: "ما كان من الرطوبات الخارجة من الباطن ليس مستحيلا (٢) ولا له مقر فهو طاهر، كالدمع والعرق، واللعاب، والمخاط. وأما ما له مقر وهو مستحيل فهو نجس كالبول، والروث".
ومن شعره قوله [مخلع البسيط]
يا وارثا عن أب وجدّ … فضيلة الطب والسداد
وضامنا رد كل روح … همت عن الجسم بالبعاد
أقسم لو كان طب دهرا … لعاد كونا بلا فساد (٣)
وقوله: [السريع]
مهندس في طول أيامه … مع قصره يبتلع الساريه
مثلث يدعمه قائم … لأنه منفرج الزاويه
стр. 3957
ومنهم:
١٣٧ - المهذب يوسف بن أبي سعيد بن خلف السامري (١٣)
سامري لم يخفر ذمته، ولم تقصر في طلب العلياء همته، حتى دانى الغاية على قلة ناصريه، وكثرة حسّاده في معاصريه، ولم تزل العداوة تشب اللهب، وتجلل الرماد الذهب، فألصقت به العيوب، وخرّقت إليه أستار الغيوب، ولم تزل تزعزعه العواصف إلى أن زحزح، وتكشف غماره حتى صحصح.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "أتقن الطب والحكمة، واشتغل بعلم الأدب، وبلغ في الفضائل أعلى الرتب، وكان كثير الإحسان، غزير الامتنان، فاضل النفس، صائب الحدس، قرأ في الخدمة الصلاحية (٢)، على شمس الحكماء إبراهيم السامري، وعلى إسماعيل بن أبي الوقار الطبيب، وعلى أبي اليمن الكندي، والمهذّب ابن النقاش، وتميّز في الطب، واشتهر بحسن العلاج، وعالج ست الشام بنت أيوب من دوسنطاريا كبدية، بالكافور القيصوري (٣)، بحليب بزر بقلة محمصة، وشراب رمان، وصندل، فسارعها الدم، ثم لاطفها، حتى برأت.
وخدم فرخشاه بن أيوب، ثم خدم ابنه الملك الأمجد، وأقام عنده ببعلبك،
стр. 3958
وحظي عنده، وكان يستشيره، ويعتمد عليه، ثم استوزره، وحصّل بسببه الأموال.
وقال فيه فتيان (١): [المنسرح]
الملك الأمجد الذي شهدت … له جميع الملوك بالفضل
أصبح في السامري معتقدا … ما اعتقد السامري في العجل
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " ولم يزل المهذّب على علو منزلته، حتى كثرت الشكاوى من أقاربه السامرة، وما كثر منهم من العسف والظلم، وأكل الأموال، وإفساد الحريم، ولامت الملوك الملك الأمجد عليه، فقبضه، وقبض على أقاربه، واستصفى منهم أموالا كثيرة، واعتقله ثم أطلقه، فأتى دمشق، وأقام بها في داره.
ومن شعره قوله: [المجتث]
إن ساءني الدهر يوما … فإنه سرّ دهرا
وإن دهاني بمال … فقد تعوّضت أجرا
الله أغنى وأقنى … والحمد لله شكرا
ومنهم:
١٣٨ - أمين الدولة أبو الحسن بن غزال بن أبي سعيد السامري (١٣)
وزير الصالح إسماعيل. كان سامريا وأسلم، ولقب كمال الدين، وكان
стр. 3959
المهذب السامري عمه، وكان لا يطمع في معاضلته، ولا يقدر على مناضلته، إلا أنه قتل نفسه بحمقه، وتبرد بالنار من حرقه، ولم يزل منذ أخذ في الطلب يترقى ويبرّز بين المعامل ولا يتوقى، حتى تسنّم ذرى الوزارة، وغلط طيفها في غفلة الحلم وزاره، فتصدى للأموال حتى صادها، وأقام على الأعيان أرصادها، إلا أنها فرّت من شباكه، وأنفت أن تستقر في أملاكه، ثم كان آخر ما حمله عليه الهوج (١)، وطلب به استقامة حاله من العوج، أنه أقيم من الدست الذي لم يقدّمه أحد إلى صدره، ولا جزي به بعد طول الحبس على عاقبة صبره، ثم أخذ وشنق، وكان قد أبرم بيده حبل سعادته فخنق.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان له الذكاء الذي لا مزيد عليه، والعلم الذي لا يصل سواه إليه، والإنعام العام والإحسان التام، والهمم العالية، والآلاء المتوالية. قد بلغ من صناعة الطب إلى غاياتها، وانتهى إلى نهاياتها، وفاز بمحصولها، وأتقن علم فروعها وأصولها، حتى قلّ له المماثل، وقصر عن معانيه كل فاضل.
كان أولا عند الأمجد (٢) صاحب بعلبك طبيبا، فلما توفي بدمشق، استقلّ أمين الدولة بالوزارة العمادية، فساس أحسن السياسة، وبلغ في التدبير نهاية الرياسة، وثبت قواعد الملك، وأبّدها، ورفع مباني الفضل وأيدها، وجدّد معالم العلم والعلماء، وأوجد من الفضائل ما لم يكن لأحد من القدماء، ولم يزل عالي القدر نافذ الأمر، مطاع الكلمة، كثير العظمة، إلى أن ملك دمشق الملك الصالح أيوب، وجعل نائبه بها [معين الدين] ابن شيخ الشيوخ، وأعطى الصالح إسماعيل بعلبك، فانتقل إليها، وبقي وزيره بدمشق، وقد جمع له ولصاحبه أموالا عظيمة جدا، أخذها من أهل دمشق، بموافقة القاضي الرفيع الجيلي، فاتّفق
стр. 3960
ابن شيخ الشيوخ والصاحب ابن مطروح (١) على مكيدة عملت، وهو أنهما طلبا أمين الدولة، فلما أتى قاما له، وقالا له: إن أردت الإقامة بدمشق فابق على حالك، وإن أردت أن تلحق صاحبك فتقيم عنده فافعل. فقال: لا والله بل ألحق مخدومي، وأكون عنده. ثم إنه خرج بجميع أمواله وذخائره، وأحواله، وخواصّه، وجميع ما يملكه حتى أثاث بيته، وحصر دوره. فلما صار ظاهر دمشق بما معه قبض عليه وأخذ جميع ما كان قد جمعه، وأحيط على أملاكه، واعتقل، ثم حمل إلى القاهرة، فأودع السجن بقلعة الجبل مع جماعة أخر من الحاشية العمادية، فلما أتى الملك الناصر يوسف ابن العزيز من حلب إلى دمشق، وملكها، صار معه الصالح إسماعيل وسائر ملوك الشام، ثم توجه يريد مصر، فخرجت إليه عساكر المعز أيبك، وكان قد ملك بعد مولاه الصالح أيوب، فلما التقوا كانت الكسرة أولا على العسكر المصري، ثم دارت الدائرة لهم على العسكر الشامي، وقبض الصالح إسماعيل، وجماعة من الملوك والأمراء، وحبسوا بمصر، ثم أطلق بعضهم. وأما الصالح إسماعيل فكان آخر العهد به.
وحكي أن أمين الدولة لما سمع بما كان من ظهور العسكر الشامي على المصريين، على ما كان أولا وعد المتحدث في القلعة عند طلوع الملوك بمواعيد أطمعته، فأخرج من كان عنده وكانوا ثلاثة: أمين الدولة، وناصر الدين ابن يغمور، وأمير كردي (٢)، فقال الكردي: يا قوم، لا تستعجلوا واقعدوا مكانكم، فإن كان الأمر صحيحا، فأستاذنا يخرجنا، ويحسن إلينا، وإن كان غير صحيح، فقعودنا أصلح لنا.
فلم يلتفت أمين الدولة وابن يغمور إليه، وخرجوا، وتأخر هو، وقعد الوزير