وقال: " [اعلم أن جميع الطاعات ترى إلا الصوم لا يراه إلا الله، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد]، واللصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وهو كف البطن والفرج. وصوم الخصوص، وهو كف السمع والبصر واللسان، وصوم خصوص الخصوص، فصوم القلب [عن الهمم الدنية]، والأفكار [الدنياوية] (١).
وقوله: "ما كان من الرطوبات الخارجة من الباطن ليس مستحيلا (٢) ولا له مقر فهو طاهر، كالدمع والعرق، واللعاب، والمخاط. وأما ما له مقر وهو مستحيل فهو نجس كالبول، والروث".
ومن شعره قوله [مخلع البسيط]
يا وارثا عن أب وجدّ … فضيلة الطب والسداد
وضامنا رد كل روح … همت عن الجسم بالبعاد
أقسم لو كان طب دهرا … لعاد كونا بلا فساد (٣)
وقوله: [السريع]
مهندس في طول أيامه … مع قصره يبتلع الساريه
مثلث يدعمه قائم … لأنه منفرج الزاويه
стр. 3957
ومنهم:
١٣٧ - المهذب يوسف بن أبي سعيد بن خلف السامري (١٣)
سامري لم يخفر ذمته، ولم تقصر في طلب العلياء همته، حتى دانى الغاية على قلة ناصريه، وكثرة حسّاده في معاصريه، ولم تزل العداوة تشب اللهب، وتجلل الرماد الذهب، فألصقت به العيوب، وخرّقت إليه أستار الغيوب، ولم تزل تزعزعه العواصف إلى أن زحزح، وتكشف غماره حتى صحصح.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "أتقن الطب والحكمة، واشتغل بعلم الأدب، وبلغ في الفضائل أعلى الرتب، وكان كثير الإحسان، غزير الامتنان، فاضل النفس، صائب الحدس، قرأ في الخدمة الصلاحية (٢)، على شمس الحكماء إبراهيم السامري، وعلى إسماعيل بن أبي الوقار الطبيب، وعلى أبي اليمن الكندي، والمهذّب ابن النقاش، وتميّز في الطب، واشتهر بحسن العلاج، وعالج ست الشام بنت أيوب من دوسنطاريا كبدية، بالكافور القيصوري (٣)، بحليب بزر بقلة محمصة، وشراب رمان، وصندل، فسارعها الدم، ثم لاطفها، حتى برأت.
وخدم فرخشاه بن أيوب، ثم خدم ابنه الملك الأمجد، وأقام عنده ببعلبك،
стр. 3958
وحظي عنده، وكان يستشيره، ويعتمد عليه، ثم استوزره، وحصّل بسببه الأموال.
وقال فيه فتيان (١): [المنسرح]
الملك الأمجد الذي شهدت … له جميع الملوك بالفضل
أصبح في السامري معتقدا … ما اعتقد السامري في العجل
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " ولم يزل المهذّب على علو منزلته، حتى كثرت الشكاوى من أقاربه السامرة، وما كثر منهم من العسف والظلم، وأكل الأموال، وإفساد الحريم، ولامت الملوك الملك الأمجد عليه، فقبضه، وقبض على أقاربه، واستصفى منهم أموالا كثيرة، واعتقله ثم أطلقه، فأتى دمشق، وأقام بها في داره.
ومن شعره قوله: [المجتث]
إن ساءني الدهر يوما … فإنه سرّ دهرا
وإن دهاني بمال … فقد تعوّضت أجرا
الله أغنى وأقنى … والحمد لله شكرا
ومنهم:
١٣٨ - أمين الدولة أبو الحسن بن غزال بن أبي سعيد السامري (١٣)
وزير الصالح إسماعيل. كان سامريا وأسلم، ولقب كمال الدين، وكان
стр. 3959
المهذب السامري عمه، وكان لا يطمع في معاضلته، ولا يقدر على مناضلته، إلا أنه قتل نفسه بحمقه، وتبرد بالنار من حرقه، ولم يزل منذ أخذ في الطلب يترقى ويبرّز بين المعامل ولا يتوقى، حتى تسنّم ذرى الوزارة، وغلط طيفها في غفلة الحلم وزاره، فتصدى للأموال حتى صادها، وأقام على الأعيان أرصادها، إلا أنها فرّت من شباكه، وأنفت أن تستقر في أملاكه، ثم كان آخر ما حمله عليه الهوج (١)، وطلب به استقامة حاله من العوج، أنه أقيم من الدست الذي لم يقدّمه أحد إلى صدره، ولا جزي به بعد طول الحبس على عاقبة صبره، ثم أخذ وشنق، وكان قد أبرم بيده حبل سعادته فخنق.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان له الذكاء الذي لا مزيد عليه، والعلم الذي لا يصل سواه إليه، والإنعام العام والإحسان التام، والهمم العالية، والآلاء المتوالية. قد بلغ من صناعة الطب إلى غاياتها، وانتهى إلى نهاياتها، وفاز بمحصولها، وأتقن علم فروعها وأصولها، حتى قلّ له المماثل، وقصر عن معانيه كل فاضل.
كان أولا عند الأمجد (٢) صاحب بعلبك طبيبا، فلما توفي بدمشق، استقلّ أمين الدولة بالوزارة العمادية، فساس أحسن السياسة، وبلغ في التدبير نهاية الرياسة، وثبت قواعد الملك، وأبّدها، ورفع مباني الفضل وأيدها، وجدّد معالم العلم والعلماء، وأوجد من الفضائل ما لم يكن لأحد من القدماء، ولم يزل عالي القدر نافذ الأمر، مطاع الكلمة، كثير العظمة، إلى أن ملك دمشق الملك الصالح أيوب، وجعل نائبه بها [معين الدين] ابن شيخ الشيوخ، وأعطى الصالح إسماعيل بعلبك، فانتقل إليها، وبقي وزيره بدمشق، وقد جمع له ولصاحبه أموالا عظيمة جدا، أخذها من أهل دمشق، بموافقة القاضي الرفيع الجيلي، فاتّفق
стр. 3960
ابن شيخ الشيوخ والصاحب ابن مطروح (١) على مكيدة عملت، وهو أنهما طلبا أمين الدولة، فلما أتى قاما له، وقالا له: إن أردت الإقامة بدمشق فابق على حالك، وإن أردت أن تلحق صاحبك فتقيم عنده فافعل. فقال: لا والله بل ألحق مخدومي، وأكون عنده. ثم إنه خرج بجميع أمواله وذخائره، وأحواله، وخواصّه، وجميع ما يملكه حتى أثاث بيته، وحصر دوره. فلما صار ظاهر دمشق بما معه قبض عليه وأخذ جميع ما كان قد جمعه، وأحيط على أملاكه، واعتقل، ثم حمل إلى القاهرة، فأودع السجن بقلعة الجبل مع جماعة أخر من الحاشية العمادية، فلما أتى الملك الناصر يوسف ابن العزيز من حلب إلى دمشق، وملكها، صار معه الصالح إسماعيل وسائر ملوك الشام، ثم توجه يريد مصر، فخرجت إليه عساكر المعز أيبك، وكان قد ملك بعد مولاه الصالح أيوب، فلما التقوا كانت الكسرة أولا على العسكر المصري، ثم دارت الدائرة لهم على العسكر الشامي، وقبض الصالح إسماعيل، وجماعة من الملوك والأمراء، وحبسوا بمصر، ثم أطلق بعضهم. وأما الصالح إسماعيل فكان آخر العهد به.
وحكي أن أمين الدولة لما سمع بما كان من ظهور العسكر الشامي على المصريين، على ما كان أولا وعد المتحدث في القلعة عند طلوع الملوك بمواعيد أطمعته، فأخرج من كان عنده وكانوا ثلاثة: أمين الدولة، وناصر الدين ابن يغمور، وأمير كردي (٢)، فقال الكردي: يا قوم، لا تستعجلوا واقعدوا مكانكم، فإن كان الأمر صحيحا، فأستاذنا يخرجنا، ويحسن إلينا، وإن كان غير صحيح، فقعودنا أصلح لنا.
فلم يلتفت أمين الدولة وابن يغمور إليه، وخرجوا، وتأخر هو، وقعد الوزير
стр. 3961
أمين الدولة وابن يغمور في القلعة، وأمروا، ونهوا، فلما جاءت الأخبار المؤكدة بعكس ما طار إليهم به أول الخبر، أمر المعز بقتل ابن يغمور، وشنق أمين الدولة، وإطلاق الكردي، فأطلق الكردي، وقتل ابن يغمور، وشنق أمين الدولة.
قال ابن أبي أصيبعة: "وحكى لي من رآه لما شنق وعليه قندورة (١) عتابي خضراء، وفي رجله سرموزة (٢). قال: ومن العجائب أن أمين الدولة لما حبس أرسل إلى منجم بمصر كانت له إصابات لا تخرم، وسأله عما كان وما يكون من حاله؟! (٣)، فأخذ طالع الوقت، ورسمه، ثم قال: يخلص هذا من الحبس، ويخرج منه فرحا مسرورا، ويبقى له أمر مطاع، يمتثل فيه أمره ونهيه. ففرح، فلما جاءه ذلك الخبر ظنّ أنه يبقى وزيرا بمصر، فتمّ له ما ذكره المنجّم في يوم خروجه، ثم لم يعلم ما يجري له بعده. وكان ذلك في الكتاب مسطورا.
ومنهم:
١٣٩ - المهذّب الدّخوار: أبو محمد عبد الرحيم بن علي بن حامد (١٣)
стр. 3962
طبيب نهض به طيب العناصر، ونهى علمه أن تعقد على غيره الخناصر. كان في الحكماء علما، وفي إثبات الحكم قلما، عزّ وجوده وقلّ ما، فاض إناؤه، وآض (١) اجتناؤه، وكان لفروع الطب شجرة يكاد زيتها يضيء، ويقال (٢) في ظلها ويفيء. كأنما جالس أرسطوطاليس، وجال مع تلك الجماعة في تقرير تلك النوامس (٣)، ولهذا اشتهر، وملأ العيون وبهر. وكان ممن يستصحّ برأيه، ويستصبح بذكائه. هذا إلى خطّ أوتيه، وحظّ كان يواتيه.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): "إليه انتهت رياسة صناعة الطب ومعرفتها على ما ينبغي، ولم يكن في اجتهاده من يجاريه، ولا في علمه من يماثله، أتعب نفسه في الاشتغال وكدّ خاطره في تحصيل العلم حتى فاق أهل زمانه، وحظي عند الملوك، ونال من جهتهم من المال والجاه ما لم ينله غيره من الأطباء، وكان في مبدأ أمره كحّالا، وكذلك كان أخوه حامد بن علي، وكان الدّخوار يكتب خطا منسوبا، ونسخ الكثير، وقرأ النحو على الكندي، والطب على الرضي الرحبي، ثم لازم الموفق ابن المطران، ثم أخذ عن الفخر المارديني، لما قدم دمشق، وخدم الملك العادل بن أيوب، ثم لم يزل تسمو منزلته عنده حتى صار جليسه، وصاحب مشورته، وظهرت له منه نوادر في تقدم المعرفة، منها: أن العادل عرض له مرض وأشار الدخوار عليه بالفصد، فلم يوافقه بقية الأطباء على ذلك، فقال
стр. 3963
لهم: والله إن لم يخرج دما وإلا خرج الدم من غير اختياره، فما مضى أيسر وقت حتى طفر الدم من أنفه، ورعف رعافا كثيرا، وصلح، فعلم أنه ليس في الكل مثله.
ومنه: أنه كان يوما على باب دار السلطان في جماعة من الأطباء، إذ خرج خادم ومعه قارورة جارية يستوصف لها لشيء شكت منه، فلما رأوها، وصفوا لها ما حضرهم. فقال الدخوار: إن هذا الذي شكت منه ما يوجب صبغ الماء هكذا، ويوشك أنه من حناء اختضبت به. فقال له الخادم: نعم، تخضّبت بحناء. فأخبر العادل بذلك، فتزايد حسن اعتقاده فيه.
ومن أحسن ما يؤثر عنه أن الملك العادل كان قد غضب على قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي لأمر نقمه عليه، وأمر باعتقاله بقلعة دمشق، إلى أن يزن عشرة آلاف دينار مصرية، وشدّد عليه، فأقام في السجن والمطالبة، ووزن البعض، وعجز عن البقية، وقال السلطان: إن لم يزن وإلا عذّبته. فتحيّر القاضي وباع جميع موجوده وأثاث بيته، حتى الكتب التي له، وتوسّل إلى السلطان بكثير من الأمراء والخواص في المسامحة أو التقسيط، فلم يقبل، فأتى الدخوار إليه ليتفقده لمودة قديمة بينهما، فشكا إليه حاله، وما قد تم عليه، فوعده بالمساعدة بحسب الطاقة، ثم قام فدخل على أم الصالح إسماعيل ابن العادل، وكانت ممرضة، فلما دخل عليها عرّفها بحديث القاضي وأنه مظلوم، وسألها في أمره، فقال: كيف أحدّث السلطان في أمر من لا أعرفه؟ ولو كان طبيبا يدخل علينا أو تاجرا نعامله لأمكن الكلام فيه. فقال لها: فثمّ طريق آخر يحصل به القصد. قالت: وما هو؟.
قال: في وقت يكون السلطان نائما عندك تظهرين له أنك رأيت مناما يقتضي أن القاضي مظلوم، وعرّفها ما تقول. فقالت: هذا يمكن. فلما عوفيت أتاها الملك العادل، فنام عندها وهي إلى جانبه، فلما كان آخر الليل انتبهت وأظهرت
стр. 3964
أنها مرعوبة، وأمسكت فؤادها وبقيت ترتعد وتتباكى. فانتبه السلطان وقال لها:
مالك؟ وكان يحبها حبا كثيرا، ثم جعل يرشّ عليها من ماء الورد وقال لها: ما الذي بك؟ فقالت: رأيت مناما عظيما هالني، وكدت أموت منه، وهو أنني رأيت كأن القيامة قد قامت في بهو عظيم، وبها خلق عظيم، ونيران كثيرة تشعل، وناس يقولون: هذه للملك العادل لكونه ظلم القاضي!!. ثم قالت:
هل فعلت قط بالقاضي شيئا؟ فما شك في قولها، وانزعج ثم قام لوقته، وطلب الخدام، وقال: امضوا إلى القاضي وطيبوا قلبه، وسلموا عليه عني وقولوا له يجعلني في حل مما تمّ له، وإن جميع ما وزنه يعود إليه، وما أطالبه بشيء. ثم لما أصبح أمر له بخلعة كاملة، وبغلة، وأعاده إلى رتبته وأعاد إليه جميع ما وزنه، واستردّ له ما باعه.
وقال: مرض العادل بالشرق مرضا صعبا، وولي علاجه الدخوار، إلى أن برئ، فلما عوفي حصل له نحو سبعة آلاف دينار، وبعث له أولاد العادل وسائر ملوك الشرق، وأكابر الأمراء الخلع والبغال بأطواق الذهب، وغير ذلك.
ومرض الكامل (١) فعالجه، فلما برأ حصل له نحو اثني عشر ألف دينار، وأربع عشرة بغلة بأطواق الذهب، وخلع كثيرة من الأطلس وغيره، وولي ذلك الوقت رئاسة الأطباء.
وخدم مرة الأشرف، وأعطاه إقطاعا جليلا، ووقف داره بدمشق بالمناخليين مدرسة على الطب، ووقف عليها عقارات له (٢).
стр. 3965
ومنهم:
١٤٠ - الرشيد علي بن حليقة بن يونس بن أبي القاسم بن خليقة الأنصاري الخزرجي (١٣)
من ولد سعد بن عبادة ﵁.
طبيب لو شكا إليه البرق اختلاف نبضه لأبراه، أو حاول منه الرعد ما في صحف النهر لأقراه.
من أسرة سارت بهم الأمثال، وسراة أسفا على عقدهم كيف انثال، أراق الكرى عن كؤوس أجفانه، وجعل طوارق السهاد (١) من ضيفانه، همه يقظ، وعزمه حتفظ، حلّ بها أجلّ الرتب، وجلا بها عن الجسوم الريب، وكان لا يفقد السبات، ولا يخرج إلى حدّ الإعنات، لعلاجه بالملائم، واحتجاجه بما يكفي الملاوم، هذا إلى تفنّن في علوم أخر، وفضائل كأنها البحر إذا زخر، ومحاسن لو أراد بها لفخر.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): " إنه عمه، وأنه ولد بحلب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقال: إن جدّه معروف بابن أبي أصيبعة، وكان قد توجه إلى مصر إذ استقلت بها الدولة الصلاحية، وإن الشهاب يوسف الكحال، وابن أبي الحوافر
стр. 3966
كانا من أصدقائه، فلما أتيا مصر أشارا عليه بإشغال ولديه في الطب، يعني المؤرخ عمه هذا وأباه، فأمرهما بملازمة ذينك الرجلين، وأن أباه أكثر الأخذ عن الشهاب يوسف، ثم قرأ على الرئيس موسى وأهل طبقته، وأن همّه كان أو اشتغاله على أبي التقى صالح بن أحمد المقدسي، ثم لازم ابن أبي الحوافر، وكان إذ ذاك رئيس الأطباء في أيام العزيز، ثم باشر المرضى بالمارستان، ثم أخذ صناعة الكحل عن النفيس بن الزبير، وقرأ على عبد اللطيف البغدادي، وكان يشتغل بالسديد المنطيقي، واشتغل بعلم النجوم، وأخذ الموسيقى عن ابن الديجور المصري، وعلي ابن التبان (١)، ثم اجتمع بأعيان المصنفين فيه، ثم لما عاد أبوه إلى الشام انتقل معه واجتمع بمن به من المتعينين، وباشر المارستان النوري، ثم خدم الأمجد صاحب بعلبك، ثم خدم العادل ثم المعظم، ثم الناصر ابنه، وتوفي في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
ومن كلامه قوله: "ما أحسن الصبر لولا أن النفقة عليه من العمر".
وقوله: "الأصدقاء كنفس واحدة في أجساد متفرقة".
وقوله: "المال مغناطيس أنفس الجهلاء، والعلم مغناطيس أنفس العقلاء".
وقوله: "القانع مساعد على بلوغ مآربه".
ومن شعره: [الكامل]
يا صاحبيّ سلا الهوى وذراني … كفّا الملام عن المحب العاني
لا تسألاه عن الفراق وطعمه … إن الفراق هو الممات الثاني
стр. 3967
نادى الحداة دنا الرحيل فودعوا … ففجعت في قلبي وفي خلاني
وبكيت وجدا بعد ذاك فلم يفد … أني وقد صار اللقاء أماني
وقوله: [الكامل]
أرأيتما يا صاحبي فتى تذل … له الأسود تذلة الغزلان
ما كنت ممن يسترق فؤاده … عشق ولكن الهوى سلطان
ومنهم:
١٤١ - ابن قاضي بعلبك: المظفر بن عبد الرحمن بن إبراهيم (١٣)
الحكيم الفاضل الملاطف بدر الدين أبو التأييد.
فاق في علم وقراءة، وفهم تقدم به والناس وراءه، قدّمه فضله واستحقاقه، ونبله الذي ضرب على ربى المجرّة رواقه، ولحق في أوانه بجلّة الرؤساء، وحلّ من أئمة زمانه محلة الجلساء، وسبق أهل جيله حيث لا يلحقه إحضار، وخلق مع أبناء جنسه إلا أن طينته جبلت من معدن النضار (١)، ولم يعالج عليلا ثم أصبح ببقائه ليس ينتفع، ولا دافع مطل إلا ثم أضحى بملاطفته لا ينتفع، وكان لا يطبّب إلا بالأهون على العليل، والأحب إليه وإن كان النفع به من القليل، على أنه البحر الذي لا يشق له عباب، والوقوف عليه إذا لم يوجد باب. وألقيت عليه من الله محبة لم يره إلا من شغف بحبه، وشغل بطبه، وفضله على كل نكرة
стр. 3968
ومعروف، وكل ذي طب يسرح نظرا بإحسان ويمسك يدا بمعروف، ولم ألحق أحدا من الكبراء وأهل العلم إلا من كان يحسن عليه الثناء، ويحلو بأوصافه الحسناء.
قال لي عمي الصاحب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: هو آخر الأطباء الذين رأتهم عيني.
وسألت عنه شيخنا شهاب الدين أبا الثناء الحلبي فقال: كان يقال هو جالينوس وقته. ثم أخذ في وصفه، وذكر ما كان عليه من حسن الملاطفة وإحسان العلاج.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "كان أبو مجد الدين قاضيا ببعلبك، ونشأ هو بدمشق، واشتغل بها في الطب على المهذب عبد الرحيم بن علي، وجمع له العلم الغزير، والذكاء المفرط، والمروءة التامة، وكانت له همة عالية في الاشتغال، ونفس جامعة لمحاسن الخلال، وكان لا يخلو له وقت من التزيد في العلم، والعناية بالمطالعة والفهم، وكان قد توجه صحبة المهذب لما طلبه الملك الأشرف، وخدم بالمارستان بالرقة، وصنّف مقالة حسنة في" الرقة "، واشتغل بها في الحكمة على الزين الأعمى ﵀، وكان إماما في العلوم الحكمية.
ثم عاد ابن قاضي بعلبك إلى دمشق، فلما طلبها الجواد يونس (٢)، حظي عنده وتمكن في دولته، واعتمد عليه في صناعته، وولاّه، الرياسة على الأطباء والكحالين، والجرائحية، وكتب له توقيعا (٣) بذلك، فجدّد من محاسن الطب
стр. 3969
مادرس، وأعاد من الفضائل ما دثر، ولم يزل مجتهدا حتى اشترى أدرارا كثيرة جوار المارستان النوري، وهدمها وبناها، وأضافها إليه.
ثم خدم الصالح أيوب، وأرصد لمعالجة الحرم، وجدد له توقيعا بالرئاسة على أطباء الشام، ثم خدم من بعده من الملوك ولم يغير عليه عادة مستمرة له، ثم تجرّد لعلم الفقه، وسكن بيتا بمدرسة ابن قليج (١)، وكانت جوار داره، وتصدى لحفظ القرآن الكريم، ومعرفة القراءات والتفسير، وقراءة الفقه، وفنون الأدب، ولازم أبا شامة، ودأب في العبادة والدين.
قلت: قال لي والدي ﵀: كان ابن قاضي بعلبك مختصا بصحبتنا، وكان يعود من مرض منا، ويتولى معالجته، وكان لا يرى التعمق في الوصف ولا المداواة بالكريه.
ويقول: ما ينتفع المريض بالكريه بقدر ما يتضرر به، لكراهيته له.
ويقول: ما لم يكن من المريض إقبال على الدواء لا تقبله أعضاؤه.
ويقول: ربما صار الدرياق سما والدواء داء بإفراط كراهية المريض.
قال والدي رحمه الله تعالى، وقد ذكره يوما: رحم الله ابن قاضي بعلبك، لم يكن في زمانه مثله في حسن شكله وسمته، وحسن حديثه وصحة صحبته، ولطف علاجه، وتبرّك الأعلاّء (٢) بمقدمه لرفقه بهم، وعدم إكراهه لهم على الكريه.
وقال: دخل علينا يوما ونحن نأكل طعاما فيه باذنجان قد قلي بدهن
стр. 3970
الألية (١)، فقعد فأكل، وكان أكثر أكله منه، فقلت له: يا حكيم .... الباذنجان مولد للأخلاط السوداوية، كما يقال.
فقال: ذلك الباذنجان الأسود الشديد الحرافة، فأما هذا الأبيض باذنجان دمشق المقلو بدهن الألية فلو رآه جالينوس لجعله دواء للسوداء.
ومنهم:
١٤٢ - العماد الدّنيسري: محمد بن العباس بن أحمد بن عبيد الربعي أبو عبد الله (١٣)
رجل يرجع إلى كرم خيم، وينفع فيه كثرة التفخيم، تفنّن في فضائل، وتيقن أن كل عظيم عنده متضائل، بعزم أطلّ على النجوم في آفاقها، وعلم استخدم السعود بأوفاقها، ولطف ذات، وظرف أدوات، وكمال محاس بجدّه بلغها، وأخذ مع توسّع حظّه بلغها، وقد كان للزمان روحا، وإلى الغايات طموحا، وكانت به الأيام سوافر، ومنه حظ للناس وافر، إلى أن عشّشت المنايا في هامته، وصرعته من قامته، ووسّدته التواب، وأفسدته على الأتراب، وخرس منه لسان كان يجادل، وسكن منه محرك تحت حصى وجنادل.
ذكره ابن أبي أصيبعة: ولقّب أباه بالقاضي الخطيب تقي الدين، وقال في
стр. 3971
عماد الدين: هو ذو الأريحية التامة، والعوارف العامة، مولده بدنيسر (١)، سنة خمس وستمائة، ونشأ بها، واشتغل بالطب إشغالا برع به.
قال: واجتمعت به فوجدت له نفسا حاتمية، وشنشنة أخزمية، وخلقا ألطف من النسيم، ولفظا أحلى من مزاج التسنيم، وأسمعني من شعره البديع معناه، والبعيد مرماه، وهو في علم الطب قد تميّز على الأوائل والأواخر، وفي الأدب قد عجّز كل ناظم وناثر، وكان قد سافر من دنيسر إلى مصر، ثم رجع إلى الشام، وأقام بدمشق، وخدم الآدر الناصرية اليوسفية بقلعة دمشق، والمارستان النوري.
ومن شعره: [الطويل]
نعم فليقل من شاء عني فإنني … كلفت بذاك الخال والمقلة الكحلا
فلا تعذلوني في هواه فإنني … حلفت بذاك الوجه لا أسمع العذلا
وقوله: [السريع]
عذارك المخضر يا منيتي … لما بدا في الخد ثم استدار
فكان في ذاك لنا آية … إذ جمع الليل معا والنهار
وقوله: [الطويل]
حلفت له لا حلت عن ولهي به … وقلبي على ما قد حلفت له حلف
إذا باعني منه الوصال لمهجتي … شربت، وها قلبي أقدّمه سلف
وقوله: [الكامل]
стр. 3972
وحياة ناظره وعامل قدّه … روحي بعارض خدّه متململه
هب أنّني متجنّن في حبه … فعذاره في خدّه من سلسله
وقوله: [المتقارب]
إذا رفع العود تكبيره … ونادى على الراح داعي الفرح
رأيت سجودي لها دائما … ولكن عقيب ركوب القدح
ومنهم:
١٤٣ - العز السويدي: إبراهيم بن محمد الأنصاري الأوسي، عز الدين أبو إسحاق (١٣)
من ولد سعد بن معاذ ﵁.
طبيب تؤخذ عنه الصناعة، وإمام يقدّم على الجماعة.
تقدم في عصره تقدم استحقاق، وعرف علم الطب والطبيعة وما ناسبه معها، ولم يكن مثله في علا، ولا شبهه فيمن خلا، فشفيت به الأجساد، وأمنت مما يعرض للكون من الفساد، ورأيت من خطه ما كأنه ريش الطاووس، أو عذار الغلام وسالفة العروس، لا يقاس به خط قابوس ولا على صحائف النهر أشعة الشموس.
قال ابن أبي أصيبعة (١): " مولده سنة ستمائة بدمشق، ونشأ بها، وهو علاّمة أوانه، وأوحد زمانه، مجموع الفضائل، كريم الأبوة، غزير الفتوة، وافر السخاء، حافظ الإخاء، اشتغل بالطب حتى أتقنه، ولم يصل أحد من أربابه إلى ما وصل إليه. أخذ عن أكابر الحكماء كالمهذب عبد الرحيم، وغيره، وقرأ في علم الأدب
стр. 3973
وهو أسرع الناس بديهة، وكان أبوه تاجرا من السويداء بحوران، حسن الأخلاق، طيب الأعراق.
وقال الحكيم عز الدين: هو أجلّ الأطباء قدرا، وأفضلهم ذكرا، وأعرف مداراة، وأنجح علاجا، وأوضح منهاجا، ودرّس بالدخوارية (١)، وخدم السلطان والمارستان، وكتب خطا منسوبا لطريقة ابن البواب، وخطّا يشبه مولّد الكوفين وكل خط أحسن من الرياض المونقة، وأنور من الشموس المشرقة.
ومن شعره قوله: [السريع]
وناسك باطنه فاتك … يا ويح من يصغي إلى مينه
منزله أحرج من صدره … وخلقه أضيق من عينه
وتوفي بدمشق في [سنة ٦٩٠ هجرية] (٢) ودفن جوار الشبلية بالسهم الأعلى، بتربة أعدها لنفسه.
ومنهم:
١٤٤ - موفق الدين يعقوب السامري أبو يوسف يعقوب بن غنائم (١٣)
بحر طبّ لم يبق إلا من ملأ من قليبه (٣)، ولم يبعد يدا من قريبه، وأتته
стр. 3974
الطلبة حتى ملأ كل سقاءه، وأمّل بقاءه، وكان لا يعدم منتابا، ولا يدع مرتابا، ولا يسمح أن يكون أحد عند مغناه، فسعد بمحضره جلساؤه، ووضح الصباح وجلاؤه، وكان في مثل هذا موفقا، وفي نقل الطب موثّقا.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: "رئيس زمانه، وعلاّمة أوانه، مولده ومنشؤه بدمشق، بارع في الصناعة الطبية، جامعا لعلوم الحكمة، قد أتقن صناعة الطب علما وعملا، واحتوى على معرفتها تفصيلا وجملا، وكان محمود المداواة، مشكور المداراة، متعينا عند الأعيان، متميزا في كل مكان، مؤيدا في اجتلاب الصحة، وحفظها على الأبدان، واشتغل عليه جماعة المتطبّبين، وانتفعوا بفضله المبين، وله التصانيف الصحيحة العبارة، الفصيحة الإشارة، قوية المباني، بليغة المعاني، وعدّدها.
ومنهم:
١٤٥ - أبو الفرج يعقوب بن إسحاق بن القف النصراني (١٣)
بيعة قوم توقّد نبراسها، ودوحة علم مثمرة غفل حراسها، فاق بطبّ له بالأبدان امتزاج، ويدان في تعديل كل مزاج، فطبّب كل داء، ولاطف لطف الأدواء، وكان ذا فهم كأنما كشفت له السجف (١)، وعلم هو البئر الذي لا ينزح،
стр. 3975
وأبوه القف ولم يزل على وثبات تقدمه وثبات قدمه، حتى قيّدت الحتوف خطاه، وأثقلت المنون مطاه، فما استقلت له قدم، ولا شبع للموت به قرم.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (١): " مولده بالكرك، لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاثين وستمائة، وكان أبوه الموفق يعقوب صديقا لي، مستمرا على أكيد مودّته، حافظا لها طول أيامه ودهره، يستحلى نفائس مجالسته، وتستجلى عرائس مؤانسته، ألمعيّ أوانه، وأصمعي زمانه، مجيدا في حفظ الأشعار، علاّمة في نقل التواريخ والأخبار، متقدّما في علم العربية، فاضلا في الفنون الأدبية، اشتمل في الكتابة على أصولها وفروعها، وبلغ الغاية من بعيدها وبديعها، وله الخط المنسوب الذي هو نزهة الأبصار، والعناية التي لا تلحق في جميع الأقطار والأمصار، وكان في أيام العزيز كاتبا بصرخد، والنجابة تلوح على ولده أبي الفرج من صغره كما تحقق منه في كبره، وافر الذكاء، محبا للعلماء، فسألني أبوه في تعليمه، فقرأ عليّ ما عرف به أقسام الأسقام وحسم العلل، ثم انتقل أبوه إلى دمشق وخدم بها، وسافر معه ولده، ولقي العلماء، ولازم الفضلاء، وقرأ الحكمة على الخسروشاهي، والغنوي الضرير، وقرأ الطب على علي بن المنفاخ، والموفق السامري، وقرأ أقليدس على المؤيدي العرضي، وفهمه فهما فتح به مقفل أقفاله، وحلّ به مشكل إشكاله، ثم خدم بقلعة عجلون، ثم عاد إلى دمشق، وخدم السلطان بها.
وذكر الجزري في تاريخه قال: سألت أبا الفرج ابن القف عن مرض قاضي القضاة عز الدين ابن الصايغ، فقال: يموت بعد مدة عيّنها، وعن نفسه أنه يموت بعده بمدة عينها، فقلت له: أيش سبب ذلك؟.
стр. 3976
فقال: القاضي كذب عليه فحصل له مراقيا (١) سوداوية، غارت إلى قلبه فقتلته سريعا. غير أني أشرب الخمر فأظهره الشراب إلى ظاهري، فأورثني الصفرة في جميع البدن، فأنا أبقى بعده مدة عينها، فاعتبرت قوله، فكان كما قال، وقلت له: أنت من كبار الفضلاء، ولك تصانيف في الطب ما تدفع عنك!، فقال: علة الموت ما لها دواء. وكان يتحسّر على نفسه.
قلت: وأنشدني القاسم بن المظفر بن محمود بن عساكر لنفسه إجازة في مرض الحكيم ابن القف المذكور: [الخفيف]
قيل إن ابن القف أشفى على المو … ت ولم يبق منه غير رسيس
ما نرى طبه أفاد ولا رد … د الردى عنه قول جالينوس
قلت كفوا أما سمعتم بما قيل … وسارت به حداة العيس
لو نجا الطب فاضلا كان بقراط … ولم يعبث الردا بالرئيس
إنما غاية الطبيب مع العلّ … لة تخفيف ضرها المحسوس
قال الجزري: توفي أبو الفرج ابن القف في سنة خمس وثمانين وستمائة.
ومنهم:
١٤٦ - المهذب يوسف كاتب الزردكاش
والناس فيه وفي النفيس على خلاف، ولكل واحد منهما فريق يتعصب له، ويقطع بتفضيله، والإنصاف أن النفيس كان أقعد بالعمليات، والمهذب كان أقعد بالعلميات، لكونه كان يشغله خدمة الأمراء عن المباشرة، وكان رأس أهل زمانه في التعليم والتقريب إلى الأفهام، وكان جامعا للطب، بارعا في فنونه،
стр. 3977
مفترعا لأبكاره وعونه، وكان يربأ بنفسه عن التمحض للاسترزاق بالطب، وكانت له بلة (١) من الرزق تعلّه، وقليل من متاع الدنيا يغنيه قله، ونشأت له عدة وافرة من التلاميذ، وتقدّموا واشتهروا باسمه وبانتسابهم إليه، وإلى اشتغالهم عليه، وهو والد الحكيم الفاضل غنائم الآتي ذكره والوافي كما يجب شكره.
ومنهم:
١٤٧ - النفيس أبو الفرج ابن إسحاق بن أبي الخير السامري
طبيب جرى في مجالس جالينوس وتقدم، وإن جاء بعد اسفلنيوس، لو رآه الدخوار لخار، أو الرئيس صاحب الدلالة لحار، وابن التلميذ لتتلمذ لطبّه، أو الرحبي لرحّب به، وفقد حاسة بصره لا بصيرته، وحناه الكبر وهو على وثيرته، ولم يبق في وقته من أكابر الأطباء، إلا من كان يحسده على فضله، ولا يسعه إلا الاعتراف، فإذا أراد التنقّص به لا يجد سبيلا أكثر من أنه يقول إنه فقد حاسة البصر، وبها كان يرى السحنة التي يستدل بها، ويرى بها العلامات، وكان جل زمانه للإقراء والاشتغال في علم الطب وفروعه، والتوقيف على دقائقه، والإجادة في حسن التعليم والتفهيم، والتوقيف والتشقيف، فأنشأ أهل ذلك الجيل، وتخرّجوا عليه حتى تأهّلوا وبرعوا في الطب، وزكوا، وأذن لهم في الطب والتصرف وكلهم من عذبه الزلال استقوا، ومن شعبه ذي الأطلال ارتقوا. وكان النفيس ريّض الأخلاق، طويل الروح، كثير الاحتمال، كان للأمين سليمان رئيس الأطباء بمصر لفتات عليه، ويتنقّص به ويسمعه القبيح ويفاجئه بالصريح وهو لا يتأثّر، ولا يتقلّل بكلامه، ولا يتكثّر، وعلماء الدهر، وفضلاء العصر، كلهم
стр. 3978
على خلاف قول الأمين سليمان فيه، ويصفه بالفضل كل طبيب فاضل وفقيه، ولما كبر انحنى ظهره، وتأطّر رمحه، فلما احدودب، كان يقال له: صندوق العلم، يسميه بهذا عامة الناس، ويعتقد فيه الفضل ويشهد له جمهور الخلق من عرفه منهم ومن لم يعرفه بالتقدم في الطب، والتبريز على كل معاصر، وكان له تفقّه في الطب، وآراء في المداواة، وتفنّن في العلاج، ولم يزل مشارا إليه إلى أن هلك، ومتبوعا في الطب أين سلك.
ومنهم:
١٤٨ - الأمين سليمان الحكيم وهو سليمان بن داود (١٣)
أمين الدين أبو الربيع، رئيس الأطباء بالشام. لحق بالأوائل، وعرف العلم بالدلائل، لو عالج المعتذر لأزاح علله، أو شاء إصلاح ما بين الأفقين لسدّ خلله، لم يتقدّمه جالينوس إلا بالزمان، ولا ابن سينا إلا بكثرة الإدمان، نسي به كل من تقدّم، ونسب إليهم من الفضل ما قدّم.
قرأ على العماد الدنيسري، والعز السويدي، والموفق السامري (١)، وأخذ عن تلك الطبقة، إلا أنه كان إلى الدنيسري أشدّ انقطاعا، وإليه صارت كتبه وعليه وقف أملاكه، وكان وارث علمه وماله، وخلفه في كل أحواله، وكان منه أصل ثروته، وما حصّله وأثره وأثله.
وحكى لي من رآه في حال صباه، وغصنه رطيب، ومفرقه كله مسك
стр. 3979
وطيب، وخده مصقول السوالف، وطرفه إما ساحر أو سائف، ولأهل بلده به فتون، وفي كمده فتون، والدنيسري قد اعتلقه، وخيل إليه دوام الحياة بقربه، فاعتنقه. قال: وكان على هذا لا يخلو منه للحكماء ملعب، ولا للعلماء ندي فضل به يستوعب، فلما صارت إليه الرياسة وسارت به النفاسة قال بعض حسّاده: [الكامل]
يا معشر الحكماء لا تتسخّطوا … لعظيم ما قد تمّ في ذا العالم
هذا سليمان بن داود الذي … نال الرياسة دونكم بالخاتم
قلت: وإنما نيح القمر وعارض أدنى البحر، وهيهات أن تغطي السماء بالسحاء، أو يضارّ في رؤيته ذو نظر، فلقد كان فردا في الزمان منقطع القرين، معدوم النظير، شارك في الحكمة، وبرّز في علم الطب، وصار علما فيه، وتقدّم باستحقاق وألقي عليه القبول، ومال إليه الحقير والجليل، واقتصرت على طبه الأكابر، ومالت إليه العلماء وأثنى عيه شيخنا ابن الزملكاني، وحصلت بينه وبين ابن الوكيل منافرة، ثم اتفق لابن الوكيل أن ركّب للأفرم نائب الشام سفوفا (١) يعينه على الهضم، ويسهله، فلما أخذ منه الأفرم أفرط به الإسهال، ووثب مماليك الأفرم بابن الوكيل ليقتلوه، فأتى الأمين سليمان وكفهم عنه ثم دخل على الأفرم، واعتبر إعراضه، ثم أعطاه أمراق الفراريج، وشرع في إعطاء المسهلات له، واستفرغه حتى كمل إخراج تلك المادة التي اندفعت، ثم أعطاه المقبّضات والممسكات، فبرأ وأفاق.
قلت: إنما أعطاه أولا المسهّلات مع وجود الإسهال، لأنه رأى السفوف قد هيج مادّة رديّة، ولم يتم اندفاعها، وإن انحباس بقيتها مفسد للبدن، فاستعمل
стр. 3980
استفراغ تلك المادة الردية، ثم أمسك ما سواها، وهذا من محاسن العلاج، وله غير هذا من الغرائب والعجائب في صناعة الطب. منها: أن بعض بني صصري كان يشكو نزلة متقدمة به، لا تزال تعاوده، ويلتاث جسمه ببقاياها، فشكا إليه ما يجده منها، فأمره بالحمية، وتعهّد الحمّام، حتى لطف أخلاطه، ثم أخرجه من الحمام وكشف رأسه عقيب خروجه منه حتى نزلت به نزلة أخرى، ثم استمر به على الحمية، وشرع في معالجته، وأعطاه المسهلات حتى استفرغ مواد تلك النزلة، واندفعت معها مواد النزلة القديمة، وبرأ الرجل وأفاق.
ومنها: ما حكاه لي الشيخ أحمد بن براق قال: كنت عند الأمين سليمان فأتى رجل قد حصل له ورم في وجهه، وقد تلوّن بالحمرة والزرقة، فلما رمى عمامته عن رأسه، وكانت عمامة كبيرة، وبقي الرجل يخاف من البرد، وسليمان يقول له ارمها بلا فشار، ثم أمر بسطل من الماء البارد فصبّه على رأسه، وكان الفصل شتاء، ثم نقله إلى المارستان، وشرع في معالجته، وسئل عن هذا فقال:
كانت قد تحركت مادة في دماغه أردت أن أجمّدها قبل أن تنصبّ جملة واحدة.
قلت: وقد تقدم مثل هذا عمن تقدم، وله كل معالجة طائلة، وحدس صحيح، وتجربة محققة. ولما مرض الكرجي وهو في نيابة طرابلس، حارت فيه الأطباء فاستدعاه واستطبّه، فبرأ بقدرة الله على يده، فغمره بالإحسان، وحصل له منه ومن حاشيته نحو أربعين ألف درهم، ما هو دراهم وقماش وغير ذلك، ثم عاوده المرض فاستدعاه وطبّبه، وبرأ فحصل له منه نحو عشرين ألف درهم.
وحكي لي: أنه كان أقل ما يدّخر في كل يوم دينار من الذهب، بعد كلفه وسائر نفقته، وإنه على هذا منذ بلغ عشرين سنة من العمر، وإلى آخر وقت.
وكان صحيح الإسلام، حسن المعتقد، جميل اليقين، وحجّ مرات إلى البيت
стр. 3981
الحرام، وزار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكان إذا أتى المدينة الشريفة لزم المسجد وأكثر الصلاة.
ولم يزل على رتبته ومكانته حتى سعي عليه عند تنكيز نائب الشام، وغير عليه خاطره، هذا إلى ما كرهه منه من قوة النفس، وكثرة الجرأة والإقدام، فعزله عن الرياسة، وحطّه عن رتبته، وأغري بذمته، والتنقّص به، وقام عبد المولى اليهودي لعناده ورماه سليمان بالبرص، وكشف فلم يصح قوله فيه، وولي عوضه جمال الدين محمد ابن الشهاب الكحال، فجرت بينهم عواصف، وتمت بينهم مع تعمّد الظلم مناصف ونامت على بغضاء تنكز له الأيام والليالي، ثم عطفته عليه عاطفة الرضا، فأقبل عليه كل الإقبال، واستصحبه في سفرة كنت فيها إلى جهة غزة، وأتينا بأنواع من الطعام فيها من السمك واللبن، فقلنا له من أيهما نأكل؟. فقال: أنا طبيبكم وكلوا مما آكل. ثم أكل من السمك، وأكلنا معه حتى كاد يشبع، ثم ترّد خبزا في اللبن، وأكل منه بالملاعق، وأكلنا معه، ثم قال: علينا بالمصلح. فقلنا: ما هو؟. فقال: العسل. فأتينا به، فلعق منه لعقا كثيرا، ولعقنا معه، ثم مكث ساعات، ثم أمر فعملنا شرابا من السكر والليمون، فشرب وشربنا معه، ثم قال: علمنا اليوم بطب الهند. قالوا: أما أن يكون أحدهما أبرد من الآخر أو هما سواء في الدرجة، فإن كان أحدهما أبرد من الآخر فالآخر مصلح له، فإن كانا سواء في الدرجة كنا كمن أكل من شيء واحد، واستكثر منه .... ثم طلب الأمين سليمان إلى باب السلطان ولحق به لتطبيب القاضي علاء الدين ابن الأثير كاتب السر - رحمه الله تعالى - من فالج أصابه، فجاء وطبّبه فلم ينجع، وسعى لأمر فما أنجع، ولم يقع من السلطان بموقع، ولا لقي أطباء الحضرة، بما يجب، فتقهقر وذمّ وأعيد إلى دمشق مبرقع الوجه بالخجل، خائب الظنة والأمل. ثم عقد له مجلس بحضرة تنكز لدواء وصفه
стр. 3982
لابنه، وكان قد جمد اللبن في معدنه، فوصف له أنفحة الجداي، فأنكرت الأطباء ذلك، فادّعى الصواب، وحضر المجلس المعقود له أعيان الفقهاء والحكماء، وطولب بالنقل، فأحضره، فلم ينهض بصدق دعواه، وعلى هذا فلم ينقم عليه تنكز كراهيته له، وتوفي في .... (١).
ومنهم:
١٤٩ - أحمد بن شهاب الدين أبو محمد الكحال الجرائحي (١٣)
ذو يد في صناعته ولسان، وأسى لأعمال يديه وإحسان، جرى ممتد الأرسان، واتخذ يدا عند كل يد وصنيعة عند كل إنسان، وكان رب علم يدرس وينسخ، وعمل يقطع لأجل ميل منه مائة فرسخ، فطالما بصّر من عمي، وحقن دما إذ أراق دما، بعلاج كم جبر من كسر، وأطلق من أسر، وظهر بأشتات من المحاسن جمع منها عديدا، وجعل سيف النظر بالجلاء مجوهرا وكان حديدا، هذا إلى خبرة بمفردات الأكحال وترتيبها، ومجمعات أجزائها وتركيبها، فكم سوّى منها ما خلق، وداوى رمد العين وقد خلق الإنسان من علق.
ومنهم:
١٥٠ - الفتح السامري: هو ابن يوسف بن إسحاق بن مسلم (١٤)
من سبط يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو آخر من بقي في
стр. 3983
الإقليمين، وصلح للتعليمين، برع في الحكمة على إطلاقها، وأعرف عن بدائع اخلاقها، وأتقن فروع الطب حتى أصبحت به فروعها مثمرة، وأغصانها على أصول الحكمة نضرة، وقرأ جانبا من النحو أقام به أود لسانه، وقام به في جدد الإحسان، وكتب خطا كما حشي عنبر الأصداغ، وسلك طرقا من العبارة لها من نطف القلوب مساغ.
قرأ الطب على النفيس السامري، وغيره، وتخرّج مع سلف الأطباء، وزاحم بقايا تلك القنن، وطبّب وعالج، وظهر حسن أثره، وعرف يمن علاجه، وأثنى عليه الأفاضل، وشهدت له الأطباء بالإجادة، وكان شيخنا ابن الزملكاني يقول:
ما رأيت في المسلمين أصح من ذهن البرهان الزرعي، وفي غير المسلمين من أبي الفتح السامري، قلت له مرة: فأيهما أصح ذهنا؟. قال: أبو الفتح. وكان ﵀ يدع مشاهير الأطباء في زمانه، ومنهم الأمين سليمان، وهو أصدق صديق له، وأصحب صاحب يعتمد عليه، ويطلب الحكيم أبا الفتح ويستطبّه، وإذا حضر هو وغيره من الأطباء وهم كهول، وهو شاب، ترك أقوالهم واتبع قوله، وجعل عمدة طبه عليه.
وحكى لي ولده تقي الدين عبد الرحمن قال: مرض أبي مرضة استشعر في مباديها أنها ستطول به مدتها، وتثقل عليه، فطلبني وقال: يا بني، أنا ما أعتمد في الطب إلا على أبي الفتح السامري، فإن ثقل بي المرض وغاب ذهني عني بالحمى أو غير ذلك لا تعدل بي عن طبه ومعالجته، وإياك أن تغتر وتميل إلى قول سواه، فإن أبا الفتح صحيح الحدس في معرفة المرض، وعليه رتب المداواة.
قال: وكان كثير الثناء عليه، ولما كنا بحلب كان يقول إذا ذكر دمشق وحسنها يقول: كيف لا أتأسف على دمشق وفيها ربيت ونشأت؟ وفيها مثل
стр. 3984
أبي الفتح، وكان لا يزال يشتاق إليه ويتأسف عليه.
قلت: والحكيم أبو الفتح هو اليوم واحد زمانه، منقطع القرين، ما له نظير في معرفة علم الطب، وحسن العلاج، ولطف المداواة، إلى حسن الوجه، والشكل، والعبارة، والخط، وما عليه من القبول مع إذعان كل حكماء زمانه وأطباء دهره له بالتقدم والتفرد وحده في الرتبة والمكان، وما خلا الوقت ومثله موجود في الزمان.
ومنهم:
١٥١ - غنائم السامري، وهو ابن المهذب يوسف كاتب الزردكاش (١٣)
ملاطف ملأ طيف كل جفن من كرى، وعدل مزاج الزمان لم يدع منكرا.
أبطل ذكر ابن بطلان، وأسخط علي بن رضوان، وأتى بما لو رآه ابن ماسويه لمسّه الإعجاب، أو حنين بن إسحاق لما وسعه إلا أن يتستّر بما طال من الثياب.
قرأ على أبيه المهذّب، وأخذ عن النفيس، وأذن له في الطب، وتصرّف وطبّب، واشتهر بالعلم والاستحضار للنقل والمفردات، والعلاج الحسن، والملاطفة التامة، وغرائب المداواة، وهو ممن تزهو به دمشق، وتستطيل في الفخار، مع ما طبع عليه من أناة ورفق، وتودّد، وحسن تبصّر، ومعرفة لا تقصر، ورأيت من يرجّحه على أبيه، ويصفه ويبالغ فيه، والناس فيه وفي الحكيم أبي الفتح على قولين، وعلى الجملة فأين مثلهما أين؟.
стр. 3985
فأما أطباء الغرب بما وقع في جانبه من مصر والاسكندرية،
فمنهم:
١٥٢ - إسحاق بن عمران (١٣)
حلّق تحليق العقاب، وحلّ حيث لا يعاب. وافى ديار مصر فكان زلالا، وأتى المغرب فكان هلالا، فطاب به الواديان، وكان كقاب قوسين منه الواليان، واستوطن أفق المغرب وشمسه ما أذنت بأفول، وشهبه ما آن لقلائصها قفول، ثم كان يتشوق العراق، وبرد نسيمه، وورد تسنيمه، ولكن لم تدن له الأماني، ولم تدن لسعيه المتواني، ولم يتمناها إلا حين لا أوان وحيث دنت وقد حيل بين العير والنزوان.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا مشهورا، وعالما مذكورا، ويعرف بسم ساعة، قال ابن جلجل: كان مسلم الدين، بغدادي الأصل، بعث إليه ابن الأغلب (١) ألف دينار وراحلة، وكتاب أمان بخط يده أنه متى أحب الانصراف إلى وطنه انصرف، واستجلبه، حتى دخل أفريقية على شروط ثلاثة، لم يف له بواحد منها.
قال: وبه ظهر الطب في الغرب، وعرفت الفلسفة، وكان خبيرا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه وجودة قريحته.
استوطن القيروان حينا، وألف سكنه، وألّف فيه كتبا منها: كتابه في داء
стр. 3986
الماليخوليا، لم يسبق إليه، ثم توحّش له ابن الأغلب، وكان نهما، وكان إسحاق يمنعه من كثير من المآكل، فقدم عليه حدث يهودي من الأندلس، فكان يخالف إسحاق فيما يشير به على ابن الأغلب، فقدّم إليه يوما لبن، وكان يشكو ضيق نفس، فنهاه إسحاق عن أكله، وهوّنه اليهودي عليه، فأكله، فعرض له في الليل ما أشرف منه على الهلاك، فأرسل يقول لإسحاق: هل عندك علاج؟. فقال: لا.
فقيل له: هذه خمس مائة دينار، وعالجه. فأبى، فلم يزل حتى أوصل إلى ألف دينار، فأخذها، وأطعمه الثلج حتى امتلأ، ثم قيّأه، فخرج جميع اللبن، وقد تجبّن ببرد الثلج، فقال له إسحاق: أيها الأمير، لو دخل هذا اللبن أنابيب رئتيك ولج فيها أهلكك بضيق النفس، لكنني أجهدته وأخرجته قبل وصوله، فقال ابن الأغلب: باع والله إسحاق روحي في البدء اقطعوا رزقه. فخرج إسحاق إلى مكان من رحاب القيروان، وصار يكتب الصفات (١) كل يوم بدنانير كثيرة، فقيل لابن الأغلب: طردت إسحاق أو دللته على الغنى؟ فسجنه، فتبعه الناس إلى السجن يستوصفونه، فأخرجه ليلا ثم كانت له معه حكايات ومعاتبات أحنقته عليه، ففصده في ذراعيه حتى مات، ومكث حتى عشّش في جوفه الطير.
ومنهم:
١٥٣ - إسحاق بن سليمان الإسرائيلي أبو يعقوب (١٣)
المعروف المشهور، والمألوف طبه المشكور، طالما وهب الكواكب أيقاظ نومه،
стр. 3987
ومنح الغياهب (١) أنقاض يومه، ودانى العلياء لو حفظ لسانه، ولفظ إلا إحسانه، لم يسلم من عثرات لا تقال، وتحفظ ولا تقال (٢)، لعجلة كانت له خلقا، وكالت بالمكاييل عليه الشقا، فلم يخل من ملام، وكلام مثل كلام (٣).
قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا فاضلا، بليغا عالما، مشهورا بالحذق والمعرفة، جيد التصنيف، عالي الهمة، وهو الذي شاع ذكره وانتشرت معرفته بالإسرائيلي، وهو من أهل مصر، وكان يكحّل في أوليته، ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمرن، وتتلمذ له، وخدم المهدي عبيد الله (٤) بالطب، وعمّر إلى أن نيّف على مائة سنة، ولم يتزوج امرأة، ولا ولد ولدا، وقيل له: أيسرك أن تخلف ولدا؟.
فقال: أما إذا بقي بعدي كتاب " الحميّات " فلا!. يعني: أن بقاء ذكره بهذا الكتاب الذي صنفه أكثر من بقاء ذكره بالولد.
ويروى أنه قال: لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد (٥).
وحكى قال: لما قدمت من مصر على ابن الأغلب، بعث إليّ بخمس مائة دينار، قويت بها على السفر، فلما وصلت أدخلت عليه ساعة وصولي، فسلمت عليه بالإمرة، وفعلت ما يجب أن يفعل للملوك من التعبد، فرأيت
стр. 3988
مجلسه قليل الوقار، والغالب عليه حب اللهو، فابتدأني بالكلام، فقال ابن حبيش (١) المعروف باليوناني: تقول: إن الملوحة تحلو؟. قلت: نعم. قال:
فالحلاوة إذا هي الملوحة، والملوحة هي الحلاوة، فقلت: إن الحلاوة تحلو بلطف وملائمة، والملوحة تحلو بعنف. وتمادى على المكابرة، وأحب المغالطة، فلما رأيت ذلك منه قلت له: أنت حيّ؟. قال: نعم. قلت: والكلب حي. قال: نعم.
قلت: فأنت الكلب، والكلب أنت!. فضحك ضحكا شديدا، فعلمت أن رغبته في الهزل أكثر من الجد.
قال: فلما وصل داعي المهدي (٢) إلى" رقادة " (٣) أدناني وقرّبني، وكانت به حصاة في الكلى، فعالجته بدواء فيه العقارب المحرقة، فجلست ذات يوم مع قوم من كنانة، فسألوني عن صنوف من العلل، وبقيت كلما أجبتهم لا يفقهون قولي، فقلت لهم: إنما أنتم بقر!، فبلغ الخبر داعي المهدي، فقال لي: أتقابل إخواننا المؤمنين بما لا يجب! وتالله الكريم لولا أنني أعذرك بأنك جاهل بحقهم، وبما صار إليهم من معرفة الحق وأهله لأضربنّ عنقك.
стр. 3989
ومنهم:
١٥٤ - أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد المعروف: بابن الجزار القيرواني أبو جعفر (١٣)
طبيب كان في فعله محمودا، وعلى فضله محسودا، يكاد طبّه يدافع الآجال، ويضيّق على جالينوس المجال، إلى دقائق أخرى، وحقائق أبقت له إلى الأخرى، مع رتبة لو أنها للنجوم لتقرّطت بأشنافها (١)، أو بالعلوم لما كانت إلا لأشرافها. وكان لا يشمخ الكبر بعرنينه (٢)، ولا يطمع الببر (٣) في دخول عرينه، وإنما كان يتحلى بالاتّضاع، ولا يروّع بفصال له من رضاع، ثم سكن الترب مضجعا، وساء شامتا ومتوجّعا، وأمسى رهين عمله، وضمين اليأس لانقطاع أمله.
قال ابن أبي أصيبعة: " طبيب ابن طبيب ابن طبيب، ممن أخذ عن إسحاق بن سليمان، وكان من أهل الحفظ والتطلع، والدراسة في الطب وسائر العلوم، حسن الفهم لها.
стр. 3990
قال ابن جلجل: كان قد أخذ لنفسه مأخذا في سمته وهديه وتعدّده، ولم تحفظ له زلة، ولا أخلد إلى لذة، وكان يشهد الجنائز والأعراس، ولا يركب إلا إلى المهدي عبيد الله، وإلى عمه أبي طالب، فإنه كان له صديقا حميما، وأليفا قديما، وكان يأتيه في كل يوم جمعة، وكان ينهض في كل عام إلى رباط البحر فيكون طول مدة القيظ، وعالج ولد النعمان القاضي (١)، فبعث إليه بمنديل مملوءة بكسوة وثلاثمائة دينار، فلم يأخذ شيئا، فقيل له: رزق ساقه الله إليك.
فقال: والله لا كان لرجال معد قبلي نعمة.
وعاش نيفا وثمانين سنة، وترك أربعة وعشرين ألف دينار، وخمسة وعشرين قنطارا، من كتب طبية وغيرها.
ومنهم:
١٥٥ - حمدون أثا (١٣)
شفى المرض بطبه، وهوّن عن المريض همّ خطبه، وأحسن علاجا، وأحسن في ليل المساءة انبلاجا، وسلك من طرق القدماء أحصنها، وأحلّ من رمق الذماء (٢) أحسنها، وكان لا يكره على مرّ الدواء، ولا يضيق في علاج الداء، لمعرفته بالأبدال، وقدرته إذا جد الجدال، فلم يزل محظيا، ولم يبرح في قومه رضيا.
стр. 3991
قال ابن أبي أصيبعة: "كان في أيام محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان حاذقا مجربا، وكان صهر بني خالد، وله بقرطبة أصول ومكاسب، وكان لا يركب الدواب إلا من نتاجه، ولا يأكل إلا من زرعه، ولا يلبس إلا من كتان ضيعته، ولا يستخدم ببلاده إلا من أبناء عبيده".
ومنهم:
١٥٦ - يحيى بن إسحاق (١٣)
حكيم لم يكذب صدق حدسه، ولا خفي غامض على حسّه. كان بصره منوّرا، ونظره لخفايا البواطن متصورا، ولهذا قرطس سهمه، وقرّط بالثريا اسمه، وسبق اسمه النجوم وقطعها، وسار في جميع الأرض كأنه أقطعها (١)، وكان أهل زمانها يتهادونه الرياحين، ويظنون أنهم يحيون به إلى حين، وهيهات فيم يفخرون، وهيهات إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال: "كان طبيبا بصيرا بالعلاج، صانعا بيده، وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر، بمكان الثقة، وكان يطلعه على الكرائم والخدم، وكان قد أسلم.
قال ابن جلجل عن رجل كان بباب داره إذ أتى بدوي على حمار وهو
стр. 3992
يصيح، فخرج إليه وقال له: ما بالك يا هذا؟ فقال: أيها الوزير، ورم في إحليلي منعني من النوم منذ أيام كثيرة، فقال له: اكشف عنه. فكشف فإذا هو وارم، فقال لرجل كان مع العليل: اطلب له حجرا أملس، فأتاه به، فقال: ضعه على كفك، وضع عليه الإحليل، ففعل، فلما تمكن إحليل الرجل من الحجر، جمع الوزير يده وضرب على الإحليل ضربة غشي على الرجل منها، وجرى من الإحليل صديد الدم إلى أن نزف، ثم فتح عينيه، وبال البول، فقال له: اذهب فقد برئت، وأنت كنت قد عيّثت فأتيت بهيمة في دبرها! فصادفت شعيرة من علفها، فلجّت في عين الإحليل، فورم لها، وقد خرجت الآن في الصديد!!.
فقال الرجل: قد كان ذلك مني، وأقرّ بفعلته.
ومنهم:
١٥٧ - أبو داود بن جلجل: وهو سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل الحكيم (١٣)
فاض بحره التيار، وفات سرى الكواكب ذكره السيّار، وحام على المجرّة ووردها، وجفا بطبه بنات نعش ووأدها، ولجّ على عارض الحرارة وأطفأ موقدها، وحلّ مجالس الملوك وحل عقدها، وخزي به المرض واكتأب، وحصّل بصناعته الأموال واكتسب، ولم يكن ممن يتهوّر في إقدام، ولا يتصور أن ينقل إلى ذي سفالة أقدام، فكان مدة حياته موقرا، لا يطأ أخمصه إلا حريرا وعبقرا.
стр. 3993
قال ابن أبي أصيبعة: " كان خبيرا بالمعالجات، جيد الصرف في صناعة الطب، وكان في أيام هشام المؤيد، وخدمه، وله اعتناء بقوى الأدوية، وفسّر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي، وأفصح عن مكنونها، وأوضح مستغلق مضمونها، وهذا الكتاب ترجمه اسطفان (١) أيام المتوكل، وفسّر من مفرداته ما عرف له اسم في اللغة العربية، وأبقى اسم ما لم يعرف له اسم.
قال: وأهدى أومانون صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر هدايا جليلة عظيمة المقدار، منها كتاب ديسقوريدس مكتوبا بالإغريقي، وهو اليوناني، مصورا بالتصوير الرومي العجيب، وكتب إلى الناصر يقول له: إن هذا الكتاب لا يجتنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني، ويعرف أشخاص الأدوية. فإن كان في بلدك من يحسن هذا، فزت بفائدة هذا الكتاب؛ فبقي في خزانة الناصر، ثم بعث أرمانوس إلى الناصر راهبا اسمه نقولا، ففسّر من أسماء عقاقير ما كان مجهولا، وهو أول من عمل بقرطبة درياق الفاروق.
قال ابن جلجل: واجتمع أطباء قرطبة مع نقولا على معرفة أشخاص الأدوية المذكورة في كتاب ديسقوريدس قال: وأدركت نقولا الراهب ومن اجتمع معه في أيام المستنصر الحكم، في صدر دولته، وصحبتهم فصحّ ببحث هؤلاء الوقوف على أشخاص هذه العقاقير بمدينة قرطبة، وتصحيح أسمائها إلا القليل الذي لا بال به ولا خطر له، وذلك يكون في مثل عشرة أدوية.
стр. 3994
ومنهم:
١٥٨ - أبو جعفر يوسف بن أحمد (١) بن حسداي (١٣)
حكيم جلّ قدره، وجلا الظلماء بدره، تصدى طبه للأدواء فحسمها، وشدّ بها بناء الأعضاء وقد حطمها، وسرى علاجه في العلل الجسام، سريا لأرواح في الأجسام، وبهذا ثبت زلزالها وردّها إلى مصاحبة الجسوم وقد نوت اعتزالها، وفعل في هذا الغاية بلطف مداراته، وكف ما لم يقدر الثوب على مواراته، ثم لم يغن عنه طبه إذ حان حينه (٢)، وقرب ما بينه وبين الموت بينه.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: "من الفضلاء في صناعة الطب، وله اعتناء بالغ بالاطلاع على كتب أبقراط، وجالينوس، وفهمهما، وكان قد سافر من الأندلس إلى مصر، واشتهر بها ذكره في أيام الآمر (٣)، وكان خصيصا بالمأمون الآمري الوزير، وكان قد أمره المأمون بشرح كتاب الإيمان لأبقراط، فشرحه. وكان مدمنا للشراب، وعنده دعابة ونوادر. حكي أنه كان قد رافق بعض الصوفية في سفرة سافرها من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الصوفي: أين تنزل في القاهرة حتى أكون أراك؟.
فقال: ما في نيّتي أنزل إلا في الخمارة، وأشرب!. فغضب الصوفي عليه. فلما أتيا القاهرة تفرّقا، فلما كان في بعض الأيام مر ابن حسداي في السوق، وإذا بأفواج
стр. 3995
الناس مزدحمة، وبينهم صوفي يعزّر، فنظر إليه فإذا هو صاحبه قد أمسك وهو سكران، فقال له ابن حسداي: والله ما قتلك إلا الناموس (١).
ومنهم:
١٥٩ - الغافقي: وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سند (١٣)
رسا في العلم ورسخ، وأنسى ما في كتب القدماء ونسخ، وطلع في هالات الأهلّه، وأراع علالات العله، وناسب ما يلائم النفوس وصفا، وورد مثل زرق النطاق وأصفى، ولم يعد مريضا إلا كشف غمّاء المرض، وكف إيماء المرض، وكان يتبرّك بعيادته، ويتيمن تيمنا كان سببا لسيادته، إلا أنه بمعرفة قوى الأدوية أدرب، وحدسه فيها أأرب، وكلامه فيها كلام من رأى وجرّب.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: "إمام فاضل، وحكيم عالم، ويعدّ من الأكابر، وكان أعرف أهل زمانه بقوى الأدوية المفردة، [وكتابه في الأدوية المفردة] (٢) لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له وقد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس والفاضل