← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

قال ابن أبي أصيبعة: "كان في أيام محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان حاذقا مجربا، وكان صهر بني خالد، وله بقرطبة أصول ومكاسب، وكان لا يركب الدواب إلا من نتاجه، ولا يأكل إلا من زرعه، ولا يلبس إلا من كتان ضيعته، ولا يستخدم ببلاده إلا من أبناء عبيده". ومنهم: ١٥٦ - يحيى بن إسحاق (١٣) حكيم لم يكذب صدق حدسه، ولا خفي غامض على حسّه. كان بصره منوّرا، ونظره لخفايا البواطن متصورا، ولهذا قرطس سهمه، وقرّط بالثريا اسمه، وسبق اسمه النجوم وقطعها، وسار في جميع الأرض كأنه أقطعها (١)، وكان أهل زمانها يتهادونه الرياحين، ويظنون أنهم يحيون به إلى حين، وهيهات فيم يفخرون، وهيهات إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. ذكره ابن أبي أصيبعة وقال: "كان طبيبا بصيرا بالعلاج، صانعا بيده، وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر، بمكان الثقة، وكان يطلعه على الكرائم والخدم، وكان قد أسلم. قال ابن جلجل عن رجل كان بباب داره إذ أتى بدوي على حمار وهو

стр. 3992

يصيح، فخرج إليه وقال له: ما بالك يا هذا؟ فقال: أيها الوزير، ورم في إحليلي منعني من النوم منذ أيام كثيرة، فقال له: اكشف عنه. فكشف فإذا هو وارم، فقال لرجل كان مع العليل: اطلب له حجرا أملس، فأتاه به، فقال: ضعه على كفك، وضع عليه الإحليل، ففعل، فلما تمكن إحليل الرجل من الحجر، جمع الوزير يده وضرب على الإحليل ضربة غشي على الرجل منها، وجرى من الإحليل صديد الدم إلى أن نزف، ثم فتح عينيه، وبال البول، فقال له: اذهب فقد برئت، وأنت كنت قد عيّثت فأتيت بهيمة في دبرها! فصادفت شعيرة من علفها، فلجّت في عين الإحليل، فورم لها، وقد خرجت الآن في الصديد!!. فقال الرجل: قد كان ذلك مني، وأقرّ بفعلته. ومنهم: ١٥٧ - أبو داود بن جلجل: وهو سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل الحكيم (١٣) فاض بحره التيار، وفات سرى الكواكب ذكره السيّار، وحام على المجرّة ووردها، وجفا بطبه بنات نعش ووأدها، ولجّ على عارض الحرارة وأطفأ موقدها، وحلّ مجالس الملوك وحل عقدها، وخزي به المرض واكتأب، وحصّل بصناعته الأموال واكتسب، ولم يكن ممن يتهوّر في إقدام، ولا يتصور أن ينقل إلى ذي سفالة أقدام، فكان مدة حياته موقرا، لا يطأ أخمصه إلا حريرا وعبقرا.

стр. 3993

قال ابن أبي أصيبعة: " كان خبيرا بالمعالجات، جيد الصرف في صناعة الطب، وكان في أيام هشام المؤيد، وخدمه، وله اعتناء بقوى الأدوية، وفسّر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي، وأفصح عن مكنونها، وأوضح مستغلق مضمونها، وهذا الكتاب ترجمه اسطفان (١) أيام المتوكل، وفسّر من مفرداته ما عرف له اسم في اللغة العربية، وأبقى اسم ما لم يعرف له اسم. قال: وأهدى أومانون صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر هدايا جليلة عظيمة المقدار، منها كتاب ديسقوريدس مكتوبا بالإغريقي، وهو اليوناني، مصورا بالتصوير الرومي العجيب، وكتب إلى الناصر يقول له: إن هذا الكتاب لا يجتنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني، ويعرف أشخاص الأدوية. فإن كان في بلدك من يحسن هذا، فزت بفائدة هذا الكتاب؛ فبقي في خزانة الناصر، ثم بعث أرمانوس إلى الناصر راهبا اسمه نقولا، ففسّر من أسماء عقاقير ما كان مجهولا، وهو أول من عمل بقرطبة درياق الفاروق. قال ابن جلجل: واجتمع أطباء قرطبة مع نقولا على معرفة أشخاص الأدوية المذكورة في كتاب ديسقوريدس قال: وأدركت نقولا الراهب ومن اجتمع معه في أيام المستنصر الحكم، في صدر دولته، وصحبتهم فصحّ ببحث هؤلاء الوقوف على أشخاص هذه العقاقير بمدينة قرطبة، وتصحيح أسمائها إلا القليل الذي لا بال به ولا خطر له، وذلك يكون في مثل عشرة أدوية.

стр. 3994

ومنهم: ١٥٨ - أبو جعفر يوسف بن أحمد (١) بن حسداي (١٣) حكيم جلّ قدره، وجلا الظلماء بدره، تصدى طبه للأدواء فحسمها، وشدّ بها بناء الأعضاء وقد حطمها، وسرى علاجه في العلل الجسام، سريا لأرواح في الأجسام، وبهذا ثبت زلزالها وردّها إلى مصاحبة الجسوم وقد نوت اعتزالها، وفعل في هذا الغاية بلطف مداراته، وكف ما لم يقدر الثوب على مواراته، ثم لم يغن عنه طبه إذ حان حينه (٢)، وقرب ما بينه وبين الموت بينه. قال ابن أبي أصيبعة فيه: "من الفضلاء في صناعة الطب، وله اعتناء بالغ بالاطلاع على كتب أبقراط، وجالينوس، وفهمهما، وكان قد سافر من الأندلس إلى مصر، واشتهر بها ذكره في أيام الآمر (٣)، وكان خصيصا بالمأمون الآمري الوزير، وكان قد أمره المأمون بشرح كتاب الإيمان لأبقراط، فشرحه. وكان مدمنا للشراب، وعنده دعابة ونوادر. حكي أنه كان قد رافق بعض الصوفية في سفرة سافرها من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الصوفي: أين تنزل في القاهرة حتى أكون أراك؟. فقال: ما في نيّتي أنزل إلا في الخمارة، وأشرب!. فغضب الصوفي عليه. فلما أتيا القاهرة تفرّقا، فلما كان في بعض الأيام مر ابن حسداي في السوق، وإذا بأفواج

стр. 3995

الناس مزدحمة، وبينهم صوفي يعزّر، فنظر إليه فإذا هو صاحبه قد أمسك وهو سكران، فقال له ابن حسداي: والله ما قتلك إلا الناموس (١). ومنهم: ١٥٩ - الغافقي: وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سند (١٣) رسا في العلم ورسخ، وأنسى ما في كتب القدماء ونسخ، وطلع في هالات الأهلّه، وأراع علالات العله، وناسب ما يلائم النفوس وصفا، وورد مثل زرق النطاق وأصفى، ولم يعد مريضا إلا كشف غمّاء المرض، وكف إيماء المرض، وكان يتبرّك بعيادته، ويتيمن تيمنا كان سببا لسيادته، إلا أنه بمعرفة قوى الأدوية أدرب، وحدسه فيها أأرب، وكلامه فيها كلام من رأى وجرّب. قال ابن أبي أصيبعة فيه: "إمام فاضل، وحكيم عالم، ويعدّ من الأكابر، وكان أعرف أهل زمانه بقوى الأدوية المفردة، [وكتابه في الأدوية المفردة] (٢) لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له وقد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس والفاضل

стр. 3996

جالينوس بأوجز لفظ، وأتم معنى، ثم ذكر ما تجدّد للمتأخرين فيها من الكلام، وما ألمّ به كل واحد منهم، فجاء كتابه جامعا لما قاله الأفاضل فيها ودستورا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه منها. ومنهم: ١٦٠ - أبو بكر عتيق بن تمام ابن أبي النوق (١) الأزدي (١٣) طبيب أبرأ الأسقام، وأريت له من الفضل أوفر الأقسام، جرى في طلق الوفا، وجرب منه مطلق الشفا، هذا وهو شاعر لا يذعر (٢) له جنان، ولا يشعر إلا وفي فيه سنان، يبعث سمام الأرقم، ويجرع الحمام في كأس العلقم. قال ابن رشيق: " غلب عليه اسم الطب، فعرف به لحذقه، ومكان أبيه منه، وهو شاعر حاذق، مفتوق اللسان، حاضر الخاطر، لم أر قط أسهل من الشعر عليه، يكاد لا يتكلم إلا به، وأكثر تأدبه بالأندلس، لقي بها ناسا وملوكا، وأخذ الجوائز، وقارع فحول الشعراء. ومما أنشده له قوله: [الطويل] فلم أنسها كالشمس أسبل فوقها … من الشعر الوحف (٣) الأثيث (٤) عذوق فلو ذاب ذا أو سال جريال (٥) خدها … جرى سيح (٦) منه وسال عقيق

стр. 3997

قال: فأنت ترى الطبع كيف حمل هذا المعنى، كما تحمل الأرواح الأجسام، ولو وضع بين فسطاط المحرزين، وحمل على مذاهب المتعصبين، لرأيته أثقل من العذل، وأقتل من الجهل، لأن التصنع تكلّف، والتكلّف مغصوب مكره، غير أن القسم الآخر منقول بذاته من شعر ابن هانئ في وصف فرس. ومن أبيات ابن أبي البوق: [الطويل] فمت تسترح يا قلب إن كنت عاشقا … فإنك فيها بالممات خليق ومن لم يمت في إثر إلف مودع … فليس له بالعاشقين لحوق ومما أنشد له أيضا قوله (١): [البسيط] يحمّل المرهقين الطائعين له … في منتهى الحط أو في منتهى الفتن حتى إذا انكشفت عن عارض حسن … سحب تصدى لها بالمنصل الخشن أراه ضربا يريه أهله معه … ويقدح النار بين الرأس والبدن تركت أهلي وأوطاني لقصد فتى … يداه أخصب من أهلي ومن وطني عليّ (٢) الماجد الحرّ الجواد ومن … في حزمه جمع الأشتات للحسن ومن إذا استمطر العافون راحته … سقتهم فوق سقي الوابل الهتن ومن حوى رتبا لم يحوها بشر … إلا الذي ولدوه معدن المنن والفرع عن جده ينمي ومحتده … والخير والشر مشروبان في اللبن تجري النجابة طبعا في شمائله … والمجد والبشر جري الماء في الغصن

стр. 3998

وقوله: [السريع] يا قائدا ما مثله قائد … يشكره القائم والقاعد وواحدا ما إن له مشبه … وماجد ما فوقه ماجد ومن غدا بأبيه والدا … برا لمن ليس له والد إن قلت: كالبحر عطاء فإ … نّ البحر لا يشكره الوارد أو قلت كالقطر سماحا فإ … نّ القطر مع كثرته نافذ أو قلت كالبدر فقد ين … قص البدر وهذا أبدا زائد هذا عليّ واحد للعلى … أوحده في عصره الواحد أنا الفتى الشاكر إحسانه … والله والله أبدا شاكد (١) ومنهم: ١٦١ - أبو محمد المصري (١٣) الحكيم لا يقصر في حكمه، ولا يعجز أن ينطق من تمادى في بكمه، جرى الأدب بقلمه، وسرى نفس في كلمه، وحظي بقبول كان يتلقاه حيث حل،

стр. 3999

ويحله أكرم محل، ويتحفه بحباء الملوك بما ينعم به بالا، ويعم حساده وبالا، قد أوثقته الحدق النجل جراحا، وأوبقيته الذوائب فلا يجد سراحا، وكان كالخمر في سلب العقول، وكالسحر في الخلب بما يقول، حاذقا بصيد الدراهم، واستخراج خبايا الحبوب، ولو زرّرت بحدق الأراقم. قال ابن بسام فيه: "شيخ الفتيان، وآبدة الزمان، [وخاتمة أصحاب السلطان] وكان رحل إلى مصر واسمه خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس، وقد نشأ خلقا جديدا، وأجرى إلى النباهة طلقا بعيدا، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفاصيل والجمل، وكلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتموّل في كل بلد، وتلوّن في العلوم بلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقها تلاعب الريح بالأغصان، حتى ظفر به ابن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفا سهلا، وسلطانا غفلا، فسرّ وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء. وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلّق بسببه حتى اشتهر به. وكان حسن البيان، مليح المجلس، حاضر الجواب، كثير النادر، راوية للشعر والمثل السائر، نسّابة للمفاخر، عارفا بالمثالب والمناقب، وكان بالجملة روضة أدب، وهيهات أن يأتي الدهر بمثله. وتحيز إلى إشبيلية فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظا من سلطانه، ثم بقي بعده على حاله مشتملا بفضل إقباله، ممتعا مقبلا على لذاته. ومما أنشد له قوله: [البسيط] قال الوشاة ودمع العين منحدر … ودمعه فوق روض الورد قد حارا النار يحرقها قلبي بزفرته … من العجيب فؤاد يحرق النارا!!

стр. 4000

وقوله: ظلك أضحى لي بلا مرية … مؤثرا في خدك الناضر ما أرفق الله بأهل الهوى … إذ صيّر الجور على الجائر وقوله: [الطويل] ومن أصبحت فيه المكارم جوهرا … بلا عرض فالمدح فيه قبيح ولكن رأيت الشعر يثبت ذكره … فلا غرو أن يهدى إليك مديح وقوله - وهو معنى قول أبي نواس ولكنه نقله -: [الوافر] وما يحتاج يوم الحرب جيشا … فإن عداه كالزرع الحطيم وإن أبقى لهم فرعون سحرا … ففي يده عصا موسى الكليم وقوله في مهر قتله تغالب الفحول عليه: [البسيط] يا يوسف الخيل يا مقتول إخوته … قلبي لفقدك بين الحرب والحرب إن كان يعقوب لم يقنع بكذبهم … إني لأقنع منهم بالدم الكذب وما التناسب في القربى بنافعة … إن لم تكن أنفس القربى ذوي نسب وقوله يصف قصر طليطلة (١): [الكامل] قصر يقصر عن مداه الفرقد … عذبت مصادره وطاب المورد وكأنما الأقداح في أرجائه … درّ جماد ذاب فيه العسجد وقوله يصف القبة: [الكامل] شمسية الأنساب بدرية … يحار في نسبتها الخاطر كأنما المأمون بدر الدجى … وهي عليه الفلك الدائر

стр. 4001

وقوله: [مخلع البسيط] أي هلال أطلّ فينا … مطلعه الطوق والجيوب يقودنا كيف شاء طوعا … لأن أعوانه القلوب ومنهم: ١٦٢ - أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني (١٣) رجل يرتع في حديقته، ويرجع الفضل إلى حقيقته، لا يقف سيف ذهنه عند حد، ولا يخرج ما سمع في حافظته من لجد حسيا في الطلب، لا ينال باللمس، ونسبا في الأدب إلا أن أمية بن عبد العزيز لا يقاس به به أمية بن عبد شمس. قال ابن خلكان: " كان فاضلا في علوم الآداب، صنّف كتابه الذي سماه: الحديقة. على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي وكان عارفا بفن الحكمة، وكان يقال له الأديب الحكيم، وكان ماهرا في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس، وسكن الإسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية، فمات بها، وذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه". وذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: " وهو من الأكابر الفضلاء في الطب وغيره،

стр. 4002

وبلغ في الطب مبلغا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من الأدب ما لم يدركه كثير من الأدباء، وكان فريدا في علم الرياضي، مجيدا في صنعة الموسيقى، جيد اللعب بالعود، لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، لشعره رونق، وأتى مصر وأقام مدة بالقاهرة، ثم عاد إلى الأندلس، وحبس بالإسكندرية، لأنه كان قد غرق بها مركب فيه أموال جليلة، فالتزم بعمل آلات يخرج بها المركب بما فيه، وشرع في عمل الآلة بحبال الإبريسم، تنطوي على دواليب، ليرفع بها المركب الغارق، فغرم عليها جملة طائلة، فلما ظهر المركب الغارق وقارب الخارج، ثقل على الحبال، فقطعها وسقط إلى قعر البحر، فغضب الوالي عليه، وحبسه، فكتب إلى ابن الصيرفي يستشفع به، وبعث إليه بقصيدتين، يمدح بهما الأفضل ابن أمير الجيوش. وأول الأولى: [مجزوء الكامل] الشمس دونك في المحل … والطيب ذكرك بل أجل وأول الثانية: [الكامل] نسخت غرائب مدحك التشبيبا … وكفى بها غزلا ونسيبا فأجابه بجواب وهو: [الطويل] لئن سترتك الجدر عنا فربما … رأينا جلابيب السحاب على الشمس وردتني رقعة مولاي فأخذت في تقبيلها كأني ظفرت بيد مصدّرها، أو تمكنت من أنامل مسطرها، ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر، وما أودعته من الجواهر التي قذف بها فيض الخاطر: [الطويل] نكرر طورا من قراة فصوله … فإن نحن أتممنا قراءته عدنا

стр. 4003

إذا ما نشرناه فكالمسك نشره … ونطويه لا طيّ السآمة بل ضنّا فأما ما اشتملت عليه من الرضا فحكم الدهر ضرورة، وكون ما اتفق عارض بتحقق ذهابه ومروره ثقة بعواطف السلطان ومراحمه، وسكونا إلى ما جبلت النفوس عليه من معرفة فواضله ومكارمه، فهذا قول مثله ممن طهر الله دينه ونزّه من الشكوك ضميره ويقينه: [الكامل] لا يؤيسنك من تفرج كربة … خطب رماك به الزمان الأنكد صبرا فإن اليوم يتبعه غد … ويد الخلافة لا تطاولها يد وأما ما أشار إليه من أن الذي مني به من تمحيص أوزار سبقت، وتنقيص ذنوب اتفقت، فقد حاشاه الله من الدنايا، وبرأه من الآثام والخطايا، بل ذلك اختبار لتوكله وثقته كما يبتلى المؤمنون الأتقياء، ويمتحن البررة الأولياء، والله يدبره بأحسن التدبير، ويقضي له بتسهيل كل عسير، وقد اجتمعت بفلان فأعلمني أنه تحت وعد، وأنه ينتظر فرصة من التذكار ينتهزها ويغتنمها، ويرتقب فرجة للتقاضي يتولجها ويقتحمها، والله يعينه على ما يضمر من ذلك وينويه، ويوفقه فيما يحاوله ويبغيه، وأما القصيدتان فما عرفت أحسن منهما مطلعا ولا أجود متصرفا ومتقطعا، ولا أملك للقلوب والأسماع، ولا أجمع للإغراب والإبداع، ولا أكمل في فصاحة الألفاظ وتمكن القوافي، ولا أكثر تناسبا على كثرة ما في الأشعار من التباين والتناهي، ووجدتهما يزدادان حسنا في التكرير والترديد، وتفاءلت فيهما بترتيب قصيدة الإطلاق بعد قصيدة التقييد، والله يحقق رجائي في ذلك وأملي، ويقرب ما أتوقعه، فمعظم السعادة فيه لي، ثم أطلق سراحه.

стр. 4004

ومن شعره: قوله في حالي نجم الثريا مشرقا ومغربا، وطالعا: [المتقارب] رأيت الثريا لها حالتان … منظرها فيهما معجب لها عند مشرقها صورة … يريك مخالفها المغرب فتطلع كالكأس إذ تستحث … وتغرب كالكأس إذ يشرب وقوله (١): [المنسرح] لله يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش ونحن في روضة مفوفة … دبّج بالنور عطفها ووشي قد نسجتها يد الربيع لنا … فنحن من نسجها على فرش وأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعي الصبا فلم يطش (٢) فعاطني الراح إن تاركها … من سورة الهم غير منتعش وأسقني بالكبار مترعة … فتلك أروى لشدة العطش وقوله: [الكامل] وا رحمتاه لمعذب يشكو الجوى … بمنعّم يشكو فراغ البال نشوان من خمرين خمر زجاجة … عبثت بمقلته وخمر دلال لا يستفيق وهل يفيق لحاله … من ريق فيه سلافة الجريال (٣) علم العدو بما لقيت فرقّ لي … ورأى الحسود بليتي فرثى لي

стр. 4005

وقوله: [الطويل] إذا كان أصلي من تراب فكلها … بلادي وكل العالمين أقاربي ولا بدّ لي أن أسأل العيس حاجة … تشق على شم الذرى والغوارب وقوله: [الكامل] دب العذار بخده ثم انثنى … عن لثم مبسمه البرود الأشنب لا غرو إن حشي الردى في لثمه … فالريق سم قاتل للعقرب وقوله: كيف لا تبلى غلائله … وهو بدر وهي كتان! وقوله يصف فرسا أشهب: وأشهب كالشهاب أضحى يجو … ل في مذهب الجلال من أنجم الصبح بالثريا … وأسرج البرق بالهلال وقوله في طبيب اسمه شعبان: [الرمل] يا طبيبا ضجر العا … لم منه وتبرم فيك شهران من العا … م إذا العام تصرّم أنت شعبان ولكن … قتلك الناس محرم وقوله: [الطويل] يقولون لي صبرا وإني لصابر … على نائبات الدهر وهي فواجع سأصبر حتى يقضي الله ما قضى … وإن أنا لم أصبر فما أنا صانع وقوله: [السريع]

стр. 4006

ساد صغار الناس في عصرنا … لا دام من عصر ولا كانا كالدست (١) مهما هم أن ينقضي … عاد به البيدق (٢) فرزانا (٣) وقوله وقد رأى مليحا أبيض قد قام فجاء قبيح أسود قعد مكانه: [الطويل] مضت جنة المأوى وجاءت جهنم … فقد صرت أشقى بعد ما كنت أنعم وما هي إلا الشمس حان أفولها … وأعقبها قطع من الليل مظلم وقوله: [الطويل] وقائلة: ما بال مثلك خاملا … أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز؟ فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنني … لما لم يحوزوه من المجد حائز وما فاتني شيء سوى الحظ وحده … وأما المعالي فهي عندي غرائز وقوله: [الرجز] جدّ بقلبي وعبث … ثم مضى وما اكترث وا حربا من شادن (٤) … في عقد الصبر نفث يقتل من شاء بعيني … هـ ومن شاء بعث! فأي ودّ لم يخن … وأي عهد ما نكث!؟ وقوله: [الكامل]

стр. 4007

ومهفهف تركت محاسن وجهه … ما مجّه الكاس من إبريقه ففعالها في مقلتيه ولونها … من وجنتيه وطعمها من ريقه وقوله: [البسيط] وقمت إذ قعد الأملاك كلهم … تذب عنه وتحميه وتنتصر بالبيض تسقط فوق البيض أنجمها … والسمر تحت ظلال النقع تشتجر بيض إذا خطبت بالنصر ألسنها … فمن منابرها الأكباد والقصر (١) وذبّل من رماح الخط مشرعة … في طولهن لأعمار العدا قصر تغشى به غمرات الموت أسد شرى … من الكماة إذا ما استنجدوا ابتدروا مستثلمين (٢) إذا سلّوا سيوفهم … شبهتها خلجا مدت بها غدر ترتاح أنفسهم نحو الوغى طربا … كأنما الدم راح والظّبى زهر الله زان بك الأيام من ملك … لك الحجول (٣) من الأيام والغرر وللعجاج (٤) على صم القنا طلل … هي الدخان وأطراف القنا سرر إذ يرجع السيف يبدي خده علقا … كصحفة البكر أدمى خدها الخفر أما يهولك ما لاقيت من عدد … سيان عندك قلّ القوم أو كثروا فاضرب بسيفك من ناواك منتقما … إن السيوف لأهل البغي تدّخر ما كل وقت ترى الأملاك صافحة … عن الجرائر تعفو حين تقتدر ومن ذوي البغي من لا يستهان به … وفي الذنوب ذنوب ليس تغتفر إن الرماح غصون يستظلّ بها … وما لهنّ سوى هام العدا ثمر

стр. 4008

أضحى شهنشاه غيثا للندى غدقا … كل البلاد إلى سقياه تفتقر الطاعن الإلف إلا أنها نسق … والواهب الألف إلا أنها بدر (١) ملك تبوّأ فوق النجم مقعده … فكيف تطمع في غاياته البشر؟ يرجى نداه ويخشى عند سطوته … كالدهر يوجد فيه النفع والضرر ولا سمعت ولا حدّثت عن أحد … من قبله يهب الدنيا ويعتذر ولا بصرت بشمس قبل غرته … إذا تجلى سناها أغدق المطر ولم أطلها بأني جد معترف … بأن كل طويل فيه مختصر وأورد له ابن سعيد قوله في الرقص لمن جاد عليه قبل مديحه: [الكامل] لا غرو إن سبقت يداك مدائحي … فتدفقت جدواك ملء إنائها يكسى القضيب ولم تجن أثماره … وتطوق الورقاء قبل غنائها ومنهم: بنو زهر، فمنهم: ١٦٣ - أبو مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر الإيادي الإشبيلي (١٣) حكيم دافع قوى الضراء، وتابع صواب الآراء فراد الأسقام ومانع الداء، وقد

стр. 4009

فتح فاه للالتقام، على لطف في علاجه، وتسكين لثوائر المرض وعجاجه، ورفق زانه في تأنّيه، وزاده في تأتّيه، فكان يعد فردا، ويعد من أم مشربه وردا، ثم لم يخلف له موعد، ولا يخاف معه من سحابه مرض مرعد، لكنه لم تغن عنه حيله، ولم يكن له بدّ أن يأتيه أجله. قال صاعد: "إنه دخل القيروان ومصر، وتطبّب بها زمانا طويلا، ثم رجع إلى الأندلس، وقصد مدينة دانية، واتصل بمجاهد ملكها، وأمره أن يقيم عنده فحظي واشتهر بالتقدم في الطب، وشاع ذكره منها في الأقطار، وله في صناعته إرشاد منه منعه من الحمّام لاعتقاده فيه أنه يعفّن الأجسام، ويفسد تركيب الأمزجة". قال: وهذا رأي يخالفه فيه الأوائل، ويشهد بخطئه فيه الخواص والعوام، بل إذا استعمل على الترتيب الذي يجب بالتدريج الذي ينبغي كان رياضة فاضلة، ومهنة نافعة، لتفتيحه للمسام وتطريقه للفضول، وتلطيفه لما غلظ من الكيموسات " (١). قال ابن أبي أصيبعة: " وأقول إنه انتقل إلى إشبيلية ولم يزل بها إلى أن مات، وخلّف أموالا جزيلة، ونظيرها من الرياع والضياع ". ومنهم: ١٦٤ - أبو العلاء زهر بن عبد الملك (١٣) فرد في بني آدم، وواحد ما أتى بمثله وقد تقادم، ابن أبيه وفوق كل من يليه، لم يقف سيف ذهنه عند حده، ولا جارى البرق وقد أضمر له نار حقده، وأمسى وهو أبو العلاء، وأخو النجم في الاعتلاء. ربّي في حجر العلم ربيبا، وأصبح منذ

стр. 4010

كان في سن الوليد حبيبا، فطلع بدرا كامل الأنوار، وطء بحرا يتمسك له بجوار حتى استهل سحابا، واستقل انسكابا، وكان لبيته تقف عليه زمر، وركبا يحج إليه ويعتمر. قال ابن أبي أصيبعة فيه: " مشهور بالحذق والمعرفة، وله علاجات مختارة تدل على قوته في الصناعة، واطّلاعه على دقائقها، وكانت له في هذا نوادر، ومعرفة بأحوال المرضى من غير أن يستخبرهم، بل لمجرّد جسه لعروقهم ونظره إلى قواريرهم، وحظي في دولة المرابطين". وقال ابن جميع (١) أن رجلا من التجار جلب نسخة فائقة من كتاب القانون إلى الأندلس، فأتحف أبا العلاء بن زهر بن تقرّبا إليه، ولم يكن وقف عليه، فلما تأمّله ذمّه واطّرحه ولم يدخله خزانة كتبه، ثم جعل يقطع من طرره (٢) ويكتب فيها نسخ الأدوية للمرضى. وقال أبو يحيى اليسع بن حزم (٣) أن أبا العلاء زهرا كان مع صغر سنه تصرخ النجابة بذكره، وتخطب المعارف بشكره، ولم يزل يطالع كتب الأوائل متفهما، ويلقى جلة الشيوخ متعلما، حتى برز في الطب إلى غاية عجز الطلب عن مرامها، وصرف الفهم عن إبرامها، إلى أن خرجت عن قانون الصناعة إلى ضروب الشناعة، يخبر فيصيب، ويضرب في كل ما ينتحله بأوفى نصيب، ويستغرف المدى ويغبر في وجوه سوابق الفضلاء علما ومحتدا، ويفوق الجلة سماحة لا توصف، وندى لولا بذاذة لسان وعجلة ركب عليها الإنسان، وأي الرجال تكمل

стр. 4011

خصاله وتتناسب أوصاله؟! (١). قال ابن أبي أصيبعة: توفي بإشبيلية ودفن بها. ومما أنشد له قوله: [البسيط] يا راشقي بسهام ما لها غرض … إلا الفؤاد وما لها منه عوض امنن ولو بخيال منك يطرقني … فقد بسد مسدّ الجوهر العرض ومنهم: ١٦٥ - ابنه أبو مروان ابن أبي العلاء، واسمه عبد الملك (١٣) شيخ الجلالة وفتى العلم الذي ما ورثه عن كلالة، ارتقى الذروة والغارب، وفاض على المشارق والمغارب، جنى من الفضل غضّه، وختم ختامه وفضّه، مهّدت له المضاجع ليالي اشتغاله فأقضّها، وزفّت عليه المعالي أبكارا فافتضّها، فلم يستدر لثام عارضه ولا تمت أيام رائضه إلا وهو رأس الأكابر الجلّه، ثم لم يصد شيء عن حائمات الحمام (٢)، ولا رثاه إلا نائحات الحمام. قال ابن أبي أصيبعة: " لحق بأبيه في المعالجة، وشاع ذكره في الأندلس وغيرها، وعكف الأطباء على مصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في صفاته، وله حكايات كثيرة في حسن العلاج مما لم يسبق إلى مثله، وخدم الملثمين، وحصل من جهتهم النعم، وفي وقته الذي كان فيه دخل ابن تومرت الأندلس، ومعه صاحبه عبد المؤمن، وشرع في بث الدعوة له دونه، وقرب عبد المؤمن ابن زهر

стр. 4012

هذا، واعتمد عليه في الطب، وأناله فوق أمنيته، وله ألّف: "الدرياق السبعيني" واختصره عشاريا، ثم اختصره سباعيا. ويعرف بدرياق الأنتلة. واحتاج عبد المؤمن إلى شرب دواء مسهل، وكان يكره الدواء، فعمد ابن زهر إلى كرمة في بستانه، وجعل الماء الذي يسقيها به ماء قد أكسبه قوة الأدوية المسهلة التي أرادها لإسهاله، فطلع فيها العنب وفيه تلك القوى، فحمي عبد المؤمن وأتاه بعنقود منها، وقال له: كل منه. وكان حسن الاعتقاد فيه، فلما أكل منه وهو ينظر إليه، قال له: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد أكلت عشر حبات من العنب، وهي تخدمك عدد هذه الحبات [عشر] (١) مجالس، فقام العدة التي ذكرها، ووجد الراحة واستحسن منه فعله، وتزايدت به منزلته عنده. وكان يجد في مروره إلى دار الخلافة مريضا به سوء قتبه (٢)، وقد كبر جوفه واصفر لونه، فلما كان في بعض الأيام وقف عنده ونظر إليه، فوجد عند رأسه إبريقا عتيقا يشرب منه الماء، فقال له: اكسر هذا الإبريق، فإنه سبب مرضك، فقال له: لا بالله يا سيدي، فإنه ما لي غيره، فأمر بعض خدمه بأن يكسره، فكسره، فطلع منه ضفدع وقد كبر مما له فيه من طول الزمان!. فقال له زهر: خلصت يا هذا من المرض". وحكي أنه كان بإشبيلية حكيم فاضل في الطب، يعرف بالفار، صنف كتابا في الأدوية المفردة، كان يرى ابن زهر كثيرا يأكل التين الأخضر، وكان الفار لا يأكله إلا نادرا، فكان يقول لابن زهر لا بدّ أن يعرض لك بمداومة أكل التين علة النغلة، وهي الدبيلة (٣)، فقال له ابن زهر: وأنت لكثرة حميتك لا بدّ أن يعرض

стр. 4013

لك علة التشنج، فلم يمت ابن زهر إلا بدبيلة في جنبه، ولا مات الفار إلا بعلة التشنج. قال: وكان ابن زهر يداوي دبيلته فيقول له لو زدت هذا الدواء كذا أو أبدلته بكذا، أو عملت كذا، فكان يقول له: يا بني إذا أراد الله تغيير هذه البنية فإنه لا يقدر لي أن أستعمل إلا ما تتم به مشيئته. ومنهم: ١٦٦ - أبو محمد ابن الحفيد أبي بكر بن زهر (١٣) نير في سماء، وكوثر في عذب الماء، من بيت زاحم الإيوان (١)، وأزاح عن رتبته كيوان (٢)، وأسس على خيط المجرّة بيت علاه، ولبس من حلية الشفق والأصيل حلاه، ولم يزل منذ سن اللبون يصول صولة البزل (٣) القناعيس (٤)، ولا يقنع إلا أن يكون في أول العيس (٥)، فطالما حصّل الفوائد الغزار، وحلل الفراقد (٦) وقد سلبت من جفنه الغرار (٧)، وبات الليالي في طلب العلم، لم

стр. 4014

يطعم غمضا، ولا شام لغير سنا الصباح إلى الصباح ومضا. قال ابن أبي أصيبعة: "كان جيد الفطرة، حسن الرأي، جميل الصورة، مفرط الذكاء، محمود الطريقة، معتنيا بالطب. اشتغل على أبيه وأطلعه على كثير من أسرار هذه الصناعة وعملها، وكان الناصر أبو عبد الله يرى له ويحترمه، ويعرف مقدار علمه ويثق به. وروي أنه لما خرج إلى حضرة مراكش احتاج في نفقة سفره إلى عشرة آلاف دينار، فلما حضر لدى الناصر شكر سالف إحسانه وإحسان سلفه إليه وإلى سلفه، ثم قال: وبيدي مما سلف ووصل إلى أبي من إنعامكم ما يغنيني مدة حياتي، وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي، وأجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه بين يدي أمير المؤمنين، فأكرمه كثيرا وأطلق له مالا جزيلا، وخوّله في النعم الجمّة، وأجلسه في مجلس أبيه، وكان قريبا منه. حكى القاضي أبو مروان الباجي عنه قال: كنت يوما معه، وإذا به قد قال: إنني رأيت البارحة - أي في النوم - أختي، وكانت أخته قد ماتت. قال: فقلت لها: بالله عرّفيني كم يكون عمري؟. فقالت: طابيتين ونصف!، والطابية هي الخشب يكون طولها عشرة أشبار تتخذ للبناء. قال: فقلت لها: أنا أقول لك الجد، وأنت تجيبيني بالهزء!. فقالت: لا والله ما قلت إلا جدا. وإنما أنت ما فهمت! أليس في الطابية عشرة أشبار، فانظر إلى الطابيتين ونصف خمسة وعشرين شبرا فيكون عمرك خمسا وعشرين سنة!. قال القاضي أبو مروان: فقلت له: لا تتوهم من هذا فلعلّه أضغاث أحلام، قال: فلم تكمل تلك السنة إلا وقد مات! فكان عمره كما قال لم يزد ولم ينقص.

стр. 4015

وخلّف ولدين كل واحد منهما فاضل في نفسه، كريم في أبناء جنسه، وهما: عبد الملك، وأبو العلاء. ولأبي العلاء نظر جيد في كتب جالينوس، وصناعة الطب، وكانا بإشبيلية. قلت: كانا علمي طرازها، وآيتي إعجازها على سن شبيبه، ووقت اشتغال بحبيب أو حبيبه. ومنهم: ١٦٧ - أبو جعفر ابن الغزال (١٣) من أهل المرية (١)، تغرّب عن الأوطان حتى تقرّب إلى السلطان، وباشر في الخدم من أجلها، وحصّل من النعم جلّها، فكان واسطة العقد (٢)، ولاقطة المنهل العدّ، وحلّ محلّ الثقة من خليفته، وكان مكان المقة (٣) في وظيفته، لفضائله التي ثبتت عند إمامه، وأوجبت له أن يتسلم عقد زمانه، فعلا رتبه، وامتدت إليه الأيدي رغبه. ذكره ابن أبي أصيبعة: " قرأ على الحفيد ابن زهر وعلى غيره، وأتقن الطب، وخدم المنصور به، وكان خبيرا بالمفردات، وكان المنصور يعتمد عليه في الأدوية

стр. 4016

المفردة والمعاجين، ويتناولها منه، وكان المنصور قد أبطل الخمر وشدّد فيه، ثم إنه أمر ابن الغزال أن يجمع حوائج الدرياق ويركبه، فجمعها، ثم أعوزه الخمر لعجنه، فأنهي ذلك إلى المنصور فقال: تطلبه من كل ناحية وانظر لعله أن يكون عند أحد منه، ولو شيء يسير. فتطلّبه فلم يجد شيئا منه، فأعلم المنصور، فقال: والله ما كان بي تركيب الدرياق في هذا الوقت إلا لأعتبر هل بقي عند أحد من الخمر شيء أم لا؟! ". ومنهم: ١٦٨ - أبو العباس ابن الرومية، وهو أحمد بن محمد بن مفرّج النباتي (١٣) من أهل إشبيلية، جوال في كل تنوفة (١)، وجوّاب لكل مخوفة، نزل بكل أرض مخيّما، وطالما جنى النبات وجاء منها بالبينات، وشخصها بأشخاصها وبيّن ما بين عامّها وخاصّها، فعلا محلاّ، وطاف كالسحاب فلم يدع محلا (٢). قال ابن أبي أصيبعة: " من أهل إشبيلية، ومن أعيان علمائها، وأكابر

стр. 4017

فضلائها، قد أتقن علم النبات، ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها ومنافعها، واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وله الذكر الشائع وحسن الوصف الجامع، قد شرف نفسه بالفضائل، وسمع الحديث وانتفع الناس به، وأتى مصر والشام، وعاين فيها نباتا كثيرا لا ينبت بالمغرب، وشاهد أشخاصها في منابتها، ونظرها في مواضعها، ولما قدم الإسكندرية كان الملك العادل ابن أيوب بالقاهرة، فاستدعاه وأكرم ملتقاه، وأراده على الإقامة عنده، فقال: إنما أتيت لأحجّ ثم أعود إلى بلدي وأهلي وولدي، ثم قضى فريضة حجّه وعاد ". ومنهم: ١٦٩ - ابن الأصم (١٣) وهو ابن الأصمّ إلا أنه كان أسمع، وانعقد عليه التفضيل وأجمع، وكان يكرم أبا، ويعد منه والدا لو كان من الشهور لكان رجبا، إلى طبّ طالما صاد به المنون، وصاد ما لم تجله الظنون، وانتاش مهجة لم يبق منها إلا آخر الذماء (١)، وردّ مرضا لم يطل زاخر الدماء، وكانت إشبيلية به في حلل المفاخر تختال، وتكف بأس من يغتال، وتتيه بنسبته إليها وسمته التي دلّت دليل نسيم السحر عليها. قال ابن أبي أصيبعة: " هو من الأطباء المشهورين بإشبيلية، وله قوة نظر في الاستدلال على الأمراض ومداواتها، وله حكايات مشهورة، ونوادر في معرفته بالقوارير، وإخباره عند ما يراها بجملة حال المريض، وما يشكوه وما قد تناوله من الأغذية. حدثني أبو عبد الله المعري قال: كنت يوما عند ابن الأصم، وإذا

стр. 4018

بجماعة قد أقبلوا إليه ومعهم رجل وفي فمه حية قد دخل بعضها مع رأسها في حلقه، وبقيتها ظاهر، وهي مربوطة بخيط قنب إلى ذراع الرجل، فقال لهم: ما شأن هذا؟ فقالوا له: إن من عادته أن ينام وفمه مفتوح، وكان قد أكل لبنا ونام، فلما جاءه هذه الحية لعقت من فيه ودخلته وهو نائم، فأحست بمن أتى فخافت وانساب بعضها في حلقه، وأدركناها فربطناها بهذا الخيط لئلا تدخل في حلقه، وقد أتينا به إليك. فلما نظر إلى ذلك الرجل وجده وهو في الموت من الخوف، فقال: لا بأس عليك، كدتم تهلكون الرجل. ثم قطع الخيط فانسابت الحية، وبلغت إلى جوفه واستقرت. فقال له: الآن تبرأ. وأمره أن لا يتحرك، وأخذ أدوية وعقاقير فأغلاها في الماء غليا جيدا وجعل ذلك الماء في إبريق وسقاه الرجل، وهو حارّ فشربه وصار يجس معدته حتى قال: ماتت الحية، ثم سقاه ماء آخر مغليا فيه حوائج، وقال: هذه تهريء الحية مع هضم المعدة، وصبر مقدار ساعتين وسقاه ماء قد أغلي فيه أدوية مقيئة، فجاشت نفس الرجل وذرعه القيء، فعصب عينيه وبقي يتقيّأ في طست فوجدنا تلك الحية هي قطع، وهو يأمره بكثرة القيء حتى تنظفت معدته، وخرجت بقايا الحية، وقال له: طب نفسا فقد تعافيت، وذهب الرجل مطمئنا صحيحا بعد أن كان في حالة الموت. أما أطباء مصر: فمنهم: ١٧٠ - بليطيان (١٣) وهو رجل مشهور في النصارى، معروف بينهم معدود في بطاركتهم، طبيب تدارك النفوس وسيوف المنايا تنوشها، ومواقيت الآمال قد قامت لها

стр. 4019

نعوشها. رأس في ملته، وكان رئيس محلّته، لخلال حمدت، وأفضال شعله ما خمدت، وكان من أئمة العيسوية، وذوي القسمة بالسوية، إلى صحة حدس وذكاء نفس وكرم عشيرة، وشيم بالتقلل مشيرة. قال ابن أبي أصيبعة: "كان نصرانيا من الملكية (١)، عالما بشريعة النصارى، وجعل بطرك الإسكندرية. حكي أنه كان للرشيد جارية مصرية كان يحبها، فاعتلت علة عظيمة، فعالجها الأطباء فلم تنتفع بشيء، فقيل له: لو بعثت إلى عاملك بمصر ليبعث إليك بطبيب منها، فإنه أبصر بهذه الجارية من أطباء العراق. فكتب إليه فبعث إليه ببلطيان، وكان طبيبا عارفا حاذقا، فأخذ معه من كعك مصر، والصير (٢) المعمول بها، فلما أتى بغداد ودخل على الجارية أطعمها من الكعك والصير فرجعت إلى طبعها، وزالت عنها العلة، ووهب له الرشيد مالا جزيلا وكتب له منشورا بإعادة كل كنيسة تغلّب اليعاقبة (٣) فيها على الملكية، ثم أمر بأن يكون يحمل مثل هذا الكعك والصير إلى خزانة السلطان في كل وقت، فكان ذلك لا يزال يحمل موظفا فيما يحمل إليها إلى آخر أيام المتوكل.

стр. 4020

ومنهم: ١٧١ - سعيد بن توفيل (١٣) جمرة تشتعل توقدا، وجملة لا يضم إليها إلا فرقدا، سعى للعلم سعيا، وأوعاه وعيه، حظي بالخدم، وحلّ حيث لا تنصب الخيم، إلا أن الأيام قلبت له ظهر المجن، وحققت له خلاف ما ظن، فأفلتت رداءه وأشمتت به أعداءه، ولم يجن ذنبا سوى نصحه الذي حمل على الغش، وقتل عقابا به جانيه عليه ولم يعش. قال ابن أبي أصيبعة: " كان طبيبا نصرانيا يخدم ابن طولون (١) ولا يفارقه، فلما أدركت ابن طولون الهيضة (٢) التي مات بها طلبه فلم يجده إلا بعد يومين، فعنّفه ثم قال له: ما الصواب؟ قال: أن لا تقرب غذاء. قال: أنا والله جائع وما أصبر. فقال له: هذا جوع كذاب لبرد المعدة. فلما نصف الليل استدعى بشيء يأكله، فجيء بفراريج كردناج (٣) حارة، وجدي بارد، فأكل منها فانقطع الإسهال عنه، فخرج نسيم الخادم وسعيد في الدار، فقال له: أكل الأمير!. فخفّ

стр. 4021

عنه القيام، فقال سعيد: الله المستعان، ضعفت قوته الدافعة بقهر الغذاء لها، وستتحرك حركة منكرة، فما وافى السحر حتى قام قياما كثيرا، وخرج من أنطاكية وعلّته تتزايد ثم أتى مصر على عجلة تجرّ بالرجال، فلما أتى الفرما (١) شكا انزعاجا فركب الماء إلى الفسطاط، وضربت له بالميدان قبة نزل فيها، ثم ظهرت منه لسعيد بن نوفل نبوة وشكاه إلى كاتبه إسحاق بن إبراهيم، فأخذ يلوم ابن نوفل فقال: والله ما خدمتي له إلا خدمة الفار للسنور والسخلة للذئب. قال نسيم الخادم: وكان ابن توفيل آيسا من حياته، لأن ابن طولون امتنع من مشاورته، ويعتقد فيه أنه فرّط في أول أمره، وجيء بفاكهة من الشام، فقال له: ما تقول في السفرجل؟. فقال: تمصّ منه على خلو المعدة. فلما خرج سعيد من عنده أكل سفرجلا عقيب عصيدة كان قد أكلها على غير رأي سعيد، فعصرها فتدافع الإسهال، فدعا به ثم قال: يا ابن الفاعلة! قلت إن السفرجل نافع لي، وقد عاد الإسهال. فقام فنظر المادة ورجع إليه، فقال: هذه العصيدة التي حمدتها وقلت إني غلطت في منعها عصرها السفرجل، وأنا ما أطلقت لك السفرجل وإنما أشرت بمصه، فقال: يا ابن الفاعلة! تريد تحجني وأنت صحيح سوي، وأنا عليل مدنف؟. ثم ضربه مائتي سوط، وطاف به على جمل، ونودي عليه: هذا جزاء من اؤتمن فخان، وأمر ببيته فنهب، ثم لم يعش سعيد بعد ذلك إلا يومين ومات.

стр. 4022

ومنهم: ١٧٢ - سعيد بن البطريق (١٣) طبيب طالما خلّص الأجسام من دائها، واستلّ النفوس من أعدائها، مع علم بشريعته، وعمل حسن في شيعته، إلا أنه لم تصف له موارد الأيام، ولم ينصف على عوائد الأنام، وبلي باختلاف قومه، وما برحوا في شقاق ولا صحوا من سكرة إشفاق، ولم يزل عودهم معه في التواء، وعودهم إليه بغير استواء، هذا ولم يكن غرّا ولا رأى وجوه التجارب إلا غرّا، مع سعة اطّلاع كأنما أشرف عليه من عالي التلاع (١)، واضطلاع قلّ أن حنيت عليه حنايا أضلاع، ويد ما قصّرت في ضبط ولا غرب عنها ما في قطّ قط، ولكنها الأيام وعاداتها، ومواهبها واستعداداتها. قال ابن أبي أصيبعة: "كان من أهل مصر، وكان طبيبا نصرانيا مشهورا عارفا بعلم صناعة الطب وعملها، وكانت له دراية بعلوم النصارى ومذاهبها، ثم صيّر في أول يوم خلافة القاهر (٢) بطرك الإسكندرية، وكان في زمانه شقاق عظيم،

стр. 4023

وشرّ متصل بينه وبين شيعته، وله تصانيف كثيرة (١) وتواريخ محرّرة، ولحقه إسهال مات به بالإسكندرية. ومنهم: ١٧٣ - التميمي: وهو أبو عبد الله محمد بن سعيد التميمي (١٣) جادة إحسان، ومادة بقاء الإنسان، عرف الأدوية لطول ما ألفها، وركّب مفرداتها وألّفها، وجناها من رؤوس الشجر ومما يعرشون، ويبسطون من الأرض ويفرشون، إلى إتقان لقواعد الطب وأصوله، وعوائد المستطب في العام وفصوله، حتى إنه إليه المرجع وعليه الاعتماد في كل دواء ينجع. ذكره ابن أبي أصيبعة (٢) وقال: " كان مقامه أولا بالقدس ونواحيه، وله معرفة جيدة بالنبات وماهياته، وكان متميزا في صناعة الطب، والاطلاع على دقائقها، وله خبرة بتركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة الدرياق الكبير الفاروق وتركيبه، وركّب منها شيئا كثيرا على أتم ما يكون من حسن الصنعة، وانتقل إلى مصر، وأقام بها حتى مات". قال ابن القفطي (٣): " إن التميمي هو الذي أكمل الدرياق الفاروقي، بما زاده فيه من المفردات، وكان خصيصا بالحسن بن عبد الله بن طغج صاحب الرملة،

стр. 4024

وعمل له معاجين ولخالخ (١) طبية، وأنواع دخن دافعة للوباء وركب سفوف الرجفان الحادث عن المرة السوداء المحترقة، وكان يذكر أنه نقله عن راهب كان بالقدس فاضلا في الحكمة والطب، وأدرك الدولة العلوية (٢) بمصر، وصحب يعقوب بن كلس (٣)، وزير المعز والعزيز، ولقي الأطباء بمصر وناظرهم. وحكي عن أبيه أنه سكر مرة سكرا مفرطا غلب على عقله، فسقط في بعض الخانات من موضع عال إلى أسفل الخان وهو لا يعقل، فحمله صاحب الخان وخدمه حتى أدخله الحجرة التي كان ساكنها، فلما أصبح قام وهو يجد وجعا ووهنا في مواضع من جسده، ولا يعرف لذلك سببا، فركب وتصرف في بعض أموره، إلى أن تعالى النهار، ثم رجع فقال لصاحب الخان: إني وجدت في جسدي وجعا وتوهّنا شديدا لست أدري ما سببه. فقال صاحب الخان: ينبغي أن تحمد الله على سلامتك. قال: فماذا؟. قال: أو ما علمت ما نالك البارحة؟. قال: لا. قال: فإنك سقطت من أعلى الخان إلى أسفل، وأنت سكران. قال: ومن أي موضع؟. فأراه الموضع. فلما رآه حدث به للوقت من الوجع والضربان ما لم يجد معه سبيلا إلى الصبر، وأقبل يصيح ويتأوّه، إلى أن جاؤوه بطبيب ففصده، وشد على مفاصله المتوهّنة جبارا، وأقام أياما كثيرة إلى أن برأ وذهب عنه الوجع. أقول: ومما يناسب هذه الحكاية أن بعض الناس كان في بعض أسفاره في مفازة، ومعه رفقة له، فنام في منزلة نزلها في الطريق ورفقته جلوس، فخرجت حية من بعض النواحي، فصادفت رجلا، فنهشته فيها، وذهبت، وانتبه مرعوبا من الألم وبقي يمسك رجله ويتأوه منها، فقال له بعضهم ما عليك مددت

стр. 4025

رجلك بسرعة وقد صادفت رجلك شوكة في هذا الموضع الذي يوجعك. وأظهر له أنه أخرج الشوكة وقال: ما بقي عليك باس، وسكن عنه الألم بعد ذلك ورحلوا، فلما كان بعد عودهم بمدة وقد نزلوا في تلك المنزلة قال له صاحبه: أتدري ذلك الوجع الذي عرض لك في هذا الموضع من أي شيء كان؟. فقال: لا. فقال: إن حية ضربتك في رجلك ورأيناها، وما أعلمناك، فعرض له في الوقت ضربان قوي في رجله وسرى في بدنه، إلى أن قرب من قلبه وعرض له غشي، ثم تزايد به إلى أن مات، وكان السبب في ذلك أن الأوهام، والأحداث تؤثر في البدن تأثيرا قويا، فلما تحقّق أن الآفة التي عرضت له كانت من نهشة الحية تأثر ذلك وسرى ما كان في ذلك الموضع من بقايا السم في بدنه، ولما وصل إلى قلبه أهلكه. قلت: ومن نسبة ما حكى عن أبيه ما شاهدته بعيني سنة ست وسبع مائة، وذلك أنه كان عندنا صغير في سطح الدار يلعب، وبيده تفاحة، فجعل يلقيها من يده ثم يجري وراءها، ويأخذها، وألقاها مرة فتدحرجت وجرى هو خلفها، فوقعت من طاقة في السطح معدة لرمي الثلج ترمى إلى الطريق علوها عن الأرض يقارب عشرين ذراعا، واستمر هو جاريا خلفها ليأخذها، فوقع من ذلك العلو إلى الأرض قائما على قدميه، واستمر جاريا خلف التفاحة حتى أخذها ولم يضره شيء البتة، وكان سداسي السن وكنت قريبا من سنه وأنا أشاهده، وأنا على باب الدار، فسبحان الله اللطيف بخلقه.

стр. 4026

ومنهم: ١٧٤ - ابن الهيثم: وهو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري (١٣) رجل أخذ الفرائد فنظمها، والفوائد فأجلّها قدرا في الصدور وعظّمها، بطرف طموح وطرف تحت عقد بيانه جموح (١)، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجّس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصّلها من الصّغر، وورد منها أصفى المناهل ولم يعرف الصّدر، فبقيت كتبه قدوة للمتأمّل، وجلوة مثل الصباح المتهلّل. قال ابن أبي أصيبعة: "أصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها إلى آخر عمره، وكان فاضل النفس، قوي الذكاء، مفننا في العلوم، وكان كثير التصنيف، ظاهر الزهد، ولخّص كثيرا من كتب أرسطو وجالينوس، وشرح العويص، وكان حسن الخط، جيّد العربية". حكي أنه كان قد وزّر بالبصرة ونواحيها، فمنعته عن النظر، فآثر التجرّد ليتوفّر على العلم، فأظهر خبالا في عقله وتغيّرا في تصوّره، حتى تمكن من مراده، ثم أتى مصر، وأقام بالجامع الأزهر، ثم كان يكتب "أقليدس، والمجسطي" ويتقوّت بالثمن.

стр. 4027

وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر لعملت في النيل عملا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص. فاستدعاه ومشى إليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلا واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقّق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده (١) وقيّد، ووكّل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازما وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات. ومنهم: ١٧٥ - علي بن رضوان (١٣) رجل كان جمال إيوان، وكمال ديوان، ورئيس قوم، ورأس ذكر باق إلى اليوم، طالما أخليت له المجالس، وخليت الصدور له ولمن يجالس، فطال في الدولة الفاطمية ذيلا، ومال به الدهر ميلا، وحصّل من أولئك الكرام المرام، وبلغ لديهم غاية الاحترام، وفضائله تقول: هل من مزيد، وتتدفق فوق بردى ويزيد، حتى آن

стр. 4028

أن يخلق رداء مفاخره، وينتهي كل شيء إلى آخره. قال ابن أبي أصيبعة: "مولده ومنشؤه بمصر، وبها تعلم الطب، وحكي عنه أنه قال: أخذت في تعلم الطب ولم يكن لي مال أنفق منه، فلذلك عرض لي في التعليم صعوبة ومشقّة. قال: إنه ولد بالجيزة، وكان أبوه فرّانا، ولم يزل ملازما للاشتغال والنظر في العلم إلى أن تميز وصار له الذكر الحسن، والسمعة العظيمة، على سفهه وإزرائه بالعلماء، وخدم الحاكم وجعله رئيسا على الأطباء، ثم أخذت يتيمة كان ربّاها مالا جليلا كان له نحو عشرين ألف دينار، وهربت به فاختل عقله". ومنهم: ١٧٦ - افرائيم [بن الزفّان] الإسرائيلي (١٣) طبيب صفت له المشارب، وصحت معه التجارب، واتصل بالدولة الفاطمية اتصال اليد بالعنان، وطال بها طول الرمح بالسنان، وكان منها مكان الشجاعة من الجنان، وقرّ لديها استقرار الخاتم في البنان، ثم جاءته منيته وقرعت بصفا اللحود ثنيته. قال ابن أبي أصيبعة: "وهو من الأطباء المشهورين بديار مصر، وخدم الخلفاء الذين كان في زمانهم، وحصل من جهتهم من الأموال والنعم شيئا كثيرا، وكان

стр. 4029

قد قرأ صناعة الطب على أبي الحسن علي بن رضوان وهو من أجلّ تلامذته، وكانت له همّة عالية في تحصيل الكتب، وفي استنساخها، حتى كانت عنده النسّاخ يكتبون، ولهم ما يقوم بكفايتهم منه، ومن جملتهم: محمد بن سعيد بن هشام الحجري، وهو المعروف بابن ملساقة، ووجدت بخط هذا عدة كتب وعليها خط أفرائيم. وحدثني أبي أن رجلا من العراق وكان قد أتى إلى مصر ليشتري كتبا ويتوجّه بها، وأنه اجتمع بأفرائيم، واتفق الحال فيما بينهما أن اباعه أفرائيم من الكتب التي عنده عشرة آلاف مجلدة، وكان ذلك في أيام الأفضل ابن أمير الجيوش. فلما سمع بذلك أراد أن تلك الكتب تبقى بالديار المصرية، ولا تنتقل إلى موضع آخر، فبعث إلى أفرائيم والعراقي عليها، ونقلت الكتب إلى خزانة الأفضل، وكتب عليها ألقابه، ثم خلف من الكتب ما يزيد على عشرين ألف أخرى، ومن الأموال والنعم شيئا كثيرا جدا". ومنهم: ١٧٧ - سلامة بن رحمون أبو الخير (١٣) قرن لا يمل المصاع (١)، ولا يكايل بالمد والصاع، فكان لو عوّقه في طريقه جبل لاقتلعه، أو أشرقه (٢) بريقه أسد لابتلعه، إلا كدية عرضت له فلم يستطع

стр. 4030

صعود ذروتها، ولا بدر على ارتقاء صفاها ولا مروتها، فباء بخجلته وبقي تحت مذلة مضلّته. قال ابن أبي أصيبعة: "كان يهوديا له أعمال حسنة، واطّلاع على كتب جالينوس، والبحث عن غوامضها، ولما وصل أبو الصلت إلى مصر اجتمع به وجرت بينهما مباحث ومشاغبات، وقد ذكر أبو الصلت في رسالته المصرية قال: وأشبه من رأيته منهم وأدخله في عداد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئا من صناعة المنطق، تخصص بها، وتميز على أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزفان تلميذ أبي الحسن بن رضوان، فقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصّب نفسه لتدريس جميع المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه، وفسر، ولخّص، ولم يكن هنك في تلخيصه وتحقيقه واستقصائه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل، ولقد سألته أول لقائي له واجتماعي به عن مسائل استفتحت مباحثته بها مما يمكن أن يفهمها من لم يكن يمتد في العلم باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء تصوره وفهمه، وكان مثله في عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه، كقول الشاعر: [المتقارب] يشمر للج عن ساقه … ويغمره الموج في الساحل أو كما قال الآخر: [المتقارب] تمنيتم مائتي فارس … فردّكم فارس واحد قال أبو الصلت: وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى جرجس، ويلقب بالفيلسوف على ما قيل في الغراب أبي البيضاء، وفي اللديغ سليم، قد
следующие страницы →