ومنهم:
١٧٤ - ابن الهيثم: وهو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم البصري ثم المصري (١٣)
رجل أخذ الفرائد فنظمها، والفوائد فأجلّها قدرا في الصدور وعظّمها، بطرف طموح وطرف تحت عقد بيانه جموح (١)، فأثبت الغرر، وأنبت الدرر، وصاغ النجوم وأشباهها، وتبجّس فحكى الغيوم وأمواهها، لفضائل حصّلها من الصّغر، وورد منها أصفى المناهل ولم يعرف الصّدر، فبقيت كتبه قدوة للمتأمّل، وجلوة مثل الصباح المتهلّل.
قال ابن أبي أصيبعة: "أصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها إلى آخر عمره، وكان فاضل النفس، قوي الذكاء، مفننا في العلوم، وكان كثير التصنيف، ظاهر الزهد، ولخّص كثيرا من كتب أرسطو وجالينوس، وشرح العويص، وكان حسن الخط، جيّد العربية".
حكي أنه كان قد وزّر بالبصرة ونواحيها، فمنعته عن النظر، فآثر التجرّد ليتوفّر على العلم، فأظهر خبالا في عقله وتغيّرا في تصوّره، حتى تمكن من مراده، ثم أتى مصر، وأقام بالجامع الأزهر، ثم كان يكتب "أقليدس، والمجسطي" ويتقوّت بالثمن.
стр. 4027
وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر لعملت في النيل عملا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص. فاستدعاه ومشى إليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلا واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقّق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده (١) وقيّد، ووكّل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازما وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات.
ومنهم:
١٧٥ - علي بن رضوان (١٣)
رجل كان جمال إيوان، وكمال ديوان، ورئيس قوم، ورأس ذكر باق إلى اليوم، طالما أخليت له المجالس، وخليت الصدور له ولمن يجالس، فطال في الدولة الفاطمية ذيلا، ومال به الدهر ميلا، وحصّل من أولئك الكرام المرام، وبلغ لديهم غاية الاحترام، وفضائله تقول: هل من مزيد، وتتدفق فوق بردى ويزيد، حتى آن
стр. 4028
أن يخلق رداء مفاخره، وينتهي كل شيء إلى آخره.
قال ابن أبي أصيبعة: "مولده ومنشؤه بمصر، وبها تعلم الطب، وحكي عنه أنه قال: أخذت في تعلم الطب ولم يكن لي مال أنفق منه، فلذلك عرض لي في التعليم صعوبة ومشقّة. قال: إنه ولد بالجيزة، وكان أبوه فرّانا، ولم يزل ملازما للاشتغال والنظر في العلم إلى أن تميز وصار له الذكر الحسن، والسمعة العظيمة، على سفهه وإزرائه بالعلماء، وخدم الحاكم وجعله رئيسا على الأطباء، ثم أخذت يتيمة كان ربّاها مالا جليلا كان له نحو عشرين ألف دينار، وهربت به فاختل عقله".
ومنهم:
١٧٦ - افرائيم [بن الزفّان] الإسرائيلي (١٣)
طبيب صفت له المشارب، وصحت معه التجارب، واتصل بالدولة الفاطمية اتصال اليد بالعنان، وطال بها طول الرمح بالسنان، وكان منها مكان الشجاعة من الجنان، وقرّ لديها استقرار الخاتم في البنان، ثم جاءته منيته وقرعت بصفا اللحود ثنيته.
قال ابن أبي أصيبعة: "وهو من الأطباء المشهورين بديار مصر، وخدم الخلفاء الذين كان في زمانهم، وحصل من جهتهم من الأموال والنعم شيئا كثيرا، وكان
стр. 4029
قد قرأ صناعة الطب على أبي الحسن علي بن رضوان وهو من أجلّ تلامذته، وكانت له همّة عالية في تحصيل الكتب، وفي استنساخها، حتى كانت عنده النسّاخ يكتبون، ولهم ما يقوم بكفايتهم منه، ومن جملتهم: محمد بن سعيد بن هشام الحجري، وهو المعروف بابن ملساقة، ووجدت بخط هذا عدة كتب وعليها خط أفرائيم.
وحدثني أبي أن رجلا من العراق وكان قد أتى إلى مصر ليشتري كتبا ويتوجّه بها، وأنه اجتمع بأفرائيم، واتفق الحال فيما بينهما أن اباعه أفرائيم من الكتب التي عنده عشرة آلاف مجلدة، وكان ذلك في أيام الأفضل ابن أمير الجيوش. فلما سمع بذلك أراد أن تلك الكتب تبقى بالديار المصرية، ولا تنتقل إلى موضع آخر، فبعث إلى أفرائيم والعراقي عليها، ونقلت الكتب إلى خزانة الأفضل، وكتب عليها ألقابه، ثم خلف من الكتب ما يزيد على عشرين ألف أخرى، ومن الأموال والنعم شيئا كثيرا جدا".
ومنهم:
١٧٧ - سلامة بن رحمون أبو الخير (١٣)
قرن لا يمل المصاع (١)، ولا يكايل بالمد والصاع، فكان لو عوّقه في طريقه جبل لاقتلعه، أو أشرقه (٢) بريقه أسد لابتلعه، إلا كدية عرضت له فلم يستطع
стр. 4030
صعود ذروتها، ولا بدر على ارتقاء صفاها ولا مروتها، فباء بخجلته وبقي تحت مذلة مضلّته.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان يهوديا له أعمال حسنة، واطّلاع على كتب جالينوس، والبحث عن غوامضها، ولما وصل أبو الصلت إلى مصر اجتمع به وجرت بينهما مباحث ومشاغبات، وقد ذكر أبو الصلت في رسالته المصرية قال:
وأشبه من رأيته منهم وأدخله في عداد الأطباء رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئا من صناعة المنطق، تخصص بها، وتميز على أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزفان تلميذ أبي الحسن بن رضوان، فقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصّب نفسه لتدريس جميع المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه، وفسر، ولخّص، ولم يكن هنك في تلخيصه وتحقيقه واستقصائه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل، ولقد سألته أول لقائي له واجتماعي به عن مسائل استفتحت مباحثته بها مما يمكن أن يفهمها من لم يكن يمتد في العلم باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء تصوره وفهمه، وكان مثله في عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه، كقول الشاعر: [المتقارب]
يشمر للج عن ساقه … ويغمره الموج في الساحل
أو كما قال الآخر: [المتقارب]
تمنيتم مائتي فارس … فردّكم فارس واحد
قال أبو الصلت: وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى جرجس، ويلقب بالفيلسوف على ما قيل في الغراب أبي البيضاء، وفي اللديغ سليم، قد
стр. 4031
تفرغ بالتولّع بابن رحمون والإزراء عليه، وكان يزوّر فصولا طبية وفلسفية، يقررها في معارض ألفاظ القوم وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم إنه ينفذها إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها، ويشرحها بزعمه، دون تيقظ ولا تحفظ بل باسترسال واستعجال، وقلة اكتراث واهتبال، فيوجد فيها عنه ما يضحك منه. وأنشدت لجرجس هذا عنه وهو أحسن ما سمعته: [السريع]
إن أبا الخير على جهله … يخفف في كفته الفاضل
عليله المسكين من شؤمه … في بحر هلك ما له ساحل
ثلاثة تدخل في دفعة … طلعته والنعش والغاسل
ومنهم:
١٧٨ - بلمظفر ابن معرف: وهو نصر بن محمود بن المعرّف (١٣)
عالم بأسرار الطبيعة، وعارف بأخبار الشريعة، وفاضل كاد يحوز الفضل جميعه، وكان محبا لكثرة الثراء، ومبلّلا بثرى تربته الخضراء، لا يعدل شيء عنده نعمة الغنى، ولا يصرف إلى غيرها همة المنى، وعانى الصنعة فلم يبتل له منها عود بماء، ولا حصل له صاد الصديق ولا كاف الكيمياء، مهما أنفق من مال، وأخفق من مآل.
стр. 4032
ذكره ابن أبي أصيبعة وأثنى على فضله، وقال: "كان مغرما بصناعة الكيمياء والاجتماع بأهلها، وكتب بخطه كثيرا من الكتب التي صنفت فيها، وفي الطب والحكمة، وكانت له همة عالية في تحصيل الكتب وقراءتها، قال: ومن أعجب شيء منه أنه كان قد ملك ألوفا كثيرة من الكتب في كل فن، ولا يوجد شيء منها إلا وقد كتب على ظهره ملحا ونوادر مما يتعلق بالعلم الذي صنف ذلك الكتاب فيه، وقد رأيت كتبا كثيرة من كتب الطب وغيرها كانت له وعليها اسمه، وما منها شيء إلا وعليه تعاليق حسنة وفوائد متفرقة.
وأنشد من شعره قوله [المتقارب]
وقالوا الطبيعة مبدا الكيان … فيا ليت شعري ما ذا الطبيعه؟
أقادرة طبعت نفسها … على ذاك أم ليس بالمستطيعه؟
وقوله [المتقارب]
وقالوا الطبيعة معلومنا … ونحن نبيّن ما حدّها
ولم يعرفوا الآن ما قبلها … فكيف يرومون ما بعدها؟!
ومنهم: أولاد أبي الحفائر وكلهم أفاضل أطباء، وأماثل ألبّاء، خدموا الملوك، وأحسنوا السلوك، ولا طفوا الأمزجة، وشارفوا في العلم أعلى درجه، لو استسقى بهم الحظ العليل لبرأ، أو سكن بهم عاصف الريح العقيم لما درأ.
стр. 4033
منهم:
١٧٩ - أبو عمرو عثمان بن هبة الله بن أحمد بن عقيل القيسي جمال الدين (١٣)
هو الذي شيّد بناء البيت، ومهّد لمشاهيره الحي منهم والميت.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " أفضل الأطباء، وسيد العلماء، وله اشتغال بالأدب، وشعره صحيح المباني، بديع المعاني، خدم العزيز ابن صلاح الدين (١)، ودام حتى خدم الكامل (٢).
ومنهم:
١٨٠ - ابنه الفتح [فتح الدين بن جمال الدين بن أبي الحفائر] (١٤)
وكان مثل أبيه، وإن لم يكن مثله فيدانيه.
وقال ابن أبي أصيبعة فيه: "كان نزيه النفس، صائب الحدس، حسن المداواة، لطيف المداراة، فصيح اللسان كثير الإحسان، خدم الكامل والصالح (٣)، وفي أيامه توفي بالقاهرة".
стр. 4034
ومنهم:
١٨١ - ابنه المهذب [شهاب الدين ابن فتح الدين] (١٣)
زاد على أبيه فضله، وزان علا سلفه نبله.
وقال ابن أبي أصيبعة فيه: "جمع بين الفضائل، وتميز على الأواخر والأوائل، علامة وقته في حفظ الصحة ومراعاتها، وإزالة الأمراض وعلاجاتها، اقتفى سيرة آبائه، وفاق نظراءه في همته وإبائه": [الكامل]
ورث المكارم عن أبيه وجده … كالرمح أنبوبا على أنبوب
فأما من سواهم: فمنهم:
١٨٢ - الخونجي: محمد بن ناماور أفضل الدين أبو عبد الله (١٤)
قاضي القضاة، تمام الأفاضل، وإمام كل فاضل، ولهذا لقب بأفعل التفضيل، ولقي الود من كل فضيل، إلى علوم شرعية، وعلو قدر لرتبة مرعية، هذا إلى وفور إحسان، وظهور أياد حسان، مع سلامة صدر، وسذاجة مفرطة بلا قدر، فلم
стр. 4035
يكن مثل بزّه الرفيع الساذج، ومهزّه الرطب عند قضاء الحوائج.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: "اجتمعت به ووجدته الغاية القصوى في سائر العلوم، وكان يعرض له انشداه خاطر لكثرة انصباب ذهنه إلى العلم، وتوفّر فكره عليه، وولي قضاء القضاة بمصر وأعمالها".
ومنهم: بنو فانه: - أهل بيت تنسقوا في الفضائل، وتناسبوا في كرم الشمائل، وتناسلوا لا تكذب فيهم المخايل كأنما توالدوا من ظهور إقلينوس، أو تعاقدوا على حل مشكلات جالينوس، لو جلسوا في رواق أرسطو لسطا بهم في النظر وسما بهم إلا أنه يرضى جنب القمر.
وأولهم:
١٨٣ - أبو سليمان داود بن أبي المنى ابن فانة (١٣)
وكان في أهل ملته يأوي إلى جناب منيع، ويهمي بسحاب لا يجحد له حسن الصنيع، وهذا إلى فهم ثاقب، وعزم لا يوني في طلب المناقب.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا نصرانيا من أهل القدس، حظيا عند الخلفاء، فاضلا من فضلاء الأطباء، وأخذه الملك ماري من مصر إلى القدس (١) ليقيم عنده به، ولما وقع الفقيه عيسى عنده في الأسر مرض مرضا أشفى منه، فأمر ماري ابن فانة بمعالجته، فلما رآه مثقلا بالحديد في قعر الجب قال لماري: هذا رجل ذو
стр. 4036
نعمة، ولو سقيته ماء الحياة على مثل هذه الحال لم ينتفع به، فأطلقه من الحديد والجب وأكرمه فإنّ ذلك كاف في علاجه.
فقال له: هذا عليه قطيعة (١) كثيرة وأخاف أن يهرب. فقال ابن فانة: أيها الملك! سلّمه إليّ وضمانه عليّ.
فقال له: تسلّمه، فإذا جاءت قطيعته لك فيها ألف دينار. ثم أخذه إليه وفكّ حديده وأخلى له موضعا من داره، وبالغ في إكرامه؛ فلما مضت ستة أشهر، أمره ماري بإحضاره، فأحضره، فوجد قطيعته قد جاءت في أكياس، فأعطى ابن فانة منها كيسا فيه ألف دينار، كما وعده وأطلق سراح الفقيه عيسى؛ فقال ابن فانة:
أيها الملك هذه الألف دينار قد صارت لي، وأتصرّف فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم، قال له: نعم. فأعطاها للفقيه لوقته، وقال له: أنا أعرف أن هذه القطيعة ما جاءت وقد تركت خلفك شيئا وربما استدانوا لك فيها، فاقبل مني هذه في نفقة الطريق، فقبلها منه، وكان ابن فانة عارفا بالنجامة، ورأى أن صلاح الدين سيدخل القدس من باب الرحمة، فبعث ولده أبا الخير إليه مبشرا بذلك، فأجازه جائزة سنية، وأعطاه علما أصفر، ونشابة لأمانه، فلما دخل صلاح الدين إلى القدس دخل الفقيه عيسى داره وحماها أن تنال بسوء هي وجميع ما جاورها.
ومنهم:
١٨٤ - ابنه: الموفق أبو شاكر موفق الدين (١٣)
لم يقف عند غاية أبيه وهي نائيه، ولم يقف آثاره والسحب وراءها غير متوانيه، تشرّف بالإسلام وتعرّف بالهدى وعداه الملام، وحظي ممن خدمهم من
стр. 4037
الملوك بما لم يحظ به من مخدوم وغلام. وقف له مثل العادة في نهجه، وأمطاه من كراكيبه ما ركب منه في غير سرجه.
قال ابن أبي أصيبعة: " قرأ على أخيه أبي سعيد، ثم تميز واشتهر، وحظي عند الكامل، وأقطعه ضياعا وغيرها، وكان يتفقّده بالهبات الوافرة والصّلات المتواترة، وكان يدخل في جميع قلاعه راكبا لا ينزل ثم أسكنه عنده بقلعة الجبل، وركبه العادل مرة بغلته التي كانت قد شدّت في النوبة له، وركب ووقف بين القصرين ينتظره حتى جاء ثم أخذ بيده وجعل يتحدث معه إلى أن أتيا دار الوزارة، وكان العادل يسكنها وهو معه راكب، والأمراء ومن سواهم مشاة في الخدمة.
وفيه يقول ابن منقذ: [المتقارب]
رأيت الحكيم أبا شاكر … كثير المحب مع الشاكر
خليفة بقراط في عصرنا … وثانيه في علمه الباهر
ومنهم:
١٨٥ - الرشيد أبو حليقة: وهو أبو الوحش ابن الفارس ابن أبي الخير بن أبي سليمان داود ابن أبي المنى ابن فانة (١٣)
وسبب تسميته بأبي حليقة لأن أباه كان لا يعيش له ولد، فقيل لأمه: لو
стр. 4038
عملت في أذنه حلقة لعاش؛ فعملتها. والملك الكامل هو الذي سمّاه بهذا الاسم لأنه طلبه مع غلام فقال له: من هو من الأطباء؟ فقال هو أبو حليقة. فعرف بذلك، وكان مذ كان منقطع القرين مهيبا لا يقتحم له عرين، معظّما في النفوس، متمما لمحاسن أهل الشموس، تجلّه الملوك وتحلّه حيث لا يصل إليه سلوك.
قال ابن أبي أصيبعة بعد الثناء الجميل عليه بالعلم والدين والمروءة إنه: "ربي بجعبر، وكان أبوه يلبسه زي الجند، فدخل الملك الكامل مرة الحمام قريبا من داره، فبعث إليه أبوه معه ماء ورد، وأطباق فاكهة، فقبلها الأمير وملأ أطباقه تفاصيل سنية، ثم دخل به على ابنه الملك العادل فلما رآه قال: هذا ابن الفارس لأنه عرفه بالشبه، فقال له: نعم. فالتفت إلى أبيه وكان قائما في الخدمة وقال له:
ولدك هذا ذكي لا تعلّمه الخدمة، فالجند عندنا كثير وأنتم أهل بيت تبرّكنا بطبكم، فسيّره إلى عمه أبي سعيد إلى دمشق ليقرئه الطب، ففعل، فمهر، ثم رحل إلى القاهرة وخدم الكامل وحظي لديه، وأقطعه ثم خدم من بعده إلى الملك الظاهر بيبرس على أجمل العوائد.
قال: وكانت له نوادر في العلاج؛ منها: أنه كان يعالج حظيّة الكامل كانت معه بالعباسية، ثم عرض للرشيد شغل دخل لأجله إلى القاهرة، وأقام بها ثمانية عشر يوما، ثم عاد فوجد الأطباء قد تردّدوا إليها، فلما حضر باشر معهم، فقالوا له: إن هذه على موت، والمصلحة أن نعلم السلطان بهذا قبل أن يفجأه أمرها بغتة، فقال لهم: الذي عندي أن هذه ما هي في مرض الموت. فقال له شيخ منهم: أنا باشرت المرضى أكثر منك. فطالع السلطان فلم يوافقه. فأجمع الأطباء على المطالعة بهذا إلا هو، فكتبوا إلى السلطان بموتها، فأرسل إليهم رسولا ومعه نجار ليعمل لها تابوتا تحمل فيه؛ فأتيا والأطباء جلوس، فقال له الرشيد: ما هذا؟
стр. 4039
فأخبره بما أتيا له. فقال للرسول: أتضعها في التابوت وهي في الحياة؟. فقال:
لا، ولكن بعد موتها، فقال له: ارجع بهذا التابوت وقل للسلطان عني خاصة أنها لا تموت في هذه المرضة، فرجع وأخبره بذلك، فلما كان الليل استدعاه وقال له: أنت منعت عمل التابوت؟ قال له: نعم. قال له: بم عرفت ذلك دون الأطباء؟. قال: بمعرفتي بمزاجها دونهم. فقال له: امض فطبّبها، فطبّبها فعوفيت.
ومنها: أن الكامل لفّ مرة يده وأخرجها مع أيدي الحرم وهو يجس الأيدي، فلما انتهى إلى نبض الكامل قال: هذا نبض مولانا السلطان، وهو صحيح بحمد الله!.
ومنها: أنه جاءته امرأة من الريف ومعها ولدها شاب غلب عليه النحول لتريه إياه، واتفق أنها جاءت به إليه بالغداة، والوقت بارد، فجسّ نبضه، وبينما هو يجس نبضه، إذ قال لغلامه: ادخل ناولني الفرجية لألبسها، فتغير نبض الشاب عند قوله تغيرا كثيرا، فحدس أن يكون عاشقا، ثم جس نبضه بعد ذلك فتساكن، وعند ما خرج الغلام إليه وقال له: هذه الفرجية جس نبضه أيضا فوجده قد تغير.
فقال لوالدته: إن ابنك هذا عاشق، والذي يهواها اسمها" فرجية".
فقالت: إي والله يا مولاي هو يحب واحدة اسمها فرجية، وقد عجزت مما أعذله فيها، وتعجبت من قوله لها غاية العجب، ومن اطّلاعه على اسم المرأة من غير معرفة متقدمة له بذلك.
أقول: ومثل هذه الحكاية كانت عرضت لجالينوس لما عرف المرأة العاشقة، وذلك أنه كان استدعي إلى امرأة جليلة القدر وكان المرض قد طال بها، وحدس أنها عاشقة، فتردد إليها، ولما كان عندها وهو يجس نبضها، وكانت الأجناد قد ركبوا في الميدان وهم يلعبون، فحكى بعض الحاضرين ما كانوا فيه، وإن فلانا
стр. 4040
تبينت له فروسية ولعب جيد، فعند ذلك لما سمعت باسم ذلك الرجل تغير نبضها واختلف، ثم جسها بعد ذلك فوجده قد تساكن إلى أن عاد إلى حاله، ثم إن جالينوس أشار إلى الحاكي سرا أن يعيد قوله، فلما أعاده وجسّ نبضها وجده أيضا قد تغير فتحقّق من حالها أنها تعشق ذلك الرجل، وهذا مما يدل على وفور العلم وحسن النظر في تقدمة المعرفة.
ومنهم:
١٨٦ - ابنه المهذب: أبو سعيد محمد بن أبي حليقة (١٣)
وأيّ الرجال المهذب؟، وأي الآصال عصره المذهب، وكان له أي مجلس مغشي، وأنس أضوأ من مصابيح العشي، يعشى إلى ضوء ناره، ويعزى الفضل إلى ساكن داره، ويوصف بخلائق تتكفل بري الظماء، وتلذ لذة العسل بالماء، ولم يزل فجره يتزيّد في إنارته، وبدره لا يخرج من دارته حتى طما على روضته سيل المنون، وطحنه تحت ضرسه المنجنون (١).
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " أوحد العلماء، وأكمل الحكماء، ولد بالقاهرة وسمي محمدا لما أسلم أيام الظاهر (٢). منحه الله من العقل أكمله، ومن الأدب
стр. 4041
أفضله، ومن الذكاء أغزره، ومن العلم أكثره، أتقن الطب وعرف الحكمة، ولا أحد يدانيه فيما يعانيه، ولا يصل إلى الخلائق الجميلة التي أجمعت عليه ".
انتهى ذكرهم
فأما من سواهم؛ فمنهم:
١٨٧ - أبو سعيد بن موفق الدين يعقوب (١٣)
ويلقب بالموفق، وكان في فعله موفقا، وفي نقله موثّقا، يصيب شاكلة الرمي، ويتلقى عدو المرض تلقي الكمي (١)، وله علاج يقوم بالأبدان، ويدوم تهاديه في البلدان، وينقل من خبره ما يكون أرجا للمجالس، وحرجا للمنافس، وطالما طال أمثاله في البيع (٢)، وكانوا له كالتبع، ثم خدم السلطان فتم ممتد الاتّطان حتى شجب بعلته، وانتحب بالبكاء عليه أهل ملته.
قال ابن أبي أصيبعة: " هو من نصارى القدس، وكان خبيرا في الطب علما وعملا، حادّ الذهن، وخدم الكامل ثم ابنه الصالح، وعالجه وهو بدمشق من أكلة كانت في فخذه، وكانت بينه وبين الرشيد أبي حليقة منافسة، فقال أبو سعيد:
إن معالجة أبي حليقة على غير الصواب، فنظر الصالح إلى أبي حليقة نظرة غضب، فقام من بين يديه وقعد بباب الدار، ثم عرض أبو سعيد إليه مرة أخرى في مجلس السلطان، فعرض له فالج وبقي ملقى قدامه فأمر السلطان بحمله إلى داره، فمات بها بعد أربعة أيام، ثم عاد الصالح إلى مصر بعلّته وبها مات ".
стр. 4042
ومنهم:
١٨٨ - ابن البيطار: عبد الله بن أحمد المالقي النباتي، ضياء الدين أبو محمد (١٣)
سحاب أتى سيله فطمّ على القرى، وسحب ذيله فتم نشج العبقرى، وكأنما كان بأسرار الأدوية مناجي أو أوتي أجزل من ابن جزلة منهاجا، لعلم بالعقاقير وأشخاصها، وعموم منافعها واختصاصها، مع حسن جمع وإتقان ما يلج في سمع، وعرف فيها مقالات الحكماء وحزرها، وألّف فيها المطوّلات وحبّرها، وكان نسيج وحده، ووشيج جفان بأسده، تقلّب في البلاد وجلب ما يبقى على الآباد، ثم مات ولله في خلقه أمر، وجناها على نفسه وقال: بيدي لا بيد عمرو.
قال ابن أبي أصيبعة فيه: " أوحد زمانه، وعلاّمة أوانه، في معرفة النبات وتحقيقه واختباره ومواضع نباته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، سافر إلى بلاد الأغارقة، وأقصى بلاد الروم، ووجد جماعة ممن يعاني هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير وعاينه في مواضعه، واجتمع أيضا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين نباته وتحقق ماهيته، وأتقن دراية كتاب ديسقوريدس إتقانا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه، وذلك أنني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات وفي نقل ما
стр. 4043
ذكره ديسقوريدس وجالينوس فيه ما يتعجب منه. أول اجتماعي به كان بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وست مائة، ورأيت أيضا من حسن عشرته، وكمال مروءته، وطيب أعراقه، وجودة أخلاقه، وكرم نفسه ما يفوق الوصف، ويتعجب منه، ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضا تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئا كثيرا، وكنت أحضر لدينا عدة من الكتب المؤلّفة في الأدوية المفردة، مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس، والغافقي، وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفن، فكان يذكر أولا ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، ويذكر أيضا ما قاله جالينوس فيه من نعته وأفعاله ومزاجه وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضا ما قاله المتأخرون وما اختلفوا، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا يغادر شيئا بما فيها، وأعجب من ذلك أيضا أنه كان ما يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة، وفي تلك المقالة.
وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة، والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيسا على سائر العشابين، وأصحاب البسطات، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الكامل ﵀ بدمشق، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة ثم خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، وكان حظيا عنده، مقدما في أيامه، وكانت وفاة ضياء الدين العشاب ﵀ بدمشق في شهر شعبان سنة ست وأربعين وستمائة. وكتابه الجامع في الأدوية المفردة لا يوجد كتاب في الأدوية أجلّ ولا أجود منه، وصنّفه للملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل.
стр. 4044
قلت: ويحكى أنه سمّ نفسه فمات!.
حدثني الحكيم أمين الدين سليمان بن داود المتطبّب قال: كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لينفقها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته، واجتناء حشائش شامية ورومية، فلما أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم، فأحبّها وأنفق عليها ذلك المال حتى أنفده وأهمل حاجة الملك الصالح، فلما قدم الملك الصالح إما قال: القدس، أو قال: دمشق، لم يكن لابن البيطار دأب ليله أراد الصالح يدخل البلد في صباحها إلا أنه أحضر النصرانية، وبات معها في أكل وشرب واستماع غناء واستمتاع حتى كان الثلث الآخر فأخرج حشيشة معه فسحقها في هون ثم استفها ونام، وقال: غطوني، ثم إذا أصبحتم لا تسحقوا شيئا في الهون حتى تجيدوا غسله فإنه قد صار مسموما، فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميتا، ففهموا ما كان قاله، وغسلوا الهون، فلما دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصة فقال: لقد أساء بنا الظن وأين مثله لأشتريه بشطر ملكي، والله لو علمت لأعطيته عشرة آلاف دينار يصرفها في لذته، وكان أمتعنا بنفسه.
قلت: ويحكى أنه ترك عقاقير كثيرة ومفردات عدة لم يذكرها في كتابه الجامع ضنا بها، وبخلا على غيره بمعرفتها. قال لي الحكيم صلاح الدين ابن البرهان: كان ابن البيطار يعرف مما يدخل في علم الكيمياء أشياء لم يذكره في جامعه.
قلت: وابن البرهان كان مغرى بالكيمياء، مصدقا بعلمها وإن كان لا يعملها بيده، ولهذا أظنه قال ما قال: [الوافر]
وكل يدعي وصلا بليلى … وليلى لا تقر لهم بذاك
стр. 4045
ومنهم:
١٨٩ - علي بن أبي الحزم: علاء الدين ابن النفيس القرشي الدمشقي (١٣)
فرد الدهر وواحده، وأخو كل علم ووالده، إمام الفضائل، وتمام الأوائل، والجبل الذي لا يرقى علاه بالسلالم، والحبل الذي لا يعلق به إلا الغريق السالم، لم يبق إلا من اغترف منه غرفة بيده، وأخذ منه حلية لمقلده، حلّ مصر في محل ملكها، ونسخت لياليها بإشراقه صبغة حلكها، وقرأ عليه بها الأعيان وكلأ فضله وأعان، ولم يكن على علم واحد بمقتصر، ولا شبهه بالبحر إلا مختصر، هذا إلى حسب غير مرءوس، وحسب مثل جناح الطاووس، وشرف قرشي لا يحل معه في بطحائه، ولا يحث في البيد قلاص بطائه، زكا محتدا، وزها بيتا لم يضرب غير متوسط السماء وتدا، وكمّل ذاته بكرم وخير، ومجد في أول وأخير، ومزايا استحقاق وسجايا كحواشي النسيم الرقاق، ومحاسن كطوالع النجوم ما فيها شقاق.
قال ابن أبي أصيبعة (١): "نشأ بدمشق واشتغل بها في الطب على المهذّب
стр. 4046
الدخوار منجبا، تخرج عليه جماعة منهم: الرضي وابن قاضي بعلبك، والشمس الكلي، وكان علاء الدين إماما في علم الطب لا يضاهى في ذلك ولا يدانى، استحضارا واستنباطا، واشتغل على كبر وله فيه التصانيف الفائقة والتواليف الرائقة.
صنف كتاب " الشامل " في الطب، تدل فهرسته على أنه يكون في ثلاث مائة سفر، هكذا ذكر بعض أصحابه، وبيّض منها ثمانين سفرا، وهي الآن وقف بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة، وكتاب " المهذب " في الكحل، و" شرح القانون " لابن سينا، في عدة أسفار، وغير ذلك في الطب، وهو كان الغالب عليه.
وأخبرني شيخنا أبو الثناء محمود أنه كان يكتب إذا صنف من صدره، من غير مراجعة حال التصنيف، وله معرفة بالمنطق، وصنف فيه مختصرا، وشرح الهداية لابن سينا في المنطق، وكان لا يميل في هذا الفن إلا إلى طريقة المتقدمين كأبي نصر، وابن سينا، ويكره طريقة الأفضل الخونجي (١)، والأثير الأبهري (٢)، وصنف في أصول الفقه، والفقه، والعربية، والحديث، وعلم البيان، وغير ذلك، ولم يكن في هذه العلوم بالمتقدم إنما كان له مشاركة ما، وقد أحضر من تصنيفه في العربية كتابا في سفرين أبدى فيه عللا تخالف كلام أهل الفن، ولم يكن قرأ في هذا الفن سوى" الأنموذج "للزمخشري، قرأه على ابن النحاس، وتجاسر به على أن صنف في هذا العلم، وعليه، وعلى العماد النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة، وكان شيخا طوالا، أسيل الخدين، نحيفا، ذا مروءة.
стр. 4047
وحكي أنه في علّته التي توفي فيها أشار عليه بعض أصحابه الأطباء بتناول شيء من الخمر! إذ كان صالحا لعلته على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئا منه، وقال: لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر.
وكان قد ابتنى دارا بالقاهرة وفرشها بالرخام حتى إيوانها، وما رأيت إيوانا مرخما في غير هذه الدار، ولم يكن مزوجا. ووقف داره وكتبه على البيمارستان المنصوري، وكان يغض من كلام جالينوس، ويصفه بالعي والإسهاب الذي ليس تحته طائل، وهذا بخلاف النابلسي فإنه كان يعظّمه ويحث على قراءة كلام جالينوس.
وكان علاء الدين قد نزل يدرس بالمسرورية بالقاهرة (١) في الفقه، وذكروا أنه شرح في أول التنبيه إلى باب السهو شرحا حسنا، ومرض رحمه الله تعالى ستة أيام أولها يوم الأحد، وتوفي سحر يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وستمائة بالقاهرة.
قال أبو الصفاء: أخبرني الإمام العلامة الشيخ برهان الدين الرشيدي خطيب جامع أمير حسين بالقاهرة قال: كان العلاء ابن النفيس إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا تحدّر، فإذا كلّ القلم وحفي رمى به وتناول غيره لئلا
стр. 4048
يضيع عليه الزمان في بري القلم.
قلت: وبهذا حدّثني شيخنا أبو الثناء محمود: قال أبو الصفاء: وأخبرني شيخنا نجم الدين الصفدي أن ابن النحاس كان يقول: لا أرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو غير كلام ابن النفيس، أو كما قال.
وقد رأيت له كتابا صغيرا عارض به رسالة حي بن يقظان لابن سينا، ووسمه بكتاب: "فاضل بن ناطق"، وانتصر فيه لمذهب أهل الإسلام وآرائهم في النبوات والشرائع، والبعث الجسماني، وخراب العالم. ولعمري لقد أبدع فيها ودلّ ذلك على قدرته وصحة ذهنه، وتمكنه من العلوم العقلية.
وأخبرني السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة، وكان من تلاميذه قال: اجتمع ليلة هو وابن واصل (١)، وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة شرعا في البحث وانتقلا من علم إلى علم، والشيخ علاء الدين كل ذلك يبحث برياضة ولا انزعاج، وأما القاضي جمال الدين فإنه ينزعج ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن أسفر الصبح، فلما انفصل الحال قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين، أما نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد، وأما أنت فعندك خزائن علوم.
وقال أبو الصفاء: قال السديد أيضا: قلت يا سيدي لو شرحت "الشفاء" لابن سينا، كان خيرا من شرح "القانون" لضرورة الناس إلى ذلك. فقال: "الشفا"
стр. 4049
عليّ فيه مواضع تريد أيتها؟. قلت: يريد أنه ما فهم تلك المواضع لأن عبارة الرئيس في "الشفا" غلقه.
قال: وأخبرني آخر قال: دخل الشيخ علاء الدين مرة إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله!.
وقيل: إنه قال: لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعدي عشرة آلاف سنة ما وضعتها، والعهدة في ذلك على من نقله عنه.
وعلى الجملة كان إماما عظيما وكبيرا من الأفاضل جسيما، وكان يقال: هو ابن سينا الثاني.
قال: ونقلت من ترجمته في مكان لا أعرف من هو الذي وضعه، قال: شرح "القانون" في عشرين مجلدا شرحا حلّ فيه المواضع الحكمية، ورتّب فيه القياسات المنطقية، وبين فيه الإشكالات الطبية، ولم يسبق إلى هذا الشرح لأن قصارى كل من شرحه أن يقتصر على الكليات إلى نبض الحبالى، ولا يجري فيه ذكر الطب إلا نادرا، وشرح كتب بقراط كلها، ولأكثرها شرحان؛ مطوّل ومختصر، وشرح "الإشارات" وكان يحفظ: "كليات القانون" ويعظم كلام بقراط، ولا يشير على مشتغل بغير القانون، وهو الذي جسّر الناس على هذا الكتاب، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، والمهذب ابن أبي حليقة رئيس الأطباء، وشرف الدين ابن صغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس في طبقاتهم، ومن تلاميذه الأعيان: البدر حسن الرئيس، وأمين الدولة ابن القف، والسديد الدمياطي، وأبو
стр. 4050
الفرج الإسكندري، وأبو الفرج ابن صغير.
وحدثني عنه غير واحد منهم شيخنا أبو الفتح اليعمري قال: كان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله قليل البصر بالعلاج، فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه، ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء، ولا مركبا ما أمكنه الاستغناء بمفرد، وكان ربما وصف القمحية لمن شكا القرحة، والتطماج لمن شكا هواء، والخروب (١) والقضامة لمن شكا إسهالا، ومن هذا ومثله ولكل بما يلائم مأكله ويشاكلها، حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده: إذا أردت أنك تصف مثل هذه الوصفات اقعد على دكان اللحام، وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكّر والشراب والأدوية.
وحكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي الكاتب قال: شكوت إلى ابن النفيس عقالا (٢) في يدي، فقال لي: وأنا والله بي عقال، فقلت له: فبأي شيء أداويه؟.
فقال لي: والله ما أعرف بأي شيء أداويه!، ثم لم يزدني على هذا.
ومنهم:
١٩٠ - أحمد المغربي (١٣)
شهاب الدين والد الرئيس جمال الدين إبراهيم ابن المغربي رئيس الأطباء بمصر والشام، وإليه انتهت الحشمة والاحتشام. كوكب الفضائل الطالع نيرا، والمشرق قمرا منورا.
стр. 4051
أخذ من كل العلوم الحكمية بنصيب موفّر الأجزاء، موفّر الجناب، يعزى إليه بالاعتزاء.
قدم مصر واستوطنها، وقطع بفضله من قطنها، وكان فريدا في أنواع العلم، إلا أنه عرف بالطب أكثر من بقية ما عرف به من المعارف، وحصل من التالد والطارف (١)، وخدم السلطان وتقدم الرهط، وتفرد في جماعة الأطباء، وأقرأ العلم وأفاد، وباشر المرضى وأحسن العلاج، وعدّل منحرف كل مزاج، وكان وافر الحظ من السلطان والأمراء والوزراء، وسائر الكبراء، وكان بصيرا بالنجامة، متقدما في علمها، وكان يتكلم فيها مع السلطان وأرباب الدولة، وحصل النعم الجمّة، والأموال الجزيلة، وخدم بنوه السلطان، وتقدموا في الخدم، وصحب ابنه جمال الدين السلطان حين همّ بالحج أيام سلطنته الثانية، فلما أقام بالكرك أقام معه، وترك أسبابه وراءه بمصر منقطعة، فرعى له السلطان حق انقطاعه، وزاد في قدر إقطاعه، وولاه الرياسة حتى تجاوز قدر الرؤساء، وقرّبه حتى كان من أخصّاء الجلساء، وكان لا يزال يفاوضه في كل حديث ويطلعه على أكثر الأمور، ورفع إليه يوما الصلاح ابن البرهان قصة يسأل فيها الإعفاء من وظيفته في الطب بالخدمة، وكنت سفيره فيه، فقال لي السلطان: هذا الصلاح أفضل من إبراهيم - يعني ابن المغربي - وما يطلب ترك الخدمة إلا لأجله، لكونه مقدّما عندنا عليه، فقل له: نحن نعرف فضيلتك وكبر قدرك، وإنك أفضل من إبراهيم وأكبر، ولكن إبراهيم له علينا حق الخدمة من وقت كنا في الكرك، وهو صاحبنا ما هو طبيب عندنا. فبلّغته الرسالة بنصّها، فسكت على مضض!.
стр. 4052
قلت: هذا قول السلطان، وأما الرئيس جمال الدين إبراهيم فإنه من أعيان الأطباء، وأهل الفضل والتقدم في العلم والعمل في الطب وصناعته، والاجتهاد دائما في توفير بضاعته، ولهذا اكتفيت عن إفراده بترجمة.
ومنهم:
١٩١ - السديد الدمياطي (١٣)
اليهودي، يعرف بابن كوجك. وبنو كوجك وبنو صغير أهل بيت واحد، وهم من يهود بلاد العجم، وكلهم كانوا لا يعرفون إلا ببني كوجك، وكوجك باللغة العربية: صغير (١)، فلما قدموا مصر عرّب فريق منهم اسم جدهم المنسوبين إليه وبقي فريق على اسمه الأعجمي، وكان "السديد" شديد المقال، مديد المجال، جالينوس زمانه في الطب الذي لم يبلغ، والعلم الذي لم يدرك.
قرأ على ابن النفيس، والنابلسي، وعلى ابن النفيس أكثر، ومن مدده استكثر.
أتقن الحكمة والطب، وأخذ من كل فن بطرف، وأذعن كل فاضل له واعترف، وكان يحفظ غالب ديوان أبي الطيب المتنبي، بل كله، وينشد منه، ويستشهد به في موضعه إذا تكلم، وخدم السلطان، وتقرّر لديه فضله، واستقرّ في كل خاطر أنه لا نظير له في الدهر، وتنافست الأمراء وأكابر الدولة في معالجته، وكانت الأطباء إذا اختلفت في حدس مرض أو وصف دواء عادوا إلى
стр. 4053
رأيه، ورجعوا إلى قوله، فإذا قال سكت كل قائل، وسلّم كل منازع، وكانوا إذا عرض للسلطان مرض وحضروا عنده تقدم السديد فأمسك يد السلطان وجسّ نبضه قبل الرئيس، وقبل كل أحد، وكان الرئيس هو السائل عن الأعراض بحضوره، ثم تحصل الشورى بينهم على ما يوصف، ويكون مدار الكل على كلام السديد، واعتماد السلطان عليه دون الكل.
وكان السديد رجلا عاقلا ساكنا لا يكاد يتكلم، حتى إذا تكلم كان البحر الزاخر، والسيل المنحدر، والضرام المتّقد، والأسد الصؤول، إلى نقول يستحضرها، وبحوث يحررها، وتجارب يذكرها.
وكانت له يد في علم الموسيقى والطرب، رأيت ابن كرّ (١) يصفه ويثني على علمه وينصفه. وكان على هذا الفضل الغزير والمدد الوافر لا يتوسع في الوصف ولا يخرج عن الجادة، ولا يعدل عن المعهود، ولا يرى التفقه في الطب كما كان عليه فرج الله بن صغير (٢)، وكان السديد اجتهاده لنفسه، وفرج الله اجتهاده للعليل، على أن السديد كان إذا لم يشاركه طبيب آخر يطبّب تطبيبا مستقصى، وإن لم يتوسع، فأما إذا شورك سكت وجمد واكتفى بقول المشارك له، وإن كان عنده في الباطن خلافه، وبالجملة كان من الأفراد، وممن يقدم إذا حضرت الأفاضل بالأعداد.
стр. 4054
ومنهم:
١٩٢ - فرج الله بن صغير
طبيب لو حضر معه ابن ماسويه لما مسّ العلاج، أو أبو قريش (١) لما أقرّ له ابن اللجلاج (٢)، أو استشعر به حنين بن إسحاق (٣) لحنّ إلى لقائه، أو كان في زمانه ابن الأشعث للمّ شعثه ببقائه، لنفع لو كان للمطجّن لأكل جديه الحنيذ (٤)، أو لأمين الدولة لكان عنده ابن التلميذ (٥)، وصدق ودّ لو أنه لابن كلدة لو كل إليه الوفاء، أو لسني لابن سيناء لنسب إليه دون الشفا، ولم يكن شرواه (٦) في مداواة سقام، ومدافعة سمام، بملاطفة ما حظي بها النسيم، ولا عبث بشبهها في ملاعبه عطف الروض النسيم.
قال لي: إنه قرأ على أبيه وعلى ابن النفيس، وتلك الطبقة، واقتصر على علم الطب وحقّقه، وأذن له في الكحل ثم في الطب، وجلس للتطبيب، وعاد المرضى، وظهر أثر علمه، وكثر النفع به، وبرء المرضى على يده.
وخدم السلطان وأطلق له المعلوم الوافر والراتب الكامل، وتفرد بخدمة بكتمر
стр. 4055
الساقي (١)، وكان يعتمد عليه دون سائر الأطباء، ويعمل بقوله في معالجته ومعالجة ولده وحريمه، وخواصه، وأعزائه. وكان سلطاننا الملك الناصر يثق به وأفرده بعد بكتمر الساقي لخدمة الدور السلطانية والنساء والحرم، مع مشاركة الجماعة في مباشرة طبه والحضور عنده، ولم يزل موفّر الحظ من الإكرام، وكانت بيننا وبينه صحبة، وله بنا خصوصية، وله من حسن الملاطفة في العلاج ما لم يكن لأحد سواه، وكان في هذا غاية.
جرى ذكره عند الحكيم الفاضل ناصر الدين محمد بن صغير، وهو عليل بدمشق، فقال: من كان مثل الحكيم فرج الله؟. وأخذ في وصفه ووصف فضيلته والثناء عليه، وبالغ في هذا وأطنب فيه، فقال له بعض من حضر: فكيف كان السديد الدمياطي؟. فقال: كان السديد يعمل في ما يصفه مصلحته، وفرج الله يعمل مصلحة المريض.
قلت: والأمر هو على ما قاله، فإن السديد قلّ أن كان يخوض الغمرات في الوصف، وفرج الله يخوض الغمرات في الوصف، ويودّ لو نزع من جسده ثوب العافية وألبسه المريض، وإذا كره المريض أو من حضره غذاء أو دواء، أبدله بغيره فإن كرهوا أبدله بغيره، يفعل هكذا حتى يصيب موافقة من رضاهم أو مقاربة، وكان يرى أن هذا أجدى في نفع المريض، وكانت له معالجات موافقة، وإصابات في تقدم المعرفة خارقة.
стр. 4056
حكى لي غير واحد من جيراننا بالقاهرة أنه كان معودا بمعالجة رجل بسويقة الصاحب، وقد عرف مزاجه ودربه، فمرّ به ذات يوم وهو راكب على حماره قد نزل من القلعة على بيته، فرأى ذلك الرجل جالسا على باب المدرسة الصاحبية (١)، فوقف فرج الله قدامه، وذلك الرجل لا يشعر به، وأطال فرج الله النظر إليه، والتأمّل إلى سحنته، وهو صحيح سوي، لا يشكو مرضا ولا عرضا، ثم قال له: يا فلان هل عضّك في هذه الأيام كلب قطّ؟. فقال له: نعم، من أيام قلائل. فقال له: قم اقعد في بيتك والحق نفسك بالمداواة، ثم ساق حماره وأتى إلى أهل بيت الرجل، وقال لهم: اعلموا أنني رأيت صاحبكم ورأيت عليه علائم الكلب، فسألته إن كان عضّه كلب؟ فقال: نعم. فأمرته بأن يقعد في بيته، ويلحق نفسه بالمداواة والطب، فالله الله فيه والله الله في أنفسكم، فإنه قد كلب ويوشك أن يجفل من الماء بعد كذا وكذا يوم، ثم يموت بعد كذا وكذا!. فكان الأمر كما ذكره لم يخرم في شيء منه.
ولما اعتلّ والدي ﵀ العلّة التي مات فيها كان أولها انصباب مادّة بلغمية إلى يده، فورمت منها يده، وهو ونحن لا نكترث بذلك ولا يهمنا، والأطباء تتردّد إليه في كل صباح ومساء لمعالجته، وفرج الله منهم، فأصبح ذات يوم وقد تصرّف الورم بجملته من يده وأصبح بارئا لا يشك في ذلك نحن ولا الأطباء، وكان منهم ابن البرهان، والسديد الدمياطي، فلما انصرفوا قال لي فرج الله: اعلم أن هذه المادة لم تتصرف، وإنما انصبّت بجملتها إلى مكان استضعفته من الأعضاء الباطنة، وأكبر ظني أن تكون انصبّت إلى قصبة الرئة، ولئن كان
стр. 4057
كذلك ليعرضن له آخر هذا اليوم ضيق نفس، ثم قلّ أن تنجع معالجته مع ما بلغه من هذا السن، فلم يأت آخر ذلك اليوم إلا وقد عرض له مبادي ضيق نفس، ثم لم يزل يتزايد إلى أن أتى عليه يوم لم نشك أنه لا يخرج عنه، فلما أتاه ورأى ماءه واستقرى أعراضه ووصف له ما وصف وقام، وذلك يوم نصف شعبان.
قلت له: تقول يمسي عليه المساء؟. قال: نعم، ويمسك إلى آخر هذا الشهر، إلى خمسة، ستة أيام أخرى في شهر رمضان. فكان الأمر كما ذكره لم يخرم!.
قلت: وقلّ أن وصف لي دواء إلا وبين أثره ليومه، ثم حمدت عاقبته فيما بعد.
وعرض لي مرة دوار صفراوي، فأمر بماء فأسخن فوق الإسخان المستطاب، ثم شدّ قدمي بأنشوطة من فوق الكعبين، وأمر بتدليتهما في ذلك الماء، وتعجيل حل الأنشوطة عند تدليتهما في الماء، ففعل ذلك، ثم أمر بإطالة اللبث، ثم حكّهما بالحجر الخشن والملح والنخالة، فلم يكن بأسرع من زوال ذلك الدوار لانعكاس المادة، وتفتّح المسام في سفل القدم، وأثّر ذلك لساعته.
ولما أردت الحج في حجتي الثالثة كان الزمان صيفا، والحر شديدا إلى غاية، فسألته عما اعتمدته؟. فقال لي: إذا خفت الحرّلتّ (١) بزرقطونا (٢) بماء، ثم أضف إليه شيئا من الخل الحاذق (٣) الثقيف (٤)، وضمّد به صدرك ورقبتك،
стр. 4058
فإنك لا تبالي بالحر!. فو الله لقد كنت أنا ومن معي نعمله ونركب في الهواجر المتّقدة والقيظ المضطرم، ونحن نظن أن على صدورنا قطع الثلج، لا نحسّ ما الحر، وما ندري ما السموم، إلى غير هذا مما كان فيه من الفضائل وما فاق به الأنظار وفاق الأماثل. فليت الشمس لو أبقته قليلا، ووا أسفا على مثله كيف مات على اليهودية.
ومنهم:
١٩٣ - محمد بن صغير، ناصر الدين
طبيب جامع، ولبيب بشرق كلماته في المسامع، وفاضل لم يقصّر في نوع من الفضائل على كثرة تشعّبها، مع أخلاق لو تخلّقت بها المدام لما قطّب شاربها، ولما قدر أن يذكرها عائبها .. إلى فضائل شريفة، وشمائل ظريفة، وأخوّة صحيحة الإخاء، صريحة الانتحاء، وقول جزم أنه قد أصبح اليوم فردا واحدا لما جمع من شتّى المحاسن، وكمال الأوصاف.
قرأ العلم واشتغل به، وخدم السلطان، وباشر المرستان، وقرأ النحو والأدب، وتطبّع به حتى صار خلقا له، وله في حسن العلاج يد طويلة، وآثار جميلة، وأفعال حسنة مشكورة، وهو يرى لطف التدبير في معالجة المرضى، وعدم الإقدام عليهم بالأدوية، وكان السلطان يشكره ويثني على نشأته الحسنة، إلى غير هذا مما يتفكّه به من جني الألسنة.
стр. 4059
آخر الجزء الثامن من كتاب: «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» ويتلوه إن شاء الله تعالى: «وممن يعدّ مع الحكماء: أهل علم الموسيقى» والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 4060
مصادر التحقيق
١ - الإعلام بوفيات الأعلام.
٢ - الأعلام لخير الدين الزركلي.
٣ - إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية.
٤ - الإكمال لابن ماكولا.
٥ - الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي.
٦ - الأنساب للسمعاني.
٧ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون للبغدادي.
٨ - البداية والنهاية لابن كثير.
٩ - بغية الطلب لابن العديم.
١٠ - بغية الوعاة في طبقات النحاة لابن القفطي.
١١ - تاريخ ابن الفرات.
١٢ - تاريخ ابن الوردي.
١٣ - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي.
١٤ - تاريخ الحكماء للشهرستاني.
١٥ - تاريخ الحكماء للقفطي.
١٦ - تاريخ الخلفاء للإمام السوطي.
١٧ - تاريخ الزمان للعبري.
١٨ - التاريخ المظفري لابن أبي الدم.
١٩ - التاريخ المنصوري.
٢٠ - تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي.
٢١ - تاريخ مختصر الدول للعبري.
٢٢ - تاريخ مختصر الدول.
стр. 4061
٢٣ - تراث العرب العلمي لطوقان.
٢٤ - التعريف بمصطلحات صبح الأعشى.
٢٥ - التقييد لابن نقطة.
٢٦ - تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني.
٢٧ - خزانة الأدب للبغدادي.
٢٨ - الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي.
٢٩ - ديوان ابن الأبار الأندلسي.
٣٠ - ديوان ابن النواس.
٣١ - ديوان ابن عنين - تحقيق خليل مردم بك.
٣٢ - ديوان الطغرائي.
٣٣ - ديوان المتنبي بشرح البرقوقي.
٣٤ - ديوان كثير عزة.
٣٥ - ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي.
٣٦ - روضات الجنات للخوانساري.
٣٧ - الروضتين لابن أبي شامة، وذيله.
٣٨ - سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي.
٣٩ - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.
٤٠ - الشقائق النعمانية لطاش كبري زاده.
٤١ - صبح الأعشى للقلقشندي.
٤٢ - صوان الحكمة للسجستاني.
٤٣ - طبقات الأمم لصاعد.
٤٤ - طبقات الحكماء لابن جلجل.
٤٥ - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي.
стр. 4062
٤٦ - طبقات الشافعية لابن دقماق.
٤٧ - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة.
٤٨ - طبقات الشافعية لابن هداية الله.
٤٩ - طبقات الشافعية للإسنوي.
٥٠ - طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده.
٥١ - طبقات المفسرين للإمام السيوطي.
٥٢ - العبر للإمام الذهبي.
٥٣ - عقود الجوهر للعظم.
٥٤ - عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة.
٥٥ - الفلاكة والمفلوكون للدلجي.
٥٦ - فهرست ابن النديم.
٥٧ - الفهرست لابن النديم.
٥٨ - فواصل السمر في فضائل آل عمر لابن فضل الله العمري.
٥٩ - القاموس المحيط للفيروزآبادي.
٦٠ - قصد السبيل للمحبي.
٦١ - القضاة الشافعية للنعيمي.
٦٢ - قضاة دمشق للنعيمي.
٦٣ - الكامل في التاريخ لابن الأثير.
٦٤ - الكتاب الذهبي للمهرجان الألفي لابن سينا.
٦٥ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس للإمام العجلوني.
٦٦ - كشف الظنون لحاجي خليفة.
٦٧ - كنوز الأجداد لمحمد كرد علي.
٦٨ - لسان العرب لابن منظور.
стр. 4063
٦٩ - مؤلفات ابن سينا لأمين مرسي قنديل.
٧٠ - مؤلفات ابن سينا لجورج قنواتي.
٧١ - المختار من تاريخ ابن الجزري.
٧٢ - معجم الأدباء لياقوت الحموي.
٧٣ - معجم الأدباء لياقوت الحموي.
٧٤ - معجم البلدان لياقوت الحموي.
٧٥ - معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة.
٧٦ - معجم المطبوعات ليوسف اليان سركيس.
٧٧ - المعرب للجواليقي.
٧٨ - مفتاح السعادة لطاش كبري زادة.
٧٩ - المقفى الكبير للمقريزي.
٨٠ - المنهل الصافي للصفدي.
٨١ - ميزان الاعتدال للذهبي.
٨٢ - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي.
٨٣ - نزهة الأرواح للشهرزوري.
٨٤ - نصارى بغداد لبابو إسحاق.
٨٥ - النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري.
٨٦ - هدية العارفين للبغدادي.
٨٧ - الوافي بالوفيات لابن شاكر الكتبي.
٨٨ - الوافي بالوفيات للصفدي.
٨٩ - وفيات الأعيان لابن خلكان.
٩٠ - الوفيات لابن قنفذ.
٩١ - يتيمة الدهر للثعالبي.
وغيرها كثير ذكر كل في موضعه.
стр. 4064
السفر العاشر: تراجم أهل الموسيقا
المحقق: د. يحيى الجبوري