← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

أهلها: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام، قال: وبماذا تمدح؟ قلت: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف (١)، سهل وجبل، بادية وبستان، بر وبحر، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومأواهم وقدمتها - أصلحك الله - مخفّا فأصبحت مثقلا، ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا، قال: وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: تصير إليها، ثم ادع بما شئت من لذات العيش، فو الله لا أجوز بك الحيرة فيه، قال: فاصنع لي صنيعا، واخرج من قولك، قال: أفعل، فصنع لهم طعاما فأطعمهم من خبزها وسمكها، وما صيد من وحشها من ظباء (٢)، ونعام وأرنب وحبارى (٣)، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمتها (٤)، ولم يستخدم لهم عبدا ولا حرا إلا من مولداتها ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه فى شعر عدي بن زيد شاعرهم، وأعشى همدان، لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم (٥) بفواكهها، ثم قال: [هل] رأيتني استعنت على شيء مما (٦) رأيت، وأكلت وشربت، وشممت وسمعت، بغير ما في الحيرة؟ قال: لا، ولقد أحسنت في صفة بلدك، وأحسنت نصرته، والخروج مما ضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.

стр. 4097

قال عبيد بن حنين الحيري: كان المغنون (١) في عصر جدي أربعة نفر، ثلاثة بالحجاز، وهو وحده بالعراق، فالذين بالحجاز (٢) ابن سريج والغريض ومعبد، وكان بلغهم أن حنينا قد غنّى في هذا الشعر: (٣) [الكامل]. هلا بكيت على الزّمان الذاهب … وكففت عن ذمّ المشيب الآيب هلا وربّ مسوّفين سقيتهم … من خمر بابل لذّة للشّارب بكروا عليّ بسحرة فصبحتهم … بإناء ذي كرم كقعب (٤) الحالب بزجاجة ملء اليدين كأنّها … قنديل فصح في كنيسة راهب قال: فاجتمعوا فتذاكروا [أمر] (٥) جدّي، وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منّا، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز لا نزوره ولا نستزيره، اكتبوا إليه، فكتبوا إليه، ووجهوا إليه نفقة، وقالوا: نحن ثلاثة وأنت واحد، فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة من المدينة، بلغهم خبره، فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشدا ولا جمعا [من] (٦) يومئذ، ودخلوا المدينة، فلما صاروا ببعض الطريق، قال لهم معبد صيروا [إليّ]، قال ابن سريج: إن كان لك في اليسر والمروءة مالمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك، فقال: مالي من ذلك شيء، فعطفوا على منزل سكينة، فأذنت لهم إذنا عاما، فغصّت الدّار بهم، فصعدوا في السطح، وأمرت لهم بالأطعمة، فأكلوا، ثم سألوا جدّي أن يغنيهم صوته:

стр. 4098

(هلا بكيت على الشباب الذاهب) (١) فغناهم بعد أن قال لهم: ابدأوا أنتم [فقالوا]: ما كنا لنتقدمك حتى نسمع هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا، فازدحم الناس على السطح وكثروا يسمعونه، فسقط الرّواق (٢) على من تحته، فسلموا جميعا وأخرجوا أصحابه سوى حنين، فإنه مات وحده تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدّر حنين سرورنا، وانتظرناه مدة طويلة، كأننا كنّا نسوقه إلى منيّته. [ومنهم] ٤ - الغريض (٣) لا يناضل على غرض ولا يفاضل في عرض كان أشجى من النوائح، وأهزّ للكريم من المدائح (٤)، لو أصغت إليه الحمائم لخلعت عليه أطواقها أو الحوائم لما بكت بعبرة أشواقها، لا يدع عبرة لم تسكب، ولا حشاشة لم تسلب، ولا زمان صبا لم يذكر (٥)، ولا ذيول صبابة لم تسحب. أخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج، لأنه كان يخدمه، فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه بصوته وحسن وجهه، فحسده واعتلّ عليه، وجعل

стр. 4099

يتجنّى عليه فيطرده؛ فشكا (١) ذلك إلى مولياته وأعلمهنّ غرض ابن سريج في تنحيته إياه عنه، وأنه حسده على تقدّمه [ص ١١] فقلن له: هل لك أن تسمع نوحنا على قتلانا، فتأخذه وتغنّى عليه؟ قال: نعم، فأسمعنه المراثي فاحتذاه، (٢) فخرج غناؤه عليها، وكان ينوح مع ذلك، ويدخل المآتم، وتضرب دونه الحجب، ثم ينوح فيفتن كلّ من سمعه. ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا (٣)، وكان ابن سريج لا يغني صوتا إلا عارضه (٤)، فغنّى فيه لحنا آخر، فلما رأى ابن سريج موضع الغريض، اشتد عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج، فاشتهاها الناس، وقال [له] الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته، قال: نعم يا مخنّث، جعلت تنوح على أبيك (٥) وأمك. قال إسحاق: سمعت جماعة من البصراء بالغناء قد أجمعوا على [أن] الغريض أشجى غناء، وابن سريج أحكم صنعة. قال بعض أهل العلم بالغناء: لو حكمت بين أبي يحيى (٦) وأبي يزيد لما فرقت بينهما، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق، فأما غير ذلك فلا، لأن أبا يزيد (٧) عنه أخذ ومن بحره اغترف، وكذلك قالت سكينة لما غنّى الغريض وابن سريج: (٨) [السريع]

стр. 4100

عوجي علينا ربّة الهودج والله ما أفرّق بينكما، وما أنتما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان، لا يدرى أي ذلك أحسن. قال يونس الكاتب: (١): أمر بعض أمراء مكة بإخراج المغنين من الحرم، فلما كانت الليلة التي عزم على النفي فيها، اجتمعوا في غدها إلى أبي قبيس (٢)، وكان معبد قد زادهم، فبدأ فغنّى: (٣) [الطويل] أتربيّ من عليا معدّ هديتما … أجدّا البكا إنّ التّفرّق باكر فما مكثنا دام الجميل عليكما … بثهلان إلا أن تزمّ الأباعر قال: فتأوه أهل مكة وأنّوا وتمحّصوا (٤)، واندفع الغريض يغني ويقول: (٥) أيها الرائح المجدّ ابتكارا (٦) [المديد] واندفع ابن سريج يغني ويقول: (٧) [الخفيف] جدّدي الوصل يا قريب وجودي … لمحبّ خياله قد ألمّا فاندفع الصراخ في الدور بالويل والحرب (٨)، واجتمع الناس إلى الأمير

стр. 4101

يستعفونه (١) [ص ١٣] من نفيهم فأعفاهم. قال أبو الفرج، أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال: حضرت شطباء المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم وهي تغني (٢): [الخفيف] ليس بين الرّحيل والبين إلا … أن تردّوا جمالهم فتزمّا فطرب علي بن جعفر وصاح: سبحان الله لا يكون قربه ولا يشدون ألا يعقلون بشعره (٣)، لا تسلمون على جار، هذه والله العجلة. قال إسحاق: بلغني أن سكينة حجّت، فدخل إليها ابن سريج والغريض، فقال لها ابن سريج: يا سيدتي إني كنت صنعت صوتا وحسّنته وتنوّقت (٤) فيه، وخبّأته لك في درج مملوء مسكا، فنازعنيه هذا الفاسق - يعني الغريض - وأردنا أن نتحاكم إليك فيه، فأيّنا قدّمته [فيه] تقدّم، قالت: هاته، فغناها: (٥) [السريع] عوجي علينا ربّة الهودج … إنّك إن لم تفعلي تحرجي فقالت: هاته أنت يا غريض فغناها إياه (٦)، فقالت لابن سريج: أعده، فأعاده، فقالت: أعده يا غريض، فأعاده، فقالت: ما أشبهكما إلا بالجديين الحار والبارد، لا أدري أيهما أطيب. قال إسحاق: ولي قضاء مكّة الأوقص المخزوميّ، فما رأى الناس مثله في عفافه

стр. 4102

ونبله، فإنه لنائم في جناح، إذ مرّ به سكران يغني: عوجي علينا ربّة الهودج فلم يجده، فقال له: يا هذا شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنّيت خطأ، خذه عنّي، فأصلحه له وانصرف. قال: خرج ابن أبي عتيق على نجيب له من المدينة، قد أوقره من طرفها المآرب (١) وغير ذلك، فلقي فتى من بني مخزوم مقبلا من بعض ضياعه، فقال: يا بن أخي أتصحبني؟ قال: نعم، قال المخزومي فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جزناها، فصرنا إلى قصر، فاستأذن ابن أبي عتيق، فأذن له، فدخلنا فإذا رجل جالس كأنه عجوز ويداه مختضبة لا شك في ذلك، فإذا هو الغريض قد كبر، فقال له ابن أبي عتيق: تشوّقنا إليك، وأهدى له ما كان معه، ثم قال: نحبّ أن نسمع: عوجي علينا ربّة الهودج فقال: ادعوا فلانة، جارية له، فجاءت فغنت، فقال لها: ما صنعت شيئا، ثم حلّ خضابه [ص ١٤] وغنّى: عوجي علينا ربّة الهودج فما سمعت أحسن منه، فأقمنا عنده أياما كثيرا، وخبّازه قائم، وطعامه كثير، ثم قال ابن أبي عتيق: إني أريد الشخوص، فلم يبق بمكة تحفة عدنيّ ولا يماني ولا عود إلا أوقر به راحلته، فلما رحلنا وبرزنا، صاح به الغريض: هى هى، فرجعت إليه، فقال: ألم ترووا عن النبيّ ﷺ : (يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفا على صورة القمر ليلة البدر)؟ فقال له ابن أبي عتيق:

стр. 4103

بلى، فقال: هذه (١) سنّ انتزعت فأحبّ أن تدفنها لي بالبقيع، فخرجنا والله ولم ندخل المدينة حتى دفناها بالبقيع. قال: خرج الغريض مع قوم فغناهم هذا الصوت: (٢) [الطويل] جرى ناصح بالودّ بيني وبينها … فقرّ بني يوم الحصاب إلى قتلي فاشتد سرور القوم، وكان (٣) معهم غلام فأعجبه، فطلب اليهم أن يكلّموا الغلام في الخلوة معه، ففعلوا، وانطلق مع الغلام حتى توارى بصخرة، فلما قضى حاجته أقبل الغلام إلى القوم، وأقبل الغريض يتناول حجرا حجرا ويقرع به الصخرة، ففعل ذلك مرارا، فقالوا: ما هذا يا أبا زيد (٤)؟ فقال: كأني بها وقد جاءت يوم القيامة رافعة ذيلها تشهد علينا بما كان منّا إلى جانبها، فأردت أن أجرّح شهادتها على ذلك اليوم، والشعر الذي غناه لعمر ابن أبي ربيعة: جرى ناصح بالودّ بينى وبينها … فقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي فقالت وأرخت جانب السّتر إنّما … معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها (٥) ما بي لهم من ترقّب … ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي قال الزبير (٦): رأيت علماءنا جميعا لا يشكون في أن أحسن ما يروون في

стр. 4104

حفظ السّرّ قول ابن أبي ربيعة: ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي قال المدائني: بلغني أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة، فلما بلغ إلى قوله: فقمن وقد أفهمن ذا اللّبّ أنّما … فعلن الذي يفعلن من ذاك من أجلي فصاح الفرزدق وقال: [هذا] (١) والله الشعر [الذي] (١) أرادته الشعراء فأخطأته وبكت الديار [ص ١٥]. قال مصعب الزبيري: اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه، فقالت سكينة: أنا لكنّ به، فبعثت رسولا إليه، ووعد [ته] الصّورين (٢) لليلة سمّتها له، فوافاها على راحلته ومعه الغريض، فحدّثهنّ حتى رأى الفجر وحان انصرافهن، فقال لها: والله إني لمشتاق إلى رسول الله ﷺ ، والصلاة في مسجده، ولكن والله لا أخلط زيارتكن بشيء، ثم انصرف إلى مكة، فقال: (٣) [البسيط] ألمم بزينب إنّ البين قد [أفدا] … قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا قد حلفت ليلة الصّورين جاهدة … وما على الحرّ إلا الصّبر مجتهدا لأختها ولأخرى من مناصفها … لقد وجدت به فوق الذي وجدا لعمرها ما أراني إن نوى نزحت … وهكذا الحبّ إلا ميّتا كمدا

стр. 4105

قال: يا غريض، إني أريد أن (١) أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه، ويبقى ذكره، فهل لك فيه؟ قلت: من ذاك ما أنت أهله، قال: إني قد قلت في الليلة التي كنا فيها شعرا، فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك، وأخبرهن أني قد وجهت بك عامدا، قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد لسكينة، وقال لها: جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي، إن أبا الخطاب - أبقاه الله - وجّهني إليك قاصدا، قالت: أو ليس في خير وسرور وبركة؟ قال: نعم، قالت: وفيم وجّهك أبو الخطاب حفظه الله؟ قال: جعلت فداك، إن ابن أبي ربيعة حمّلني شعرا، وأمرني أن أنشدك إياه، فقالت: هاته، فأنشدها: ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا الشعر كله، فقالت: يا ويحه ما كان عليه ألا يرحل في غد، فوجهت إلى النسوة، فجمعتهن وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئا؟ قال: قد غنّيته (٢) ابن أبي ربيعة، قالت: فهاته، فغناه الغريض، فقالت سكينة: أحسنت والله، وأحسن ابن أبي ربيعة ولولا أنك سبقت وغنيته ابن أبي ربيعة لأحسنّا جائزتك، يا بناتة، أعطه لكل [بيت] ألف درهم، فأخرجت بأبياته أربعة آلاف درهم، فدفعتها إليّ، وقالت سكينة: لو [ص ١٦] زادنا عمر لزدناك. قال محمد بن سلام: حجت (٣) عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فجاءتها الثّريّا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض ممن جاء، ودخل النسوة عليها، فأمرت لهنّ بكسوة وألطاف (٤) كانت قد أعدتها لمن

стр. 4106

جاءها (١)، فجعلت كل واحدة تخرج ومعها جاريتها تحمل ما أمرت لها به عائشة، والغريض بالباب، حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع، فقال الغريض: أين نصيبي من عائشة؟ فقلن له: أغفلناك وذهبت عن قلوبنا، فقال: ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها، فإنها كريمة، واندفع يغني بشعر جميل: (٢) [الطويل] تذكّرت ليلى والفؤاد عميد … وشطّت نواها والمزار بعيد فقالت: ويلكم، هذا مولى العبلات بالباب قد ذكر بنفسه، هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت، ثم قالت: لم أعلم بمكانك، ثم دعت له بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن غنّيتني (٣) صوتا في نفسي، فلك حكمك، فغنّاها في شعر كثير: (٤) [الطويل] وما زلت في ليلى لدن طرّ شاربي … إلى اليوم أخفي حبّها وأداجن وأحمل في ليلى لقلبي ضغينة … وتحمل في ليلى عليّ الضّغائن (٥) فقالت: ما عدوت والله ما في نفسي، ووصلته وأجزلت، قال إسحاق: فقلت لأبي عبد الله: فهل علمت [حديث] (٦) هذين البيتين؟ ولم سألت الغريض ذلك؟ قال: نعم، حدثني أبي قال، قال الشعبي: دخلت المسجد فإذا بمصعب بن الزبير على سرير جالس، والناس حوله، فسلمت، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه (٧)، ثم قال لي: إذا قمت فاتبعني،

стр. 4107

فجلس قليلا ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة، فتبعته، فلما طعن في الدار، التفت إليّ فقال: ادخل فاذا حجلة (١)، وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير، فقمت ودخلت الحجلة، فسمعت حركة، فكرهت الجلوس، ولم يأمرني بالانصراف، فاذا جاريته قد خرجت، فقالت: يا شعبي، إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة، ورفع سجف (٢) الحجلة، فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ورفع السجف الآخر، فإذا أنا بعائشة بنت طلحة، فلم أر زوجا قط كان أحسن منهما: مصعب وعائشة، فقال مصعب: يا شعبي، هل تعرف هذه؟ قلت: نعم [ص ١٧] أصلح الله الأمير، قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة، قال: ولكن هذه ليلى [التي] يقول فيها الشاعر: وما زلت في ليلى لدن طرّ شاربي ثم قال: قم إذا شئت، فقمت، فلما كان العشيّ رحت، فإذا هو جالس في المسجد على سرير، فسلمت عليه، فلما رآني قال: ادن مني، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، فأصغى إلي وقال: رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلت: لا والله، قال: أفتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا، قال: لتحدّث بما رأيت، ثم التفت إلى عبد الله بن فروة، فقال: اعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا، وانصرف، وما انصرف أحد بمثل ما انصرفت بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصار ثيابا (٣)، وبنظرة من عائشة بنت طلحة. قال: وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان أبا عذرتها، (٤) ثم هلك، وتزوجها مصعب

стр. 4108

ابن الزبير فقتل، ثم تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر، فبنى بها بالحيرة، ثم انصرف عن سبع مرات تلك الليلة، فلقيته مولاة له حين أصبح، فقالت: يا أبا حفص، كملت في كلّ شيء حتى في هذا، فلما مات ناحت عليه قائمة، ولم تنح على أحد منهم [قائمة]، وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها، علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده، فقيل لها: يا عائشة ما صنعت هذا بأحد من أزواجك، قالت: إنه كان أقرب مني قرابة، وأردت أن لا أتزوج بعده. قال: وقدم (١) يزيد بن عبد الملك مكة، فبعث إلى الغريض سرا، فأتاه فغناه بهذا اللحن في شعر كثير: (٢) [الطويل] وإنّي لأرعى قومها من جلالها … وإن أظهروا غشا نصحتهم جهدي ولو حاربوا قومي لكنت لقومها … صديقا ولم أحمل على قومها حقدي فأشير إلى الغريض أن اسكت، وفطن يزيد، فقال: دعوا أبا يزيد يغنيني بما يريد، فأعاد عليه الصوت مرارا، ثم قال: زدني مما عندك، فغناه في شعر عمرو بن شأس الأسدي: (٣) [الطويل] فوا ندمي على الشّباب وواندم … ندمت وبان اليوم منّي بغير ذم أرادت عرارا بالهوان ومن يرد … عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم [١٨] قال: فطرب يزيد وأمر له بجائزة سنيّة.

стр. 4109

قال إسحاق: فحدثت أبا عبد الله هذا الحديث، وكنا قد أخذنا في أحاديث الخلفاء، ومن كان يسمع الغناء، فقال أبو عبد الله: كان قدوم يزيد مكة وبعثه إلى الغريض سرّا قبل أن يستخلف، قلت له: فلم أشير إلى الغريض: اسكت حيث غنّاه: وإني لأرعى قومها من جلالها وما السبب في ذلك؟ قال: أنا أحدثك، حدثني أبي قال: كان عبد الملك بن مروان أشدّ الناس حبا لعاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأته، وهي أم يزيد بن عبد الملك، فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فأغلقته فشق غضبها على عبد الملك، وشكا إلى خاصته، فقال له عمرو بن بلال الأسدي: مالي عندك إن رضيت؟ قال: حكمك، فأتى [عمر] بابها، فجعل يتباكى، وأرسل إليها بالسلام، فخرجت إليه خاصّتها (١) وجواريها، فقلن: مالك؟ قال: فزعت إلى عاتكة في أمر رجوتها له، فقد علمت مكاني من (٢) أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده، قلن: ومالك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما، فقتل أحدهما صاحبه، وقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا الولي وقد عفوت، قال: لا أعوّد الناس هذه العادة، وقد رجوت أن يحيي الله ابني هذا على يدها، فدخلن عليها فذكرن لها ذلك، فقالت: فكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له؟ قلن: إذا والله يقتل، فلم يزلن (٣) بها حتى دعت ثيابها فأحضرنها، ثم خرجت نحو الباب، وأقبل جريج الحصيني (٤) فقال: يا أمير

стр. 4110

المؤمنين، هذه عاتكة قد أقبلت، قال: ويلك ما تقول، قد والله طلعت فأقبلت فسلّمت، فلم يردّ ﵍، فقالت: والله لولا عمرو ما جئت، تعدّى أحد ولديه على الآخر، وأردت قتل الآخر، وهو الولي، وقد عفا، قال: إني أكره أن أعّود الناس هذه العادة، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، قد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية، ومن أمير المؤمنين يزيد، وهو ببابي، فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها، فقال: هولك، فلم يبرحا حتى اصطلحا، ثم راح عمرو ابن بلال على عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف رأيت؟ قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك، قال: مزرعة بعبيدها (١) وما فيها وألف دينار، وفرائض لولدي وعيالي، قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك [١٩] فتمثل بقول كثير: (٢) [الطويل] وإني لأرعى قومها من جلالها ثم علمت (٣) عاتكة ما أراد، فلما غنّى يزيد بهذا الشعر، كره مواليه، إذ كان عبد الملك تمثّل به في أمّه. قال أبو عبد الله (٤)، واما خبره لما غنى بشعر عمرو بن شأس، فإن ابن الأشعث (٥) لما قتل، بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شأس، فلما ورد به، وأوصل كتاب الحجاج إليه، جعل عبد الملك يقرأه، وكلما شك في شيء سأل عرارا عنه فأخبره، فعجب عبد الملك

стр. 4111

من بيانه وفصاحته مع سواده، فقال عبد الملك متمثلا: (١) [الطويل] وإن عرارا إن يكن غير واضح … فإنّي أحبّ الجون ذا المنكب العمم فضحك عرار من قوله ضحكا غاظ عبد الملك، فقال له: ممّ ضحكت ويلك؟ قال: ألا تعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر؟ قال: لا، قال: فأنا والله هو، فضحك عبد الملك وقال: حقّ وافق حكمة (٢)، وأحسن جائزته وسّرحه. قال أبو عبد الله: وإنما أراد الغريض [أن] يغنّي يزيد بتمثيلات عبد الملك وسائر أموره. قال يونس الكاتب: حدثني معبد قال خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض وقد بلغني حسن غنائه في لحنه: (٣) [الطويل] وما أنس م الاشياء لا أنس شادنا … بمكّة مكحولا أسيلا مدامعه وقد كان بلغني أنه أول لحن صنعه، وأنّ الجنّ نهته أن يغنيه، لأنه فتن طائفة منهم من مكة لأجل ذلك وحسنه، فلما قدمت مكة سألت عنه فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب، فما كلمني أحد، فسألت بعض الجيران، فقلت: هل في الدار أحد؟ قالوا: نعم، الغريض، فقلت: إني قد أكثرت دقّ الباب فما أجابني أحد، قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب فلم يجبني، فقلت: إن نفعني غنائي يوما من الدهر نفعني اليوم، فاندفعت فغنيت لحني في شعر جميل: (٤) [الطويل]

стр. 4112

علقت الهوى [منها] وليدا فلم يزل … إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد فو الله ما سمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري وضاع تعبي، وجئت أطلب ما هو [ص ٢٠] عسير عليّ، واحتقرت نفسي، وقلت: لم يتوهمني (١) لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح بي: يا معبد، ابلغني أفهم، وبلّغ عنّي شعر جميل الذي تغنّي [فيه] يا شقي البخت، وغنى: (٢) [الطويل] ولا أنس م الأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوي أمصر تريد ولا قولها لولا العيون التي ترى … أتيتك فاعذرني فدتك جدود خليليّ ما أخفي من الوجد باطن … ودمعي بما قلت الغداة شهيد يقولون جاهد يا جميل بغزوة … وأيّ جهاد غيرهنّ أريد لكل حديث بينهن بشاشة … وكل قتيل بينهن شهيد قال: فلقد سمعت شيئا لم أسمع قط أحسن منه، وقصر إلى نفسي، وعلمت فضله عليّ، وقلت: إنه لحريّ بالاستتار من الناس ترفيها (٣) لنفسه، وتعظيما لقدره، وإن مثله لا يستحق الابتذال، ولا أن يتداوله الرجال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا، فلما كنت غير بعيد، إذا بصائح يصيح: يا معبد، انتظر أكلمك، فرجعت فقال لي: إن الغريض يدعوك، فأسرعت فرحا، فدنوت من الباب، فقال: أتحب الدخول، فقلت: وهل إلى ذلك من سبيل؟ فقرعت الباب، فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا الشمس طالعة في بيت، فسلمت، فردّ عليّ السلام، ثم قال: اجلس فجلست، فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجها وخلقا

стр. 4113

وخلقا، فقال: يا معبد كيف تطرّيت (١) إلى مكة؟ فقلت: جعلت فداك: وكيف عرفتني؟ قال: بصوتك، فقلت: وكيف ولم تسمعه قط؟ فقال: لما غنيت عرفتك، وقلت: إن كان معبد في الدنيا فهذا، فقلت جعلت فداك كيف أحسنت (٢) بقولك: ولا أنس م الأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوي أمصر تريد فقال: علمت أنك تريد تسمع صوتي: (٣) [الطويل] وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا … بمكة مكحولا أسيلا مدامعه فلم يكن إلى ذلك سبيل، لأنه صوت قد نهيت أن أغنيه، فغنيتك هذا الصوت، جوابا لما سألت، فقلت: والله ما عدوت ما أردت، فهل لك حاجة؟ فقال: يا أبا عبّاد، لولا ملالة الحديث وثقل إطالة الجلوس، لاستكثرت منك، فاعذر، فخرجت من عنده [ص ٢١] وإنه لأجل الناس عندي، ورجعت فما رأيت إنسانا هو (٤) أعظم منه في عيني، وذكرت جميلا وبثينة، فقلت: لئن أصبت إنسانا يحدثني بقصة جميل وقوله هذا الشعر، فسألت عن ذلك، فإذا الحديث مشهور، وقيل: إن أردت أن تخبر بما شاهدته فأت بني حنظلة فإن فيهم شيخا منهم يقال له فلان فيخبرك الخبر، فأتيت الشيخ فسألته فقال: نعم بينا أنا في إبل في الربيع إذا أنا برجل منطو على راحلته كأنه جان، فسلم عليّ ثم قال لي: ممن أنت يا عبد الله [فقلت]: أحد بني حنظلة، قال: فنسبني حتى بلغت فخذي الذي أنا منه، ثم سألني عن بني عذرة، فقلت هل ترى ذلك السفح (٥)

стр. 4114

فإنهم نزلوا من ورائه، قال: يا أخا بني حنظلة، هل لك في معروف تصنعه إلي؟ فو الله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق إليه من الإبل ما كنت أشكر مني لك عليه، فقلت ومن أنت اولا؟ فقال: لا تسألني من أنا ولا أخبرك [غير] أني رجل بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء (١) تجرّ خفّيها عبلاء واسمة (٢)، فإن ذكروا لك شيئا فذاك، وإلا استأذنتهم في البيوت وقلت: إن الصبي والمرأة يريان مالا يرى الرجال، فتنشدهم ولا تدع أحدا تصيبه عينك، ولا بيتا من بيوتهم، إلا وأنشدتها فيه، فأتيت القوم، فإذا بهم على جزور يقسمونها، فسلمت وانتسبت، وذكرت لهم ضالتي فلم يذكروا لي شيئا، فاستأذنتهم في البيوت، وقلت: إن الصبي والمرأة يريان ما لم ير الرجل، فأذنوا إليّ، فأتيت أقصى بيت، ثم استقريتها بيتا بيتا، فلا يذكرون لي شيئا حتى انتصف النهار وآذاني حرّ الشمس وعطشت، وفرغت من البيوت، وذهبت لأنصرف فحانت مني التفاتة فرأيت ثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء، إلا ما عند غيرهم، ثم قلت لنفسي سوءة ونوى زعم أن حاجته تعدل مالي، ثم أتيته فأقول: عجزت عن ثلاثة أبيات، فانصرفت عائدا إلى أعظمها بيتا، فإذا هو قد أرخى مقدمه ومؤخره، فسلمت فرد السلام، وذكرت لهم ضالتي، فقالت [جارية منهم] (٣) يا عبد الله، قد أصبت ضالتك، وما أظنك إلا وقد اشتد عليك الحر واشتهيت الشراب، فقلت: أجل فدخلت [الجارية] فأتتني بصحفة فيها تمر من [ص ٢٢] تمر هجر (٤) وقدح فيه لبن، والصفحة مضرية والقدح مفضض، لم أر إناء قطّ أحسن

стр. 4115

منه، فقالت: دونك، فأكلت وشربت من اللبن حتى رويت، ثم قلت: يا أمة الله، ما أنست اليوم أكرم منك، ولا أحقّ بالفضل، فهل ذكرت من ضالتي ذكرا؟ فقالت: أجل، ترى هذه الشجرة فوق الشرف (١)، قلت: نعم، قالت: فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها، فقمت وجزيتها الخير، وقلت: والله لقد تغدّيت وتروّيت، فخرجت حتى أتيت الشجرة، فأطفت بها، فو الله ما رأيت من أثر، فانصرفت إلى صاحبي، فإذا هو متّشح في الإبل بكسائه، ورافع عقيرته (٢) يغني، فقلت: السلام عليك، قال: وعليكم السلام، قال: ما وراءك؟ قلت: ما ورائي من شيء، قال: لا عليك، فأخبرني بما فعلت، قال: فقصصت عليه القصة، حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت، قال: قد أصبت ضالتك، فعجبت من قوله ولم أجد شيئا، ثم سألني عن صفة القدح والصفحة، فوصفتها له، فتنفّس الصعداء، ثم قال: أصبت طلبتك، ثم ذكرت له الشجرة وأنها رأتها تطيف بها، فقال: حسبك، فمكثت حتى إذا أوت إبلي إلى مباركها، دعوته إلى العشاء، فلم يدن، وجلس عني بمزجر الكلب، فلما ظنّ أنّي قد نمت رمقته، فقام إلى عيبة (٣) له، فاستخرج منها بردين، فأتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم انطلق عامدا نحو الشجرة، واستبطنت الوادي، فجعلت أحضر، حتى إذا خفت أن يراني انبطحت فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريبة من تلك الشجرة حيث أسمع كلامهما، فاستترت بهما، وأقبل حتى إذا كان غير بعيد، قالت: اجلس، فو الله لكأنه لصق بالأرض، فسلم عليها وسألها عن حالها أكرم سؤال ما سمعته قط،

стр. 4116

وأبعده عن كل ريبة، وسألته عن مثل مسألته، ثم أمرت الجارية فقربت إليه طعاما، فلما أكل، قالت: أنشدني ما قلت فأنشدها: (١) [الطويل] علقت الهوى منها وليدا فلم يزل … إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد ولم يزالا يتحدثان، ما يقولان فحشا ولا هجرا، حتى التفتت التفاتة فرأت الصبح قد طلع، فودع كل منهما صاحبه أحسن وداع سمعته، ثم انصرفا فمضيت إلى إبلي فاضطجعت، وكل واحد منهما يمشي خطوة ويتلفت إلى صاحبه، فجاء بعد ما أصبحنا، فرفع برديه ثم [ص ٢٣] قال: يا أخا بني حنظلة (٢)، حتى متى تنام، فقمت وتوضأت وصليت، وأعانني عليها وهو أظهر الناس سرورا، ثم دعوته إلى الغداء، فتغدينا ثم قام إلى عيبته ففتحها، فإذا فيها السلاح وبردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما، وقال: والله لو كان معي شيء ما ذخرته عنك، وحدثني حديثه وانتسب إليّ، فإذا [هو] جميل بن معمر، والمرأة بثينة، وقال لي: إني قد قلت أبياتا في منصرفي من عندها، فهل لك في أن أنشدها لك؟ قال نعم: (٣) ولا أنس م الأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوي أمصر تريد؟ الأبيات، ثم ودعني وانصرفت، فمكث حتى أخذت إبلي مراتعها، ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبردة وأتيت المرأة، فقلت: السلام عليكم، إني جئت أمس طالبا، وجئت اليوم زائرا، فتأذنون؟ فقالت: نعم، فجعلت جارية تقول: يا بثينة، عليه برد جميل، فجعلت أثني

стр. 4117

على ضيفي وأشكره، فقلت: إنه ذكرك فأحسن الذكر، فهل أنت بارزة [لي] حتى أنظر إليك، قالت نعم، فلبست ثيابها ثم برزت، ودعت لي بطرف، وقالت: يا أخا (١) بني تميم، والله ما ثوباك هذا بمشتبهين، ودعت بعيبتها وأخرجت لي ملحفة مروية (٢) مشبعة من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومنّ إلى كسر البيت لتخلعنّ مدرعتك (٣) ثم لتأتزرنّ بهذه الملحفة، فهي أشبه ببردك، فقمت ففعلت وأخذت مدرعتي بيدي فوضعتها إلى جانبي، وأنشدتها الأبيات فدمعت عيناها، وتحدثنا طويلا من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبردة جميل، ونظرة من بثينة. قال [معبد] فجزيت الشيخ خيرا وانصرفت من عنده، وأنا أحسن الناس حالا بنظرة من الغريض واستماع غنائه، وعلم بحديث جميل وبثينة، فيما غنيّت أنا به، وفيما غنّى به الغريض، على حق ذلك وصدقه، فما رأيت قط ولا سمعت بزوجين أحسن من جميل وبثينة، ومن الغريض ومنّي. قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة فأراد أن يأتي الطائف، فقال: هل من رجل عالم يخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة، قال: لا حاجة لي به، ثم دعا فسأل فذكروه إياه، فقال: هاتوه، فأتوا به، فركب [ص ٢٤] معه، ثم جعل يحدثه، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه، فإذا على ظهره أثر، فقال الوليد: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية لي، إذ جاءتني جارية برسالة جارية أخرى، فجعلت تسارّني، فعضّت التي كنت عندها منكبي، فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ما ترى، فضحك الوليد، فلما رجع عمر، قيل له: ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين؟ قال:

стр. 4118

ما زلنا في حديث الزّنا حتى رجع، وكان حمل الغريض معه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عندي أجمل الناس وجها وأحسنهم حديثا، فهل لك أن تسمعه؟ فقال: هاته، فدعا به، فقال له: أسمع أمير المؤمنين أحسن شيء قلته، فاندفع يغني بشعر جميل: (١) [الكامل] إني لأحفظ سرّكم ويسرّكم … لو تعلمين بصالح أن تذكري ويكون يوم لا أرى لك مرسلا … أو نلتقي فيه عليّ كأشهر يا ليتني ألقى المنيّة بغتة … إن كان يوم لقائكم لم يقدر ما كنت والوعد الذي تعدينه … إلا كبرق سحابة لم تمطر تقضى الديون وليس ينجز عاجلا … هذا الغريم لنا وليس بمعسر (٢) قال: فاشتد سرور الوليد بذلك وقال: يا عمر، هذه رقيتك، ووصله وكساه [وقضى] حوائجه. قال: وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك، أو عمر بن عبد العزيز ولم يتجاوزها، وكان موته باليمن، لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة، فهرب منه الغريض، فأقام باليمن واستوطنها مدة، ثم مات بها. قال عمر بن شبّة (٣): زعم المكيّون أنّ الغريض أتى بلادا من بلاد الجنّ، فغنّى ليلا: (٤) [مجزوء الوافر]

стр. 4119

هم ركب لقي ركبا … كما قد يجمع السّيل فصاح به صائح اكفف يا أبا مروان فقد سفّهت حلماءنا، وأصبيت سفهاءنا، قال: فأصبح ميتا. قال إسحاق، قال أبو قبيل: رأيت الغريض في عرس أو ختان لبعض مواليه، فقيل له: تغنّ، فقال: هو ابن زانية إن فعل، فقال له بعض مواليه: فأنت هو والله كذلك، قال: أفكذلك أنا؟ قال: نعم، قال: أنتم أعلم، ثم أخذ الدّفّ فرمى به ثم مشى مشية (١) [ص ٢٥]، لم أر أحسن منها، ثم غنّى: (٢) [الطويل] تشرّب لون الرّازقيّ بياضه … أو الزعفران خالط المسك رادعه فجعل يغنيه مقبلا ومدبرا حتى التوت عنقه، فخرّ صريعا، وما رفعناه إلا ميتا، فظنناه فالجا عاجله. قال إسحاق: وحدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال: إنما نهته الجنّ أن يغني هذا الصوت: (٣) [الطويل] وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا … بمكة مكحولا أسيلا مدامعه

стр. 4120

٥ - طويس (١) كان مشئوم الطلعة، مذموم السمعة، ما بشّر به، ولا بشّر بحظّ جليل، ورزء ليس بقليل، ومصاب أبات الناس بليل طويل، جرّب فصحّ أنّه مشئوم، وأن والدا ولده ملوم، وأنه ممن لو وضع الملح في الطعام لفسد منه، ولو أبصره إبليس لحيّاه، وقال: فديت من لا يفلح، لو مرّ بسوق النفاق لكسد، أو جاز الخمر الرحيق لفسد، أو دخل بين أخوين متحابّين لداخل كلّ منهما لأخيه الحسد، أو نظر نظرة في الطب لما قنع حتى يفرق بين الروح والجسد، فعجبا أن عد من أهل الإيمان، ووا أسفا إذ لم يبق في حرّ أمّه إلى آخر الزمان. قال ابن الكلبي: أول من غنّى بالعربيّ بالمدينة طويس، وهو أول من ألقى الخنث (٢) بها، وكان طويلا أحول، وكان لا يضرب بالعود، وإنما ينقر بالدف، وكان ظريفا عالما بالمدينة وأنساب أهلها، وكان يتّقى لسانه، قال: وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول الله ﷺ ، وفطم يوم مات أبو بكر، وختن يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل علي ﵃. قال: وكانت أمه تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة، قال: وأول غنائه وهزج

стр. 4121

هزجه: (١) [مجزوء الرمل] كيف يأتي من بعيد … وهو يخفيه القريب لاح بالشام عشاء … وهو مشكاك هبوب (٢) قد براني الحبّ حتّى … كدت من وجد أذوب وهذا البيت يسمى: الذائب. قال يونس: وكان أول من تغنّى بالمدينة [ص ٢٦] غناء يدخل في إيقاع طويس، قال ابن الكلبي: كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشيّ، فقيل لمروان [بن الحكم] إنه لا يقرأ من القرآن شيئا، فبعث إليه وهو بالمدينة يومئذ، فاستقرأه أمّ الكتاب، فقال: والله ما أقرأ البنات فكيف أمّهنّ؟ فقال: أتهزل لأمّ القرآن لا أمّ لك، فأمر به فقتل، وقال: من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير، فأخبر طويس فهرب من وقته حتى نزل السويداء على ميلين من المدينة، فلم يزل بها عمره، وعاش إلى ولاية الوليد بن عبد الملك. قال المدائني: كان عبد الله بن جعفر معه رفقة له في عشية من عشيات الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جود، فسال كل شيء، فقال لهم عبد الله [هل لكم] في العقيق وهو منزه أهل المدينة في أيام الربيع والمطر، فركبوا دوابهم، ثم انتهوا اليه، فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزبد مثل الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد الله لأصحابه: ليس معنا جنّة (٣) نستجنّ بها، وهذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس، فإنه قريب منا، فنستكن

стр. 4122

فيه فيحدثنا ويضحكنا، وطويس في النّظّارة يسمع كلام عبد الله بن جعفر، فقال له عبد الرحمن بن حسان: جعلت فداك، وما تريد من طويس عليه غضب اللّه مخنّث شائن لمن عرفه، فقال له عبد الله بن جعفر: لا تقل ذلك، فإنه خفيف مليح لنا فيه أنس، فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله، فقال لامرأته: ويلك، قد جاء سيدنا عبد الله بن جعفر فما عندك؟ قالت: نذبح هذه العناق (١)، وكانت عندها عنيّقة قد ربتها باللبن، واختبز [خبزا] رقاقا، فبادر ذبحها وعجنت هي، ثم خرج فتلقاه مقبلا إليه، فقال له طويس، بأبي أنت وأمي، هذا المطر (٢)، فهل لك في المنزل لتسكن فيه إلى أن تكف السماء؟ قال: إياك أريد، قال: فامض يا سيدي على بركة الله، وجاء يمشي حتى جلسوا [فتحدثوا] حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي، تكرمني إذ دخلت منزلي أن تتعشى عندي، قال: هات ما عندك، فجاء بعناق سمينة ورقاق، فأكل كل القوم حتى تملّئوا، وأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا أيديهم قال: بأبي أنت وأمي، أتمشّى لك وأغنّيك، قال: بلى يا طويس، فأخذ ملحفة فأتزر بها، وأرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربّع (٣) فتمشّى وغنّى: (٤) [المديد] [ص ٢٧] يا خليلي نا بني سهدي … لم تنم عيني ولم تكد (٥) كيف تلحوني على رجل … ابنه تلتذّه كبدي (٦)

стр. 4123

قال: فطرب القوم، وقال: أحسنت والله يا طويس، ثم قال: يا سيدي أتدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا أدري لمن هو، إلا أني سمعت شعرا حسنا، قال: هو لفارعة بنت ثابت [أخت حسان بن ثابت] وهي تتعشق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنكس القوم رؤوسهم، وضرب عبد الرحمن رأسه [على صدره] فلو شقّت له الأرض لدخل فيها. قال المدائني حدّثت أن طويسا تبع جارية فردعته، فلم ينقطع عنها، فلما جاوزت مجلس قوم وقفت وقالت: يا هؤلاء، لي صديق ولي زوج ولي مولى، فسلوا هذا ما يريد مني؟ قال: أضيّق ما وسّعوه. قال المدائني: وكان طويس مولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، فقلّ مجلس اجتمع [فيه] هذان الحيان فغنى طويس إلا وقع فيه شر. قال المدائني: قدم ابن سريج المدينة، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مر بهم طويس فسمع قولهم، فاستلّ دفّه ونقره وغنّى: (١) [مجزوء الكامل] إن المخنّثة التي … مرّت بنا قبل الصّباح في حلّة موشيّة … يمنية غرثى الوشاح (٢) زين لمشهد فطرهم … وتزينهم يوم الأضاحي فقال ابن سريج: هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا.

стр. 4124

٦ - يزيد حوراء (١) كان مطربا لو مزج بغنائه الماء لأسكر، أو قرع به المساء لما تنكر (٢)، أو قرن به القدماء وأنصف لم يكن معه أحد يذكر، ولهذا حسد حتى تحيّل (٣) عليه وتوصّل إلى ما لديه، فأخذ ما كان به يمتاز، وترك ما عنده شيء أحد يعتاز وعلى هذا كان مقدّما، وكان سامعه كأنما يفتح منه إناء مفدّما (٤). قال أبو الفرج: قدم على المهدي في خلافته فغناه، وكان حسن الصوت، مليح الشمائل، فذكر ابن خرداذبة [أنه بلغه أن] إبراهيم الموصلي حسده على شمائله وإشاراته في الغناء، واشترى عدّة جوار وشاركه [ص ٢٨] فيهن، وقال له: علمهن الغناء فما رزق الله من ربح فهو بيننا، وأمرهنّ [أن] يجعلن وكدهنّ (٥) أخذ إشاراته، ففعلن ذلك، وكان إبراهيم يأخذ عنهن (٦) هو وابنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفردا به في ذلك. قال إسحاق، قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش وكانت تمرّ بي جارية تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء، فقلت لها يوما افهمي قولي وردّي جوابي، وكوني عند ظني، فقالت: هات ما عندك، فقلت: بالله ما اسمك؟ قالت: ممنّعة، فأطرقت طيرة (٧) من اسمها مع طمعي فيها، ثم

стр. 4125

قلت: [بل] باذلة أو مبذولة إن شاء الله، فاسمعي مني، فقالت وهي تبتسم: إن كان عندك شيء فقل، فقلت: [الطويل] (١) ليهنك منّي أننّي لست مفشيا … هواك إلى غيري ولو متّ من حبّي ولا مانحا خلقا سواك مودّة … ولا قائلا ما عشت من حبّكم حسبي قال: فنظرت إليّ طويلا، ثم قالت: أنشدك اللّه أعن فرط محبّة أو اهتياج غلمة؟ فقلت لا والله إلا عن فرط محبة، فقالت: [الطويل] فو الله ربّ النّاس لا خنتك الهوى … ولا زلت مخصوص المحبّة من قلبي فثق بي فإني قد وثقت ولا تكن … على غير ما أظهرت لي يا أخا الحبّ (٢) قال: فو الله لكأنما أضرمت في قلبي نارا، فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني وأتفرج (٣) بها، ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا. قال عبد الله بن العباس الربيعي: كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن [الوجه] شكلا، لم يقدم علينا من الحجاز أظرف ولا أشكل منه، وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على ابن جامع، وكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبّه على تقدّمه وإحسانه، وكان يبعث ابنه إسحاق يأخذ عنه، وكان يزيد صديقا لأبي مالك التميمي الأعرج، ولا يكاد يفارقه، فمرض يزيد مرضا شديدا، فاغتمّ عليه الرشيد وبعث مسرورا مرات يسأل عنه، ثم مات، فقال أبو مالك: (٤) [الخفيف]

стр. 4126

لم يمتّع من الشّباب يزيد … صار في التّرب وهو غضّ جديد فكأن لم يكن يزيد ولم يش … ج نديما يهزّه التّغريد ٧ - عبد الرّحمن الدّفّاف (١) كان مغنّيا مغنيا، ومقربا للسّرور مدنيا، كان يحيي أطايب الطرب ويدني غرائب الرّغب، لظرفه إلى القلوب خلوص، وبطربه مثل رقص القلوص ما طرب وأبقى من أرب إلا أن الجدّ لم يقل من عثاره، ولم يقد ظباء الجلميين لأخذ ثاره. قال أبو الفرج: كان منقطعا إلى علي بن المهدي المعروف بريطة، قال عبد الصمد بن المعذل: غنّت جارية يوما بحضرة الرشيد: (٢) [المنسرح] قل لعلي يا فتى العرب … وخير نام وخير منتسب أعلاك جدّاك يا عليّ إذا … قصّر جدّ عن ذروة النّسب فأمر بضرب عنقها، فقالت: يا سيدي وما ذنبي؟ هذا الصوت علّمته والله وما أدري من قاله، ولا فيمن قيل، فعلم صدقها، فقال لها: عمّن أخذته؟ قالت: عن عبد الرحمن الدّفّاف، فأمر بإحضاره وقال: يا عاضّ بظر أمّه، تغنّي في شعر تفاخر [فيه] بيني وبين أخي؟ جرّدوه، فجرّدوه عن ثيابه، ودعا له بالسياط

стр. 4127

فضرب بين يديه مئة سوط (١). قال عبد الرحمن: دخلت يوما على [عليّ بن] ريطة، وستارته منصوبة، فعنّت جاريته: (٢) [الطويل] أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا … فلما كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا فقلت له: أرأيت إن غنّيتك هذا الصوت وفي (٣) تمامه زيادة بيت آخر (٤) أيّ شيء لي عليك؟ قال: خلعتي (٥) هذه، فغنّيته: فلم يحفظوا الودّ الذي كان بيننا … ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا قال: فنزع خلعته فجعلها عليّ، وأقمت عنده بقيّة يومي على عربدة كانت فيها. ٨ - ابن مسجح (٦) سابق أغرّ وسارق ما غرّ، أول من تفطن لغناء فارس، وكان له في بلاد العرب الفارس إلى بر من العجم (٧)، وألقى سمعه إلى أصواتها، وابتزّ أرواح طربها من

стр. 4128

لهواتها، ونقل ما تصوّر في خاطره من تلك الصور الأعجمية والتماثيل التي لا ترى للعيون العميّة، إلى أن أبرزها عربا أبكارا، وأسكنها أسماعا وأفكارا، وأدراها شمولا لا يسمع عليها إنكارا، ثم منه أدهقت آنيتها (١)، وسمعت قاصيتها [ص ٣٠] ودانيتها. قال أبو الفرج، قال هاشم بن المرّيّة: إن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح، وذلك أنه مرّ بالفرس وهم ينصّون (٢) المسجد الحرام، فسمع غناءهم بالفارسية، فنقله في شعر عربي، وهو الذي علّم الغريض وابن سريج. قال: وهو أول من غنى الغناء الثقيل، وعاش ابن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك. قال دحمان [الأشقر]: كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة، فقيل إن رجلا يقال له ابن مسجح قد أفتن فتيان قريش فأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيّره، ففعل، وتوجه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنيات في طريقه، فقال له: أين تريد؟ (٣)، فأخبره خبره، وقال: أريد الشام، قال له: فكن معي، فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها، فسألا عن أخص الناس بالامير قالوا: هؤلاء النفر من قريش من بني عمه، فوقف ابن مسجح عليهم، وسلم ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذممّ (٤)، فقال: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، قالوا: بل تجيء

стр. 4129

معنا أنت وضيفك فذهبوا جميعا إلى بيت المغنية، فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: (١) إني رجل أسود ولعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس فآكل ناحية، فاستحيوا منه، وبعثوا له بما أكل، فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك، ففعلوا، وأخرجوا جاريتين فجلستا على سرير قد وضع لهما، فغنتا إلى العشاء، ثم دخلتا، وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلست على السرير، وجلستا أسفل منها على يمين السرير وشماله، قال ابن مسجح: فتمثلت بهذا البيت: (٢) [الطويل] فقلت أصبح أم مصابيح بيعة … بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقامت وقالت: أيضرب مثل هذا الاسود فيّ الأمثال؟ فنظروا إليّ نظرا منكرا، ولم يزالوا بها [يسكنونها] حتى غنّت، فقلت: أحسنت والله، فغضب مولاها فقال: مثل هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال الرجل الذي أنا عنده: قم فانصرف [ص ٣١] إلى منزلي فقد ثقلت على القوم، فذهبت لأقوم، فتذمم القوم وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك، فأقمت، وغنّت، فقلت: أخطأت وأسأت، ثم اندفعت فغنيت الصوت، فقالت الجارية: هو والله أبو عثمان سعيد ابن مسجح، فقلت: إي والله أنا هو، ووالله لا أقيم عندكم، فوثب القرشيون، فقال هذا: تكون عندي، [وقال هذا تكون عندي]، فقلت: لا والله لا أقيم إلا عند سيدكم - يعني الرجل الذي أنزله عنده - وسألوه عمّا أقدمه، فأخبرهم الخبر، فقال له صاحبه: أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو (٣)؟ فقلت لا والله، ولكني أصنع حداء، قال له: إن منزلي بحذاء أمير المؤمنين فإن وقعت منه على طيب نفسه أرسلت إليك، ومضى إلى عبد الملك، فلما رآه طيّب

стр. 4130

النفس أرسل إلى ابن مسجح، فأخرج رأسه من وراء شرف القصر، ثم حدا، فقال [عبد] الملك للقرشي: من هذا، قال: رجل حجازي قدم عليّ، قال: أحضره، فأحضره فقال له: احد، فحدا، فقال له: هل تغني غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: غنّه فغنى فاهتز عبد الملك طربا، ثم قال: أقسم إن لك في القوم اسما كبيرا، فمن أنت؟ قال: أنا المظلوم، المقبوض ماله، المسيّر عن وطنه سعيد بن مسجح، قبض مالي عامل الحجاز ونفاني، فتبسم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش أن ينفقوا عليك أموالهم، وأمّنه ووصله، وكتب إلى عامله بردّ ماله وأن [لا] يعرض له. قال: ومن غنائه القديم الذي صنعه: (١) [الكامل] أسلام إنّك قد ملكت فأسجحي … قد يملك الحرّ الكريم فيسجح منّي على عان أطلت عناءه … في الغلّ عندك والعناة تسرّح (٢) إني لأنصحكم وأعلم أنه … سيان عندك من يغش وينصح وإذا شكوت إلى سلامة حبّها … قالت أجدّ منك ذا أم تمزح؟ ٩ - عطرّد (٣) وكان عطرّد عطاردّيا لبقا ذكيا ارضيا سماويا، كأنّه (٤) خلق للسرور وخبّئ لبلابل الصدور، وكان رحيب الباع، كثير الأتباع، لو لاطف الصخر لذاب، ولو

стр. 4131

حضر يوم الفراق لطاب، لو غنّى للجواد الممتدّ في طلقه لصفن (١)، او للميت - استغفر الله - لقام ينفض الكفن (٢)، لا يلذ إلا به الغزل، ولا يعد أحد من طبقته إلا إذا نزل. قال أبو الفرج، قال [ص ٣٢] إسحاق: كان جميل الوجه حسن الغناء، جيد الصنعة، طيب الصوت، حسن الرأي، فقيها قارئا للقرآن، وكان يغني مرتجلا، وأدرك دولة بني العباس، وبقي إلى ايام الرشيد، وكان معدّل الشهادة بالمدينة. قال إسحاق: ولي مسلمة بن عباّد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن مسلمة عطردا وهو بها مقيم، قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم، فأتى بابه ليلا فدقّ عليه، ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرّد إليه، فلما رآه ومن معه ارتاع، فقال لا ترع (٣): [الكامل] إنّي قصدت إليك من أهلي … في حاجة يأتي بها مثلي (٤) قال: وما هي أصلحك الله؟ فقال: لا طالبا شيئا إليك سوى … «حيّ الحمول بجانب العزل» (٥) قال عطردّ: [انزلوا] على بركة الله، ولم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.

стр. 4132

قال: ولي زيد الهاشمي المدينة، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا، وحبس عطرّد فيهم، وحضر لعرضهم، وشفع في عطرّد رجال من المدينة وأخبروه أنه من أهل الدين والمروءة، فخلّى سبيله، وخرج فإذا هو بالمغنّين قد أحضروا ليعرضوا، فرجع إليه عطرّد فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال نعم، قال: فلا تظلمهم فو الله ما أحسنوا شيئا منه قط، فضحك وأطلقهم جميعا. ١٠ - الأبجر (١) وكان ذا طرب يفرط في لجاجته، ويلهي العجول عن حاجته، ينهب حبّات (٢) القلوب نهبا، ويأخذ حباء الملوك غصبا، لو تغنّى ساعة عرفة لألهى الحجيج، أو ثبّى يوم منى لأكثر الضجيج، لو قدمت الخمس الظوامي وهو يترنم إلى الماء، لطوت جوانحها على الغلل الظماء (٣)، وكان لا يرى إلا في هيئة تسرّ المبصر، وتسوّل للغويّ (٤) أنه لا يقصر. قال أبو الفرج، قال إسحاق: لم يكن أحد أظرف منه، ولا أحسن هيئة منه، كانت حلته بمائة دينار، وكان يقف بين المأزمين (٥) ويرفع صوته، فيقف الناس له ويركب بعضهم بعضا.

стр. 4133

قال إسحاق: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قرب من التنعيم (١)، فإذا عسكر جرّار قد أقبل في آخر الليل، وفيه دواب تجنب وفيها [ص ٣٣] فرس أدهم [سرج] حليته ذهب، فاندفع يغنّي: (٢) [الطويل] عرفت ديار الحيّ خالية قفرا … كأنّ بها لما توهمتها سطرا فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا، وصاح صائح: ويحك أعد الصوت، فقال: لا والله، إلا بالفرس الأدهم، بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار، وإذا الوليد بن يزيد صاحب العسكر، فنودي أين منزلك؟ ومن أين أنت؟ قال: أنا الأبجر، ومنزلي على رأس زقاق الخرازين، فغدا إليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت من ثياب وشي وغير ذلك، ثم أتى به الوليد فأقام عنده وقام مع أصحابه عشية التروية (٣)، وهو أحسنهم هيئة وخرج معه إلى الشام. قال عمر بن حفص بن كلاب: كان الأبجر مولانا، وكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يوما: أسمعوني غناء ابن عائشتكم هذا، فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت ابن هفان (٤)، فغنّى ابن عائشة، فقال الأبجر: كل مملوك لي حر إن غنّيت معك إلا بنصف صوتي (٥)، ثم أدخل إصبعه في شدقه، ثم غنّى، فسمع صوته من في السوق فحشر النّاس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما، قال: وكان ابن عائشة حديدا (٦) جاهلا.

стр. 4134

قال إبراهيم بن المهدي: حدثني ابن أشعب عن أبيه قال: دعا الوليد بن يزيد ذات يوم المغنين، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني معهم، قال: لم أؤمر بذلك، وإنما أمرت بإحضار المغنّين، وأنت بطّال (١) لا تدخل فيهم، فقلت له: والله أنا أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنيت، فقال: لقد سمعت حسنا، ولكني أخاف، فقلت: لا خوف عليك ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟ قلت: كل ما أصبته فلك شطره، فقال للجماعة: اشهدوا عليه، فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد وهو خاثر (٢) النفس، فغناه المغنون في كل فن من ثقيل وخفيف، فلم يتحرك ولا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره وبأي شيء هو خاثر النفس، فقال: بينه وبين امرأته كلام، لأنه عشق اختها فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف لها لا يذكرها بمراسلة ولا بمخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها، وعاد الأبجر إلينا [ص ٣٤] فما استقر به مجلسه حتى اندفع يغني: (٣) [الطويل] فبيني فإني لا أبالي وأيقني … تصاعد باقي حبّكم أم تصوبا ألم تعلمي أني عزوف عن الهوى … إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا فطرب الوليد وارتاح، وقال: أصبت والله يا عبيد [الله] ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس، وثبت وقلت: يا أمير المؤمنين إن أمرت من يضربني مئة الساعة، فضحك ثم قال: قبحك الله، وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول، فأريد أن أضرب مئة ويضرب بعدي مئة، فقال: لقد ألطفت، بل

стр. 4135

أعطوه مئة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا، عوض الخمسين التي (١) أراد أن يأخذها ابن اشعب، فقبضها وقمنا، فما حظي أحد بشيء غيري وغير الرسول (٢). قال إسحاق: حدّثت أن الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا، ثم دخل الطواف، فلقي عطاء بن أبي رباح يطوف، فقال له: يا أبا محمد اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض، فقال له: ويحك، في هذا الموضع، فقال: كفرت برب هذه البنيّة لئن لم تسمعه مني سرّا إن لم أجهر به، فقال: هاته، فغناه: (٣) [السريع] عوجي علينا ربّة الهودج … إنك إن لم تفعلي تحرجي في الحجّ إن حجّت وما ذا منى … وأهله إن هي لم تحجج فقال له عطاء: الخير كله في منى وأهله، حجّت أو لم تحجّ فاذهب الآن. قال: وختن عطاء بنيه أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغني [لهم]. ١١ - فريدة (٤) وكانت فريدة جمال، ووحيدة كمال، وبديعة حسن وإحسان، وفصيحة عود ولسان، ربيبة خدر، وشبيهة بدر، ومتقنة لطرب، ومحسنة لا يقاس بها من
следующие страницы →