عليك سلام الله يا دير من فتى … بمهجنه سوق إليك طويل!
ولا زال من نوء السّماكين وابل … عليك بما يروى ثراك هطول!
يعلّك منها برهة بعد برهة … سحاب بإحياء (١) الرياض كفيل!
إذا بل أرضا دمعه بان منظر … بها لعيون الناظرين جميل
كأنّ البروق الوامضات بجوه … صفائح تبر في السماء تجول
[٢٥٤] ألا ربّ ليل حالك قد صدعته … وليس معي غير الحسام خليل
ومشمولة أوقدت منها لصحبتي … مصابيح ما يخبو لهن فتيل
تعللني بالراح هيفاء غادة … يخال عليها للقلوب كفيل
تجول المنايا بينهنّ إذا غدت … ملاحظّها بين القلوب تجول
أيا ابنة قس الدير قلبي مدله … عليك وجسمي مذ بعدت عليل!
وفيه يقول أبو شاس (٢): [البسيط]
يا دير يونس جادت سرحك الدّيم … حتّى ترى ناضرا (٣) بالنور يبتسم!
لم يشف في ناجر ماء على ظمإ … كما شفى حر قلبي ماؤك الشبم
ولم يحلّك محزون به سقم … إلّا تحلّل عنه ذلك السّقم
أستغفر الله كم لي فيك ذو غنج … جرى عليّ به في ربعك القلم
стр. 422
ويقول أيضا (١): [الكامل المرفل]
لا تعدلن عن ابنة الكرم … بأبي ففيها صحّة الجسم!
لو لم يكن في شربها فرج … إلا تخلّص من يد الهمّ! (٢)
ويقول أيضا أبو شاس: (٣) [الوافر]
أعاذل ما على مثلي سبيل … وعذلك في المدامة مستحيل!
اليس مطيّتي حقوي غلام … ورحل أناملي كأس شمول؟
إذا كانت بنات الكرم شربي … وقبلة وجهي الوجه الجميل (٤)
أمنت بذين عاقبة الليالي … وهان علي ما نقل العذول!
دير بصرى (٥) هو بالشام. وقيل هو الذي كان فيه بحيرا، الراهب.
[٢٥٥] حكى المازنيّ، (٦) قال: نزلت بدير بصرى. فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب متنصّرة من طّيي، من بني الصادر. أفصح من رأيت. فقلت لهم: ما لي لا أرى فيكم شاعرا، مع فصاحتكم؟ فقالوا: والله! ما فينا رجل ينطق بالشعر، إلا أمة لنا كبيرة السّن. فقلت: جيؤوني بها. فجاءت، فاستنشدتها.
стр. 423
فأنشدتني لنفسها: (١) [الطويل]
أيا رفقة من آل بصرى تحمّلت … تؤمّ الحمى لقيت من رفقة رشدا!
إذا ما بلغتم سالمين فبلّغوا … تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا
وقولوا: تركنا الصادري (٢) مكبّلا … بكبل هوى من حبكم مضمرا وجدا
فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمى … وقد أنبتت أجراعه بقلا جعدا؟ (٣)
وهل أردنّ الدهر ماء وقيعة (٤) … كأن الصّبا تسدي على متنه بردا؟
فوهبت لها دريهمات. وبتّ في ديرهم وأكرموا ضيافتي.
دير الخمّان (٥): وهو دير ببلاد أذرعات (٦) مبني بالحجارة السّود، على نشز من الأرض. يشرف على بركة الفوار وهو من البناء الرومي القديم. أتيت عليه في أسفاري غير مرّة. ورأيت مرّة به غلاما قد خرج من كنيسته، كأنه الظبي الكانس. فقلت: [الكامل]
يادير عزّة في ربى الخمّان … ذرّت عليك السّحب بالهملان!
وسقتك كلّ غمامة هتّانة … تحنو مواطرها على الكثبان!
стр. 424
لم أنس في اللذّات ساعة منزل … برباك فوق صفائح الغدران!
والصبح تحت ملاءة مرقومة … نشرت عليه غرائب الألوان
وهناك كلّ كحيل طرف فاتر … تعزى لواحظه إلى الغزلان
قمر مسيحيّ كأنّ جبينه … بدر الدّجى في النصف من شعبان
[٢٥٦] في وجنتيه جنيّ ورد أحمر … قد سيّجوه بأخضر الرّيحان
ما شدّ زنّارا له في بيعة … إلا وحلّ عزائم الرّهبان!
يسقي الشّمول ولا كريقة ثغره … سكرى بها وبطرفه الفتّان!
دير صليبا (١): ويعرف بدير السائمة. وهو بدمشق، مطلّ على الغوطة.
ويليه من أبوابها، باب الفراديس. نزل دونه خالد بن الوليد، أيام محاصرة دمشق. وهو في موضع نزه، كثير البساتين. وبناؤه حسن عجيب. وإلى جانبه دير للنساء، فيه رهبان ورواهب. وإيّاه أراد جرير بقوله (٢): [البسيط]
إذا تذكّرت بالديرين أرّقني … صوت الدّجاج وقرع بالنواقيس
قال الخالدي: ومما يدلّ على أنه يلي باب الفراديس، قول جرير في هذا الشعر (٣):
فقلت للرّكب إذ جدّ النّجاء بهم … يا بعد يبرين من باب الفراديس!
стр. 425
وأنشد فيه قول الآخر، وهو (١): [البسيط]
يا دير باب الفراديس المهيج لي … بلابلا بقلاليه وأشجاره! (٢)
لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحا … لما قضى منك قلبي بعض أوطاره!
وحكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حرمه، استحسانا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مقامه فيه في صحنه كلّ يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبة حسنة.
وحكى الخالدي عن أحد من كان ينادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حنين، المغني. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حنين! غنيتني البارحة في آخر المجلس - وقد أخذ الشراب منّي - بشعر صاحبكم، عدي بن زيد (٣)، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده علي الساعة. قال: فأخذ حنين رقاقه ووقع عليها وغنّى: (٤) [المديد]
يا لبينى أوقدي النارا! … إنّ من تهوين قد حارا! (٥)
[٢٥٧] ربّ ناربتّ أرمقها … تقضم الهندي والغارا! (٦)
عندها ظبي يؤجّجها … عاقد في الخصر زنارا!
قال: فطرب طربا عظيما، وأخذ رقاقه، وقام وترك الغداء، وجعل ينقر عليها مع حنين. وأخذ كلّ من على المائدة رقاقه، وجعلوا ينقّرون عليها مثله. ومضى
стр. 426
يطلب باب الدهليز، وحنين والندماء حوله. والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه.
وقد حضر وجوه العرب. فلما رآه الحاجب على تلك الحال، صاح بالناس: الحرم! الحرم! انصرفوا! انصرفوا! فخرجوا. فقال له: يا أمير المؤمنين! وفود العرب تنتظر جلوسك، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال! فقال: ثكلتك أمّك! أدخل.
ودعا له برطل. فحلف أنه ماذاقه قط. فقال: والله! لتشربنّ معي حتّى أسكر.
ولم يزل يسقيه، حتى مات سكرا وانصرف محمولا.
قلت: وهذا الدير اليوم لا عين له ولا أثر، وإنّما صار دورا وأبنية ومساجد ومدافن. وهي بناحية محلة حمّام النحاس. والله أعلم: وبهذه المحلة داري التي بنيتها ومساكني وهنّئتها!
دير بونّا (١): وهو بجانب غوطة دمشق. ليس بكبير، ولا رهبانه بكثير.
ولكنّه في رياض مشرقة، وأنهار متدفّقة. ويقال إنه من أقدم ديرة النصارى. بني بعد المسيح ﵇ بقليل. واجتاز به الوليد بن يزيد، فرأى حسنه وطيبه. فأقام فيه أياما في تخرّق ومجون. وقال فيه: (٢) [الخفيف]
حبّذا يومنا بدير بونّا … حيث نسقى براحه ونغنّى!
стр. 427
واستهنا بالناس فيما يقولو … ن إذا خبروا بما قد فعلنا!
قلت: وهذا الدير لا وجود له. قد أقفرت الأرض منه من رسم وطلل، ومضى وحادث كل دير بعده جلل.
دير سمعان (١): قال الخالدي: هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة. على قطعة من الجبل، يطلّ عليها. وحوله بساتين وأنهار. وموضعه حسن جدّا. وهو من كبار الديرة. وعنده دفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قلت: وهذا غلط من الخالدي. وهكذا ذكره أبو الفرج. وغلط أيضا. فإنّ هذا الدير في قرية تعرف بالبقرة، من قبلي معرّة النعمان. وبه قبر عمر بن عبد العزيز، مشهور لا ينكر (٢). وليس يسمع بدمشق لهذا الدير نابسة، ولا يعرف لمكانه في غوطته خضراء ولا يابسة.
عدنا إلى ما ذكره الخالدي. قال: ذكروا أنه دخله جرير في يوم عيد. فرأى النساء والصبيان يقبّلون الصلب ويسجدون لها، فقال: (٣) [الوافر]
رأيت بدير سمعان صليبا … تقبله الشّوادن والظّباء
стр. 428
تعظّمه القسوس وتحتويه … فترشفه ويخنقها البكاء
فقلت لهم: مه! هل غير عود … تملّكه اعوجاج واستواء؟
وذكر أن الوليد بن يزيد خرج متنزّها فيه. فأقام يصطبح ويغتبق معه ندماؤه ومغنّوه. فخرج يوما، غبّ سحاب. فنظر في صحن الدير غدران ماء، فاستحسنها. فنزل على أكبرها وأكثرها ماء. وقال: والله! لا أبرح حتّى أشرب هذا كله، مزاجا لكأسي. وشرب حتّى نام. فقال بعض أصحابه لبعض: لئن أقام حتى يفني الغدير، طال علينا مقامنا. فجعلوا يحملون ماءه بالليل ويصبّونه في الرمال. فخرج بعد يومين أو ثلاثة، فنظر إليه وقد فني ماؤه. فقال: أنا أبو العباس! وأمر بالرحيل إلى دمشق. ومما سمعته من والدي، لأحمد بن هلال، في صفة دير سمعان، مما مدح السيّد الرضي عمر بن عبد العزيز (١) [الخفيف]
يا ابن عبد العزيز لو بكت العي … ن فتى من أميّة، لبكيتك!
أنت نزّهتنا عن السبّ والشّت … م! فلو يمكن الجزا، لجزيتك!
قبر سمعان، لاعدتك الغوادي! … خير ميت من آل مروان ميتك!
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ تسبّب في إبطال السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وأثبت في الخطبة، موضع السبّ، ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي اَلْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ اَلْفَحْشاءِ وَاَلْمُنْكَرِ وَاَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]
وقد ذكر أبو الفرج (٢) أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يطرفه بها في مرضه. فقبلها منه، وأمر له بدراهم. فأبى أن يأخذها. فما
стр. 429
زال حتّى أخذها. وقال: يا أمير المؤمنين! إنما هي من ثمر شجرنا. فقال عمر ﵀ وإن كان من ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إني ميت من مرضي هذا. فحزن وبكى. ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنة [٢٥٩]، فإذا جاء الحول، فانتفع به. وهذا الذي حكاه أبو الفرج مؤكد لقولنا.
دير مرّان (١): وهو بالقرب من دمشق، على تل في سفح قاسيون وبناؤه بالجصّ الأبيض. وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليّه دائرة به. وأشجاره متراكبة. وماؤه يتدفّق.
وحكي عن المبرد أنه قال (٢): وافيت الشام - وأنا حدث في جماعة أحداث - لأكتب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزت بدير مرّان (٣). فأحببت النظر إليه. فصعدناه، فرأيت منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة. فدنونا منه وسلّمنا عليه فردّ السّلام. وقال: من
стр. 430
أين أنتم، يافتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي! ما الذي أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه، الثقيل ماؤه، الجفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال:
حبّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا: فقال: [الكامل المرفل]
الله يعلم أنّنى كمد … لا أستطيع أبثّ ما أجد!
روحان لي: روح تقسّمها … بلد وأخرى حازها بلد!
وأرى المقيمة ليس ينفعها … صبر وليس يصونها جلد!
وأظنّ غائبتي كشاهدتي … بمكانها تجد الذي أجد!
ثم أغمي عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال: [البسيط]
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم … ورحّلوا (١) فتنادت بالهوى الإبل
وأبرزت من خلال السّجف ناظرها … يرنو إليّ ودمع العين منهمل
فودّعت ببنان حمله عنم (٢) … فقلت: لا حملت رجلاك! يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها … من بارح الوجد! حلّ البين فارتحلوا!
إنّي على العهد لم أنقض مودّتهم! … فليت شعري، لطول العهد ما فعلوا!
[٢٦٠] فقال له فتى من المجّان الذين كانوا معي: ماتوا. قال: فأموت؟ فقال له: مت. فتمطّى وتمدّد. وما برحنا حتّى دفنّاه. وللصنوبري فيه، من شعر يقوله: (٣) [البسيط]
أمرّ بدير مرّان فأحيا … وأجعل بيت لهوي بيت لهيا
стр. 431
صفت دنيا دمشق لمصطفيها (١) … فليس يريد غير دمشق دنيا!
مظلّلة فواكههن أبهى … وأنضر في نواظرنا وأهيا!
فمن تفّاحة لم تعد خدّا … ومن رمانة لم تعد ثديا!
وقد ذكره أبو الفرج وقال (٢): هو على تلعة مشرفة على زعفران ورياض حسان، نزله الرشيد وشرب فيه ونزله المأمون بعده. وكان الحسين بن الضحّاك مع الرشيد، لما نزله، فأمره أن يقول فيه شعرا، فقال (٣): [البسيط]
يا دير مرّان، لا عرّيت من سكن! … قد هجت لي حزنا، يا دير مرّانا!
حثّ المدام فإن الكاس مترعة … مما يهيج دواعي الشوق أحيانا!
وأمر عمرو بن بانة، فغنّى فيه لحنين.
وحكي عن إبراهيم الموصلي أنه قال (٤): مرّ الرشيد بدير مرّان فاستحسنه ونزله. وأمر أن يؤتى بطعام خفيف. فأتي به، فأكل؛ وأتي بالشراب والندماء والمغنّين. فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبير هرم. فوقف بين يديه، ودعا له، واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات. فأذن له فأتاه بأطعمة نظاف، وإدام في نهاية الحسن والطّيب. فأكل منها أكثر أكل. وأمره بالجلوس، فجلس معه يحدثه، وهو يشرب. إلى أن جرى ذكر بنى أميّة، فقال له الرشيد:
هل نزل بك أحد منهم؟ قال: نعم. نزل بي الوليد بن يزيد، وأخوه الغمر.
стр. 432
فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغنّيا. فلما دبّ فيهما السكر، وثب الوليد إلى ذلك الجرن فملأه وشربه، وملأه وسقى أخاه [٢٦١] الغمر. فما زالا يتعاطيانه، حتى سكرا، وملآه لي دراهم. فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يقلّه، ولا يقدر على أن يشرب ملأه. فقال: أبى بنو أميّة إلا أن يسبقوا إلى اللذات سبقا لا يجاريهم أحد فيه. ثم أمر برفع النبيذ، وركب من وقته.
قلت: والناس في اختلاف: أين كان دير مرّان؟ فمن قائل إنه كان بمشارق السّفح، نواحي برزة. والأكثر على أنه كان بمغاربه، وأن مكانه الآن المدرسة المعظمية؛ وأما الذي كان بمشارق السّفح، فهو دير السائمة المسمّى دير صليبا.
وقد ذكرناه.
دير صيدنايا (١): وهما اثنان: أحدهما يقصده النصارى بالزيارة. هو في دمنة القرية. والآخر على بعد منها، مشرف على الجبل، شماليّها بشرق. وهو دير مار شربين ويقصد للتنزه. من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض. وهو دير كبير. وفي ظاهره عين ماء سارحه. وفيه كوى وطاقات تشرف على غوطة دمشق وما يليها، من قبليّها وشرقها. وفيها ما يطلّ على بواطن ما وراء ثنيّة العقاب.
ويمتدّ النظر من طاقاته الشماليّة إلى ما أخذ شمالا عن بعلبك.
وأما الذي في القرية (٢)، فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضا. ويعرف بدير
стр. 433
السيدة. وله بستان. وبه ماء جار، في بركة عملت به. وعليه أوقاف كثيرة. وله مغلات واسعة. وتأتيه نذور وافرة. وطوائف النصارى، من الفرنج. تقصد هذا الدير وتأتيه للزيارة.
وكنت أراهم يسألون السلطان في أن يمكنهم من زيارته. وإذا كتب لهم زيارة قمامة ولم يكتب معها صيدنايا، يعاودون السؤال في كتابتها لهم. ولهم فيها معتقد.
والنصارى تزعم أنّ بها صدعا يقطر منه ماء، يأخذونه للتبرك. ويدعونه في أوان لطاف من الزّجاج، ويكسونها من فاخر الثياب. ولهم فيه أقوال كثيرة.
وسمعت نصرانية، كانت معروفة بينهم بالعلم، تقول: إن ذلك الماء إذا أخذ على اسم شخص وعلّق في بيته ثم ازداد مقداره عنده عما أخذه، دل على زيادة ماله وجاهه؛ [٢٦٢] وإذا نقص، دلّ على نقص ماله وجاهه وقرب أوان موته.
ورأيت هذا الماء، وله دهنيّة تشبه الشّيرج أو الزيت الصافي، وليس بهما وجاءت مرّة كتب ريدفرنس (١) وكتب الأذفونش (٢) على أيدي رسلهم. ومما سألوا فيها تمكين رسلهم من التوجه إلى صيدنايا للتبرك بها. فأجاب السلطان سؤالهم وحمل الرسل على خيل البريد إليها.
ومما قلته فيه: [السريع]
في جانب الدّير لنا منزل … ومنهل عذب به ننّهل
وشادن قد جاءنا أحور … في كفّه كأس له تشعل
وروضة تشرق أنهارها … قد شقّها في وسطها جدول
стр. 434
ومطرب تطرب ألحانه … كأنّه إسحاق أو زلزل
فدونك الراح ففي دنّها … شهد في الطّعم بها فلفل
وافى بها في الكأس لكنّها … عذراء من خطّابها تخجل
دير شقّ معلولا (١): وهو بباطن جبّة عسّال. وهو بناء روميّ بالحجر الأبيض.
معلّق بسقيف. وبها صدع فيه ماء ينقط، نحو الذي بصيدنايا. ويأخذه النصارى للتبرك، معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر. وإنّما الاسم للذي بصيدنايا.
دير بلودان (٢): وبناؤه قديم بديع الحسن. وافر الغلّة، كثير الكروم والفواكه
والماء الجاري. بقرية بلودان (٢). وهي محاذية لكفر عامر، تطلّ من مشترفها على جنّة الزّبدانيّ، ببلاد دمشق. وبه رهبان نظاف، وغلمان من أبناء النصارى ظراف.
مررت عليه، ونزلت إليه. ورأيت به غلاما يفوق الظبي حسنا، ويشبه البدر
стр. 435
أو أسنى. بخصر نحيل، وطرف كحيل. قد قطع الزنار بين خصره وردفه، ونفث السحر بين جفنه وطرفه. ثم ما كان بأعجل مما استتر بدره، ولاح ثم خفي فجره.
فقلت فيه: [الخفيف]
حبّذا الدير من بلودان دارا … أيّ دير به وأيّ نصارى!
فيهم كلّ أحور الطرف أحوى … فائق الحسن في حياء العذارى!
وغلام رأيته كهلال … مابدا للعيون حتّى توارى!
بقوام إذا تمايل نشوا … نا فألحاظ مقلتيه سكارى!
ناحل الخصر حلّ عقد اصطباري … عند ما شدّ خصره الزّنارا!
قبل رؤياه ما رأيت غزالا … بات يسقي من مرشفيه العقارا!
دير نجران (١): وهو باليمن [٢٦٣]. وتسميه العرب كعبة نجران. وهو لبني الحارث بن كعب. وسيأتي ذكره في موضعه. ويقال إن بناءه أعجب بناء وأحسنه. على نحو عمارة غمدان، القصر المشهور. كان محجوجا. وبه الراهبان اللذان ذكرهما بعض شعراء العرب، في قوله (٢): [الطويل]
أيا راهبي نجران، ما فعلت هند؟ … أقامت على عهدي؟ وأنّى لها عهد؟ (٣)
стр. 436
إذا بعد المشتاق، رثت حباله … وما كل مشتاق يغيره البعد!
ولهذين البيتين غناء حسن.
وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني وقال (١): إنه كان لآل عبد المدان، سادة بني الحارث. قال: وكان أهل ثلاثة بيوت من اليمن نصارى، يتبارون في البيع وزيها وحسن بنائها: آل المنذر بالحيرة، وغسان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران، فتكون دياراتهم في المواضع الكثيرة الشجر والرياض والغدران، الشامخة البناء.
ويجعلون آلاتها من الذهب والفضّة، وستورها من الديباج. ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب. وكان بنو الحارث على ذلك، إلى أن جاء الإسلام وفي كعبتهم هذه قال الأعشى (٢): [المتقارب]
وكعبة نجران حتم علي … ك حتّى تناخي بأبوابها!
نزور يزيد وعبد المسيح … وقيسا، وهم خير أربابها!
إذا الحبرات تلوّت بهم … وجرّوا أسافل هدّابها،
وشاهدنا الجل (٣) والياسمي … ن والمسمعات بقصّابها (٤)
وبربطنا (٥) معمل دائب … فأيّ الثلاثة أزرى بها؟
قال: وفي هذا الشعر غناء حسن أخذه جحظة عن بنان. ولهذا الدير أخبار كثيرة، ليس هذا مكانها.
стр. 437
بيعة أبي هور (١): وهي بسر ياقوس (٢). عامرة برهبانها، مسربة بفضة قناديلها وذهب صلبانها. كثيرة القلالي، مذهبة بالوقود جنح اللبالي. ولها أعياد مقصودة الأوقات، منتظرة الميقات.
حكى الشابشتي أن به - على ما ذكره أهله أعجوبة [٢٦٤]. وهي أنه من كانت به خنازير وقصد هذه البيعة للمعالجة، أخذه رئيسها وأضجعه. وجاءه بخنزير وأرسله على موضع العلة. فيلحس الخنزير موضع الوجع جميعه، ويأكل الخنازير التي فيه، لا يتعدّى ذلك إلى الموضع الصحيح. فإذا نظف الموضع، ذر عليه من رماد خنزير فعل مثل فعل الأوّل من قبل، ومن زيت قنديل البيعة فيبرأ. ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيذبح، ويحرق، ويعدّ رماده لمثل هذه الحالة.
وقال: وهو إلى الآن كذلك، كما ذكروه. قال: ولهذه البيعة دخل عظيم ممن يبرأ من هذه العلة. وفيه خلق من النصارى.
دير يحنس (٣): وهو بسنهور (٤)، من أعمال مصر. وهو عامر برهبانه، ناضر بسكّانه. قال الشابشتي: وقد ذكر بعض المتقدّمين أنه إذا كان يوم عيده، أخرج الرئيس الذي في الدير الشاهد في تابوته. ويسير التابوت على وجه الأرض، فلا يقدر أحد يمسكه، ولا يحبسه، حتى يرد البحر فيغطس فيه، ويرجع إلى مكانه.
стр. 438
وقال: كذلك قول المتقدّمين على أنه على هذه الحالة.
قلت: وهذه حكاية مكذوبة، لا صحة لها.
وإنّما الذي بلغني، وأنا بمصر تلك المدد الطويلة، أنه إذا كان أوان تحرّك النيل، يخرج تابوت، يقال إن فيه إصبع الشهيد، ويرمى في البحر. وذلك لوقت معلوم، يسمونه عيد الشهيد. ويكون الذي يرميه بعض أعزّاء كبراء القبط. عادة كنت أسمعها، لا تتغير. ويظنّ القبط أن رمي الإصبع سبب الزيادة. وإنّما هو بمشيئة الله وقدرته.
دير مريحنّا (١): وهو على شاطئ بركة الحبش. قريب البحر، إلى جانب بساتين الوزير. وهي التي أنشأ بعضها تميم بن المعزّ وأنشأ به مجلسا على عمد.
وقريب هذا الدير عين ذهبت بها الرمال.
قال الشابشتي (٢): وهذا الموضع من معادن اللّعب والشّرب والطرب، نزه في أيّام النيل، وزيادة البحر، وامتلاء البركة. وكذلك هو في أيام الزرع. لا يكاد يخلو من المتنزهين. وقد ذكرته الشعراء. وفيه قال ابن عاصم: (٣) [الكامل]
стр. 439
يا طيب أيام سفحت مع الصبا … طوع الهوى فيها بسفح المنظر! [٢٦٥]
فالبركة الغناء فالدير الذي … قد هاج فرط صبابتي وتفكّري
فاحثث كؤوسك يا غلام وأعفني … فلقد سكرت وخمر طرفك مسكري
وأرى الثريّا في السماء كأنّها … تاج تفصّل جانباه بجوهر
فاشرب على حسن الرياض وغنني … وانظر إلى الساقي الأغن الأحور
فلعلّ أيّام الحياة قليلة … ولعلّني قدّرت ما لم يقدر
دير نهيا (١): ونهيا بالجيزة، وديرها هذا من أطيبها موضعا، وأجلها موقعا.
عامر برهبانه وسكّانه.
وله في النيل منظر عجب، لأنّ الماء يحيط به من جميع جهاته، ويزيد في حسن متنزّهاته. فإذا تصرّف الماء [وزرع] (٢) أظهرت أرضه غرائب النّوّار، وعجائب الزهور المشرقة الأنوار. وله خليج ينساب انسياب أرقم، وعليه شطوط كأنّها بالديباج ترقم.
وقال الشابشتي: وهو متصيّد ممتنع (٣). وأنشد فيه لابن البصري (٤): [المتقارب]
стр. 440
أتنشط للشّرب يا سيدي … فيومك هذا دقيق الدّروز؟
فعندي لك اليوم مشويتان … سرقتهما من دجاج العجوز!
أتنشط عندي على نبقتين … على لوزتين، على قطر ميز؟
ونقصد نهيا وديرا لها … به منبت الورد والمرمحوز؟
ونشرب فيها برطل وجام … وطاس وكأس وكوب وكوز؟
فعندي خشف رخيم الدّلال … نشا في النّعيم ولبس الخزوز!
دير القصير (١): هو في أعلى الجبل، على سطح قنيّة من بلاد الفتح (٢). وهو حسن البناء، نزه البقعة. وله بئر منقورة في الحجر.
وفي أعلاه غرفة بناها خمارويه بن طولون، تطلّ من كل جهة. وكان كثير الغشيان لهذا الدير. [٢٦٦]
والطريق إليه من جهة مصر صعب، ومن قبليّه سهل.
وإلى جانبه صومعة، لا تخلو من حبيس.
وإلى جانبه قرية تعرف بشهران. يقال إن أمّ موسى ﵇ منها ألقته
стр. 441
في التابوت، في البحر.
وبها دير آخر يعرف بدير شهران. وهو المعروف الآن بشعران (١).
قال الشابشتي: ودير القصير أحد الديارات المقصودة، والمتنزهات المطروقة:
لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها. وفيه يقول محمد بن عاصم المصري (٢): [الخفيف]
إن دير القصير هاج ادكاري … لهو أبامنا الحسان القصار
وكأني إذ زرته بعد هجر … لم يكن من منازلي ودياري
إذ صعودي على الجياد إليه … وانحداري في المنشآت الجواري (٣)
منزلا لست محصيا ما بقلبي … ولنفسي فيه من الأوطار!
منزلا من علوّه كسماء … والمصابيح حوله كالدراري
كم شربنا على التّصاوير فيه … بصغار محثوثة وكبار
صورة من مصور فيه ظلّت … فتنة للقلوب والأبصار
لا وحسن العينين والشفة اللم … ياء منها وخدها الجلناري
لا تخلّفت عن مزاري ديرا … هي فيه، ولو نأى بي مزاري
فسقى الله أرض حلوان فالنج … د (٤) فدير القصير صوب العشار
كم تنبهت من لذاذة نومي … بنعير الرّهبان في الأسحار
стр. 442
والنواقيس صائحات تنادي: … حيّ يا نائما علي الابتكار!
وقال ابن ظافر (١): مضيت أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين (يعني ابن مجاور) والقاضي الأعز بن المؤيد (٢) في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير إيثارا لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره تعاطينا العمل فيه على عادة الشعراء الذين قطعوا طريق الأعمار، بطروق الأعمار، وضيّعوا العين والعقار، في تحصيل العين والعقار. فقال الشهاب: [المتقارب]
سقى الله يومي بدير القصير … قصير العزالي طويل الذّيول!
محلّ (٣) إذا لاح [لي] (٤) لم أقف … بصحبي على حومل فالدّخول
فقلت:
فكم فيه من قمر في دجىّ … على غصن في كثيب مهيل!
بودّ صحيح وطرف سقيم (٥) … وروح خفيف وردف ثقيل!
فقال الأعزّ:
قطعت به العيش مع فتية … صباح الوجوه كرام الأصول!
بكلّ كريم قصير المرا … ء حاز الّمعالي بباع طويل!
стр. 443
فقال الشهاب:
إذا قسّه سلّ سيف المدام … فكم من سليب وكم من قتيل!
فقال الأعزّ:
وكم من خليع كريم الفعال … يجدّد بالجود غيظ البخيل!
فقلت:
يوافيه ذا ذهب جامد … فيفنيه في ذائب للشّمول
ثم صنع الشهاب (١): [الوافر]
على عمر القصير قطعت (٢) عمري … وصنت خلاعتي وأرلت وفري!
فقال الأعزّ:
ولم أسمع لعمرك (٣) قول زيد … إذا ما لامني أو قول عمرو
فقلت:
ظفرنا فيه من شفة وكأس … بمشروبين: من ريق وخمر
فقال الشهاب:
ودافعنا يقين الرأي (٤) فيه … بمظنونين: من خمر وخصر
فقال الأعزّ:
كسوت به الكؤوس البيض حمرا … من القمص (٥) اشتريناها بصفر
стр. 444
فقلت:
وظلت بمأزق للهو أتلو … بهزّ البيض فيه عناق سمر!
دير شعران (١): هو في حدود طرا، من ضواحي القاهرة القبليّة، في لحف الجبل الأحمر، المعروف بالمقطّم. وبناؤه بالحجر واللّبن. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان. وهو من ديارات اليعاقبة.
حكي أن السّراج الورّاق (٢) مرّ عليه [٢٦٧]، فنزل به. فرأى به جماعة من أودّائه على راح. تقدح لهم أقداحها، وتهدى إليهم أفراحها. وكان السراج قد طفئت فتيلته من شعلة ذلك اللّهب، ونكرت قافيته صفرة ذاك الذهب. فأتاه بها الساقي فردّها، وواصلته في الكاس فصدّها. هذا حين نكّس الكبر صعدته، وأنفد العمر مدّته. وذكر بجلسائها فقد إخوانه، وذهاب زمانه. فلامه من حضر إذ صدّ الكاس، وقال: أمالك أسوة بهؤلاء الجلّاس؟ فقال: [الرمل]
عجب الساقي لردّي القدحا … ولأمر في التّصابي قدحا!
وأتانا بحميّا كأسه … حيث جئنا دير شعران ضحى
стр. 445
قلت: باقرة عيني ربما … غض طرف بعد ما قد طمحا!
لم أكن أول ولهان سلا … لا ولا أول نشوان صحب!
أشرب الراح أرجى فرحا … فيستبح الحظ منها ترحا!
سوء حظي لو رمى الصبح دجا … أو رمى ليل عدار وصحا!
وخمول منطق بالشنم لي … من أرى دهرى له ممندحا؟
زاد في سبي إلى أن خلته … شهد الله به قد سبحا!
أنا ما ذنبي لحا الله امرأ … لام في التوبة مستلي ولحا!
يا نديمي أنت للرّاح فدعني … أنزح الدمع إلى أن ينزحا!
هي أوقات وكلّ آخذ … من صفا أوقاته ما سمحا!
حكى أن السّراج الوراق وأبا الحسين الجزار (١) خرجا في عهد صباهما، والشباب أعقد حباهما، يريدان النزهة. فوجدا غلاما زامرا، يتمنّى منه اللقاء، ويجتمع فيه الغصن والورقاء. يتلفّت بصفحة القمر المنير، ويطرب كأنما زمره مما أوتى [٢٦٨] آل داود من المزامير. فلفتاه إليهما لأمر، وظنّا أنه ستلينه لهما الخمر. فأتيا به دير شعران، وصعدا إليه، فوجدا راهبا يصدع حبّه الفؤاد، ويطلع قمره ولا شيء أحسن منه في ذلك السواد. فزاد سرورهما بحصول الزامر والراهب، وأيقنا ببلوغ المآرب. فلما حميت فيهما سورة الحميّا، وظن كلّ منهما أنه قد حصّل له فراشه وتهيّا، فطن الزامر والراهب لمرادهما فتركاهما ومضيا قبل
стр. 446
التمام، وتركاهما وكلّ واحد منها يشكو ضجيعا لا ينام. فقال السراج: [السريع]
في فخّنا لم يقع الطائر … لا راهب الدير ولا الزامر
فقال أبو الحسين الجزار:
فسعدنا ليس له أول … ونحسنا ليس له آخر!
فقال السراج:
فالقلب في إثرهما هائم،
فقال الجزار:
والقلب من أجلهما حائر
وحكي أن السّراج الورّاق كان يغشى راهبا بدير شعران وافر العقل، كامل الفضل. فخرج إليه في جماعة من أهل الأدب وشعبان قد بقي على أقلّ من نصفه، وبدره قد أخذ يتقهقر إلى خلفه. وشهر رمضان قد آن له أن تغلّ فيه شياطين الأنام، ويختم فيه على الأفواه بالصيام. فألفوا الراهب وقد لبس مسحه وساح، وعزل الدير فما هبّت فيه رائحة راح. فلما رأوا أن دين رمضان قد حان حلول أجله، وأنّ وجه الدير الوقاح ما دبّت فيه من الخمر حمرة خجله، خافوا أن يأتي الصيام، وما تشعشع سوى قنديل سحوره الذي بان. ولا ملك مدام يأتي منه أوائل ورد في أواخر شعبان.
فندب السّراج إليه راهبا من شباب الدير ليتبعه، وكتب معه: [الخفيف]
أبلغ الفاضل الرئيس السّلاما … شقّ عن زهره الصباح كماما
قل له: أيّها الحكيم الذي في … دين عيسى قد برهن الأحكاما
[٢٦٩] كم رقبناك كالهلال إلى أن … لحت للناظرين بدرا تماما!
يا أبا الملّة المسيحيّة ارحم … معشرا مذ ظعنت عنهم يتامى
فطموا من رضاع كأس الحميّا … وهي أنكى للمرضعين فطاما
стр. 447
واستحلّوا وضع الصليب عن الرا … ووق من بعد حمله أعواما!
عدموا راحة النّفوس من الرا … ح، فدارك بالأنفس الأجساما!
وأطالوا حبس المدامة في الدّ … نّ ويكفي حبس المدامة عاما!
ودعا الديك للصّبوح فهبّوا … كالمحبّين لا يعون الملاما!
فاسقهم من سلافة تطرد اله … مّ وعجّل لهم بذاك اهتماما!
وعسى قائل يقول لحظّي … ونصيبي: أطلت في ذا الكلاما!
كذب المدّعي وآخر شعبا … ن يناديني الصيام الصّياما
دير البغل (١). هو شمالي دير شعران. وبناؤه مثل بنائه في لحف جبل المقطّم وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان اليعاقبة.
قالو: وسمّى بدير البغل لأنه كان به بغل لسقي الماء، تعوّد هذا وألفه.
وكانوا إذا أطلقوه، أتى مورد الماء، وهناك من يملأ عليه. فإذا حمله أتى الدير بالماء.
خرج إليه السّراج الورّاق مع أبي المفضّل بن العسّال في جماعة من أهله.
وأقاموا به أياما في لهو يجرّون أعطاف الزّهو. وكان بالدير غلام لا يتعدّاه أمل المقترح، ولا يحاكي ذوابل عيونه إلا النرجس المتفتح. فألفه السراج الورّاق وهو إلى وصل منه محتاج. فلما عادوا، قال السراج يذكر أيامه ويمدح أبا المفضّل، ويذكر شيئا كان عليه به قد تفضّل: [البسيط]
أجناك من عارض في خدّه لاحا … ريحانة جاورت من ريقه راحا
стр. 448
وما كفاه الشّذا المسكيّ بينهما … حتى جلا من خضيب الخد تفّاحا
[٢٧٠] عيني رأته بدير البغل في ملإ … قد قام فيهم مع الأسحار نوّاحا
مقرطق ترك النّدمان من يده … صرعى وقد حثّ أقداحا وأقداحا.
عاطيته كأسها والشهب ما جنحت … إلى مغاربها والديك ما صاحا
والنّجم حيران لولا ما رفعت له … من كأسها تحت جنح الليل مصباحا
حتى إذا أدنت الصّهباء خطوته … ورحلت يده عن راحه الراحا
وبات طوعى فلم أزدد على قبل … إذ لا أبيت لباب العار فتّاحا
أغالب النفس عمّا تشتهي كرما … جدّا فلا تحسبني ثمّ مزاحا
وقد يروقك لفظي الحلو لا سيما … إذا لقيت بني العسّال مداحا
القوم جادوا ولم أسأل، وهم منحوا … وما غشيتهم والله ممتاحا!
وشاد مجدهم بيتا يبيت له … طرف المجرّة مما طال طمّاحا!
من كلّ أزهر لولا في تطلّعه … مطالع الصّبح! زاد الصبح إيضاحا،
صحبتهم نحو دير البغل مطلبنا … صهباء جرّت بطوق الليل فانزاحا
أبا المفضّل، لم أبلغ مداك ولو … طارحت في مذهب الشعر الطّرماّحا!
إن رمت إخفاء ما تعطي فقد نطق ال … معروف عنك بما تخفي وقد باحا!
لا تبغ للجود كتمانا فتظلمه … إنا رأينا نسيم الجود فيّاحا!
دير طمويه (١): ويعرف المكان الآن بطمّوه (٢)، وهو في الجانب الغربيّ، بإزاء
стр. 449
حلوان. والدير راكب على البحر. تحفّ به الكروم والبساتين والأشجار. وهو عامر الأوطان. آهل بالرهبان. وحين تخضر الأرض يكون بين بساطين من البحر والزرع.
قال الشابشتي (١): وهو من المتنزهات المذكورة، والمواضع الموصوفة. وأنشد فيه لابن عاصم قوله (٢): [البسيط]
وأشرب بطمويه من صهباء صافية … تزري (٣) بخمر قرى هيت وعانات!
[٢٧١] على رياض من النّوار زاهية … تجري الجداول منها بين جنّات!
منازلا كنت مشغوفا بها كلفا … وكنّ قدما مواخيري وحاناتي
إذا لا أزال ملحّا بالصّبوح على … ضرب النواقيس صبّا بالديارات
كنيسة الطّور (٤): قال الشابشتي: وهذا الطّور هو طور سينا، الذي صعق عليه موسى، ﵇. والكنيسة في أعلى الجبل. مبنيّة بحجر أسود. عرض حصنه سبعة أذرع. وله ثلاثة أبواب من الحديد. وفي غربيّه باب لطيف. وقدّامه حجر لقيم (٥). إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإذا قصدهم متغلب أرسلوه، فانطبق. فلا
стр. 450
يعرف أحد مكان الباب. وداخلها عين ماء، وخارجها عين أخرى.
قال (١): زعم النصارى أن بها من أنواع النار الحديدة (٢) التي كانت ببيت المقدس: يقدون منها في كل عشيّة السراج. وهي بيضاء ضعيفة الحرّ، لا تحرق.
ثم تقوى إذا هم أرادوا أن يوقدوا منها.
وهو عامر بالرهبان. فلا يخلو من أحد من أهل البطالات للتفرّج فيه والتبرّك - على رأيهم - به.
وهو من الديارات الموصوفة والأماكن المقصودة. ومما وصفه ابن عاصم. قال فيه: (٣) [البسيط]
يا راهب الدّير، ماذا الضوء والنّور … فقد أضاء بما في ديرك الطّور؟
هل حلّت الشمس فيه دون أبرجها … أو غيّب البدر عنه فهو مستور؟
فقال: ما حلّه شمس ولا قمر، … لكن يقرّب فيه اليوم قوريرا!
دير طرّا (٤): وموقعه قبلي القرافة ومصر. يلى بركة الحبش، وبساتين الوزير.
يقصده أهل مصر للفرجة والتنزه. ويؤتى إليه على ظهر البرّ والنيل. وله إشراف على النيل،. ولا يخلو من قصف وشرب. ولأمراء الديار المصرية إليه إفضاء في الفضاء ومنتهى الركوب. وفيه أقول: [مجزوء الرجز]
стр. 451
يوم طرا وديرها … وما أتى من حيرها
وأبيض من يومها … وأحمر من ميرها
مدامة تسري بنا … مجدة في سيرها
[٢٧٢] لم أنس هيف نخلها … ويومنا في حيرها
وأكلنا من حوتها … ووحشها وطيرها
هذا إلى فاتنة … مليحة في ديرها
فلا تقل لي: غيرها … ما أربي في غيرها!
стр. 452
الديارات السبع (١)
وهي في الوجه البحري، وهو سفليّ ديار مصر. ممتدّة غربا على جانب البرّيّة القاطعة بين بلاد البحيرة والفيّوم.
مررنا على بعضها في الصحبة الشريفة الناصريّة. وهي في رمال منقطعة، وسباخ مالحة، وبرار معطشة، وقفار مهلكة. وشرب سكّانها من جفارات لهم.
وهم في غاية من قشف العيش وشظف القوت.
ويحمل النصارى إليهم جلائل النذور والقرابين، وتخصهم بكرائم التّحف.
ويتّخذ كتبة القبط وخدم السلطان منهم خاصة، أيادي معهم، ليكونوا لهم ملجأ من الدولة، إذا جارت عليهم صروفها.
ولم أعلم فيها (٢) أخبارا فأذكرها ولا أشعارا فأطرف بها. وإنما ذكرتها لشهرة اسمها وبعد صيتها.
الدير الأبيض (٣): وهو دير جليل البناء، أبيض كما سمّي. عليه رونق. قد بني بالحجر الأبيض، وزيّن في أبنيته، ووسّع في قدر أفنيته. وهو غربي النيل، في طرف الحاجر المطلّ على المزدرع، فيما يقابل إخميم. وله إشراف على بسائط
стр. 453
تلك الزروع، وسوارح تلك المواشي. وبإزائه نخل خاص به.
ويجري من النيل خليج طويل المدى. كأنه السيف النقي من الصدى؛ ينتهي إلى ملقة متسعة، وبركة فيها أمداد المياه مجتمعة، شرقى الدير. يفصل بينهما الطريق. ويطلّ على هذه الملقة رابية علية، قد تكونت من فضلات التّرع المحفورة والجسور المستجدة.
لا يرى مثل نزاهته في زمن الشتاء والربيع: يتضاحك في جنباته النّوّار، وتخضرّ فيه شقاق الزروع، وتكثر فيه مصايد الطير، ويكون من الحسن في غاية تملأ البصر، وتزيد على الخبر. ومررنا به صحبة السلطان ونزلنا على تلك الرابية.
وأشرفت على البركة وفيها قارب يصاد فيه السمك، ومرت الأطلاب (١) مزيّنة الترك (٢) وجياد الخيل [٢٧٣]. فسئلت أن أعمل في مثل هذا شيئا، على رسم ما يقال في الديارات. فقلت: [الرجز]
يوم لنا بالدّير، دير الأبيض … قد انقضى وطيبه لم ينقضي
قد جئته في العسكر المنصور … فغلق الأبواب كالمحصور
ونزل الرّهبان بالدّبوس … فيه إلى قرارة الدّيموس
وأطّلعت نحوي هناك رابية … تيّاهة على الوهاد آبيه
стр. 454
قد خضعت من جانبيها الوهد … كأنّها فوق الصّدور نهد
كأنّما تطلب منّي المأتى … هذا وقد ولّى زمان المشتى
وللربيع مذ أتى اعتدال … وللّنسيم بينه اعتلال
والشمس قد دبّ بها السّقام … واليوم لم يبق له مقام
والليل قد هيّأ صفّ عسكره … وإنّما معروفه في منكره
والجوّ في ردائه المصندل … والأرض تذكى باشتعال المندل
ومجمر الشّقيق فيها موقد … وشعل البهار فيها توقد
وزهر الفول ادّعى بالحقّ … شبيه أذناب الدّجاج البلق
وزهر الكتّان كالبنفسج … ومثله لولا ذكيّ الأرج
تبدو على أعطافه التّرافه … ذو هيف في شكله ظرافه
كأنّه في مائه الممتزج … زبرجد رصع بالفيروزج
وسائر الزرع شقاق خضر … وبعضها لها طراز نهر
والنخل حول الدير كالعرائس … مجلوّة في فاخر الملابس
كأنه مشمّرا في همّه … صفّ وقوف حوله في الخدمه
[٢٧٤] وثمّ من باقي مدود النيل … ماء شبيه الصارم الصّقيل
وافت إليه خلج مفرّقه … واجتمعت جميعها في ملقه
دائرة قوراء مثل الأفق … تأوي بها حيتانها في نفق
صافية كمثل عين الدّيك … في غاية الصّقال والتفريك
قد ولعت فيها الرياح بالطرر … فشوشتها ثم سالت كالغرر
فسيحة الأرجاء كالميدان … تشقّها سوابح الحيتان
فيها من الأسماك أشتات ترى … تأخذ من أنواعهنّ العنبرا
فيها من البلطيّ والبنّيّ … مآكل كالرّطب الجنيّ
стр. 455
والبركة الفيحاء فيها قارب … وفيه صار للشباك ضارب
يجري به قاربه على نفس … وهو به في الماء ناريّ القبس
كأنّما أجرى به جوادا … أسرع في الرّكض وما تمادى
كأنّه إذا أراد المركبا … صلّ من الحيّات يرقى عقربا
يسيّر الحيتان وسط الماء … كأنّها النجوم في السماء
يأتي إليها بأضاليل الخدع … لأجل ما يأخذ منها ويدع
ولم يزل بخفّة في الحركه … حتّى انّه يلقي عليها الشّبكه
وكلّ ما يريده يصيد … يا زرعها آن لك الحصيد
وعنّ لي سرب مها جآذر … أجفانها تضمّ ما نحاذر
أقمار ترك فوق شهب الخيل … وبينها أدهم ضافي الذّيل
فجئت حتّى صرت فوق الهضبه … وعاينت عيناي تلك الحلبه
[٢٧٥] ويا لها من حلبة لا تلحق … تكبو وراءها الرياح السّبّق!
كأنّها أفق حوى أقمارا … قد طلعوا في أفقها نهارا
من نسل خاقان وجنس الترك … قد عوّدوا ألحاظهم بالفتك
كم فيهم من ساحر الأجفان … قيسيّ خدّ طرفه يماني!
لله إن جرّد أسياف الحدق … وبدّد الدّماء في الخدّ اليقق!
فيها ملاح للعناق خلقوا … ما برزوا للعين حتّى عشقوا
وميّد الأغصان ثمّ تستبق … طورا تخلّى ثمّ طورا تعتنق
أغصان بان أم هم غزلان … أو الشّموس بل هم الولدان
قد ركبوا صوافن السوابق … وافترقوا لكن فؤاد العاشق
منهم فتى يهتزّ كالرّديني … من لي منه لو قضيت ديني؟
стр. 456
قد أسرج الغمام بالهلال … مطهّما في صبغة الليالي
يفرق شطري وجهه بغرّه … كآبة في وسطها مسرّه
أدهم منه في السّباق قد بدر … ليل ولكن فوق عطفيه قمر
مبلبل الصّدغ رخيم الدّلّ … أريد منه للهوى معلّي
له من العجب جفون مطبقه … وآفتي من العيون الضّيّقه
لم أر مثل ثغره إذ ضحكا … لقد حكاه البرق لكن ما حكى
بدر ولا تفصح لي أسماؤه … ذو ترف يكاد يجري ماؤه
مالي وما للراح أو للأكؤس … إذ حلّ لي بند القباء الأطلس!
وبان من ثيابه المجرّد … كأنّه من فضّة تنقّد
[٢٧٦] فيا أخيّ إن قضيت نحبا … دعني أموت في هواه حبّا!
أهون بدمع مقلتيّ الصّبّ … فقد تعشّقت صبيا يصبي!
ما الموت في هواه إلا محيا … لو متّ عشقا فيه كنت أحيا!
لما أتاني من بعيد ووقف … قمت له للثم أقدام وكف
وكان قد حان غروب الشمس … وطلع البدر كمثل التّرس
وظلت ألهيه بأشغال السّمر … لعلّ للّذي فعلته ثمر
وقلت هذا منزل نزيه … ليس له فيما هنا شبيه
يا مرحبا شرّفت هذا الموضعا … وجئتنا والبدر في وقت معا!
فلو نزلته هناك أو هنا … عمّ بقربك السّرور والهنا
فأنزل بنا واقعد قريرا ساعه … ولا تخف من فاضح الشّناعه
فلان لي جانبه ثمّ ابتسم … وفاح لي طيب رضاه ونسم
وقال لي أقم حوالينا الحرس … وانحطّ لي كالسّهم عن ظهر الفرس
стр. 457
فقلت: ما تقول في ذا إن مسك … هذا لنا وجاب من هذا السّمك؟
ونوقد النار له ليقلى … ومن أتى مزاحما في المقلى
ونأكل السّلّور والشّبّوطا … والفرخ والمسلوخ والمسموطا
هذا وما تضمّ أكناف السّفر … وما تكون منه ألطاف السّفر
فقال لي: دونك ما تريد … فكان عندي باللّقاء عيد
هذا وكنّا قد أمرنا الطّاهي … بأخذ تلك الجلّة الزّواهي
فأتقن الجميع بالتنظيف … وزانها في الوضع والتصفيف
[٢٧٧] وحطّ عن أجسامها الجواشنا … وأظهر الجمال والمحاسنا
واقتدح النار من الزّناد … مثل اصطكاك البرق في العهاد
يطير من جانبها شرار … هل منه للرّمّانة انتشار
يؤرث الموقد جلّ نار … كأنّها شبّت بجلّنار
وبعد هذا صفّف المقالي … وكلّنا نحبّ ذاك القالي
وسكب الدّهان في الطّنجير … كمثل بسط الظّلّ في الغدير
ثمّ قلى في الطاجن الأسماكا … لولا قليل، لقلى السّماكا
ونضّد الصّحون ثمّ صفّفا … سبائكا من النّضار قد صفا
أعادها بعد اللّجين عسجدا … صفّر ألوانا لها ووردا
وجاء بالملح وبالأبزار … سكارجا تروق للأبصار
مصفوفة لنا على مقدار … كدرهم صفّ إلى دينار
وصبّ من أطايب الأصلاص (١) … حقائبا مسدودة العفاص
من حامض مطيّب ومزّ … وغير ذا من كلّ حمض يجزي
ونضّد البقول في الأطباق … مثل الحرير لفّ في الأوراق
стр. 458
ووضع الكماج والرّقاقا … حتّى استدار حولها نطاقا
وجاء بالفقّاع والمشروب … يهمّ في الكيزان بالوثوب
ومنه في إنائه مسكوب … كأنّه من ذهب مصبوب
وقرّبوا الحلواء ملء الجام … كمثل قرص الشمس بالتّمام
فقام لي وزن سروري وقسط … لأنّ من أحببته قد انبسط
[٢٧٨] ومدّ عندي يده ثمّ أكل … ثمّ تنقّلنا بمنهوب القبل
فكم أصبنا منه ما أردنا … ولو نشاء بعد هذا زدنا!
ثم أدمنا حمدنا والشكرا … وهو بما جساد علينا أدرى
ثم أتانا الطّست والغسول … كأنّه بعنبر مجبول
ثم تلاه الطّيب والمنديل … يا حبّذا ما حبّه الرسول
حتّى إذا ما نزل السلطان … واشتغل الغوغاء والغلمان (١)
ونام كلّ مستكنّا في الخيم … ونكّر الآفاق جلباب الظّلم
وأمن الراهب والقسّيس … وانشقّ عن موتاهم الناووس
وأوقدوا في البيعة القنديلا … ورجّعوا المزمار والإنجيلا
وزيّنوا الهيكل بالقربان … وصفّفوا الشّموع والقناني
وسكبوا الصهباء في الإبريق … صفراء أو حمراء كالعقيق
وصبّها في الكأس مثل اللّهب … ممتدّة مثل شريط الذهب
يسعى بها مقرطق مزنّر … شبه الغزال الخشف أحوى أحور
من فتية داموا على الإنجيل … من لي بهم لو أنّهم من جيلي
وبعضهم دّبّ له عذار … كأنّه من صدّه اعتذار
стр. 459
وفيهم ذاك الغزال النافر … خليفة الملاح وهو الظافر
لما بدا منه الصّباح السافر … تستّر الليل فقيل الكافر
أو بنت قسّيس عليها مسح … كالليل قد أقبل فيه الصّبح
بمعصم فيه دلال وترف … كأنّه من ماء خدّيها اغترف
[٢٧٩] فاتنة من الظّباء العين … قد ناصبت بدينها لديني
ماذا أقول في بديع صنعها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟
غصن رطيب دبّ فيه الراح … ومن جنى خدودها التّفّاح
آفة كلّ مسلم وكافر … وفتنة في أوّل وآخر
يا ما جرى منها ويا ما يجري … منّا ومنها من بكا وهجر!
فمذ هدت عنّا عيون الناس … ثرت به في غفلة الحرّاس
وقلت، قم حتّى نروح في الغلس … في خلسة، فأطيب العيش الخلس!
فالدّير قد آن له أن يفتحا … وكان قد أغلق عمدا من ضحى
قمنا إليه تحت ستر الليل … نوازعا نرمي على سهيل
وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل
وثمّ في الدير لنا صديق … منهمك في السّكر لا يفيق
لكنّه لخوفه قد كانا … ما شرب الصّهباء حتّى الآنا
وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تطربه
وهو إذا تبطّن السّلافه … لم تستطع مليحة خلافه
لأنه عرّف كلّ راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه
وكلّ ما تريد منه يحصل … وفق المنى مسارعا يستعجل
فانهض وقم وطب ولا تونّي … واقتل بما شئت سوى التجنّي!
стр. 460
فقم بنا انهض ودع العذالا! … كم ذا القعود هكذا كسالى!
لنغنم الصّحّة والفراغا … ونشرب العمر لنا ما انساغا
[٢٨٠] ولم أزل به به حتى نزل … شاباش لي! صدت الغزال بالغزل!
خدعته فانطاع لي الغلام … وكان ما قد كان والسّلام!
وبتّ مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصفت منه المخفي
وكان لي غليم ظريف … حلو الكلام فكه خفيف
جميع ما يقوله مجون … ما كان مثله ولا يكون
حديثه ليس عليه من حرج … لنا به الفال وقد سمّي فرج
قلت له: كأنّني ممن ندم … لأجل ذاك الظبي لمّا أن طعم
ويحك لم أطعمت هذا ذا السمك! … فقال: لولاه لما كان انمسك!
جعلته لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مسترخي
يا شاطر البلاد أنت القيّم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم!
لا شكّ قد أتقنت علم السّحر … وصدت صيد البرّ بعد البحر
ومما قلته فيه: [الطويل]
وبالدير يوم أبيض لي كاسمه … وقد طلعت من جانب الدير أقمار
وقد جليت في الكأس صهباء مزّة … تكشّف منها في الدّجنّة أستار
وبالدير ديرانيّة برزت لنا … فتمّ لنا فيها حديث وأسمار
جلتها كأنّ الطّور جانب كأسها … وإلا ربى دارين من دونها دار
وقلت: [المتقارب]
ولم أنس بالدير يوما لنا … وعيش السّرور به ينتهب
ففضّض أبكاره باللّجين … وموّه آصاله بالذهب